أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - عصام الياسري - الحروب أحد أسباب تراجيديا الصراعات النفسية عند الأطفال..






















المزيد.....

الحروب أحد أسباب تراجيديا الصراعات النفسية عند الأطفال..



عصام الياسري
الحوار المتمدن-العدد: 2007 - 2007 / 8 / 14 - 11:27
المحور: حقوق الاطفال والشبيبة
    


لا أخفي بأن مشاهداتي لما تعرضه باستمرار وسائل الإعلام العالمية حول ما يجري في سجون العراق على يد قوات الاحتلال وأجهزة السلطة العراقية بحق الأسرى العراقيين دون استثناء، وأن ما عرض مؤخراً من مشاهد مرعبة حول معاناة الأطفال في أحدى دور الحضانة الخاصة بالمعوقين، دون إشراف أو حماية أو عناية. كان السبب الأساس الذي أثار في نفسي الغضب والاشمئزاز، وحفزني لتوليف هذا النمط من المعالجة لظاهرة " الصراعات النفسية " لدى الأطفال حصراً. حدث وقفت القيم والأخلاقيات منه عاجزة، متوارية الأنظار والمسؤولية، بشكل لا ينسجم بأي حال من الأحوال مع بايلوجية الإنسان وسلوكه السيكولوجي الرفيع.

في قاموس عصابات المافيا مصطلح "باته Pate " الأب الحريص على وحدة وقوة المنظمة، مقابل الولاء لقيادته، ما أن ينمو الصراع بين القيادات إلا وتعم الفوضى والقتل المتبادل بين العصابات، كما كان يحدث حتى وقت قريب في الكثير من المدن الإيطالية والأمريكية.. ما يجري اليوم في العراق اقرب الى هذه الصورة مع فارقين أساسيين، الأول أن العراق تحكمه قيادات إن لم أقل "ميليشيات" كثيرة، تتعامل بعقلية متخلفة مع محيطها الاجتماعي، وتحارب بعضها البعض. الثاني أن هذه القيادات لا تمتلك قدرة السيطرة على منتسبيها، كما لا تستطيع تطبيق القانون والنظام على الجميع. الأمر الذي أسس الى اشتداد الإرهاب وازدياد عمليات الخطف والقتل والاعتقال بين الأطفال، بيد أن أعداد اليتامى والمشردين منهم دون سن الرشد بات يتجاوز المليون والنصف.

في رواية الكاتب الألماني كونتر كراس Günter Grass Danzig 16 Oktober 1927 طبل الصفيح „Blechtrommel 1979 „ لم يعد بطلها، الطفل، أوسكار Oskar يتحمل انتظار موعد احتفاله بعيد ميلاده الثالث ليحصل على هديته " الطبل " الذي وعدته به أمه.. بعد سنوات من احتلال القوات النازية الألمانية بلدته المنكوبة دانتسك، يقف في سن مبكر أمام الحرب وويلاتها. دوامة الصراع النفسي تجعله أسير جوع وقهر والم. شديد الكارهية للحرب والموت والدمار والاحتلال.

وبينما كانت الطائرات تسقط مؤنها الحربية، والمدافع تضج بأعنف مواجهات عسكرية. يغامر أوسكار في النزول الى السرداب لإخراج طبله القابع بين الأنقاض والوسائل العتيقة، متحدياً نصائح أمه بعدم الخروج إلى الشارع. يتأبط الطبل العالق من فوق كتفيه بكبرياء، يضرب بقوة على قاعدتيه الجلديتين عله يقهر جدار الصمت، ساخراً من الغزاة ومعرضاً أهله للمسائلة والملاحقة والمعاناة، بيد أن الحدث لم يترك مجالاً لأن ينزوي لجمع مفردات خواطره ومستقبل حياته، بعيداً عن أهوال الكارثة ووقائعها.

الانتقال من قراءة الرواية، إلى أبجديات الحدث كفعل قائم، لا يغدو وصف المشهد، كما تترجمه حركة الكاميرا وهي تنتقل من مكان لآخر بأسلوب ميلودراما مؤثر، إلا وصفاً دقيقاً، يعيد صياغة الوقائع من جديد، كل مرة يذهب ضحيتها الآلاف في زمان ومكان آخر من محيط عالمنا المترامي الأطراف، لكن بأساليب وتقنيات عصرية يستحدثها العقل البشري وفقاً لمصالحه وأطماعه.

وعلى الرغم من أن الحدث قد وقع في عالم غير الذي نريد الولوج في تفاصيله، لكنه يبقى في إطاره المجازي، شاهداً على سير الأحداث. ولعل مشهد الحروب المتكررة هنا وهناك، تطبع اللحظة الدراماتيكية الفاجعة التي أسهم الإنسان في صياغتها، مثلما قام باكتشاف العلوم وصنع الحضارة والسعي لتدميرها أيضاً.. ورغم دخول المجتمعات عصر التكنولوجيا بشكل فائق، لم ينكفئ الإنسان عن ارتكاب الجرائم وممارسة العنف النفسي والبنيوي بحق المجتمعات الإنسانية، تقنياً وعسكرياً، حد الإيغال في قتل الأطفال وسلبهم أحلامهم بطريقة همجية، يغدو فيها الموقف من الحرب والسلم موقفاً متقارباً الى حد كبير، يساوي بشكل مثير للجدل بين الضحية والقاتل.

تؤكد الدراسات في إطار تحليل الأحداث " العسكرية " القديم منها والمعاصر بالوقائع، على أن مظاهر التخلف والقهر الاجتماعي الذي يعاني منه الأطفال جراء الحروب الظالمة التي يؤسس لها السياسيون والعسكريون هنا وهناك، لا زال يشكل خطراً متواصلاً في أماكن مختلفة من العالم. فيما يراوح، سياسياً وأخلاقياً، خيار السلم ونبذ الاحتلال وأساليب العنف، في محيط ضيّق على الرغم من الدعوات الشديدة لهذا الخيارات.

أن الحضارة الإنسانية لم تستطع لحد الآن أن تؤثر على طبيعة وسلوك الإنسان وممارساته، فكرياً وثقافياً، كما لم تتمكن من إحداث تغيير شامل في رحاب الماضي للبحث عن حاضر جديد يواجه الصراعات النفسية، التي يعاني منها الأطفال في أماكن كثيرة، ومنها العراق وفلسطين على وجه التحديد..حيث يتعرض الأطفال للأذى والأمراض والجوع وعدم الاستقرار النفسي، بسبب الاحتلال الذي تتصاعد في ظله عمليات المقاومة، أو بسبب الحروب والنزاعات والافرازات الاجتماعية والبيئية، أو بسبب الخوف من مستقبل مجهول وأساليب العنف التي تمارسها مؤسسة الدولة بصورة مطلقة.

مشهد الحرب في تفاصيله أينما كان، يشكل موروثاً قاتماً، تعاني المجتمعات منه كما يعاني الأطفال الأبرياء. أن ما يجري في العراق وفلسطين من قتل وتدمير وانتهاك لحرمة الإنسان والمجتمع بأساليب وحشية، يبقى مدعاة للاستهجان والاستنكار، كما يشكل مظهرا من مظاهر العنصرية، التي تقدس مفهوم العنف والحرب وفرض الطاعة بقوة السلاح لأجل سلخ المجتمعات استقرارها، وسلبها حرياتها وإلغاء إيمانها بنمط حياتها الذي اعتادت عليه منذ مئات السنين.

وبالقدر الذي وصلت فيه العلوم والتكنولوجيا أعلى مستويات التطور، بلغت مظاهر معانات الأطفال في أنحاء كثيرة من العالم أعلى درجاتها، وأصبحوا يحملون همومهم النفسية والجسدية والخلقية معهم لأجيال، ولعل أحداث الحرب العالمية الثانية مثالاً صارخاً على التناقض بين التطور التكنولوجي ومصير الإنسان.. فما إحياء الولايات المتحدة الأمريكية مشروع "النظام العالمي الجديد" الاستعماري القديم الجديد الذي وضع أسسه أبان الحرب العالمية الثانية الجنرال الصهيوني المقرب من هتلر في العصر النازي شتاين „Stein“ إلا وجهاً من أوجه هذا التناقض القائم على سلب الشعوب خيراتها، وبالتالي استعبادها والتحكم في مصيرها ، أكثر من أن يكون نظاماً اقتصادياً يوازي بين المصالح المتبادلة وحرية الإنسان، مفتاح التقدم والاستقرار الفكري والنفسي.

الحروب بكل أشكالها قاسية، وهي لا تؤثر على النظام الأسري المترابط اجتماعياً وسلوكياً وحضارياً وحسب، إنما تشكل عاملاً خطيراً يقود إلى صراع فكري وجيوديمغرافي. كما تُحدث تراكمات اجتماعية تمهد لأمراض وصراعات نفسية داخلية عند الأطفال، وتدفع بالطقوس الجميلة والأحلام والانجذاب نحو الحياة والاستقرار والطمأنينة واللعب بهدوء، وأحياناً بشدة، نحو الهاوية.. والحرب أينما كانت، ستفرض على الأطفال حمل السلاح في سن مبكرة للدفاع عن النفس والبحث عن ألذات، العامل الأساس، الذي يجعلهم أما استئثاريين يغلب طابع العنف على سلوكهم العام فيما بعد، أو يركنون الى ملكات ألازمات النفسية التي من مظاهرها الطبيعية الانحطاط التربوي والإنساني، والحد من النمو الفكري.

نقلت أحداث لبنان في الثمانينات وفيما تلاها من حروب عدوانية آخرها حرب تموز2006 نماذج عن مواجهات اللبنانيين مع العدو الصهيوني على أرض وطنهم، تركت أثراً سلبياً على حياة ومستقبل الأطفال على كافة المستويات.. لكن هل أراد اللبنانيون الحرب فعلاً؟، أم أجبروا على مقاومة العدو الذي كانت طائراته تحلق فوق سماء لبنان بارتفاع منخفض، ترمي أطنان القنابل فوق مضاجع الأطفال وآمالهم، فيغدو الدم سيلاً وينتشر الخوف والدمار بين الناس، ولا يبقى من ملاذ آمن يقود إليه العقل بشكل مألوف.

الحروب في أشكالها ونتائجها لا تختلف مهما تعددت مراسيم الداعية لها، القتل والموت والدمار واحد، الجوع والشقاء المنتشر في زوايا ومنعطفات الحياة، هي أبرز عوالمها التي تسبب التوتر وعدم الاستقرار النفسي والعقلي والجسدي الذي لا يطاق ولا يمكن التغلب على آثاره بسهولة.. خذ على سبيل المثال "أطفال فلسطين والعراق" أصبحوا يعانون بسبب الحروب وأساليب العنف المنتشرة من إفرازات وترسبات خطيرة، ستؤثر على نمو الأجيال القادمة بشكل ملموس.. والحرب كما يؤكد أطباء الأمراض النفسية لم تكن السبب الوحيد في زيادة مظاهر العنف والإحباط والتخلف داخل المجتمعات التي خرجت تواً منها. إنما العوامل الفيزيائية والكيميائية التي تتركها الأسلحة الخطيرة على البيئة والأرض بشكل كثيف، تشكل هي الأخرى خطراً على الجينات البشرية وحياة الإنسان والمجتمع.

الصور التي تعرضها وسائل الإعلام المختلفة أثناء الحروب، تسفر هي الأخرى عن إضطرابات عقلية لا يمكن تخيلها، ولعل مشهد الطفل الفيتنامي الذي يتضرع راكعاً أبان الحرب، أمام جندي أمريكي يوجه نحو جبينه فوهة البندقية، لان يغفر له، فيما تستقر الرصاصة بدم بارد في رأسه، ما يثير شجون الصغار والكبار.. إن التغلب على مظاهر الصراع بين الذات العليا والذات السفلى، ومواجهة العوامل النفسية التي تفرزها ظروف الحرب، يعتمد بالدرجة الاولى على مدى هيكلة التوازن والعودة لحالة الاستقرار، الذي يفصل بين الحياة أو الموت.. الخاتمة هي لحظة النهاية التي تحدد مصير إنسان، تعجل بحياة واحد، وتمنح الآخر حظ الحياة ليبقى أسير قلق الجريمة الى الأبد.

إن مشهد الطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي قتل بدم بارد على يد جنود إسرائيليين رغم مناشدة والده بوقف الرصاص، يقرب واقع حال أطفال العراق من المشهد الذي عانوا منه أيام الحصار واليورانيوم الذي سببته أسلحة الدمار الأمريكية خلال حروبها، ومن ثم احتلالها بلدهم الذي زاد من لطم الصراعات النفسية بسبب عدم الاستقرار والقتل والإرهاب والبطالة وشحة الغذاء والدواء، العوامل التي تعد مصدراً خطيراً لإرباك الجهاز العصبي لدى الإنسان.

وإذا كان العقل البشري بطبيعته ميالاً لشن حروب لا تخضع لأي قانون أو عرف إنساني، تفرضها التناقضات المتجاذبة التي تؤدي في حالات كثيرة إلى مأر الذات وتدمير المجتمع وجعله مضطرباً. تبقى الحروب ذاتها هنا وهناك سرد تراجيدي متشابه الوسائل والاهداف والنتائج، لا تحتكم لبعد أخلاقي أو إنساني، إنما تخضع لقرار الطاعة والتنفيذ، المعيار الذي يفصل بين السعادة والدمار.

وصف الكاتب الألماني الشهير توماس مان Thomas Mann الحروب بمعناها العام، وصفاً دقيقاً، إذ سماها بالحروب " المتقاربة الشكل والأهداف والنتائج. جميعها يلجأ إلى استخدام أسوأ أنماط العنف والدمار والابادة الجماعية للمجتمعات، ثقافياً وعقلياً وجسدياً " لا يميّز بين حرب تقليدية أو محدودة الأهداف، كالنزاعات بين أمم أو جماعات أو حرب مخدرات، كلها خطيرة تعاني الإنسانية كما يعاني منها الأطفال على حدٍ سواء. ولا أظن أن طفلاً في أي مجتمع من المجتمعات، يعيش في ظل الحروب ولا يعاني من أزمات نفسية جسيمة تؤثر على سلوكه. وتبقى الحاجة إلى التغيير ضرورة، لكنها صعبة للغاية، كون وسائل التغيير غير متوفرة أو قادرة على مواجهة الحدث بعمق الحواس البدنية والمعرفية، بعيداً عن ردود الأفعال العفوية، التي تعمل على اختزال أبسط أشكال المنطق الذي يرعاه العقل علمياً ومادياً وفلسفياً.

يتناول المفكر الاجتماعي المصري المعروف سلامة موسى الحرب النفسية، لما بعد الحرب التقليدية، بأنها حرب صراع الذات مع الماضي والحاضر والمستقبل، وهي أسوأ أنواع الحروب التي لا يتحملها الإنسان، عقلياً وجسدياً. تلغي تفعيل الإرادة، وتقضي على النمو الطبيعي لدى الإنسان وبشكل خاص لدى الأطفال الذين يواجهون الحياة وسط الحروب أو الصراعات البيئية والاجتماعية والسياسية والنزاعات المحلية. وفي هذا السياق يؤكد علماء علم الاجتماع "Soziologie " على أن الحروب ونتائجها تؤثر على نمو الأطفال الطبيعي. ويعتبرون الصراعات الدولية واستعمال أساليب الملاحقة والعنف داخل المجتمع والعائلة بما فيها الملاحقة الفكرية والقهر الاقتصادي للأبوين، لا تشكل ظاهرة خطيرة وحسب، إنما تعتبر من أهم العوامل المؤثرة في عدم النمو الذهني عند الأطفال، وعرقلة مسار تطور المجتمع.

وما يثير الاستغراب وتحت طائلة الضغوط التي تمارسها أجهزة الحكم المحلية أو الاحتكارات الأجنبية، لاعتبارات طبقية أو قومية أو عنصرية، الأدوات القائمة على صناعة الحروب من أجل المصالح والامتيازات، تتجه في الكثير من الأحيان وسائل الإعلام والثقافة للترويج للحرب على أنها مقدسة أو عادلة، بدل أن تعمل على مناهضتها بالشكل الذي ينسجم مع محاربة أهداف الدعاية لها على حساب سعادة المجتمع.

تؤكد القوانين واللوائح الدولية على صيانة حياة الإنسان والطبيعة، وعدم تعريضهما للخطر أو الدمار أو الأذى، ولا تسمح بإهانة الإنسان ومعاملته بقسوة، إلى حد أنها حرمت معاملة أسرى الحرب معاملة سيئة أو عرضهم أمام وسائل الإعلام، على اعتبار أن ذلك يتنافى مع كرامة الإنسان ومعنوياته النفسية التي قد تؤدي إلى اضطراب عقلي وفكري وجسدي.

مضمون القوانين الدولية المتعلقة بالحروب بصفة عامة جيد، لكن يتعذر تطبيقها في الكثير من الأحوال والأماكن. عندما وقع بعض الجنود الأمريكيين أسرى بيد العراقيين خلال غزو العراق عام 2003 على سبيل المثال لا الحصر، بث التلفزيون العراقي بعض مشاهد التحقيق معهم، فما أن تلقت الإدارة الأمريكية خبر أسراها، إلا وتعالت مظاهر الاحتجاج والتذمر على كل المستويات، مما اضطر النظام العراقي إلى الكف عن نشر تلك المشاهد وإعطاء ضمانات عدم الإساءة إلى الأسرى. بعد أيام تداعت الأوضاع على جميع الخطوط الفاصلة، وتمكنت قوات الاحتلال الأمريكية من أسر وقتل العشرات من المدنيين والعسكريين العراقيين بمن فيهم الأطفال، لكن بدل أن تتعامل بالمثل، راحت تنشر صور الضحايا والأسرى العراقيين تحت ذرائع واهية تتنافى مع المشاعر الإنسانية والمواثيق الدولية.

في الموقف الأول إزاء تصرف المسؤولين العراقيين، استغلت الإدارة الأمريكية ذريعة القانون الدولي لأهداف سياسية وأيديولوجية وعسكرية، لتعبئة الرأي العام الأمريكي وإثارته بهدف كسب وده ودعمه للحرب على العراق. لا لسبب قلقهم على ردود فعل الصور كعامل نفسي سينعكس على أبناء وعوائل الأسرى والمجتمع الأمريكي. أما في الحالة الثانية، فأنها انتهجت فلسفة متغطرسة للإساءة إلى الإنسان العراقي والنيل من كرامته ومشاعره بدافع إثارة الخوف والفزع داخله، وتحويل ذلك الى حرب نفسية ومن ثم إحباط معنوياته فكرياً وجسدياً.

إن تمادى قوات الاحتلال الأمريكي منذ عام 2003 في أسر العراقيين ومن بينهم الأطفال، ومواجهة عوائلهم بعنف، حيث المداهمات الليلية التي لا تخلو من الترهيب والتقييد والضرب والاغتصاب والسرقة والإجبار على الخروج من الدار تحت طائلة المطر والبرد دون كساء، يشكل واحدة من مظاهر استهداف الأطفال داخل المجتمع العراقي.. وإذا كان للصور كما يؤكد علماء الأمراض النفسية وعلم الاجتماع Psychotherapeut تأثير سلبي عند مشاهدة الأطفال لها، كم يكون حجم تأثير الحرب عليهم إذ ما تكيّفوا معها بشكل مباشر، وتعاملوا مع حمل السلاح والقتل بدم بارد في سن مبكر؟.

يسعى الحكام لإيجاد الأسباب والدوافع لاكتمال سيناريو صناعة الحرب، ولأجل ذلك يطفون على مشروع حربهم، تارة مفهوم "الرومانسية" وتارة يروجون لقدسيتها. إن التوليف الذي نجحت في صياغته بهذا الاتجاه دولة الاحتكار العالمي، يرتبط باختيار حر وآخر بالإكراه. أسلوب التخطيط للحرب بسرية وانتقاء الشركاء المناسبون، وأسلوب الأوامر العسكرية الصارمة لفرض واقع جديد. ينفذ بأدوات وأسلحة "كلاسيكية" بالمفهوم الأصيل للكلمة، الذي يعني اكثر جودة ودقة، وليس كما هو دارج بمعني قديم، ليسدل الستار على تراجيديا الموت من جديد بشكل منظم، حيثما يسقط آلاف الضحايا الأبرياء تحت شعار، نريدها حرباً نظيفة ولا حرباً قذرة فصدقونا.

إذن الحرب ليس هي وحدها التي تفرز ألازمات والانفعالات النفسية لدى الأطفال، إنما أيضاً الصراع داخل المجتمع، كالنزاعات والفوارق الطبقية والاقتصادية والعوز والفقر والبطالة وممارسة الجنس المزدوج بالإكراه والاعتقال وفرض العمل في سن مبكر، على مؤسسات الدولة والمجتمع المدني أن يبذلوا قصارى جهدهم لحل معضلات هذه المأساة وتوفير أفضل الظروف للأجيال الناشئة حتى بلوغ سن الرشد، هكذا فقط سنقوم ببناء المجتمع المتحضر الذي لا يجد الإنسان فيه الخوف والظلم والمجاعة.

إن أي قراءة بسيطة لمشهد الأطفال وهم يحملون بين ثناياهم الإنفعالات النفسية جراء الحروب، تفسر لنا المغزى الحقيقي للحرب وحيثياتها بشكل مفصل. كما تكشف بشكل دقيق، نتائجها وتداعياتها، والفكر التعبوي الذي يقف وراءها لتقرير مصير الآخرين.. حسبنا نكتشف صياغة ثقافية وروحية جديدة لفهم أهمية حياتنا كما نواجهها بشكلها الجميل والقبيح، كي ندفع بمستقبلنا نحو آفاق تظلل أفراحنا وأمانينا وأحزاننا من على "بانوراما" واسعة، تعكس كل ألوان الطيف الشمسي كما نحبها وبدرجات قياسية منتظمة، تتواءم مع منهج ضمان تطوير مجتمعنا المدني، وليس مع جغرافيا السياسة وثمة قهر للإنسان تحت زيف الادعاءات والتضليل والارهاب.


عصام الياسري ـ برلين 05/08/2007
صحفي عراقي مقيم في برلين






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,518,690,825
- هل يعيد النظام الجديد في العراق إلى الأذهان فكرة صدام الخطير ...


المزيد.....


- أعمل شيئاً ألآن ليبتسم أطفال العراق مرة أخرى / غسان شمخي جبار
- اعتبروا من ثورة اطفال العراق ايها السراق ! / ناديه كاظم
- بلابل تشدو للحرية / ثامر الحاج امين
- الأطفال هم الضحية الأكبر / علي الطالقاني


المزيد.....

- الجيش يمنع القافلة الشعبية لإغاثة غزة لعدم حصولها على تصريح ...
- هجوم على حافلة تقل معتقلين من سجن التاجي
- المبادرة المصرية: موازنة مشاريع الإسكان لعام 2014-2015 تظهر ...
- قوات ا?حتلال تستهدف مكتب قناة "الجزيرة" بغزة، وا?عتداء على م ...
- الكويت: إلغاء ترخيصي جريدة "عالم اليوم"، وقناة "اليوم" التلي ...
- المبادرة المصرية: نحتاج سياسة عادلة وشاملة للإسكان
- المعتقل السياسي الصحراوي " محمد بابر " يمثل أمام غرفة الجناي ...
- وكالة الامم المتحدة للطفولة اليونيسيف: 90 بالمائة من الإناث ...
- دبي: تكريم موهوبين من ذوي الاحتياجات الخاصة
- "هيكلة الإعلام فى المراحل الإنتقالية" أحدث إصدارات ائتلاف حر ...


المزيد.....

- حقوق الطفل في التشريع الدستوري العربي - تحليل قانوني مقارن ب ... / قائد محمد طربوش ردمان
- أطفال الشوارع في اليمن / محمد النعماني
- الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة / شمخي جبر
- أوضاع الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية / دنيا الأمل إسماعيل
- دور منظمات المجتمع المدني في الحد من أسوأ أشكال عمل الاطفال / محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
- ماذا يجب أن نقول للأطفال؟ أطفالنا بين الحاخامات والقساوسة وا ... / غازي مسعود
- بحث في بعض إشكاليات الشباب / معتز حيسو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - عصام الياسري - الحروب أحد أسباب تراجيديا الصراعات النفسية عند الأطفال..