الفاشية تطرح نفسها كبديل من جديد!


توما حميد
الحوار المتمدن - العدد: 7816 - 2023 / 12 / 5 - 15:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

صرح الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب خلال خطاب له في تجمع انتخابي السبت، 11 تشرين الثاني 2023، يوم المحاربين القدامى، بانه "سيقضي على الشيوعيين والماركسيين والفاشيين وبلطجية اليسار الراديكالي، الذين يعيشون مثل "الطفيليات التي تنشر المرض" ضمن حدود أمريكا". واتهم ترامب هذه الجماعات بفعل " كل ما بوسعهم لتدمير أمريكا والحلم الأمريكي" وأضاف ان " التهديد من القوى الخارجية اقل شرا وخطورة بكثير من التهديد من الداخل".
هذا الخطاب وحتى الكلمات اقتبست من النازيين وخاصة ادولف هتلر.
وكان الامر من الوضوح بحيث حتى حملة الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن وبضع من وسائل الاعلام أشاروا الى الشبهة بين تصريحات دونالد ترامب وتصريحات قادة الفاشية قبل الحرب العالمية الثانية، ادولف هتلر في المانيا وبينيتو موسوليني في ايطاليا وفرانثيسكو فرانكو في اسبانيا وقادة الفاشية في اليابان ودول أخرى. رغم هذا قبيل التصريح بعدم مبالاة واضحة.
لم يلتق هذا التصريح رد الفعل الذي يستحقه لعدة أسباب منها الاستخفاف بدونالد ترامب وبانه مجرد تصريح ولا يعني ما يقوله، ونتيجة الانشغال بالحرب والمجازر بحق سكان غزة والقناعة بان الوضع ليس من السوء في امريكا بان يؤكل الأمور الى الفاشية.

ان هذا التصريح هو ليس مجرد كلام من شخص معتوه، ومهرج كما ينظر الى ترامب في الكثير من الاحيان. لم يكن التصريح ارتجاليا، بل كان مخطط ومدروس حيث كرر ترامب نفس التصريح على الأقل مرتين بشكل علني في نفس اليوم مستخدما نفس العبارات.
هذا التصريح هو كلام حركة سياسية عالمية يمثلها في أمريكا، ترامب. هذه الحركة هي الفاشية وهي موجودة، وفي صعود بغض النظر عن ترامب. ان سبب بروز هذه الحركة هو ازمة النظام الرأسمالي.
فالفاشية هي حركة يمينية برجوازية تبرز في وقت الازمة، اي عندما يكون النظام الرأسمالي في خطر، تهدف الى فرض نمط من النظام الرأسمالي على المجتمع بالقوة من خلال أجهزة الدولة.
في وقت الرخاء عندما يكون النظام الرأسمالي في وضع بإمكانه توفير الوظائف وتحقيق الرفاهية ونمو في المستوى المعيشي للجماهير، لا تجد الطبقة البرجوازية حاجة الى القوى الفاشية وبديلها التي هي ليست الخيار المفضل لهذه الطبقة. في هكذا وضع تروج لبديل السوق الحر، والانتخابات البرلمانية وبعض الحقوق السياسية الخ. ولكن عندما يكون النظام الرأسمالي في ازمة سواءً اقتصادية او سياسية تهدد مصيره، تبرز الفاشية كبديل. عندها يكون هناك ادغام تام بين الدولة والاحتكارات والرأسماليين. ينزع القناع عن جهاز الدولة كجهاز يخدم "الشعب" لتصبح جهاز لفرض النظام الذي هو في خطر بالقوة والتخلص من منتقديه ومعارضيه، وإزالة آليات السوق الحر، والانتخابات والاهم من كل هذا اخضاع الطبقة العاملة.
القوى الفاشية لا تكشف عن أهدافها وبرامجها بشكل صريح، بل تقوم بالتحريض حول القضايا التي تقلق الجماهير والمشاكل التي تواجه

المجتمع. وفي نفس الوقت تحاول القاء اللوم على جزء من المجتمع وجعله كبش الفداء او القاء اللوم على الأجانب والدول الأخرى.
ففي أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن الماضي، كانت المانيا منقسمة بين بقايا قوى التي مثلت الاقطاعية والمسيحية خاصة في شرق المانيا وبين طبقة عاملة تقدمية خاصة في غرب المانيا مع وجود حركة شيوعية واشتراكية قوية. في انتخابات 1932 أي قبل وصول هتلر الى الحكم حقق الشيوعيون والاشتراكيون نصف الأصوات في عموم المانيا وكان هناك خطر إقامة دولة اشتراكية في المانيا. في نفس الوقت كانت المانيا تمر بأوضاع اقتصادية صعبة جدا. التجأت الطبقة الحاكمة الى هتلر لفرض نظام رأسمالي لا وجود للاشتراكيين والشيوعيين والنقابات والاحتجاجات العمالية فيه.
مرت إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى بنفس الظروف اذ كان المجتمع ينتقل من مجتمع زراعي الى مجتمع حضري صناعي معاصر وانقسم المجتمع بين طبقة عاملة حية وتقدمية وطبقة حاولت الإبقاء على الاقطاعية والمسيحية. أوصلت الطبقة الحاكمة موسوليني الى الحكم الذي قتل عدد كبير من العمال والاشتراكيين والشيوعيين وقام بفرض رأسمالية خالية من الاحتجاج العمالي ومن النقابات والشيوعيين والاشتراكيين.
نفس الشيء حدث في اسبانيا التي انقسمت بين طبقة عاملة تقدمية يقودها الاشتراكيون والشيوعيون الذين أرادوا اسبانيا معاصرة تتخلص من بقايا الاقطاعية والكاثوليكية وبين الذين أرادوا المحافظة على النظام السابق. أوصلت الطبقة الحاكمة فرانكو الى السلطة الذي قام ايضا بقتل الالاف من الشيوعيين والاشتراكيين وقادة العمال.
في كل هذه النماذج لم يتحدث أي من هؤلاء القادة وحركاتهم الفاشية عن اهدافهم الحقيقية، بل تحدثوا عن تحسين الوضع الاقتصادي، الكفاءة في الاقتصاد، التخلص من الفساد، المحافظة على قيم العائلة، وحدة المجتمع. ولكن عندما وصلوا الى الحكم، كان الهدف الأساسي هو المحافظة على النظام الرأسمالي من الازمات الاقتصادية والسياسية وزيادة أرباح الرأسماليين.

الطبقة الحاكمة في أمريكا قلقة على مصير النظام الرأسمالي في هذا البلد ومنقسمة على نفسها حول كيفية مواجهة التقهقر والانقسام وتدهور الأوضاع الداخلية للمجتمع الأمريكي وتدني مكانة امريكا عالميا. يؤمن اقصى اليمين بما فيه الحركة الفاشية بان مشاكل أمريكا هي بسبب سيادة "اليسار والماركسيين" المتمثلين بالحزب الديمقراطي والأكاديميين والصحفيين والعاملين في السلك القانوني الخ على مراكز القوة والسلطة في أمريكا. حسب اقصى اليمين ان هذا "اليسار" قد تسبب في تفسخ المجتمع أخلاقيا ومعنويا وضعف الشعور الوطني والى ضعف الاقتصاد وخاصة قطاع التصنيع بسبب سياسات العولمة والتجارة الحرة الخ. كما ترى الفاشية خطر في تصاعد الاحتجاجات العمالية وبروز النقابات واشكال التنظيم العمالي الأخرى من جديد.
ان هذا التصريح لم يأت من فراغ. الأوضاع في أمريكا تصبح مشابهة بأوضاع الدول الاوربية التي شهدت صعود الفاشية في القرن الماضي. وهذا التصريح هو بمثابة طرح الفاشية نفسها كبديل.

مثل كل الحركات الفاشية عبر عمر الرأسمالية، الهدف الرئيسي للفاشية الامريكية هو حماية النظام وخدمة مصالح الرأسماليين من خلال القضاء على شرذمة الطبقة الحاكمة ومخاطر الانقسامات الداخلية وحتى خطر الحرب الاهلية وإعادة الامجاد الاقتصادية من خلال جعل الرأسمال المستثمر في أمريكا مربحا أكثر. هذا يتطلب شن هجمة على مكاسب الطبقة العاملة ومنع أي نوع من التنظيم والاحتجاج العمالي والقضاء على الشيوعيين والاشتراكيين وكل القوى التقديمة.

الفاشية الامريكية تتحدث بنفس اللغة وتعطي نفس الوعود التي قطعها كل من هتلر وموسوليني وفرانكو.
الحركة التي تبلورت حول دونالد ترامب تتحدث عن الوظائف، وإعادة التصنيع وجعل أمريكا عظيمة من جديد، والقضاء على الفساد والقضاء على الجريمة ووقف الهجرة. ولكن الإنجاز الوحيد لأدارته في الولاية الأولى كان قطع الضرائب على الأغنياء مما يعني تقليل الانفاق على البرامج الاجتماعية وزيادة الدين العام الذي يؤدي الى التضخم الذي يضر بالطبقة العاملة في المقام الأول.
تدرك هذه الحركة بان المجتمع الأمريكي تعصف به أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية كبيرة، ومكانة أمريكا عالميا في نزول، والطبقة الحاكمة منقسمة ومشلولة سياسيا ويشهد المجتمع تصاعد الاحتجاجات العمالية. لذا تجد بان الوقت قد حان لكي تهيأ نفسها وتطرح بديلها امام الطبقة الحاكمة قبل ان يفوت الأوان. على الشيوعيين والاشتراكيين، ولكن ليس ممن يتحدث عنهم ترامب الانتباه لهذه الظاهرة ومواجهتها.