أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد السلطاني - العمارة، بصفتها رمزاً شعبوياً















المزيد.....

العمارة، بصفتها رمزاً شعبوياً


خالد السلطاني

الحوار المتمدن-العدد: 2127 - 2007 / 12 / 12 - 09:47
المحور: الادب والفن
    


عندما تراني اضحك،
فانني انما افعل ذلك،
لامنع نفسي من الاسترسال في البكاء!.

( مقطع من اغنية من اغاني" البلوز" Blues
التى يغنيها الزنوج في امريكا)


اعترف باني " محب" للعمارة. هل قلت "محب" ؟؛ ربما لا تفصح تلك الكلمة مدى اهتمامي بذلك الفعل الابداعي و "غرامي" بمنجزها الذي ينضح حداثة ويناعة!. لا ادري كيف "تراكم" هذا الكم من الاحساس تجاهها ؛ هل يمكن يعزي هذا الى سنوات كثيرة انفقتها على " تعلم" وتعليم" هذه المهنة التى اراها غاية في الاهمية و.. الجمالية؟ . فانا مابرحت تنتابني الدهشة امام لغة وثيمة الاعمال المعمارية المميزة سواء المحلية منها ام العالمية. انها تمنحني غبطة وبهجة عميقتين.
ومناسبة هذا الحديث، خبرسريع وعابر ، ربما لم يعره احدا اهتماما كثيرا في خضم الاخبار المفجعة والاليمة التى نقرأها يومياً عن عراقنا "الجديد" الديمقراطي ، لكن الخبر اثارني كمتابع لاختصاصي وازعم بانه اثاراهتمام اخرين ايضاً،. وهو باختصار ، كما نقلته "ميديا " المجلس الاسلامي الاعلى، (يمكن الاطلاع الى نص الخبر على الرابط التالي :
http://www.burathanews.com/news_article_31233.html
حول (افتتاح سماحة السيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الاعلى الاسلامي العراقي... صباح الثلاثاء 20/11/2007 مضيف الامام السيد محسن الحكيم ( رض) الذي شيد في باحة مكتب سماحته ببغداد بحضور .. عدد من الشخصيات السياسية.. ).
الى هنا يبدو الخبر عادياً ضمن مفاهيم "المناخ" السياسي السائد في عراق اليوم. لكن غير العادي هو " شكل" المضيف ومواده. ذلك لان " عمارة" المضيف تعيد انتاج ( بل وتستنسخ) اشكال بيوت القصب الشائعة في مناطق الاهوار في جنوب العراق. فالمادة " الانشائية" هي تماما، والاسلوب التركيبي هو تماماً، والشكل المعماري هو تماماً لما كان متبعا وشائعا ومعروفا منذ مئات السنين بل وربما اقدم من ذلك بكثير، وفقاً لشهادات بعض الاثاريين الذين وجدوا صورا مشابهة لبيت القصب في نتاج حضارات العراق القديم. وهو ما اشار اليه السيد عبد العزيز بقوله اثناء " حفل" الافتتاح بان ( القصب مازال موضع افتخارنا واعتزازنا. كما كان في عهد اباءنا واجدادنا واهلنا حيث كانوا يتعاملون ويسكنون في مثل هذه المضايف..).

لا اريد ان اثير قضية توق السياسيين العراقيين ونزوعهم نحو صيغ العمل " الشفاهي" ؛ الذي تمثله وتعكسه طريقة عمل المضايف وما شابهها؛ بديلا عن الاساليب الادارية الحديثة المعتمدة على "التدوين " ومنظومة تسلسل المراجع؛ والتى بذلت الدولة العراقية جهودا استثنائية وصرفت امولاً طائلة لتكريسها كصيغة مقبولة في التعاطي الاداري الحكومي. كما لا ارغب ان اجادل فيما يخص مدى عدل ومصداقية القرارات الفردية المتأخذة على وقع العامل النفسي وحالة المزاج الشخصي المترعة بها اجواء المضايف وبيوت القصب!؛ التى تختزلها العبارة المأثورة:
(شيمّني..واخذ عباتي!!)
لا اسعى، ايضا، الى طرح تساؤلات اراها منطقية، عن جدوى وجود هكذا "مضايف" والتطلع لجعلها بديلا عن مؤسسات الدولة الاخرى المعروفة والمعترف بها كمؤسسات معنية في تسيير شؤون البلد ومواطنيه. واخيرا ، لا اطمح ان احصل على اجابات مقنعة وكافية تسّوغ وجود "مراتبيات " مصاحبة دوما "لمنظومة" عمل هذه المضايف، مراتبية يتطلب حضورها حتما "رأس قمة المضيف" من جهة و"آخرون" في اقصى القاع ؛ رغم ان الدستور حل هذه الاشكالية معلناً صراحة عن سواسية جميع العراقيين بغض النظر عن انتمائهم القومي او مرجعياتهم الدينية او وضعهم الاجتماعي او الاقتصادي. ما اريد ان اطرحه ، وازعم بانه يقع ضمن اختصاصي، (مع معرفتي ان كثرا من المسؤولين العراقيين الحاليين، لا يعترفوا بجدوى الاختصاص، اياً كان نوعه!)؛ كيف خطرت "فكرة" انشاء مضيف بتلك "المواصفات" في قلب بغداد: بغداد حاضرة الدنيا ورائدة التمدن؟
فالمشهد المديني، عكس الريفي، له اشتراطاته وقيمه وسياقاته، فيما يخص نوعية العمارة واساليبها ضمن بيئة مبنية حضرية، تتأسس خصوصيتها المحددة جراء اعتنائها اساساً في حسن تسييرمعيشة سكنة تلك الحواضر، وتنظيم اماكن عملهم وتسهيل اسباب راحتهم . ولا يمكن لبيئة حضرية بحكم حداثتها وتقدمها ان تستوعب اشكال " العمران" الريفي؛ الا بعد اجراء عمليات تأويلية معقدة عليه، تتسم على حس ابداعي. بخلاف ذلك يضحى انتقال الاشكال المعمارية الريفية الالي، ومن دون تغيير، الى الوسط الحضري بمثابة نكوص عن ما انجز، وتغاضٍ غير مبررٍ عن مزايا الحياة المدينية التى توفرها البيئة الحضرية؛ فضلا على ما ترمي دلالات ذلك " الانتقال" من اساءات لسمعة الحاضرة، والاعلاء من عملية " ترييفها" الدؤوية التى عادة ما يسعى اليها ضيقو الافق المعرفي وغلاة الاصوليين والغارقون في اميتهم الثقافية.
واذ اقرّ باني عندما قرأت الخبر المنشور ورأيت صوره المصاحبة، اعتقدت جازما بانه يتعاطي مع واقعة تجري احداثها في احد مواقع الاهوار الجنوبية البعيدة ؛ المترعة الان بمائها الغزير. بيد ان اعادة قراءة الخبر مرة اخرى، وتاكيد محرر الخبر بان ما يجرى هو "في باحة مكتب سماحته" ازال نهائيا شكوكا غير قابلة للبس ، بان "الكلام " يتناول موقعا في الجادرية، اي في الكرادة الشرقية، اي في اكثر ضواحي بغداد انفتاحا وتقدما ، الضاحية التى طالما اختزلت وجه بغداد المديني والعصري والحداثي، معلنة امكانية تحقيق التعايش الاثني والتسامح الديني والانفتاح الاجتماعي ، الضاحية المعروف عنها احتضانها لخيرة تطبيقات تصاميم العمارة العالمية واعنى بها "مجمع جامعة بغداد" للمعمار "فالتر غوربيوس" احد رموز عمارة الحداثة ، كما ان موقع الضاحية ذاته شهد محاولات تصميمة جريئة ، خصصها له في الخمسينات احد اشهر المصممين العالمين، المعمار الامريكي " فرنك لويد رايت". ناهيك عن وجود خيرة تطبيقات العمارة العراقية الحديثة فيها؛ ممثلة في انجازات دور "المسبح" وعمارات "العرصات" وفي بيوتات "الجادرية" المميزة والحداثية.
ولهذا فمن الصعب بمكان تقبل وجود "عمارة " بدائية حافلة برموزها الشعبوية التى يراد بها معاكسة التقدم العمراني ، وتقديمها لنا كاحد "انجازات" بغداد العمرانية . وثمة تساؤل يفرضه وجود مثل هذا النوع الشاذ من العمارة في بيئة بغداد المبنية الحديثة، ماذا لو رأينا، احتذاءا بعمارة المضيف اياه، بيوتا " تسقى" بنواعير فراتية منتصبة على شواطئ دجلة؟. ماذا يمكن ان نقول لو انتشرت في المشهد المديني " بيوت الشعر" التى تقلـّد اشكال "خيم" بوادي العراق وصحاريه؟ . عند ذاك تفقد بغداد خصوصيتها التخطيطية "كحاضرة" مدينية ، لها افضال معروفة على مسارحركة التمدن الاقليمي والعالمي. ولهذا اعتقد بان ازالة هذا " المنشأ" الغريب عن سياقات العمران البغدادي المديني، هو الحل الامثل الذي يتعين على عقلاء المجلس الاعلى اجراءه حفاظا على سمعتهم اولا، وعلى سمعة مدينتهم : حاضرة الاسلام، ومثال نجاحه المديني الهام.
ومعلوم اني هنا، لا اعترض ( ولا يحق لي ذلك) على طبيعة البواعث التى تجعل الاخرين تتقصى وسائل متنوعة لاحياء ذكرى رجالاتهم. ان اعتراضي ، كمحب الى بغداد- الحاضرة، ومحب الى مهنتي، يتمحور حول نوعية "اشكال" تلك الوسائل، التى طالت بتأثيراتها الذائقة الجمعية وخرجت من اطارها الخاص الى العام. فنحن، هنا ، لا نتكلم عن اهتمام فلكلوري شخصي، تنحصر تبعاته في تجسيد نزعات مشروعة من " نوستالجيا" ماضوية، تعكس حنين البعض الفطري لازمان " سعيدة" يروها خالية تماما من اي مشاكل؛ وانما نتعاطي مع "حدث " معماري تنبع اهميته من اهمية " موقع" اصحابه الان في المشهد السياسي العراقي، وما يمكن له من ان "يرسل" اشارات مغلوطة قد يفسر مغزاها بانها تنشد معاكسة اتجاهات المسار التاريخي، وما يمكن لها ان تشي الى " سطوة" القيم الشعبوية الرثة وتفوقهاعلى القيم العقلانية والحداثية، وكل ذلك يجري على وقع حملات محمومة تسعى جاهدة "لترييف" اسلوب الحياة المدينية وايجاد البديل "المعماري" لها.، ومرة اخرى نتساءَل، كيف قدر لهذا "المنشأ" ان يظهر، وكيف تمت اجازة بنائه؟ ومن الذي اجازه من مؤسسات امانه العاصمة؛ هي التى تعرف جيدا بان وجوده يعد مخالفة صريحة للانظمة والتعاليم البنائية المعمول بها في الامانة؟ وهي حالة نحمل مسؤولية تبعاتها ادارة الامانة ، ونطلب منها تبريرا لتغاضيها الفاضح عن ظهور مثل تلك المنشاءات في مواقع لا تزال تعتبر(!!) ضمن حدودها الجغرافية وبعهدتها القانونية.

اعرف ان صوت اعتراضي ، ربما لا يجد صدىً مقبولا عند بعض الذهنيات المؤثرة الان في المشهد السياسي لعراق اليوم. لكن واجبي المهني والاخلاقي يدعوني الى رفع هذا الصوت المعترض على اساءات اراها مخجلة بحق المدينة / الحاضرة، وشائنة بحق العمارة. ثمة اساءات كثيرة لحقت برموز بغداد الثقافية مؤخرا ، كما ان تشويهات عديدة طالت اساليب حياتها العصرية ؛ و" اجتهد" البعض في حملها قسرا على ارتداد مشين باتجاه الخلف نحو التخلف . بدأت بوادرها اولا في نهب تراثها الثقافي وعدم الاكثراث به لاحقاً ، وتشويه معالمها الحضارية وتفجير منحوتاتها الفنية وغلق اماكن تجمعاتها الثقافية وصولا الى تحريم اماكن التسلية والترفيه فيها والتحامل على كل ما يمكن ان يكون فيها جميلا ومعاصرا ومترفا وراقيا و" متبغددا"!. ما جعل كثر من المثقفيين المحبين الى مدينتهم ورمز بلدهم لان يبكوها، وهم يشاهدوا مدينتهم العظيمة تتوارى في لج من دعوات باطلة وفهم قاصر، عن معنى الانتماء والمواطنة؛ بالتوازي مع احتضان مفاهيم مبتورة تزدري في النتيجة حرمة حاضرالمدينة ومستقبلها، ناهيك عن ماضيها.
يردد السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية العراقية مرارا من ان الطاغية المقبور حرم على اكبر طائفة دينية في الشعب العراقي حق البكاء على امواتهم وعلى ذكرى اوليائهم وائمتهم. الان الوضع تبدل. فهل يسمع المتنفذون في بغداد "نواح" غالبية المثقفيين على اختفاء وجه مدينتهم الزاهر وزوال فضاءها الثقافي المرموق؟ فليس لنا، امام عشوائية الانتهاكات الفظة والاساءات المخجلة التى نعيشها او نسمع عنها الا البكاء، بكاء مرّ، لا يمكن لوجعه وكثرة بواعثه حتى استبداله بضحكات، كما يفعل زنوج امريكا التعساء.
فهل يُسمع هذا " النحيب"؛ ويتم وقفه ، بوقف تلك الانتهاكات؟
سنرى ذلك. □□





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,144,518
- خاتمة كتاب - تناص معماري : تنويع على تطبيقات المفهوم- ؛ الصا ...
- ثمانينية قحطان المدفعي :التعقيد ... والتعبيرية في العمارة *
- عمارة قحطان عوني :المفهوم الخاص للمكان
- الطليعة المفقودة : عمارة الحداثة الروسية
- تداعيات ، في طريق الى معبر- ربيعة -
- عمارة دار الاوبرا في كوبنهاغن - نقد تطبيقي
- مسرحية الشاهد : الممثل ، حينما يتماهى مع نصه
- مسرح في لبنان :النظّارة والممثلون في - قفص - واحد
- تيارات عمارة ما بعد الحداثة : التفكيكية
- تيارات عمارة مابعد الحداثة : تيار - الهاي – تيك -
- فعل العمارة.. ونصها
- - رسالة خاصة جدا ..الى سعدي يوسف -
- العَلم العراقي : مرة اخرى
- العمارة الاسلامية : التناصية وفعاليات التأويل
- ثمانينية رفعة الجادرجي : الحداثة اولا ... الحداثة دائما
- تيارات معمارية معاصرة :- سليك – تيك -
- اسبوع المدى : لقاءات المثقفين العراقيين
- عراق 9 نيسان و - المحيط - العربي
- في وداع الشيخ جلال الحنفي - البغدادي -
- اشكاليات تعاطي الاخر مع - الاخر - : العمارة نموذجا /القسم ال ...


المزيد.....




- الكدش تنسحب من حفل توقيع اتفاق الحوار الإجتماعي
- عاجل.. العثماني يقدم تفاصيل الاتفاق الذي تم توقيعه مع النقاب ...
- اشتهر بعد إلقائه قصيدة أمام صدام.. الموت يغيّب الشاعر العراق ...
- الضوء: وسيلة الرسم المغرقة في القدم
- فنانو روسيا يعدون -الصرخة- لمسابقة -يوروفيجن-
- رامي مالك يواجه -جيمس بوند- في أحدث أفلامه
- بالصور.. تشييع جثمان الشاعر الشعبي خضير هادي إلى مثواه الأخي ...
- تأكيد انضمام رامي مالك إلى سلسلة -جيمس بوند-!
- أمزازي: رقمنة التعليم والتكوين «أولوية» يرعاها الملك محمد ال ...
- بيت نيمه.. ملتقى قطري للثقافة والفنون


المزيد.....

- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد السلطاني - العمارة، بصفتها رمزاً شعبوياً