أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد باسل سليمان - امهات المطابع واثرها في نشوء الثقافة الفلسطيني















المزيد.....



امهات المطابع واثرها في نشوء الثقافة الفلسطيني


محمد باسل سليمان
الحوار المتمدن-العدد: 2172 - 2008 / 1 / 26 - 10:46
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


عاشت فلسطين نفس الظروف التي عاشتها أقاليم الدولة التركية؛ وأثرت في حياة مجتمعها منظومة القوانين والأنظمة التي كانت إدارات الولايات تحكم بموجبها، فكان من الطبيعي أن تغدو مدن ولاياتها بالحالة التي كانت د. وإذا كانت قد ظهرت بعض المظاهر الاستثنائية في المجاقافي (مجازاً) في بعض السنين؛ فمرد ذلك يعود للوفادات الدينية من مؤمني الديانات السماوية الثلاث التي كانت تحج إلى فلسطين وتقيم فيها وفق تقليد يعرف بوصف المجاورة "أي الإقامة إلى جوار المقدا"، حيث تنقل هذه الوفادات بعض قيم الحضارة في بلدانها وعادات شعوبها وعاداتها وطقوس حياتها ومفاهيم عيشها، والتي ربما كان من بينها حمل الكتب واقتناؤها، وما يعنيه ذلك من احتمال وصول بعض الكتب الدينية المطبوعة مع أولئك الحجيج ووضعها في الاستعمال العام للمصلين بما وفر فرصة خاصة للمواطنين (العثمانيين) في ولاية القدس مثلاً للاطلاع على كتاب مطبوع والتمتع بسهولة قراءته قبل غيرهم من المواطنين (العثمانيين) في ولاية عربية أخرى.
ومع أنه لم يستدل على وقائع موثقة على هذا الصعيد بعد، إلا أن الافتراضات المنطقية حول هذا الموضوع تتمتع بدرجة من القوه تبلغ حد أهلية التأكيد على ذلك؛ خصوصاً وأن الحجيج المسيحي واليهودي إلى فلسطين متواصل، وأن القوانين العثمانية أجازت لأتباع الديانة اليهوية من الرعايا العثمانيين إنشاء المطابع وطباعة الكتب التي يرغبون فيها.
وفي هذا السياق يجدر القول إنه كانت إنتاجية "المطبعة العربية الأولى" التي صنعت في براشوفا في رومانيا عام 1700؛ وشغلت لأول مرة في البلاد العربية في مدينة حلب عام 1706، مقتصرة تماماً على الكتب الدينية. وكذلك الحال كانت إنتاجية "المطبعة العبرية الأولى" التي أنشأها في استنبول الرابي إسحق جرسون في أواخر القرن الخامس عشر؛ وطبعت أول كتاب عام 1490، مقتصرة على الكتب الدينية أيضاً(1).
ويذكر بعض رجال الدين المسيحيين معطيات هامة في هذا الاتجاه؛ فيشيرون إلى "أن واجبات النسخ التي كانت تشكل أحد أهم بنود أجندة الخدمة اليومية للرهبان في الأديرة والكنائس غالباً ما كانت تتم نقلاً عن مخطوط منسوخ باليد؛ ولكنها في بعض الأحيان القليلة كانت تتم نقلاً عن كتاب مطبوع أيضاً. وغالباً ما احتوت مكتبة البطريرك أو المطران أو رئيس الدير مهما كانت درجته الدينية على أجمل وأهم المخطوطات الأصلية أو المنسوخة، وكذلك أفخم وأندر الكتب بما فيها الكتب المطبوعة باللغة العربية. وفي مناسبات عديدة كانت الفعاليات الروحية المسيحية تشير إلى أن الكتب الدينية باللغة العربية وصلت إلى البلاد منذ أكثر من 400 سنة بواسطة بعض الحجاج كتقدمة شخصية أو كتقدمة رسمية من بعض الكنائس الأوروبية؛ وخصوصاً الإيطالية، وأن هذه الكتب المطبوعة كانت مرجعية النص المنسوخ بواسطة الرهبان، وخزانة تزويد رجال الدعوة بما يحتاجون من معارف في أصول دينهم وحال دنياهم".(2)
وما يمكن الاقتناع به بدون حاجة لإيراد الأدلة وتقديم البراهين هو أن الناس من أتباع الديانة الموسوية في فلسطين قد عرفو (باللغة العبرية طبعاً) في وقت مبكر من عمر الطباعة باللغة العبرية، وأن أول الكتب التي عرفوها مكتوبة بواسطة أسلوب الطباعة هو كتاب التوراة، وربما تلته بعد ذلك معرفة كراريس وكتيبات صلوات وأدعية مطبوعة في المطبعة العبرية الأولى في استنبول، وذلك لحاجة السكان الفلسطينيين اليهود لهذه الكتب؛ وما يترتب على استشعار هذه المسؤولية إزاء توفير هذه الحاجة من ناحية، ونظراً لإمكانية الاتصال والتواصل بين القدس واستنبول فكلاهما في نطاق الدولة العثمانية.
وما هو مؤكد أيضا أن الكتب المطبوعة التي عرفها الفلسطينيون اليهود كانت دينية محضة؛ وذلك لأن الفلسطينيين اليهود كانوا على غرار أترابهم من اتباع هذه الديانة في الولايات العربية الأخرى في الدولة العثمانية، لا يعرفون من اللغة العبرية إلا نصوص التوراة وأدعية الصلوات. وكانت امتلاكاتهم من مفردات اللغة العبرية دينية ولا تلبي أي شرط من شروط التخاطب الحياتي الدنيوي، ولم يكن لهم من لغة سوى اللغة العربية باعتبارها لغتهم القومية.(3)
ويذكر الأب إبراهيم عياد أن نظام الخدمة الرعوية المعمول به في كنائس الشرق والذي تجري بموجبه عمليات انتقال المراتب الدينية المسؤولة من كنيسة الطائفة في مدينة ما إلى أخرى في إطار البلد الواحد، وكذلك من بلد عربي لآخر بهدف الحرص على خدمة الرعية والارتقاء بأوضاعها، كان يجيز للمراتب العليا خصوصاً، أن ينقلوا معهم أشياءهم بما فيها الكتب الخاصة بهم، أو تلك التي يرون أن حملها معهم ضرورة لأغراض الخدمة الرعوية. وهذا الأمر يجيز موجبات الاستنتاج بأن فرصاً ما كانت قد وفرتها الكنيسة لتعرّف بعض الفلسطينيين على الكتب المطبوعة قبل دخول الطباعة إلى فلسطين. كما أن تحمل الأديرة والكنائس؛ وخصوصاً منذ أواسط القرن التاسع عشر مسؤوليات تعليمية واسعة في فلسطين أسوة بباقي الديار الشامية الأخرى، مكّن الفلسطينيين من التعرف المبكر نسبياً على الكتاب المطبوع،(4) وعلى الفرق بينه وبين الكتاب المخطوط أو الكتاب المنسوخ. وقد شكّل هذا التعّرف في مراحله اللاحقة عناصر اهتمام بالطباعة مهّدت في تسريع دخولها إلى البلاد.(5)

بدايات ملتبسة
كانت فلسطين تتمتع بمكانة دينية رفيعة أهلتها على مر العصور لأن تضطلع بدور حضاري متميز؛ إلا أنها لم تكسب شرف السبق في انطلاقة الطباعة من أرضيها لأسباب موضوعية؛ وذلك رغم إثارة بعض المصادر بشكل عابر وغير موثق إلى أن الطباعة قد دخلت إلى فلسطين منذ منتصف القرن السادس عشر الميلادي. ولكن المَقر به تاريخياً أن فلسطين سجلت لنفسها مأثرة ولادة الطباعة الثانية في الديار الشامية؛ وذلك بعد أن كانت قد توقفت في تلك الديار بدءاً من عام 1789 على أثر وفاة السيد نيقولا زيادة الجبيلي المشهور باسم "أبو عسكر"، وإغلاق مطبعته المعروفة باسم "مطبعة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس" الكائنة في بيروت بسبب ذلك؛ برغم أنها كانت حينذاك المطبعة الوحيدة في الديار الشامية(6). وبسبب هذا التوقف ظلت ولايات سوريه جميعها بدون مطابع، وعاد أمر الحصول على الكتب مقتصراً على ما تسمح به الظروف من فرص لاستيراد بعض الكتب والمطبوعات من الخارج.
ظل الوضع قائماً هكذا في الديار الشامية حتى عام 1830 حيث تأسست أول مطبعة في القدس؛ وكانت مطبعة يهودية يملكها نسيم باق، وقد عرفت باسمه. وقد اقتصرت بواكير أعمالها الطباعية الأولى على طباعة الكتب الدينية. ولم يستدل من المعطيات التاريخية على أنها قامت بطباعة أية كتب أو مطبوعات دنيوية، كما لم يعرف ما إذا كانت تلك المطبعة قد قامت بطباعة أية مطبوعات باللغة العربية.
ويذكر شاهين مكاريوس في مقاله بعنوان "المعارف في سوريه" المنشور في مجلة المقتطف (ج8، السنة السابعة، آذار 1883) أن مطبوعات مطبعة نسيم باق لاقت رواجاً واسعاً ونجاحاً كبيراً على الرغم من المنافسة الشديدة التي واجهتها من الناسخين الذين رفضوا مبدأ الكتابة بأسلوب الطباعة وشهّروا به وطعنوا في دقة نصوصه، واستمروا على عناد موقفهم المعارض للطباعة في القدس لفترة طويلة، ولكنهم رضخوا أخيراً للأمر الواقع بعد أن قامت مطبعة أخرى وأسست مع من سبقتها لرسوخ الطباعة في فلسطين.
وما يمكن استنتاجه من الوقائع التاريخية أن ملكية الطباعة في فلسطين ظلت حتى عام 1846 مقتصرة على الفلسطينيين اليهود دون غيرهم من أتباع الديانات الأخرى من الفلسطينيين. وبسبب ما عرفوه من أهمية للطباعة على الصعيدين التجاري والثقافي فقد امتلكوا 5 مطابع من إجمالي عدد المطابع التي كانت قائمة في الديار الشامية والذي كان يبلغ 30 مطبعة في السنوات الأولى من النصف الثاني للقرن التاسع عشر. وقد أهلت هذه الملكية الفلسطينيين اليهود للريادة في العمل الصحافي أيضاً في فلسطين؛ حيث صدرت أول صحيفة في القدس عام 1862 وكانت صحيفة عبرية يملكها يحائيل برويل، وقد عرفت باسم هالبانون، وكانت تهتم بنشر بعض المواضيع الدينية إضافة لمواضيع أخرى.(6)
ويذكر الأب لويس شيخو في مقالة له بعنوان "تاريخ الطباعة في الشرق" نشرت في "مجلة المشرق" البيروتية بتاريخ 1900/2/15أن المطابع في الديار الشامية قامت بموجب فتوى شيخ الإسلام عبد الله أفندي الصادرة عام 1716 ولكن المعطيات أشارت إلى وجودها قبل ذلك بشكل رسمي أو غير رسمي؛ حيث أن محدودية إنتاجيتها وضيق مساحة تداول الكتب التي تطبعها، جعلها بعيدة عن اهتمامات رقابة الولاة وعدم اكتراثهم بمشروعية عملها أم عدمها.
وإذا كان هذا الأمر يضفي مزيداً من الالتباس على حقيقة تاريخ ميلاد الطباعة الفعلي، فإنه في فلسطين يزداد غموضاً، خصوصاً وأن هناك منطقاً في الافتراض بأن الفلسطينيين اليهود ربما حاكوا اهتمامات أخوتهم في العقيدة من الأتراك اليهود في استنبول فسعوا إلى إقامة مطبعة دينية لهم قبل نسيم باق، وذلك بالاستناد إلى فرمان السلطان بايزيد الثاني لعام 1485 الذي يجيز للرعايا العثمانيين من أتباع الديانة اليهودية إقامة مطابع لهم. ولكن هذا الالتباس الذي يبلغ درجة الغموض لجهة تحديد تاريخ بدء الطباعة في فلسطين واحتمال قيامها قبل عام 1830، يمكن رؤيته من جانب آخر وقد تمتع بملامح إيجابية مثلت في حدها الأدنى عدم إعاقة ظهور الطباعة في الوقت المناسب؛ ووفر للطباعة وللقائمين عليها الأسلحة التي واجهوا بها النزعة المحافظة عند الُنسّاخ، فرسّخوا أسلوب الطباعة كحقيقة في فلسطين.

المطابع الأولى
تخلف ظهور الطباعة في فلسطين أربعة قرون تقريباً على اكتشافها، ولم يكن لمعرفتها ولاستعمالها وحتى انتشارها في بعض البلدان العربية صدى سريعاً، ولا حتى قوياً في فلسطين مثل غيرها من الأقاليم المجاورة (باستثناء ولاية دمشق التي كان واقع الطباعة فيها أدنى كثيراً مما هو عليه في ولاية القدس). ومع أن الأسباب التي منعت السلطات العثمانية من الاستجابة لاستحقاق اكتشاف الطباعة كحدث حضاري تاريخي، كانت في الأساس دينية إسلامية؛ فإن الأسباب التي وقفت وراء ظهورها في فلسطين كما تشير إليه المراجع التاريخية حتى الآن هي دينية يهودية ودينية مسيحية. وتشير هذه المراجع إلى أن المطابع الأولى كانت معنية في الأساس بطباعة الكتب الدينية، وإن تلك المطابع قد أنشأت بمبادرات من المسؤولين في الكنائس والأديرة المسيحية. وأنشأت المطابع العبرية باهتمامات من الفعاليات اليهودية لأغراض دينية. ومع ذلك يمكننا القول أن تلك المطابع قد أسهمت بشكل رئيس في ترسيخ الطباعة في فلسطين وبتطوير الكتاب العربي؛ وذلك نظراً للعناية التي أولتها المستويات الإدارية لتلك المطابع من اهتمام إضافي بتطويرها وبالتبشير للطباعة ولأهميتها في الثقافة وفي تحضير المجتمع وتوفير سبل تطوره في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ومع أن تلك المبادرات والاهتمامات قد أعطت المطابع ألواناً طائفية أو هوية دينية، فإنها قد شجعت على أن يقوم بجانبها وبمنافستها مطابع ذات صفة ملكية شخصية. وهذا الأمر أمكن ملاحظته بسهولة من متابعة ما أوردته المراجع التاريخية من معلومات عن نشوء المطابع وتزايد عددها الذي يبدو حتى الآن لغزاً محيراً لم تتمكن المتابعات من فكّه والوقوف على حقيقته.
إن المعلومات على هذا الصعيد تركز على نشوء المطابع في القدس وتزايد أعدادها وتطورها إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ولكن دون أن تحددها بشكل حصري، وتغفل من جانب آخر حتى الآن وجود مطابع أخرى في مدن أخرى، خصوصاً وأن بعض المعطيات تشير إلى مثل ذلك. وبهذا الخصوص فقد ورد في الجزء الأول من كتابنا "تاريخ الصحافة الفلسطينية" أن سلنامة معارف لسنة 1316 هجرية الموافق لسنة 1314 مالية والمنشور باللغة التركية قد تضمنت جداول المطابع في لواء القدس الشريف؛ وفيها أنه كان إلى جانب مطابع الإرساليات والرهبانيات يوجد في الأزقة الضيقة التي في القدس القديمة، وفي حيفا، وفي يافا، مطابع عربية خصوصية. ولكن منذ صدور ذلك الكتاب في عام 1987 وحتى اليوم لم تمكنني المتابعات وجميع أشكال التنبيش والتفتيش من العثور على شيء يذكر على هذا الصعيد. وكل ما أمكن الحصول عليه من هذه الأبحاث والتحريات والمتابعات يتمحور حول (نتف) قليلة من الوقائع الصغيرة والمعلومات المحدودة عن المطابع التي كانت قائمة في القدس دون غيرها. ولكن هذه المعلومات القليلة والمحدودة لعبت دوراً مهماً في التأكيد على أن مطابع البدايات كانت مؤهلة لأن تؤسس لنشوء حركة الطباعة في فلسطين؛ خصوصاً وأن قيام تلك المطابع وتمكنها من توفير عوامل استمرارها قد ترافق في التزامن مع تنشط الحركة الإرسالية التبشيرية في فلسطين وفي غيرها من الأقاليم الشامية، وتزايد اهتمام مختلف الكنائس الأوروبية بالمشاركة في هذا النشاط الدعووي والتبشيري للمذاهب المسيحية. لقد واجهت الإرساليات التبشيرية مصاعب كبيرة كانت قدرتها على عرقلة عمل تلك الإرساليات قد فاقت توقعاتها بكثير، وذلك لأسباب تتصل بمدى الجهل والتخلف الذي كانت ترزح تحت وطأته البلاد، خصوصاً في مجالات الثقافة العامة والصحة والتعليم وندرة وجود الكتب، وعدم وجود المطابع. وقد رأى الرهبان الفرانسيسكانيون أن رسالتهم لن يكتب لها النجاح؛ ولن يتمكنوا من بث تعاليمهم بين المسيحيين المنتشرين في فلسطين والبلاد العربية المجاورة لها؛ بسبب وجود هذه المصاعب.
وكان أول ما توافق عليه الرهبان الفرانسيسكانيون لمواجهة هذه المشاكل هو البدء باستيراد كتب التدريس من الخارج والشروع بإقامة مطبعة في القدس مكرّسة لخدمة أغراض الإرسالية. وفعلاً أقام الراهب النمساوي سبستيان فروتخنر بتشجيع ودعم من الإمبراطور جوزيف الأول المطبعة في القدس عام 1846، وذلك بعد أن أستوردها ومعداتها وحروفها من النمسا. وكانت باكورة أعمال هذه المطبعة طباعة كتاب "التعليم المسيحي" الذي صدر باللغتين العربية والإيطالية. وبعد فترة من العمل تبين للمشرفين على المطبعة أن الحروف التي يستعملونها ليست جيدة، فقرروا استبدالها بالحرف الاستنبولي الذي استوردوه من بيروت؛ بمقاسات مختلفة لجميع الحروف المسبوكة في المطبعة الكاثوليكية ببيروت، وتوقفوا عن استيراد الحروف من النمسا. وكان الرهبان الفرانسيسكانيون يزودون مطبعتهم بين حين وآخر بأدوات الطباعة الحديثة، خصوصاً وأنه كان فيها قسم للطباعة الحجرية. ولما توسعت أعمال المطبعة رأى المشرفون عليها أن ينشئوا فيها قسماً لسبك الحروف ليستغنوا عن الحروف التي اخذوا يستوردونها من مصانع سبك الحروف في بيروت، كما اخذوا في الوقت نفسه يزودون مطابع فلسطين بما تحتاجه من الحروف التي يسبكونها في مطبعتهم في القدس. وفي مرحلة لاحقة أضيف للمطبعة قسم للتجليد زود بأحدث الآلات. كما طورت المطبعة نفسها بإدخال المحركات التجارية في التشغيل بدلاً من اليد أو القدم، ثم استبدلت هذه المحركات بأخرى تعمل بالبترول، ولاحقاً حلت محلها محركات تدار بواسطة الكهرباء.
وجددت المطبعة آلاتها عام 1900 وذلك عندما تولى إدارتها الأب الألماني هنري كرتسمان الذي استورد من أوروبة 14 آلة جديدة، وهو الأمر الذي مكّنه من إدخال الطريقة الجديدة في سبك الحروف.
وكانت المطبعة تنشر كتباً باللغات العربية والتركية والأرمنية والعبرية واليونانية والفرنسية والإيطالية، واعتباراً من هذه السنة 1900 أصبحت هذه المطبعة من أكبر المطابع الشرقية التي تماثل المطابع الأوروبية من كل الوجوه بدءاً من أدوات طبع الحروف والحجر والمسابك؛ مروراً بماكينات التحريك، وانتهاء بالمقاطع وآلات التنحيس والصقل والتذهيب والتجليد وغيرها. وكما ذكرنا سابقاً فقد أدار المطبعة في البداية رهبان نمساويون ثم أدارها بعدهم ثلاثة من الرهبان الإيطاليين ثم أدارها الأب دومينيك البلجيكي، ثم تسلم الإدارة من بعده الأب هنري كريتسمان الذي عرفت المطبعة في عهده معنى الحداثة والتطوير. وقد طبع في هذه المطبعة كتب كثيرة من اختصاصات مختلفة بلغ عددها حتى عام 1883 حوالي 103 كتب البعض منها مجلدات. وكانت موضوعات معظم هذه الكتب تتمحور حول القضايا الدينية والمسائل التبشيرية بالدرجة الأول، ثم حول الموضوعات المدرسية واللغوية في الدرجة الثانية، ثم حول الموضوعات الأدبية بالمدلول القديم لكلمة الأدب في الدرجة الثالثة.(7)
وأقامت إحدى المؤسسات الإنجليزية التي كانت قد وفدت إلى فلسطين بهدف التبشير مطبعة لها في القدس عام 1848 وأسمتها "مطبعة لندن". وقد كرست هذه المطبعة اهتمامها لطباعة الكتب الدينية وخصوصاً الإنجيل، بهدف نشره بين اليهود الفلسطينيين. وكانت تطبع بمعدل كراس شهري ديني، إضافة إلى عدد من الإعلانات الدينية. ومن أهم الكتب التي طبعتها عام 1892 كتاب "تاريخ الكنيسة".
أقام الأرمن الغريغوريون عام 1848 المطبعة الأرمنية ووضعوها في دير الأرمن المجاور لجبل صهيون. وكانت هذه المطبعة تطبع الكتب وكراريس الصلوات باللغتين الأرمنية بالحرف الأرمني؛ والتركية المكتوبة بالحرف الأرمني. وقد عاشت هذه المطبعة أكثر من 40 عاماً، وقد طبعت خلالها أكثر من 115 كتاباً بكميات مختلفة وبلغات مختلفة.
وفي أواخر عام 1849 أوعز البطريرك الأرثوذكسي كيرلس الثاني إلى "جمعية القبر المقدس" اليونانية بإقامة مطبعة للكنيسة في مقر البطريركية الأرثوذكسية في القدس. وذكرت صحيفة المشرق البيروتية في عددها رقم 2 السنة 5 عام 1903 في مقال بعنوان "تاريخ الطباعة في الشرق"، أن المطبعة الأرثوذكسية عاشت حتى بلغت القرن العشرين ونشرت عدداً من الكتب المدرسية والكنسية وباللغتين العربية واليونانية. وبشكل محدد فقد طبع في هذه المطبعة منذ تأسيسها وحتى عام 1883 ما يقارب 36 كتاباً باللغة العربية و29 كتاباً باللغة اليونانية.
وفي النصف الثاني من القرن 19 أنشأت Church Missionary Society البروتستانتية في القدس مطبعة صغيرة لها، وكانت تقوم بطباعة الكراريس والإعلانات الدينية.
وفي عام 1879 أنشأت جمعية المرسلين الكنائسية الإنجليزية مطبعة لها في القدس، وكانت تعتني بطباعة الكتب الدينية. وتشير بعض المراجع التاريخية إلى أن هذه المطبعة قد طبعت منذ قيامها وحتى عام 1883 حوالي 22 كتاباً.(8)
وأشارت المعطيات التاريخية إلى أن الفلسطينيين اليهود دخلوا حلبة الصراع التنافسي في حقل الطباعة باعتبارها مجالاً تجارياً جديداً، فإضافة إلى مطبعة نسيم باق التي كانت قائمة منذ عام 1830 باعتبارها أولى المطابع وأمها في فلسطين، فقد أقام داويد ساسون مطبعة في القدس عام 1850، وقد كانت مطبعة بدائية ذكر أن إنتاجها كان رديئاً وأن عدد عمالها لم يتجاوز ثلاثة عمال على أكثر تقدير طيلة فترة عملها.
وخلال تلك الفترة أنشأ موسى شولمن مطبعة لطبع صحيفة بالعبرية تدعى "باتسال"، وكانت هذه الصحيفة دينية تعبر عن رأي اليهود التلموديين. وقد قامت هذه المطبعة بطباعة عدد من الكراريس والإعلانات الدينية بالإضافة إلى تلك الصحيفة. وقد ظلت تعمل حتى عام 1885.
وتذكر المصادر التاريخية أن إسحق كوشينا أسس في عام 1865 صحيفة عبرية عرفت باسم "شعار تسيون"؛ وكان قد استورد مطبعة خاصة وأقامها في القدس لطباعة هذه الصحيفة، ويبدو أن هذه المطبعة توقفت عن العمل عام 1902.
وفي سنة غير معلومة في أواسط النصف الثاني من القرن التاسع عشر أسس أحد اليهود الروس المعروف باسم لنكنر مطبعة في القدس لطباعة الكتب الدينية اليهودية، كما أخذ يطبع فيها مجلة أورشليم.
وفي عام 1870 أسس فرمكن مطبعة صغيرة في القدس ليتمكن بواسطتها من طباعة ونشر صحيفة "هاباسيليت". ويشار إلى أن هذه المطبعة لم تستمر في العمل طويلاً؛ مثلها في ذلك مثل المطبعة التي كان قد أقامها عاي جاجين في القدس عام 1882 لطباعة الكتب العبرية.
وتعتبر مطبعة بن يهوذا التي أسسها اليهودي الروسي بن يهوذا في القدس عام 1890 لطباعة جريدته المعروفة باسم "ها أور"؛ المطبعة العبرية الأهم والأبرز بين المطابع الأولى في فلسطين، حيث تساوت في أهميتها المهنية وقدرتها الإنتاجية ودورها الطباعي مع مطبعة الآباء الفرنسيسكان العربية. وقد أراد بن يهوذا من إصدار صحيفته اطلاع أبناء ملّته على مفاهيمه وعلى التطورات الفكرية الجديدة التي حدثت في العالم المتمدن. وبسبب مواقفه المتحررة من المفاهيم الدينية العتيقة تخوف منه رجال الدين اليهودي وتحسبوا من خطورة أفكاره فسعوا به لدى الحكومة التركية حتى عطلت صحيفته. ولكن بن يهوذا لم يستسلم واستمر في صموده دفاعاً عن قناعاته وأفكاره، وفي مواصلة مساعيه للحصول على ترخيص لإصدار جريدة بدلاً من تلك المعطلة، فكان له ما أراد. وقد أطلق على تلك الصحيفة اسم "توفوت". وقد نشرت مطبعته عدداً كبيراً من الكتب المدرسية لتعليم أبناء اليهود القراءة والتاريخ والجغرافيا. كما قام بن يهوذا بتأليف معجم كبير باللغة العبرية وطبعه في مطبعته.(9) وجاء في الوقائع التاريخية انه قد أسس إلى جانب مطابع الطوائف الدينية وبتأثير منها وربما كمنافس لها مطابع أخرى تجارية كانت تقوم بالطباعة العربية وبغيرها من اللغات الأخرى. "ويؤخذ على الحكومة التركية في هذا المجال أنها لم تكن معنية بإنشاء مطبعة رسمية في فلسطين أسوة بما كانت قد فعلته في بعض مدن الولايات العربية الأخرى الواقعة تحت حكمها.(10) وذكر في هذا السياق أنه كان يقوم في القدس في عام 1876 مطبعة تسمى "المطبعة المأمونية"؛ والمؤسف أنه لم يتوفر في المصادر التاريخية أية معلومات عن مؤسسها وسنة تأسيسها وأنواع طباعتها وماكيناتها، إلا أن صحيفة "القدس الشريف" الرسمية التي أسستها الحكومة عام 1876 وكانت تصدر بالعربية وبالتركية قد طبعت في تلك المطبعة.(11)
وتذكر المراجع أنه تأسس إضافة إلى هذه المطابع في القدس مطبعة مبارك لاسفو التي أنشأها مارتين لاسفو عام 1892 وكانت حروفها عربية وتركية وفرنسية.
وفي عام 1892 أيضا كان قد أسس شخص من عائلة دومياني في مدينة القدس "مطبعة دومياني" وكانت حروفها عربية وتركية وفرنسية.
وخلال الفترة 1892 ـ 1894 أسس ألفونس أنطون ألونصو مطبعة في القدس أطلق عليها "المطبعة الوطنية" وكانت حروفها عربية وتركية وفرنسية وروسية.
وقرب باب الجديد في القدس تأسست عام 1894 "مطبعة جورجي حبيب" وكان صاحبها جورجي حبيب حنانيا وكان قد شغلها قبل الحصول على الرخصة الرسمية نظراً لتيقنه من عدم رغبة الحكومة بمنحه ذلك الترخيص. وكانت تطبع بلغات مختلفة، وأطقم حروفها العربية والتركية والروسية كانت حديثة نسبياً (12).
وإذا كان المؤرخون يعيدون أسباب التزايد الملحوظ لعدد مطابع أتباع الديانة الموسوية لهجرة اليهود من أوروبة إلى فلسطين هرباً من الاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له في تلك البلدان، واهتمام قيادة الحركة الصهيونية ببعث اللغة العبرية كلغة لليهود من خلال تنشيط الطباعة، فان ازدهار مطابع أتباع الديانة المسيحية تعود لسبب ملكية الكنائس لها واهتمامها بالكتب الدينية التي لا ترى السلطة التركية أي خطر عليها من صدورها.
وأما هذه الأسباب بالنسبة للمطابع الخاصة فقد كانت مقلوبة. فالتقدم إلى دوائر الحكومة بطلبات للحصول على مطابع خاصة لمواطنين أو لشركات مساهمة كانت بحد ذاتها شبهة للمتقدمين بها يسألون حولها من تلك الدوائر نفسها. وفي هذا السياق يسجل جورجي حبيب حنانيا في افتتاحية العدد الأول من جريدته القدس الصادر بتاريخ 1908/9/18-5 شهادة معّمقة حول ما حدث معه عندما تقدم للسلطات الحكومية في القدس عام 1894 بطلب للحصول على رخصة لمطبعة جورجي حبيب، ويقول فيها: "لما كانت بلدتنا القدس مثل غيرها متعطشة إلى العلوم والمعارف التي نضب معينها منذ أجيال طوال، وكانت هذه لا تنتشر وتعمم إلا بواسطة المطابع. فحيث كانت كل مطابع القدس دينية محضة، تشتغل كل واحدة منها لطائفتها، فقد مسّت الحاجة إلى تأسيس مطبعة تزرع بذور الإخاء وتعامل الجميع على السواء، غايتها خدمة الوطن؛ ولا تختص بفريق دون الآخر. ولكن هذا الأمر كان صعباً لما كان يحول دونه من الموانع والعثرات التي كان يقف الاستبداد في سبيل تذليلها وإزالتها. ولما كنت ممن مارسوا هذه الصناعة، دفعتني النفس أن أجرب القيام بهذا الواجب على ثقله وصعوبته ووعورة مسلكه. ولكن الطلب لم يجد آذاناً صاغية وظل حبيساً في أدراج موظفي الحكومة يتراكم عليه الغبار يوماً إثر يوم حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً."
وبانتظار صدور الرخصة استحضرت حروفاً إفرنجية تمهيداً لإقامة المطبعة، وأخذت استعملها لطباعة مطبوعات كنت أنجزها خفية لأغراض السياحة، وكان هذا الأمر يشغلني مدة ثلاثة أشهر فقط. وقد وشي بي أحد العيون إلى السلطان فوضعت تحت الأرصاد (الرقابة) المشددة، وتوقفت عن العمل.
وإذ لم أفقد الأمل رغم كل هذه التقييدات والإرجاءات، لأنني أحسست شخصياً بانفراج في مدى شدة ملاحقتي، استحضرت حروفاً عربية وبدأت أتعامل مع مطابع يجهل أصحابها اللغة العربية، فوصل خبر ما فعلت إلى السلطات، فعملت هذه بدورها على إيقافي عن العمل. ولكن من حسن طالعي أن قرار المنع جاء في الوقت الذي كنت اشتغل فيه بطباعة كتاب لأحد أصحاب الوجاهة والنفوذ فأجارني بنفوذه وقوته، وحيث كنت أقوم بتوفير الخدمات المكتبية لجميع مكاتب الحكومة فإن ذلك مكنني من الاستمرار في العمل ثلاث سنوات أخرى. وخلال هذه السنوات كنت أشتغل نهاراً في إحدى المطابع، وأشتغل في مطبعتي في بيتي ليلاً. هكذا بدأت وهكذا ظللت حتى تيسر لي الحصول على رخصة رسمية للمطبعة في شهر شباط 1906"
وتقول السيدة المرحومة كاترين جورجي سكسك إبنة المرحوم جورجي حنانيا إن السبب الذي منع السلطات التركية من إعطائه رخصة لاستحضار مطبعة، كان خوفهم من أن تكون المطبعة (ماكنة بومبات).(13)
وتذكر المراجع التاريخية أنه "من المطابع التي تطورت تطوراً كبيراً وأصبحت ذات شأن في فلسطين" مطبعة دار الأيتام السورية" التي امتازت بما تؤديه للمعارف والآداب من الخدمات الجليلة وكانت تطبع فيها مجلة "النفائس العصرية" التي كان يحررها الأديب خليل بيدس(14). وقد جهزت المطبعة تجهيزاً "يجاري أحسن المطابع في بيروت بأدواتها ومعداتها؛ وحروفها الإفرنجية والعربية؛ وأدوات التجليد والخياطة، والكبس والقطع. وكان فيها طابعتان كبيرتان؛ وثلاث طابعات صغيرة، وكلها تدار بالبخار. وقد اشتهرت بحسن الطبع والإتقان والتفنن. ويشهد بذلك كثرة الطلبات التي كانت ترد إليها من جهات خارجية عديدة كمصر وحلب وبيروت ودمشق وطرابلس الشام، ومن جهات داخلية كحيفا والناصرة ويافا فضلاً عن القدس نفسها وجهاتها. وفيها كانت تطبع عدة مجلات وجرائد ألمانية؛ فضلاً عن الكتب والأوراق التجارية التي لا تحصى، وكانت على درجة من الإتقان وحسن الصفة لا يباريها إلا مطبعة أو مطبعتان في بيروت".(15)
وبجمع المؤرخون على أهمية مطابع تلك المرحلة في السياق التاريخي لتطور عملية الطباعة في فلسطين من جهة، ولما تعنيه من قدرة، تأشيرة على اتجاهات التطور العام والدرجة التي كان قد بلغها إبان تلك المرحلة في فلسطين. ويكفي أن نذكر هنا وعلى سبيل المثال فقط أن عدد المطابع التي أنشأت في القدس في الربع الأخير من القرن التاسع عشر كان قد بلغ 11 مطبعة، وأن ضغط الطلب على تلك المطابع؛ وأنواع الكتب التي طبعتها والكمية التي وزعت منها؛ كان يشير لانفتاح آفاق جديدة في البرنامج الثقافي لحركة النهضة القومية في فلسطين، ولقوة موقعها في بنية حركة الإصلاح والتحديث في ولايات الدولة التركية جميعها.

مؤشرات نهضة ثقافية
عرفت الطباعة في فلسطين جموداً ومراوحة في نفس المستوى على مدى أكثر من ربع قرن بعد دخولها إليها عام ، فعدد المطابع فيها ظل محدوداً وشبه مقتصر على مدينة القدس بصفتها عاصمة الولاية والمركز الروحي لأديان البلاد الفلسطينية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية. وظلت في الوقت نفسه إنتاجية المطابع من الكتب محدودة وتكاد تنحصر في الكتب الدينية، وكانت معرفة الناس بالقراءة وعلاقتها بالكتاب شبه معدومة. ويمكن القول على هذا الصعيد إن الطباعة لم تتجاوز الدائرة التي كانت تراوح حولها إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك كاستجابة موضوعية لاتساع أنشطة لجان المطالبة بالإصلاح؛ وتبلور رؤيتها للتغييرات المنشودة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لإرغام الحكومة على القبول بمفهوم تحديث النظام، وكتفاعل موضوعي مع حقائق التطور الملحوظ في مسيرة حركة النهضة القومية العربية وتوضح أهدافها السياسية واتضاح غاياتها الاجتماعية والثقافية.
كانت البلاد العربية في هذه الفترة التي تمتد من بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى إعلان الدستور عام ، تطفح بالفصاحة في مواجهة التتريك، وتسقط عن كواهلها بشكل تدريجي كوابيس ثقافة مرحلة الانحطاط. وكانت فلسطين تحاول أن تكون متماثلة معها كذلك؛ ولكن ضمن ظروفها وإمكاناتها الذاتية والموضوعية؛ وبما يساعدها على حمل نصيبها من المسؤولية القومية في حفظ بذور الحياة العربية؛ واختيار الجو الملائم لإنمائها ورعاية شجراتها، والعناية بها حتى تعطي الثمار المرجوة.
كان النظام الإقطاعي يحيط بفلسطين سواراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وبارتباطه العضوي بسلطة الأستانة يبلغ درجة تؤهله بكفاءة لأن يكون استبدادياً بجدارة. وكان المحتوى الديني لكيفية الحكم وصوغ علاقات الناس مع بعضها البعض وكذلك طريقة حياتها؛ يتشكل بأشكال هذا النظام فيصوغ ثقافة المجتمع على مدى اتساعه وبمواصفاته.
في هذه الفترة كان رجال الدين هم المرجعية التعليمية للبلاد، ولم يكن من عمل لهم إلا إمامة الناس والتعليم تقريباً.. ولم يكن للدولة في البلاد مدارس تهيئ لنهضة أدبية، وأنى لها أن يكون لها في الولايات العربية مدارس راقية، ومدارسها في عاصمتها لا تحمل من مميزات المدارس الراقية ألا القشرة والألياف.. وحتى المدارس الأجنبية التي ابتدأت حياتها في البلاد لم تكن تقوم إلا على رجال الدين الأجانب. وهل كان ينتظر من رؤساء الدين؛ وكلهم أجانب لا يعرفون حاجات البلاد ولم يجيئوا إليها إلا لغرض ديني؛ أن يؤسسوا في بلادنا مدارس مثل مدارسهم في بلادهم تتلقى حاجاتنا بقضائها، إن أمر التعليم كان محصوراً في يد الحكومة والمدارس الطائفية. وعلى الأمة أن ترضى بها وتكون من القانعين الشاكرين.(16)
وفي هذا السياق يذكر خليل السكاكيني في كتابه (ما تيسّر) "إن التربية في المدارس الحكومية والطائفية كانت تربية دينية يتعلم فيها الطلاب سلوك الولاء والطاعة لذوي السلطان الديني والدنيوي، وكلما كان التلميذ ناكس البصر، مطأطأ الهامة، كاسف البال، نادماً، خائفاً، كان أقرب إلى الدين، مما يمكنه من نيل رضى رؤسائه. ولا تزال الآثار الثقافية لتلك الفترة ماثلة حتى الآن، إذ لا يزال رجال الدين بشكل عام يلبسون السواد ويطلقون لحاهم وكأنهم في حداد دائم. ولا يمشون إلا وئيداً، وعلى وجهوهم علائم القلق والهم والكآبة، كان الضحك والسرور والنشاط وسرعة الحركة وعلو الهمة وسعة الآمال والتشبث بالحياة والإقبال عليها، والاغتباط بها من الكبائر"
وكان هذا الأسلوب التربوي تدميرياً لو قيض له الاستمرار كعامل رئيس لتحديد مسار التوجه التربوي في البلاد بمعزل عن توفر عوامل أخرى أسهمت بشكل حيوي في درء مثل هذا الخطر على السياسة التعليمية؛ مثل انفتاح سكان البلاد (شأنهم في ذلك شأن سكان المشرق العربي) على معارف ومفاهيم جديدة وفّرها التغلغل الأوروبي في الأقاليم العربية بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، حيث ساعد على تنشيط التجارة والاقتصاد في المدن الفلسطينية وبينها، بعد أن كانت خطوط السكك الحديدية وشبكة الطرق التي شقت في الأقاليم الشامية قد أسست لذلك، كما مهدت لاتساع حركة التجارة الخارجية وتنوع تجارة الاستيراد والتصدير خصوصاً بعد أن سهل لها ذلك استخدام الأسلاك البرقية إلى جانب سبل الاتصال الأخرى السابقة التي شهدت تطوراً ملحوظاً في عهد السلطان عبد الحميد 1876 ـ 1909. وقد أدى هذا الاتصال والتواصل الاقتصادي والثقافي والديني الغربي بين فلسطين والبلدان العربية الأخرى، وبينها وبين دول أوروبة إلى حدوث انقلاب في حياة الناس ظهرت بصماته على مختلف جوانب حياتهم، تمثل في ظهور الطبقة المتوسطة وتعرف الناس على مفاهيمها وأفكارها وقيمها الناشئة بشكل تدريجي بواسطة الكتب والمطبوعات والخطب في اللقاءات والاجتماعات، كذلك عبر الاتصال الحياتي اليومي المباشر.
وكان لهذا التطور تأثيراته الإيجابية المباشرة على قطاع التعليم سواء لجهة الأساليب التربوية أم لجهة المواد التدريسية للمنهاج التعليمي، خصوصاً وأن بذور الدعوة للإصلاح ولحركة النهضة القومية قد انطلقت من المؤسسات التعليمية، حيث انخرط العديد من رجالات النهضة ومؤيدي الإصلاح في حقل التعليم من خلال العمل في المدارس التي كانت قائمة كمدرسين، أو من خلال إقامة المدارس والمعاهد الخاصة والعمل على إدارتها بشكل يستوعب المثقفين والمتعلمين من الشباب النهضويين والقوميين. وبهذا الأسلوب تحقق لرجالات حركة النهضة القومية فرصة فحص الأهداف الحقيقية لنشاط مؤسسات الإرساليات الأجنبية وخصوصاً في مجال التعليم، وكذلك المساهمة في صياغة مناهج تعليمية جديدة ولو بشكل جزئي تستهدف توعية الطلاب بثقافتهم العربية وبانتمائهم القومي، وتعرفهم بمعاني الوطنية والتحرر والاستقلال.
وكانت النتيجة المباشرة لذلك قيام نهضة تعليمية شاملة ساعدت على تطوير الحياة الثقافية والفكرية في البلاد تدريجياً، خصوصاً وأن النهضة التعليمية كانت واسعة ومنتشرة في كل تكوينات المدى الجغرافي الفلسطيني. ووفق ما تشير إليه المصادر التاريخية فانه كان في القدس خلال الفترة 1880 - 1850 مدارس للحكومة ولجميع الطوائف الدينية في البلاد يبلغ مجموعها 35 مدرسة منها مدرستان فقط للحكومة، وكان عدد المعلمين فيها أكثر من 211 معلماً، وعدد تلاميذها 3854 من الذكور والإناث. وكان في نابلس خلال تلك الفترة 11 مدرسة يبلغ عدد تلاميذها 763 تلميذاً وتلميذة ويعلم فيها 28 معلماً ومعلمة.
أما في جنين فكانت توجد مدرسة واحدة يدرس فيها معلمان ويدرس فيها 80 تلميذاً. ويذكر شاهين مكاريوس في مقالة له نشرها في صحيفة المقتطف جزء 8 و9 من السنة 7 عام 1883 إضافة للمعطيات الإحصائية السابقة، أنه إلى جانب المدرسة الحكومية والكتاتيب التي بدئ في تأسيسها في مدينة عكا منذ عام 1876 أقيمت في المدينة عام 1879 من قبل الجمعية الأدبية الخيرية مدرسة للذكور. وبعد حين ألحقتها بإقامة أخرى للإناث، وثالثة بعد ذلك هي مدرسة الراهبات اليسوعيات. وهذا الاهتمام شجع الطوائف المسيحية الأخرى على المشاركة في إنشاء المدارس فكان لها بعد أقل من سنتين 4 مدارس للذكور يدرس فيها أكثر من 200 تلميذ ويعلمهم 7 معلمين. وبشكل عام فقد كان يقوم في عكا حتى عام 1883 إضافة إلى الكتاتيب المنتشرة في مختلف أنحاء المدينة أكثر من 7 مدارس للذكور والإناث؛ يبلغ عدد معلميها 22 معلماً وأكثر؛ يساعدهم عدد من الرهبان والراهبات، وعدد المتعلمين فيها أكثر من 200 تلميذ وتلميذة.
وبلغ عدد المدارس في طبرية 6 مدارس يعلم فيها 8 معلمين، وعدد الدارسين أكثر من 200 تلميذ.
وفي صفد بدأت المدارس تتكاثر منذ عام 1860 وقد بلغ عدد مدارسها حتى عام 1883 نحو 10 مدارس، فيها أكثر من 15 معلماً و300 تلميذ.
وفي حيفا وجوارها أشير إلى وجود أكثر من 20 مدرسة يدرِّس فيها أكثر من 20 معلماً، وفيها أكثر من 400 تلميذ.
أجملت الإحصائية الواقع التعليمي بشكل أكثر تكثيفاً وأضيق تحديداً عبر تناولها معطياته في المتصرفيات الثلاث التي كانت تتوزع فيها المناطق الفلسطينية إداريا، وهي القدس وعكا ونابلس. وذكرت تلك الإحصائية أن عدد المدارس في متصرفية القدس خلال الفترة المذكورة هو 81 مدرسة منها 67 مدرسة للذكور و14 مدرسة للإناث. ويدرّس فيها 258 معلماً ومعلمة من بينهم 171 من الذكور و57 من الإناث، وعدد تلاميذ تلك المدارس هو 3868 من بينهم 1086 من الإناث
و2782 من الذكور.
وعدد المدارس في متصرفية عكا بلغ 24 مدرسة منها 3 مدارس للإناث و21 مدرسة للذكور، وعدد المعلمين والمعلمات في تلك المدارس بلغ 37 من بينهم 30 من الذكور و7 من الإناث، وأما عدد التلاميذ فكان 650 من بينهم 150 من الإناث و500 من الذكور.
وعدد مدارس متصرفية نابلس بلغ 23 مدرسة منها 3 مدارس للإناث و20 للذكور، وبلغ عدد المعلمين فيها 40 بينهم 4 من الإناث و36 من الذكور، وعدد التلاميذ فيها 1223 بينهم 1081 من الذكور و142 من الإناث.
وجاء في كتاب "تاريخ الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية" أنه كان للجمعية 25 مدرسة في جميع أنحاء البلاد، وفي عام 1907 بلغ عدد تلاميذها من الصبيان 801 تلميذ. وقد كان في فلسطين مدارس أجنبية كثيرة منها مدارس أمريكية؛ وأخرى: ألمانية وإنجليزية وفرنسية وإيطالية وروسية، وكانت هذه المدارس تابعة في معظمها للإرساليات الدينية. وكان من بين هذه المدارس عدة معاهد ثانوية تدرس التعليم العالي ومن أبرزها مدرسة للمعلمين، وأخرى للمعلمات يديرهما الروس، ومدرسة للمعلمين يديرها الألمان. ولم تكن هذه المدارس خاضعة لوزارة المعارف أو ملتزمة بمناهجها التعليمية، وذلك لأنها تتمتع بالامتيازات التي تتمتع بها الجمعيات والإرساليات الدينية؛ وهي مرجعيتها وبالتشاور معها تضع إدارات المدارس والمعاهد مناهجها التعليمية وبرامج تدريس هذه المناهج.
ومع أن اللغة التركية هي لغة التعليم في المدارس الحكومية بما في ذلك المدارس في الولايات العربية، إلا أن اللغة العربية كانت هي لغة التعليم الرئيسة في مدارس الطوائف غير المسلمة، واللغة العربية ولغات أوروبية أخرى كالفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية أو الإيطالية..الخ كانت لغة التعليم في أكثر المدارس الأجنبية. وكانت المدارس الروسية تهتم بتدريس اللغة العربية أكثر من غيرها، وذلك لأنها كانت لغة التعليم في تلك المدارس. وكانت اللغة الروسية وآدابها أحد مواد المنهاج التدريسي ليس إلا. ولهذه الأسباب أنشأت الإرسالية الروسية مدرسة للمعلمين ومدرسة للمعلمات في الناصرة وبيت جالا، وذلك لإعداد المعلمين لتعليم اللغة العربية.
وكانت دراسة معطيات المراحل التي مرت بها الحركة التعليمية في فلسطين قد أشارت إلى أن اتجاهات التعليم في مدارس الحكومة والمدارس الإسلامية قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر (محافظة)، كما هو الحال في المدارس الدينية المسيحية، وإلى أن مؤسسات التعليم يمكن تصنيفها كمدارس دينية تقليدية (كتاتيب) لتعليم الدين والقرآن، والعلوم الدينية والشريعة؛ مع ما تحتاج إليه تلك العلوم من مواد أخرى، وكانت هذه المدارس ملحقة بالمساجد والجوامع العامة.
وبدءاً من مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ولأسباب تتعلق بصدور تشريعات التنظيمات في السلطنة العثمانية والاحتكاك بين الشرق والغرب وتزايد ضغط سياسة التتريك في ميدان التعليم، قامت مدارس جديدة مستقلة عن المدارس القديمة منهجاً وأسلوبا. وتدريجياً بدأت تظهر تشكيلات المدارس الحديثة، وهو الأمر الذي أجبر الحكومة التركية على مجاراة تلك المدارس بنسبة أو بأخرى، فاكتسبت المدارس الحكومية مواصفات المدارس المدنية التي أخذت تستقر مراحلها التعليمية تدريجياً، وأصبح هناك المرحلة الابتدائية ومدتها 3 سنوات، والمرحلة الرشدية ومدتها 3 سنوات؛ والمرحلة الإعدادية التي كانت الدراسة فيها تتراوح بين 5 ـ 7سنوات لاندماج المرحلة الرشدية فيها. ثم أقامت الحكومة مدارس صناعية وزراعية ودوراً للمعلمين. كما أسست المدارس العالية للطب والحقوق، ثم أقامت المدرسة الشاهانية لدراسة الإدارة والسياسة؛ ومدرسة القضاء، ومدرسة التجارة العليا، ومدرسة الزراعة العليا؛ ودار المعلمين العالية،(17) ومدرسة البيطرة؛ ومدرسة الهندسة؛ ومدرسة الصنائع النفيسة (أي الفنون الجميلة) وغيرها. وما كان يحل عام 1900 حتى كان التعليم قد بلغ ذرى عالية من التطور والتقدم في المدارس الإرسالية وفي المدارس الحكومية أيضاً وإن بنسب متفاوتة، وهو الأمر الذي كان له تأثيره الإيجابي التلقائي المباشر على مستوى الوعي المجتمعي العام بجميع اتجاهاته. وبسبب ذلك فقد قلت نسبة الأمية عما كانت عليه، وازداد عدد المتعلمين، وارتفع عدد المؤهلين علمياً بشكل ملحوظ، فنشطت الحركة الثقافية في البلاد، وظهرت في مدنها الصحف السياسية والاجتماعية والثقافية، وازداد الإقبال على التأليف والترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، وتوفرت مقومات حقيقية للنهضة الفكرية الوطنية بشكل تماثلي مع النهضة الفكرية التي سطعت شمسها مشرقة في الديار العربية الأخرى. وقد ساعد في تسريع خطوات تلك النهضة تطور الطباعة الذي أملته الاستجابة لتوفير متطلبات المدارس من كتب وقرطاسية، وإعادة طباعة الكتب القديمة والمخطوطات، وطبع الكتب الأدبية والعلمية، وبذلك تيسر وصول الإنتاج الفكري إلى كل جهة، ففتح بذلك صفحة جديدة في حياة المجتمع الفلسطيني،(18) بدأت تجسدها الفعلي بإعلان الدستور عام 1908، الذي استقبله الشعب بفرح غامر رغم ما فيه من ثغرات وسلبيات وما عليه من مآخذ، فقد تضمن أحكاماً ونصوصاً كثيرة تضمن للعثمانيين على اختلاف إثنياتهم وأديانهم وأجناسهم المساواة والحرية والمشاركة في سن القوانين، والإشراف على شؤون الدولة، وتوسيع نطاق التعليم، وإجازة النشاط الاجتماعي والسياسي، والقضاء على الاستبداد والتعسف والقهر القومي والتتريك، وتحريم الاعتداء على الحريات الشخصية والأموال والممتلكات الخاصة. وبمعنى آخر بدأ الشعب عهداً جديداً من حياته هو عهد الإصلاح والنهضة والتقدم. وقد كثف الكاتب والمربي خليل السكاكيني مضامين العهد الجديد: "الآن أستطيع أن أخدم بلادي، الآن أستطيع أن أنشئ مدرسة وجريدة وجمعية للشبان، الآن نستطيع أن نرفع أصواتنا بدون حرج".(19)
وكانت أبرز مؤشرات العهد الجديد ظهور المؤسسات الحكومية وكأنها في مبارزة تسابق مع المؤسسات الأهلية على الاهتمام بالتعليم وتطويره باعتباره العامل الأفضل في مجال الإصلاح والنهضة، فساعد ذلك على الاهتمام باللغة العربية في المدارس مما شجع تزايد الطلب على الكتب الأدبية والثقافية المطبوعة باللغة العربية، وتوزيعها في هذه المدارس للدراسة والمطالعة. وكانت النتيجة المباشرة لذلك بلورة الشعور القومي وتعزز الانتماء الوطني ونهضة الأدب العربي، ويقظة اللغة العربية من سباتها العميق والطويل، وكانت إعادة دفق الدم النظيف لروح الحياة الثقافية العربية متمثلاً في ازدياد نشاط إقامة المنتديات الأدبية والثقافية، وتضاعف الاهتمام بتأسيس الجمعيات العلمية والأدبية والعناية بالترجمة وتحديث اللغة العربية، ودعم تيار الحركة القومية العربية في فلسطين.
ولقد وقف المثقفون الفلسطينيون وراء ظهور هذه الحركة وانخرطوا في تشكيلاتها، وكانوا هم قادتها ومفكريها ووقود نارها المشتعلة أيضاً. وقد كان على رأس اهتماماتها توفير سبل العمل لاستمرارية هذه النهضة وتطوير أشكال حركتها، فكانت الصحافة واحداً من الأسلحة الرئيسة الأكثر فعالية التي لجأوا إليها مباشرة بعد إعلان الدستور في 24 تموز 1908، إلى الحد الذي بدا فيه كما لو أن الفلسطينيين يريدون اختبار مصداقية وجدية الحكومة العثمانية في الاقتناع بما تضمنه الدستور حول الحريات وجاهزيتها للعمل استناداً إليه.
لقد اعتبر أهل فلسطين الدستور بداية عهد جديد، تتاح فيه حرية القول والعمل والنقد، خصوصاً وأن الدستور أتاح للمواطن الذي يعتزم إصدار صحيفة أن يبلغ المدعي العمومي عن عزمه على ذلك قبل يوم واحد من إصدارها، فينال الإذن لإصدار الصحيفة بصورة آلية.(20) وفي ظل التسهيلات التي وفرتها القوانين والأنظمة المتصلة بإعلان الدستور، صدر في فلسطين خلال أسابيع بعد إعلان الدستور 9 صحف في القدس، وصحيفتان ومجلة في حيفا، ومجلة في يافا. وقد استقطبت هذه الصحف كبار الأدباء والشعراء والمفكرين حيث أخذوا يشاركون فيها بعد أن كانوا يساهمون في الصحف والمجلات التي كانت تصدر في مصر ولبنان، وواصلوا في الوقت نفسه الكتابة في صحافة هذه البلدان كتأكيد على أن الأدباء الفلسطينيين كانوا في حالة تواصل مع نظرائهم العرب. وقد أفاد هذا الأمر صحافة فلسطين بعد ظهورها، حيث أخذت الأقلام العربية تنشر على صفحات الجرائد والمجلات الفلسطينية المقالات السياسية والقصائد الشعرية والمواضيع الأدبية والفكرية التي تدعو إلى الإصلاح والتغيير. وقد ساعدت هذه المساهمات مع الموضوعات الأخرى التي تنشرها الصحف على تنشيط الحركة الأدبية، ونهضت بلغة الكتابة، وطورت الصور الكتابية بعد أن حررت النثر من السجع المتكلف، خصوصاً وأن الصحف أخذت تتناول موضوعات شتى تمس الحياة العامة؛ فتضيء بعض جوانبها، كما تنقل إلى الجمهور الفلسطيني مشكلات شعوب العالم الأخرى لتوفر مقومات التواصل والاتصال بين الشعوب.
وإذ تجمع المراجع التاريخية على أن إطلالة القرن العشرين ترافقت بانطلاقة نهضة الطباعة في فلسطين وخصوصاً بعد إعلان الدستور، إلا أن مراجع متخصصة ذكرت أن القدرات الإنتاجية للمطابع التي كانت قائمة حينذاك ليست في مستوى تلبية المطالب الطباعية في المجالات التعليمية والثقافية؛ وخصوصاُ الصحافة التي اقتضتها استحقاقات ما بعد إعلان الدستور، وهو الأمر الذي دفع بالكثيرين من المتقدمين للحصول على تراخيص إصدار صحف أن يحصلوا على تراخيص لإنشاء مطابع تكون مهمتها الرئيسة طباعة الصحيفة التي يملكها صاحب المطبعة، وكذلك طباعة ما يعتبره صاحب المطبعة ضروريا وهاماً وله أولوية. وبقدر ما أغنى هذا الأسلوب قطاع الطباعة وأسهم في تطورها، فان السمة العامة التي غدت للكثير من المطابع هي أنها أصبحت مطابع صحف وتحمل أسماءها أيضاً.(21)

مطابع النهضة
ليس سهلاً على أحد إنكار الدور الريادي والطلائعي الذي قامت به المطابع الأولى في فلسطين، إلا أن المؤرخين يغفلون في اهتمامهم اعتبار المطابع التي أقيمت في مرحلة الاستعمار التركي على أنها المطابع التي شقت درب الطباعة في مراحلها المختلفة منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.
كان عدد المطابع الفلسطينية في مرحلة النهضة أواخر الحكم التركي كبيراً، وكان تخصصها ملتبساً حتى وإن بدا متنوعاً، وكان حجم إنتاجها متفاوتا في كميته ومستوياته. وكان من بين المطابع من احتفظ لنفسه بمواصفات أهلته لأن يظل نموذجاً يمكن تقديمه عند الحديث عن تاريخ الطباعة وشؤون الثقافة في تلك المرحلة، إلى الحد الذي يعفى من الحرج إذا لم يكن بالإمكان الإتيان على كافة المعلومات التفصيلية عن جميع المطابع التي كانت قائمة في العهد التركي.
وفي كل الأحوال فإن المطابع الأولى أياً كان مستوى تطورها التقني وقدراتها الإنتاجية تظل هي أمهات المطابع في فلسطين التي حافظت على رسالة انتشار الطباعة، ووفرت الدفيئة الصحية المناسبة لميلاد العديد من المطابع الكبيرة والصغيرة بدءاً من القرن العشرين، وعبدت طريق القطاع الطباعي منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، حيث قامت في البلاد المئات من المطابع التي توقف بعضها، وتواصل بعضها الثاني وتحدّث وتجدد وتوسع، واستمر الكثير من أبناء هذه المطابع وأحفادها. وإذ لا تسعفنا معلومات المصادر المتوفرة في تقديم تعريف تفصيلي لها، إلا أنه يمكننا القول إن المطابع التي أمكن التعرف عليها تشكل قاعدة توصيف متينة لدور المطابع وأثرها على النهضة الثقافية في فلسطين في المراحل اللاحقة.

التأسيس لثقافة تنويرية
ولدت الطباعة في فلسطين وأقاليم أخرى من الدولة التركية متأخرة قروناً على اختراع الطباعة؛ وذلك لأسباب دينية إسلامية تستمد مسوغاتها من مخاوف غير مبررة تتعلق بالتسهيلات التي يوفرها هذا الأسلوب في الكتابة، من احتمالات "تزوير القرآن" أو "تحريف بعض آيات الذكر" أو خلافها.
وكان المناخ الثقافي الذي ولدت وترعرعت فيه الطباعة في فلسطين دينياً محافظا؛ً يتمتع فيه المسجد الأقصى في مدينة القدس بالمكانة العلمية والتعليمية الرئيسة داخل البلاد وخارجها، وكان الأزهر في مصر يمد هذا المركز الديني بالشيوخ ويهيئ أبناءه ليعودوا إليه مدرسين ومعيدين وقراء.
وخلال هذه الفترة كان يغلب على التعليم الطابع الديني، وكان يقوم به رجال الدين الذين كان عملهم يكاد يقتصر عليه. وحتى المدارس الأجنبية التي كانت قد بدأت العمل في فلسطين؛ كان المعلمون فيها من رجال الدين العرب والأجانب. وكان المناخ الثقافي الذي تخرجه تلك المدارس دينياً، في حين أنه لم يكن للدولة أية مدارس تهيئ لنهضة أدبية وفكرية عصرية.
وكانت هذه الثقافة الدينية البدائية المحافظة مطوقة بأسوار النظام الإقطاعي التي تعتبر واحدة من تكويناته؛ إلى جانب عوامل تكوين أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية. وإن مراجعة سريعة لأنواع الكتب التي صدرت خلال فترة 1830 ـ 1908 وأصناف تخصصاتها واتجاهات مضامينها تؤكد ذلك، وتشير في الوقت نفسه إلى أن دخول الطباعة إلى فلسطين كان عاملاً حاسماً في تطوير هذا الواقع الثقافي؛ وما يتصل به من تكوينات أخرى للمجتمع الفلسطيني. وإن استقراءً مدققاَ لمعطيات تطوير القطاع الطباعي في فلسطين خلال الفترة 1914-1908 والتي كانت الثمرة الطبيعية لجهود ومساعي النشاط الإصلاحي والتحديثي؛ وصنع أدواته ووسائله التي أعطت أكلها في وقت مبكر، خصوصاً لجهة ولادة الصحافة؛ وتكاثر عدد الصحف في تلك الفترة بوتائر تصاعد عالية، وارتفاع القدرة الإنتاجية للمطابع بما يساعد على تلبية حاجة المدارس ويستجيب لازدياد عددها؛ واتساع رقعة تواجدها الجغرافي، وتزايد عدد الطلاب فيها، وما يعنيه ذلك من دلالات تعبير ملحوظ في فترة زمنية قياسية. إن هذا الأمر يدل على أن النواة الطليعية الأولى لحركة النهضة القومية في فلسطين قد بذرت بذوراً مخصّبة، بعد أن أمنت لها التربة الصالحة للنمو، متأثرة ومستفيدة من تجارب الشقيقات العربيات المجاورات. وكانت النتيجة هي تبوء الثقافة بشكل تدريجي مكانه بارزة في اهتمام المجتمع الفلسطيني، أمكن تجسيدها في تطور مفاهيم التدريس في المدارس الدينية، فتحولت معها وظيفة هذه المدارس من تخريج دعاة للتدين والسلفية؛ ومبشرين باللاهوت وبالمذاهب الدينية؛ إلى تخريج دعاة للوطنية والعلم والحضارة والقومية. وقد مثلت "مدرسة المرسلين الإنجليز" في القدس؛ والمشهورة باسم "مدرسة الشبان" واحدة من أبرز النماذج في هذا الاتجاه، خصوصاً عندما أنيطت إدارتها بالعلامة الجليل نخلة زريق؛ ابن مدينة عكا الذي استطاع بنفوذه وشخصيته الراقية أن يجعل من تلك المدرسة الأجنبية مدرسة وطنية، تخرج مبشرين بالوطنية، كما كانت تخرج مبشرين بالدين. وكما يقول الأديب خليل السكاكيني في كتابه "ما تيسّر"، إن نخلة زريق قد استطاع أن يبث في تلاميذه روحاً عالية أعطت أكلها" المفيد بشكل تأسيسي في مواجهة الثقافة الإقطاعية ذات المحتوى الديني. لقد كانت البنية الأساسية لثقافة تلك المرحلة تتجسد بشكل رئيس في الإسهامات الثقافية للأديب جورجي عطية الأستاذ في السيمنار العلمي الروسي في بيت جالا، والأديب القس إلياس مرمورة، ولويس عبده السمعاني، والأديب الشيخ علي الريماوي، والأديب الشيخ يوسف النبهاني ابن قرية اجزم قرب حيفا، والشيخ أبي حسن حلاوة الغزّي، والشيخ عباس الخماش من نابلس، والشيخ الشاعر يوسف أسعد ابن القدس الذي سبق وأن تبادل الرسائل شعراً مع أحمد فارس الشدياق، والشيخ سليم أبو الإقبال اليعقوبي. وإن مطالعة تحليلية لهذه الإسهامات تشير بكل وضوح إلى أنها نماذج صارخة لثقافة الإقطاع الديني، التي أسست طباعتها مرتكزاً لاهتمام المطابع في السنين الأخيرة من عمر الاستعمار التركي. وقد مثّل وجود هذه الإسهامات في التداول عامل تحفيز للمطابع على الاعتناء بطباعة الكتب الثقافية التي أنتجت في مرحلة الإصلاح والنهضة (1908 ـ 1914) وكانت نماذجها تعبر عن التطلعات الجديدة، التي كان من أبرز تجلياتها نتاجات خليل السكاكيني، وروحي الخالدي، ويندلي الجوزي، وكلثوم عودة، وإسكندر الخوري البيتجالي، وعادل جبر، وبندلي مشحور، ويوسف العيسى، وأوغستين مرمرحي الدومينيكي، وخليل بيدس، وأنطوان بلان، وجبران مطر، وفارس مدور، وإبراهيم حنا، وغيرهم، وإن هذه النتاجات تعتبر الركيزة الأساس التي أسست لثقافة جديده حلت تدريجياً في وعي المجتمع كبديل لثقافة عصر الانحطاط.
وهناك عامل آخر أسهم بشكل رئيس في تعزيز مكانة الثقافة الحديثة في المجتمع الفلسطيني، وجعلها واحدة من اهتمامات القطاع الطباعي في فلسطين؛ وهو ميلاد الصحافة وتزايد عدد الصحف والمجلات، وما يعينه ذلك من تزايد في عدد المطابع واتساع عملها واهتمام أصحابها بتطويرها ورفع سويتها المهنية والفنية.
لقد وفر تزايد عدد الصحف وتنوع اختصاصاتها إلى إحداث تغييرات جوهرية في وعي المجتمع ليس لجهة خلق عادة القراءة والمطالعة وتوفير الكتب فحسب، وإنما لجهة الاهتمام بترجمة كتب المعارف والآداب العالمية، وما يعنيه ذلك من توفير فرص أوسع للإطلاع على الثقافة الأجنبية؛ واستلهام مضامينها بما يحقق تنوير الوعي والاستفادة من آفاق رحبة جديدة مؤهلة لإحداث نقله جدية كان المجتمع الفلسطيني بحاجة ماسة لها للخروج من ربقات آثار الاستعمار التركي.
لقد عرفت الصحافة الفلسطينية من هذا الاتصال الثقافي مع الخارج ضرورة تطوير مرتكزات مفهوم العمل الصحافي التقليدية المقتصرة على "أدب المقالة" و"أدب القصة"، فعرفت الصحف والمجلات "القصة" و"الأقصوصة" و"الحكاية" و"الرواية" كأساليب جديدة في العمل الصحافي، إضافة إلى الخبر والتقرير الإخباري، والمقابلة، والاستطلاع وغيرها، ومعرفة قدرة هذه الأساليب الجديدة العالية في التوصيل أيضاً. وكان الأستاذ خليل بيدس من أوائل الروّاد على هذا الصعيد، حيث استخدم هذه الأساليب والأنواع الكتابية في مجلة "النفائس" التي أصدرها في الأول من تشرين الثاني 1908. وقد رأى بيدس أنه باستعمال مثل هذه الأساليب فقط يمكن تسليط الأضواء على القيم الجديدة وعوامل تشكيلها في المجتمع. كذلك أمكن وبمثل هذه الطرائق الجديدة الإمساك بمعاني المفاهيم الجديدة لانقسامات المجتمع. وتعيين مواصفات الطبقة البورجوازية التي تشكلت حديثاً في رحم الإقطاع الديني ورؤيتها وهي تتوثب للانطلاق لصوغ ثقافة المجتمع الفلسطيني بشكل جديد ومختلف، وعلى هدي مضامينها المتناقضة مع مفاهيم الوعي الإقطاعي، وتوفير ما تتطلبه هذه الصياغة من مفردات وتعبيرات جديدة لم يسمع بها من قبل.
ومع أن هذا المخاض كان عسيراً؛ والولادة كانت صعبة، إلا أنها كانت طبيعية وليست قيصرية. وهذا يوجب بالضرورة رفع آيات التقدير والاحترام للروح الكفاحية العالية التي تمتع بها الرواد الأوائل أمثال خليل السكاكيني وخليل بيدس ورشيد الدجاني ويوحنا دكرت أحد صاحبي مجلة "بيت لحم"، الذين كانوا في مواجهات متصلة مع رموز الإقطاع الاقتصادي ورجال الدين. وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن أن نذكر ما حصل للسيد يوحنا دكرت عندما أصدر روايته "أصل الشقاء" حيث ثارت عليه ضجة واسعة بين الأوساط الدينية والاجتماعية لأنها تنسب أسباب الشقاء إلى رجال الدين. وازدادت الحملة ضراوة عندما أعلن في مجلته بأن الرواية ستكون هدية لمشتركي مجلة بيت لحم، وما أن بلغ بعض رجال الدين الخبر حتى قاموا يطالبون بمصادرتها. وقد رفع البطريرك دعوى قضائية على مؤلفها إلى المحاكم، فحكمت عليه المحكمة الابتدائية بغرامة مالية. وبعد أن استأنف يوحنا دكرت (نقلت) الدعوى إلى محكمة الاستئناف العليا.
لقد تبلورت في هذه الفترة مواصفات الطبقة الوسطى، وأخذت تحقق ذاتها وتتلمس كيانيتها؛ وتتبين علاقاتها، وتخطو بشكل متسارع على طريق تحسين أوضاعها وتوفير عوامل القوة التي تتطلبها مشاركتها في صنع القرار وتوجيهه بشكل مباشر أو غير مباشر.
وكان ظهور الصحف واتساعها وتزايد عدد المطابع كما أشرنا سابقاً؛ أحد تجليات التعبير عن ظهور هذه الطبقة، حيث صاغت وعممت من خلالها مفردات وتعابير ومضامين ثقافتها الجديدة، والأشكال الأدبية لهذه الثقافة، وخصوصاً تلك المشتمل عليها في تغطيات الصحف اليومية، حيث اتسعت هذه الأشكال لتشمل جميع أنواع المضامين التي خلقتها ظروف الحياة الجديدة في هذه الفترة، وأصبح الناس يعرفون ويتداولون مفردات جديدة ومضامين جديدة أيضاً مثل: العمل، والكد، والكدح، ومشكلة العامل، وتوزيع الإنتاج، ودور الشعوب والحكومات في علاقات الأمم، والعلاقات الإنتاجية، والطبقات والبناء الاجتماعي، والعامل ورب العمل، وطبقات المجتمع وصراع الطبقات، والثورة، والحروب، والسلم، والسياسية، وصلة اللغة بحياة الناس، والتقاليد، والأوهام، والقيم المجتمعية، وأبحاث علوم الطبيعة، وأبحاث النشوء والارتقاء، ونظريات العلوم..الخ
لقد أهّل التطور في اللغة الذي أحدثه ظهور الطبقة البورجوازية صحافة فلسطين للنمو والارتقاء لدرجة أعلى، وقد بشر في الوقت نفسه بمستقبل مشرق للثقافة وبمستوى أرقى للطباعة في فلسطين. ولكن تحقق مثل ذلك بشكل طبيعي كان ضرباً من المحال حيث اندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى عام 1914، وقد توقفت الصحف عن الصدور وتعطل قطاع الطباعة أسوة بباقي القطاعات الأخرى إبان الحرب. وتساوقاً مع ذلك توقفت المطابع عن العمل وتحولت بشكل تدريجي إلى عنابر مملوءة بحديد يبدو عليه الصدأ، ويتناثر بين قطعه وحولها أسمال من ورق رطب ومغبر. وقد ازدادت وطأة هذا الواقع ثقلاً بامتداد سني الحرب حيث تعطلت المطابع الصغيرة؛ ولم يبق في البلاد من مطابع صالحة للعمل سوى تلك المطابع القائمة في الأديرة والكنائس والمؤسسات المسيحية. وبانتهاء الحرب وهزيمة تركيا انتقلت فلسطين إلى عهد جديد، ولثقافة جديدة سرّعت في عودة الحياة الصحافية والطباعية وفق معطيات الواقع الجديدة، وأسّست للنهضة الثقافية الفلسطينية المعاصرة.
محمد باسل سليمان
كاتب وباحث فلسطيني يقيم في ارم الله

الهوامش
1. محمد سليمان، تاريخ الكتابة. وزارة الإعلام، رام الله 1999. ص 304 وص 313.
2. الأب ابراهيم عياد، مقابلة خاصة معه في دير اللاتين – بيت جالا جرت بتاريخ 1999/1/23 م.
3. محمد سليمان، تاريخ الصحافة اليهودية- الإسرائيلية (مخطوطة).
4. كليوم السعفي، تطور الصحف الصهيونية التونسية للدولة اليهودية. الشرق برس، نيقوسيا/ قبرص 1989. ص31.
5. الأب ابراهيم عياد، مقابلة خاصة. مصدر سابق.
6. الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثالث. هيئة الموسوعة الفلسطينية. دمشق الطبقة الأولى 1984. ص 20-7.
7. محمد سليمان، تاريخ الكتابة. مصدر سابق. ص 327- 328.
8. د. عبد الرحمن ياغي، حياة الأدب الفلسطيني الحديث. دار الآفاق الجديدة، بيروت. الطبعة الثانية 1981. ص 77-78.
9. د. خليل صابات، تاريخ الطباعة في الشرق العربي. دار المعارف بمصر، القاهرة الطبعة الثانية 1966. ص 321.
10. د. عبد الرحمن ياغي، المصدر السابق. ص 78، نقلاً عن مجلة المشرق البيروتية ع(2 (السنة (5) عام 1903م.
11. د. خليل صابات، تاريخ الطباعة في الشرق العربي. مصدر سابق. ص 321 322-.
12. محمد سليمان، تاريخ الكتابة. مصدر سابق. ص 332
13. محمد سليمان، تاريخ الكتابة. المصدر السابق. ص 332.
14. يعقوب يوشع، تاريخ الصحافة العربية في فلسطين في العهد العثماني 1908-1918 مطبعة المعارف، القدس 1974. ص 9-7.
15. يعقوب يهوشع، الصحافة العربية في فلسطين في العهد العثماني. المصدر السابق. ص 15.
16. يعقوب يهوشع، تاريخ الصحافة العربية في العهد العثماني. المصدر السابق. ص 32 وص 93.
17. د. عبد الرحمن ياغي، حياة الأدب الفلسطيني. مصدر سابق. ص 79.
18. د. عبد الرحمن ياغي، حياة الأدب الفلسطيني الحديث. المصدر السابق. ص 122- 123.
19. د.عبد الرحمن ياغي، حياة الأدب الفلسطيني الحديث. المصدر السابق. ص 73-62.
20. د.قسطندي شوملي، الاتجاهات الأدبية والنقدية في فلسطين، دار العودة للدراسات والنشر. القدس 1993. ص18.
21. خليل السكاكيني، كذا أنا يا دنيا، دار الكاتب، بيروت 1980. ص73.س





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,864,622,174
- نشوء المسرح في فلسطين
- القوانين البريطانية وتطور الصحافة الفلسطينية
- العولمة والاستقلال الثقافي


المزيد.....




- الحكومة الإيطالية تدخل مواجهة مع الشركة المشغلة للطريق السري ...
- تسجيل يوحي أن زوجة ابن الرئيس الأمريكي حاولت شراء صمت موظفة ...
- شاب يطعن طبيباً حتى الموت في ألمانيا والأسباب مجهولة
- عدد قتلى فيضانات كيرالا الهندية يرتفع إلى أكثر من 250 وعمليا ...
- السعودية تدعم -التحالف الدولي- في سوريا بـ 100مليون دولار
- روسيا تتحصن بدرع ليزري خفي
- البنتاغون: الصين تستعد لضربنا
- أوغلو: نسعى مع روسيا لإلغاء تأشيرة الدخول كليا
- رويترز: إيران وسوريا والحد من التسلح أولويات لقاء روسي أمريك ...
- واشنطن تتهم كييف بالخيانة لبيعها محركات نفاثة لدولة ثالثة 


المزيد.....

- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش
- الطقوس اليهودية قراءة في العهد القديم / د. اسامة عدنان يحيى
- السوما-الهاوما والسيد المسيح: نظرة في معتقدات شرقية قديمة / د. اسامة عدنان يحيى
- الديانة الزرادشتية ملاحظات واراء / د. اسامة عدنان يحيى
- من تحت الرمال كعبة البصرة ونشوء الإسلام / سيف جلال الدين الطائي
- فنومينولوجيا الحياة الدينية عند مارتن هيدجر / زهير الخويلدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد باسل سليمان - امهات المطابع واثرها في نشوء الثقافة الفلسطيني