أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - عبدالرحمن محمد النعيمي - لتعزيز وتطوير المكاسب الديمقراطية ومعالجة سلبيات التعديلات لدستورية















المزيد.....


لتعزيز وتطوير المكاسب الديمقراطية ومعالجة سلبيات التعديلات لدستورية


عبدالرحمن محمد النعيمي

الحوار المتمدن-العدد: 101 - 2002 / 3 / 26 - 22:02
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    


السبت 2 مارس 2002

بعد عام من الانفراج السياسي، اطل علينا (دستور 2002) الذي أراد الحكم أن يفتتح به مرحلة جديدة في تاريخ البحرين السياسي، حيث أعلن عن تحويلها إلى ملكية دستورية، وحدد موعد الانتخابات البلدية والنيابية القادمة ، بأسرع مما كان يتوقع الكثيرون، وسط أفراح شعبية كبيرة بمرور عام على التصويت على الميثاق الوطني.

وتباينت مواقف القوى السياسية والشخصيات والمواطنين في الآلية التي اعتمدها الحكم وفي النصوص التي وردت في الدستور الجديد، مما أثار جدلاً واسعاً ولغطاً كبيراً بدأ ولم يهدأ ، بل انه في حالة تصاعد، افرز حالة جديدة من الأجواء السياسية بين الحكم والقوى السياسية، تختلف عن تلك الأجواء الجميلة التي تميزت بثقة عالية بين أطراف العملية السياسية نظراً للإصلاحات والمبادرات والخطاب السياسي والوعود واللقاءات التي تمت بين صاحب العظمة الشيخ حمد ملك مملكة البحرين وبين الشخصيات والقوى السياسية والاجتماعية والمواطنين عموماً .

فهل ما يجري على الساحة السياسية مسألة طبيعية يجب التأكيد عليها ودفعها إلى الأمام، أما أنها مقدمة لسحب سوداء داكنة، تثير المخاوف والقلق، وتضع المصدات أمام الأجواء الديمقراطية المطلوبة؟.

في النظام الديمقراطي، تسود الأجواء الصاخبة من النقاشات والحوارات حول القضايا التي تعاني منها البلاد، وحول الخطط والبرامج التي تطرحها الحكومة، أو الرئيس أو الملك، وتعبر أجهزة الأعلام الرسمية وغير الرسمية، وكافة الفعاليات والقوى السياسية عن وجهات نظرها عبر الكلمة المكتوبة أو الندوات أو المهرجانات الشعبية الكبيرة أو العرائض أو المسيرات أو أية أشكال سلمية متفق عليها، وبات ذلك سمة من سمات تلك المجتمعات، لا يمكن أن تتطور الحياة السياسية دون ذلك الصراع الذي قد يخفت حيناً وقد يعلو أحيانا كثيرة يصل إلى درجة الأزمة السياسية التي تعالج بالآليات التي يضعها النظام الديمقراطي للخروج من أزماته المتكررة الطبيعية، فبدون تلك الصراعات لا يمكن الحديث عن مجتمع حيوي نشط يتطور إلى الأمام ، حيث يستمع الجميع إلى بعضهم البعض لمعرفة الآراء والاتجاهات، أحيانا يتم اللجوء إلى استفتاء عينات من الناس، عبر الإذاعة أو التلفزة، أو غيرها لمعرفة موقف مختلف الفئات الشعبية في تلك المسائل المطروحة للنقاش, ولا يكون هناك حجراً أو تعتيماً على الآراء المتعارضة، بل أن ازدهار الحياة السياسية يتم عبر صراع الأفكار والآراء وسواها.

اما في الأنظمة الشمولية، فان أي قرار يصدر عن الحزب أو الرئيس أو الملك أو الزعيم الأوحد يتم التطبيل له والترويج له عبر الماكينة الإعلامية الرسمية أو الحزبية الحاكمة ويتم دفع المبالغ السخية لمؤسسات الترويج الإعلامي، لتغذية السبات الشعبي بصحة ما اقدم عليه النظام، وإظهار الوضع على ما يريده أمام الرأي العام العالمي، من خلال برقيات التأييد أو المقابلات المبرمجة مع شخصيات تم كسبها مسبقاً لتقول ما يريده النظام. واذكر أننا كنا في إحدى الدول العربية في أحد المؤتمرات وجاءنا مراسل إحدى الصحف اليومية وفريق من الفضائية في ذلك البلد ليطلب رأينا حول ما طرحه الرئيس من مقترحات كانت لدينا ملاحظات محددة عليها، وفي اليوم الثاني وجدنا مقابلة لا علاقة لها بما قلناه في اليوم السابق، وعندما وجهنا العتب لذلك الصحفي، قال بأن الوضع قد تطلب تلك الصياغات لا غيرها!! اما البرنامج التلفزيوني فلم يجد طريقه إلى الفضاء حيث أن ما ورد على لساننا لم يكن يعجب الزعيم الأوحد!!

في بلادنا، غادرنا النهج الشمولي الذي سارت عليه البلاد في ظل قانون أمن الدولة، وأكد صاحب العظمة في كل لقاءاته على ضرورة المكاشفة والمصارحة وعدم المجاملة في القضايا التي تهم الوطن ومستقبله، واسهم عظمته بسلوكه وتصريحاته ولقاءاته، طيلة عام، على إزاحة شبح قانون أمن الدولة، وشجع الكثيرين على التوجه إليه للشكوى من المظالم اللاحقة بهم من الجهاز البيروقراطي وممن أفسدهم المال والطفرة النفطية، وقد كان لعظمته فضل كبير في إشاعة الأجواء الديمقراطية وحرية التعبير، مما شجع الكثيرين على البوح بما في مكنونهم من مواقف وآراء . ولكن التغيير لا يمكن أن يحصل فجأة وتتحول البلاد من وضع إلى وضع نقيض له، بل لا بد أن تحمل المرحلة الانتقالية بعضاً من سمات المرحلة السابقة، وبعضاً من سمات المرحلة اللاحقة، والمهم أننا بتقدمها في الزمن نكتسب المزيد من سمات المرحلة اللاحقة ونغادر شيئاً فشيئاً سمات المرحلة السابقة.

لكن التعديلات الدستورية قد نزلت بثقلها على الشارع السياسي، وكانت موضع انتقادات من الجوانب التالية:

1 ـ لقد ثمنا عالياً ذلك الحرص الشديد من قبل الحكم على تطوير النهج الديمقراطي، وأهمية الشفافية وكشف المستور، لكننا لم نرى هذا السلوك الحضاري الصائب في لجنة تعديل الدستور، حيث قامت بعملها بشكل سري للغاية، وكان جميع المسؤولين حريصين على عدم تسرب حرف واحد من الدستور الجديد ـ المعدل، خشية أن يراه البعض فيتصدون له كما تصدوا للمسودة الأولى من مشروع الميثاق عندما تم تسريبها إلى الفعاليات السياسية، وكانت موضع نقد شديد من قبلها، بل لقد تم طرح ميثاق بديل من قبل قوى المعارضة السياسية.

لم نكن بحاجة إلى ذلك التعتيم، بل كنا بحاجة إلى شفافية عالية في موضوع التعديلات الدستورية، بحيث لا يفاجئ الناس بالنصوص الدستورية الجديدة، وبحيث يعرف القاصي والداني تلك التعديلات التي كان من المفروض أن تقتصر على مسمى الدولة ونظام المجلسين كما وردت في الميثاق، مع الأهمية الفائقة لمعرفة التفاصيل في كلا الحالتين.

أن إخفاء اخطر وثيقة هي الدستور المعدل عن الأنظار تعبر عن عدم ثقة النظام في الفعاليات السياسية وقوى المجتمع التي ستعطي ملاحظاتها على هذه الوثيقة التي هي العقد بينهم وبين الحاكم. فكيف يمكن لأي مواطن أن يقول بأنه وافق على العقد المعدل دون أن يطلع عليه، أو دون أن يطلع عليه من خولهم من النواب لمعرفة نصوص ذلك العقد بين الحكم والشعب؟

وحيث أحيطت المسألة بالكتمان الشديد، فقد كنا نتصور ـ ونحن واهمين ـ بأن لجنة تعديل الدستور لم تجتمع وان الوقت مبكر على الحديث عن هذا الموضوع، وانه من المستحيل أن يتم تعكير هذه العلاقة الجميلة والتي برزت لأول مرة في تاريخ البحرين بين الحاكم والشعب، بإصدار دستور جديد دون أن يمر عبر الآلية التي نص عليها الدستور القديم، ودون أن تطلع القوى السياسية على مسودة التعديلات التي ينوى الحكم إدخالها، حتى جاء يوم الخامس من فبراير ممهداً الأجواء لتلك التعديلات، مع حرص شديد ـ لا ينسجم والثقة العالية والكبيرة التي سعى الجميع أقامتها طيلة عام ـ على عدم خروج النص إلا يوم إعلان المملكة وخطاب سمو الأمير، حيث تمت طباعة الدستور الجديد بأسرع من البرق، وبشكل لفت الانتباه إلى هذا الإنجاز الكبير لدى القائمين على هذا العمل الإعلامي .

2 ـ يجب الانتهاء من مسألة الخبراء الأجانب والمستشارين الأجانب وإعادة الاعتبار للكفاءات الوطنية التي تزخر بها البلاد.

أن بلادنا دولة مستقلة منذ اكثر من ثلاثين عاماً، ولدينا دستور اسهم في صياغته ومناقشته أعضاء المجلس التأسيسي المنتخبين والمعينين على حد سواء، طيلة ستة اشهر، بحيث بدا في الحلة القشيبة التي لم تعجب البعض في السبعينات، فجمدت ابرز مواده، ووضعت البلاد في الفراغ الدستوري طيلة الفترة المنصرمة. وليس من المستحب أن نضع قرارنا وعقدنا بيد خبراء أجانب لا يعرف الشعب عنهم شيئاً.

أن لدينا من القانونيين والمؤسسات القانونية ما يضاهي كثرة من البيوتات القانونية العالمية، ويكفى أن لدينا الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب، ولدينا اخوة في اللجان القيادية للمنظمات الحقوقية الدولية، ويكفي المواقف المشرفة لمحامينا طيلة السنوات الماضية التي جعلتهم موضع تقدير كل أشقائهم وأصدقائهم العرب والأجانب، فكيف تسمح الحكومة لنفسها أن تستعين بخبرات أجنبية وتلغي من حسابها جمعية المحامين البحرينيين، أو تلك الكوكبة من المحامين غير العاملين كموظفين لديها، والذين شاركوا في لجنة تعديل الدستور، والذين نحترمهم ونقدرهم، ونرى بأن الآخرين لا يقلون كفاءة عنهم في الفقه الدستوري؟

أننا نريد دستوراً يستجيب لواقعنا المعاش، لتضحيات شعبنا، لتطلعات مليكنا في ملكية دستورية على غرار الديمقراطيات العريقة، هذا الدستور الذي لا نريده مقطوعاً عن سابقه، بل امتداداً وتطويراً لسابقه. لا يشكل ردة إلى الوراء في أي قضية من القضايا المطروحة للنقاش وخاصة مسالة فصل السلطات التي نص عليها الدستور القديم والجديد على انه (لا يجوز لأي سلطة من السلطات الثلاث أن تـتـنازل عن سلطاتها للأخرى)! ومسألة السلطة التشريعية التي يجب أن تكون وبالدرجة الأساسية من صلاحيات ممثلي الشعب، وبالتالي لا يستطيع القيام بذلك إلا أبناء البلاد نفسها. وليست هذه المرة الأولى التي يعتمد الحكم فيها على الأجانب بدلاً من الكفاءات المحلية، واتمنى أن يثق النظام الملكي في كفاءات وقدرات أبناء الشعب اكثر من المرحلة السابقة، بحيث نغادر وبالتدريج سياسة الاعتماد على الأجانب، ليس فقط في الدائرة القانونية، وانما أيضا في كافة المواقع التي يزدهر فيها العنصر الأجنبي لا لكفاءته والحاجة إليه، وانما للتستر على فضائح مالية مثلاُ، أو لحاجات أخرى في بعض المواقع والشركات والوزارات.

3 ـ لقد أبدينا ـ في جمعية العمل الوطني الديمقراطي ـ كما أبدى اخوتنا في الجمعيات السياسية الأخرى ملاحظاتنا حول الآلية التي اعتمدها الحكم، وحول التعديلات التي أدخلت في الدستور، بحيث جعلته يختلف في الكثير من الجوانب عن الدستور القديم، وبات من حقنا أن نقول بأنه دستور جديد وهبه صاحب العظمة إلى شعبه، وبات من واجبنا أمام هذه الوضعية الجديدة أن ندرس هذا الجديد، وان نسجل الملاحظات عليه، مستندين في ذلك على الدستور القديم الذي يشكل المرجعية الأساسية لنا، والى ما ورد في الميثاق من استـشراف للمستقبل، ومن الوعود الجميلة التي قدمها عظمة الشيخ حمد بتأكيده أن المستقبل سيكون بالضرورة افضل، وأننا نطمح للوصول إلى مستوى الديمقراطيات العريقة.

4 ـ أن من الضروري أن يكون مفهوماً موقف المعارضة السياسية، وتمسكها بحقها في التعبير، ورفضها المطلق لكل شكل من أشكال العنف، كما نرفض استخدام الخطاب السياسي غير العقلاني، والذي يشحن النفوس باتجاه خاطئ بدلاً من توعية الناس بما ورد في الدستور الجديد ومقارنته بما ورد في الدستور القديم، وحجم التراجع الذي حصل دستورياً، دون أن نقلل من قيمة وأهمية الانفراج السياسي والمكاسب الكبيرة لكل شعب البحرين، التي تحققت في عهد صاحب العظمة والتي ستسجل بأحرف من نور في تاريخ البحرين، ونرى ضرورة التمسك من قبل الحكم بالأجواء الديمقراطية وحرية التعبير، التي سترفع مكانة البحرين عالياً، ونحن مختلفون مع الحكم في هذه التعديلات. وضرورة تمتع المسؤولين بسعة الصدر للاستماع إلى كل الملاحظات، (وقد شكلت الجمعيات السياسية لجنة قانونية مشتركة لوضع دراسة مقارنة بين الدستورين، سيتم رفعها إلى المسؤولين كما سيتم الاسترشاد بها للتوعية الشعبية) ونتمنى أن يتم درسها من قبل مستشارين مخلصين لهذه البلاد، وبالتالي فأننا نرى بأن الحوار والنقاش والصراع السياسي في هذه المرحلة ضروري ، ومن المفيد أن يدخل رموز النظام في النقاش الدائر لخلق المزيد من العلاقات والحوارات التي تثري الحركة السياسية، وتجعل الأبواب مفتوحة بين الحكم والقوى السياسية.

**

بعد تسجيل هذه الملاحظات، من المفيد القول بأن تجارب الكثير من بلدان العالم ، قد شهدت موجات مد وجزر في مجال التشريع الدستوري، خطوة إلى الأمام، خطوات إلى الوراء والعكس، لكن الاتجاه العام العالمي هو التقدم باتجاه المزيد من الديمقراطية، والمزيد من المشاركة الشعبية، والمزيد من تحسين التشريعات، والمزيد من التطوير للدساتير لتواكب التطور الاجتماعي والسياسي واحتياجات المواطنين في ذلك البلد.

بالنسبة لنا فان وضعيتنا على النحو التالي:

بالرغم من المعارضة التي أبدتها بعض القوى السياسية عام 1972، قبيل تشكيل المجلس التأسيسي، والتي تركزت حول تعيين نصف الأعضاء، وسن الانتخاب والترشيح، وحق المرأة في المشاركة، إضافة إلى المطالبة بتحقيق الانفراج السياسي، فقد صدر الدستور الذي ثمنه الجميع أجريت انتخابات لمجلس وطني ضم ثلاثين عضواً منتخباً ، وشارك فيه 14 وزيراً يمثلون 26% ممن يحق لهم التصويت على القوانين (أي أن السلطة التنفيذية قد حشرت نفسها في السلطة التشريعية وشاركتها صلاحياتها رغم النص الدستوري الذي يقول بعدم تنازل أي سلطة من السلطات الثلاث عن حقها للأخرى) وتمسك بهذا الدستور الغالبية الساحقة من شعب البحرين، وبات أحد المطالب الأساسية للحركة الدستورية ، طيلة ربع قرن، هو تفعيل الدستور وإعادة الحياة البرلمانية.

وعرفت البلاد مرحلة غياب المجلس الوطني، وغياب أي صيغة من صيغ الشورى لمدة 17 عاماً عندما أعلن الحكم عن نيته إقامة مجلس الشورى عام 1992، لاستباق المطالبة الشعبية بالعودة إلى الحياة البرلمانية، وكان رد الحكم في اللقاء مع اللجنة التي ضمت المرحوم الأستاذ حميد صنقور، بأن مجلس الشورى المعين هو الصيغة الصالحة لظروف البحرين، وكانت جلسات المجلس الأول سرية، وأحيطت بالكتمان الشديد، ثم تطور الوضع في دورته الثانية حيث فتحت الأبواب قليلاً، ثم ازدهر المجلس الثالث حيث شهد الكثير من النقاشات المثمرة، لكنه لم يستطع ولم يعمل أحد من أعضائه ليقدم نفسه بديلاً عن المجلس المنتخب ذي الصلاحيات التشريعية والرقابية.

وفي الدورة الأخيرة، تم التطرق إلى مستقبل هذا المجلس، حيث اثار أحد المسؤولين بأن النية متجهة إلى تطوير هذا المجلس ليقوم بدور اكبر في الحياة السياسية، لكن المعنيين بالشأن السياسي كانوا مشدودين إلى الإصلاحات الكبيرة التي يقودها صاحب العظمة والوعود التي قيلت في الكثير من المناسبات من قبله ومن قبل ولي العهد ومن قبل وزير العدل حول المجلس المنتخب وصلاحياته، وبالتالي استمر الاعتقاد بأن مجلس الشورى شأن يعني الحكم ولا يعني الحركة الدستورية.

التعديلات الدستورية أعطت المجلس المعين صلاحيات تشريعية، خطوة إلى الأمام بالنسبة للمعين، عبر عن ثقة النظام بالصيغة التي سار عليها، بينما قلل من الدور التشريعي للمجلس المنتخب تعبيراً عن عدم ارتياحه من تجربة المجلس الوطني السابق، وخشيته من أن يصل إلى المجلس المنتخب شخصيات معارضة تعيد مسلسل الأزمة السابقة التي أوصلت الحكم إلى تعليق الحياة البرلمانية.

ويبدو أن هذه المخاوف الرسمية قد تمت تغذيتها من بعض قوى المعارضة التي أشاعت الوهم بأنها ستسيطر على المجلس المنتخب وستعيد النظر في كافة القوانين التي صدرت في الفترة السابقة، وخاصة قانون التجنيس، مما وضعنا في حالة تخوف متبادلة من المجلس النيابي القادم وما يمكن أن يكون عليه مستقبل الحياة السياسية في البلاد.

يتحدث الكثير من المسؤولين عن تجارب بلدان الديمقراطيات العريقة التي أخذت بنظام المجلسين، بل أن البعض يرى بأن خروج بعض الدول العربية من الأزمات التي يسببها النواب يتم عبر اعتماد نظام المجلسين، وبالتالي فان من الضروري معرفة الأساس النظري الذي يرتكز عليه تطوير الحياة السياسية والدستورية في كل بلد، وهل يتم على أرضية تحقيق المزيد من التقدم في التشريع لمعالجة سلبيات المرحلة السابقة، أم يتم لتحاشي صراعات لا مفر منها بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كمظهر من مظاهر الحياة الديمقراطية في بلدان العالم.

في دراسة قيمة للمعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي حول (غرفة واحدة أم غرفتان)، يتطرق فيها إلى تجارب عدد كبير من بلدان العالم والتطور الدستوري فيها، نورد التجربة البريطانية كمثال، حيث أنها من الديمقراطيات العريقة.

تقول الدراسة: "تعكس المؤسسة التشريعية الثنائية في المملكة المتحدة سبعة قرون من التطور...

تتوفر للمملكة المتحدة التي تصل مساحتها الجغرافية تقريباً إلى 240000 كلم مربع، على مؤسسة تشريعية عرفت تطوراً محسوساً رغم غياب دستور مكتوب، وكان مجلس العموم، الغرفة السفلية، يعمل في القرن الثالث عشر كهيئة استشارية لمجلس اللوردات الذي كانت العضوية فيه مرتبطة بالتعيين الملكي والوراثة والأسبقية في الكنيسة الكاثوليكية. وفي الخمسينات من القرن السادس عشر، بدأ مجلس العموم ينتقد غياب أية رقابة على سلطة الغرفة العليا. وخلال العشرينات والثلاثينات من القرن الثامن عشر، أصبح غياب المحاسبة السياسية للبرلمان موضع نزاعات متنامية وأثار استياء عاماً أدى إلى إعادة النظر في القوانين الانتخابية البريطانية . هكذا أعادت الإصلاحات التشريعية لسنة 1832 توزيع المقاعد على أساس صيغة أدت إلى أضعاف تأثير الأرستقراطية والكنيسة في مجلس العموم، شيئاً فشيئاً، ومع ترسخ ممارسة المحاسبة داخل مجلس العموم المنتخب من قبل الشعب من جهة، وانحصار الأرستقراطية في مجلس اللوردات من جهة ثانية، دخلت إصلاحات تشريعية جدية حيز التنفيذ في 1911 و1948. ونتيجة لهذا التطور اصبح مجلس العموم يلعب دور المشرع الأساسي، في حين اكتفى مجلس اللوردات بدور تشريعي ثانوي.

.... وكما هو الشأن في معظم الأنظمة البرلمانية، تستمد الحكومة شرعيتها السياسية من المجلس المنتخب من طرف الشعب والذي يتمتع بسلطة حاسمة يستطيع إقالة الحكومة بواسطة التصويت على ملتمس"نزع الثقة".

اما مجلس اللوردات فان أعضاءه يحصلون على مقاعدهم اما عن طريق الوراثة أو بتعيين ملكي لمدى الحياة، وبالرغم من أن السلطة التشريعية للمجلس قد أصبحت اليوم محدودة بنسبة عالية، لا زال مع ذلك يحتفظ بهامش من المصداقية يستطيع من خلاله تحسيس الرأي العام حول القضايا السياسية العامة أثناء المناقشات البرلمانية. وان كان مجلس اللوردات يتوفر على سلطة تأخير المصادقة على مشاريع القوانين إلى غاية سنة واحدة ، فانه لم يسبق له إلا نادراً أن مارس فعلا ًسلطته بغرض تأجيل المصادقة على تشريعات ذات أهمية تذكر".

هذا ما يقوله تقرير المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي ، أما ما يقوله رئيس تحرير جريدة أخبار الخليج بتاريخ 27 فبراير 2002، في مقاله الافتتاحي بعنوان (نظرة إلى الأمام) "وفي بريطانيا مثلاً، فان أعضاء مجلس العموم منتخبون، وأعضاء مجلس اللوردات يتم تعيينهم، ومع هذا فان لمجلس اللوردات سلطات هائلة، وبمقدوره عملياُ أن يعرقل أي قانون أو تشريع"!!!

**

في الأيام القادمة ، ستشهد البلاد حراكاً شعبياً باتجاه انتخابات أعضاء المجالس البلدية.

تلك خطوة كبيرة إلى الأمام، وسنشهد منافسة حادة بين المرشحين، ومن المفيد التوقف أمام هذه التجربة، لكن من الضروري القول بأن الجمعيات السياسية مطالبة في هذه الفترة بالتعاون، بين بعضها البعض، ومع كل الشخصيات المستقلة، وان يكون هدفنا في الانتخابات خدمة شعبنا، من خلال ترشيح الشخصيات الأكثر نفعاً وقدرة في هذه المجالس، وان نبرهن بأننا متمسكون بشعار "الرجل المناسب في المكان المناسب".

والمشاركة في الانتخابات البلدية واجب علينا، وهذا ما قرره الاخوة في جمعية العمل الوطني الديمقراطي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,153,531,428
- عيد التضامن مع أبطال الانتفاضة، والإصلاح الوطني المنشود
- حصيلة عام من الانفراج السياسي
- لتعزيز وتطوير المكاسب الديمقراطية ومعالجة سلبيات التعديلات ا ...
- عيد التضامن مع ابطال الانتفاضة، والاصلاح الوطني المنشود
- التعديلات الدستورية في البحرين
- المشروع الإصلاحي النهضوي يتطلب الشفافية والرقابة المجتمعية
- نحو تطوير العمل الخليجي الشعبي المشترك


المزيد.....




- أردوغان عن هجوم منبج: مقتل 20 بينهم 5 جنود أمريكيين
- اليمن: مجلس الأمن يقر نشر مراقبين دوليين بالحديدة لضمان وقف ...
- بعد مشاركته بمنتدى -غاز المتوسط-.. وزير إسرائيلي في القلعة و ...
- أردوغان: التفجير الذي هز اليوم مدينة منبج السورية أسفر عن مق ...
- مجلس الأمن يوافق على نشر ما يصل إلى 75 مراقبا للهدنة في اليم ...
- أطباء يحذرون من زيادة انتشار المرضى النفسيين في شوارع فرنسا ...
- لماذا اضطر ترامب إلى مراجعة حساباته بشأن الإنسحاب السريع من ...
- كوربين يصف حكومة تيريزا ماي "بالأموات الأحياء"
- مجلس الأمن يوافق على نشر ما يصل إلى 75 مراقبا للهدنة في اليم ...
- أطباء يحذرون من زيادة انتشار المرضى النفسيين في شوارع فرنسا ...


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - عبدالرحمن محمد النعيمي - لتعزيز وتطوير المكاسب الديمقراطية ومعالجة سلبيات التعديلات لدستورية