أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة اليوم (5)


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6187 - 2019 / 3 / 30 - 21:03
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

في آخر كتب ستالين "المسائل الإقتصادية للإشتراكية في الاتحاد السوفياتي" الصادر في العام 1952 دافع ستالين عن الأخوة الطبقية في المجتمع السوفيتي وهو العالم العليم أن الإشتراكية إنما هي محو الطبقات كما عرفها لينين مراراً وتكراراً الأمر الذي يقتضي بالطبع تسعير الصراع الطبقي، بل إن القاعدة التي اكتشفها ستالين نفسه في العام 38 تقول كلما تقدم عبور الإشتراكية كلما استعر الصراع الطبقي بنفس المقدار . إذاً لماذا انقلب ستالين على نفسه وأخذ يدافع عن الأخوة الطبقية أخوة الإنتلجنسيا والفلاحين للبروليتاريا ويعارض بقوة الذين طالبوا بتسعير الصراع الطبقي في الندوة الإستثنائية التي عقدها الحزب في العام 51 للنظر في السياسات العامة فيما بعد الحرب .
ليس من سبب آخر يمكن الخلوص إليه يفسر مثل هذا الإنقلاب الغريب من ستالين بالذات سوى أن الحرب الطبقية المكشوفة فيما بعد الحرب الوطنية كانت لن تنتهي لصالح البروليتاريا وستتعرض الثورة الإشتراكية لأخطار جدية . طبعا العدو الطبقي في تلك الحالة كان هو البورجوازية الوضيعة Bourgeoisie) (Betty التي تتشكل من الإنتلجنسيا في إدارة الدولة والفلاحين الذين ينتجون كامل غذاء الشعب والجيش الذي واجه العدوان النازي وكسب الحرب بعد تضحيات جسام لم تعرف البشرية مثلها من قبل . كان ستالين وبحكم مركزه هو الواحد الوحيد الذي عرف تداعيات الحرب وأخطر ما فيها هو تقدم البورجوازية الوضيعة وخاصة الجيش إلى الصفوف الأولى في المجتمع وتراجع البروليتاريا بحكم الخسائر الفظيعة التي تكبدتها وقد تقدمت كل الصفوف في مواجهة همجية النازي وهو ما حال دون ان يعقد حزبها، الحزب الشيوعي، مؤتمرا عاماً له خلال أربعة عشر عاماً . لهذا عرفنا فيما بعد لماذا اعتلى ستالين مراراً منبر المؤتمر العام للحزب في أكتوبر 52 ليحذر من أخظار حقيقية محيقة بالثورة .
كانت معالجة ستالين درءاً للأخطار التي تهدد الثورة تتمثل أولا بتحويل الإقتصاد السوفياتي من الصناعات الثقيلة إلى الصناعات الخفيفة وهو ما كان من شأنه أن يعيد البروليتاريا إلى مقدمة الصفوف حيث يتعاظم دورها في الإنتاج ؛ وثانيا بتغيير كامل قيادة الحزب وقد أستُهلكت خلال عشرات السنين غير أن مؤتمر الحزب العام لم يوافق على تغيير القيادة وأعاد انتخاب نفس القيادة جميعها لكن ستالين أمام خطورة هذا الموقف طالب المؤتمر بمضاعفة عدد أعضاء المكتب السياسي وهو ما استوجب انتخاب 12 عضواً إضافياً في المكتب السياسي عوّل عليهم ستالين بتجديد قيادة الحزب .

لم يكن ستالين ابن الثورة الشيوعية وقائدها فقط بل كان صانعها أيضاً وقد تعلم صناعة الثورة الشيوعية من المعلم لينين . ولذلك كان كل ما تحسب منه ستالين من أخطار حول استئناف عبور الإشتراكية قد وقع فعلاً طبقاً لما تحسّب . ثلاثة من أعضاء المكتب السياسي القدامى للحزب الذين طالب ستالين بإبعادهم عن القيادة قاموا باغتياله بالسم أثناء عشاء 28 فبراير في دارته، وبعد ساعات قليلة من وفاته مساء 5 مارس آذار 53 اجتمع الأعضاء المهددون بالإبعاد صباح 6 مارس آذار وقرروا إبطال انتخاب الأعضاء الإثني عشر الجدد في المكتب السياسي الذين كان ستالين قد أصر على انتخابهم . وفي سبتمبر ايلول 53 اجتمعت اللجنة المركزية وقررت إلغاء الخطة الخمسية التي كانت ستحيي دكتاتورية البروليتاريا وتعيدها إلى سابق عهدها قبل الحرب .

وهكذا ففي العام 53 وبقيادة أعضاء المكتب السياسي القدامى الذين لم يعودوا شيوعيين أو غير قادرين على العمل الشيوعي كما وصفهم ستالين، أغتيل ستالين وأبطلت كل التحوطات التي تحوطها لضمان انتصار الثورة الشيوعية الذي بشر به لينين في العام 1919 . ما إن توقف قلب ستالين عن الخفقان حتى بات لدينا اتحاد سوفياتي جديد مختلف . مكتب سياسي ليس عاجزاً وغير شيوعي فقط بل وقادته مجرمون إقترفوا أفظع جريمة عرفتها البشرية تمثلت باغتيال القائد الطليعي للثورة الشيوعية العالمية، إتحاد سوفياتي متخصص في إنتاج الأسلحة والأسلحة ضد الإشتراكية، اتحاد سوفياتي رئيسه يشتم ستالين، اتحاد سوفياتي وزير الدفاع فيه يقوم بانقلاب عسكري ضد الحزب الشيوعي ويطرد أعضاء المكتب السياسي في يونيو حزيران 57، إتحاد سوفياتي تلغي قيادته دولة دكتاتورية البروليتاريا في العام 61، الدولة الوحيدة التي اشترطها ماركس في تطبيق الإشتراكية .
هؤلاء الذين قلبوا الإتحاد السوفياتي كل هذا الإنقلاب لا يعترفون بأنهم أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة !! ثمة من يقبل منهم للأسف مثل هذا التنكر وينضم بالتالي لأعداء الشيوعية الأكثر وقاحة، لكن كيف يفسر هؤلاء وأولئك إنهيار الإتحاد السوفياتي في العام 91 !؟ ما هي القوى الإجتماعية التي تعاظمت خلال خمس سنوات هي ولاية ميخائيل غورباتشوف المشتبه به لتصبح قادرة على الإطاحة بالنظام الإشتراكي الذي تغلب على مختلف الأعداء كما قرر خروشتشوف لدى افتتاحه المؤتمر الحادي والعشرون للحزب الشيوعي في العام 59 !؟ أو إذا كانت هذه القوى المعادية للإشتراكية موجودة قبل غورباتشوف، في ظل النظام الإشتراكي المزعوم منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات !! ما هو المبرر الإجتماعي لوجودها خاصة وأن النظام السوفياتي كما هو معلوم كان قد ألغى دولة دكتاتورية البروليتاريا منذ العام 61 واستبدلها بدولة الشعب كله !؟ نحن نسأل هؤلاء الأعداء للشيوعية الأكثر وقاحة اليوم عن شركاء البروليتاريا في دولة الشعب كله ؟ هل هم من القوى الإشتراكية من طبقة أخرى غير طبقة البروليتاريا !؟ بل وما هي هوية تلك الطبقة المجهولة !؟
هؤلاء الأعداء الأخيرون للشيوعية، ولذلك هم الأكثر وقاحة، يدعون اليوم أن الجمهوريات السوفياتية سابقاً تتطور على الطريق الرأسمالية . وهو ما يستوجب سؤالهم عن كيف تخلّق الرأسماليون في ظل دولة الشعب كله الإشتراكية !!؟

هؤلاء الأعداء الأخيرون للشيوعية الأكثر وقاحة يتنكرون للتحليل اللينيني في العام 1922 عندما أكد لينين أن العدو الرئيسي للإشتراكية في الاتحاد السوفياتي هو البورجوازية الوضيعة، ويتجاهلون هواجس ستالين عن الأخطار المحيقة بالثورة الإشتراكية مع بداية خمسينيات القرن الماضي بعد أن انهار النظام الرأسمالي في مراكزه التاريخية لندن وباريس . هل تخوف ستالين من الرأسمالية السوفياتية أم من البورجوازية الوضيعة السوفياتية !؟

السؤال الفيصل في هذا الموضوع الخطير جداً المتعلق بتطور العمل الشيوعي هو لماذا يتجاهل هؤلاء الأعداء العدو الطبقي للبروليتاريا وللإشتراكية في الإتحاد السوفياتي بوقاحة ما بعدها وقاحة !؟ علمنا ماركس أن التاريخ إنما هو نسيج الصراع الطبقي وما انهيار الاشتراكية سواء كان ذلك في العام 91 أم في العام 53 كما هو في الحقيقة إلا أن طبقة سوفياتية معادية للإشتراكية هي التي أزاحت البروليتاريا عن خشبة المسرح فما هي هذه الطبقة !؟ جواب أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة اليوم على هذا السؤال الفيصل من شأنه أن يلقي ضوءاً كاشفاً على الشيوعيين الخونة . أي طبقة اجتماعية سوفياتية هي تلك الطبقة التي انقلبت على الإشتراكية ؟؟
لا يرفض الإجابة على هذا السؤال إلا أولئك الذين كان لهم نصيب في تقويض الثورة البىولشفية . أولئك هم شيوعيو البورجوازية الوضيعة من مثل خروشتشوف وميكويان وجوكوف وبريجينيف واندروبوف وانتهاء بغورباتشوف ويلتسن الذين انقلبوا على الإشتراكية وكانوا جميعاً في قيادة الحزب الشيوعي . بذات الوقاحة لم يزل شيوعيو البورجوازية الوضيعة لا يقرّون بأن البورجوازية الوضيعة التي كان لينين قد وصفها بالعدو الرئيسي للإشتراكية في الإتحاد السوفياتي هي التي انقلبت على الثورة الإشتراكية

(يتبع)



تعليقات الفيسبوك