العهدة الماركسية Marxs Covenant)


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 7049 - 2021 / 10 / 16 - 20:29
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

العهدة الماركسية (Marx’s Covenant)

في البيان الشيوعي (Manifesto) 1848 تعهد ماركس بانتهاء التاريخ من خلال ثورة عمال العالم وانتقال العالم من النظام الرأسمالي إلى الحياة الشيوعية حيث لا يكون هناك طبقات ولا صراع طبقي يالتالي وبذلك ينتهي التاريخ . كنت طفلاً بعمر خمس عشرة سنة عندما اخذت على نفسي تعهد العهدة الماركسية وهو ما تسبب بطردي من المدرسة وسقوطي في امتحان الثانوية العامة . واليوم وقد قاربت التسعينيات أستذكر عام 49 بفرح غامر عندما "أخطأت" طفلاً وتعهدت بالعهدة الماركسية، حيث أنني أرى بحكم النجربة الصعبة والمريرة وقد قاربت التسعينيات دون تردد أو فتور في الحفاظ على عهدتي أن المناضل الماركسي الأمين هو من ينجح في فك آخر ارتباط له مع مملكة الحيوان وأنه لا يناضل بالدرجة الأولى لتحرير العمل بل لخلق إنسان جديد لم تعرفه البشرية من قبل، إنسان الفضائل المطلقة وقد تحرر نهائياً من قيود الإنتاج الصدئة .

عهدتي الماركسية تقتضي مني أول ما تقتضي مواجهة الرافضين للعهدة الماركسية بكل عزائمي المختزنة عبر المطاردة والسجون والتعذيب والتجويع الممنهج لأكثر من 70 عاماً تعلمت خلالها إحترام بعض الأعدا . ويتصنف أعدائي في صنفين، الصنف الأول وفيه جميع الذين يتاجرون بقوى العمل ومنهم الرأسماليون والبورجوازيون وهذا الصنف لا يستحق مني سوى الاستنكار والإحتقار ؛ أما الصنف الثاني ففيه الذين يجهلون ألفباء الماركسية بل وتبلغ يهم الجهالة أن يجهلوا النظام الرأسمالي الذي يدافعون عنه، وهؤلاء أحاول جهدي احترامهم شخصيا دون حهالتهم بالطبع، ومن هؤلاء السيد المحترم محمود يوسف بكيرالذي يكتب بصفة "مستشار إقتصادي" ويتحدى الماركسيين في معالجة مساوئ النظام الرأسمالي كما ينجح النظام نفسه بذات الأمر .
أقول لهذا المستشار أنه ليس هناك من هو مثل ماركس من عالج هذه المساوئ وقد أكد أن مساوئ النظام الرأسمالي ستتسبب بتهالك النظام نفسه واندثاره بالتالي بكل حسناته وسيئاته، وهو فعلاً قد إندثر في سبعينيات القرن الماضي . المساوئ التي تحدث عنها "المستشار" باعتبارها مساوئ النظام الرأسمالي هي لا تعود في الحقيقة للنظام الرأسمالي بل هي من مرفقات فوضى الهروب من الإستحقاق الإشتراكي (اللانظام) الذي بدأته قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي قس لبعام 53 بتعليمات من الجيش وقد آلت إليه كل السلطات حال اغتيال ستالين .

إني لأعجب من متخصص في علم الإقتصاد، خليك عن درجة المستشارية، ومع ذلك يجهل جهلاً مطبقاً ماهيّة الماركسية وهي النظرية الشاملة للإقتصاد السياسي ولم تُعنَ بالإقتصاد الإشتراكي أو بالسياسة الإشتراكية قيد أنملة، وكان ماركس ورفيقه إنجلز قد رفضا رفضاً قاطعاً الحديث ولو بكلمة عن فترة الإشتراكية القصيرة نسبيا حيث يتم خلالها إنجاز كامل الإستعدادات للإنتقال إلى الحياة الشيوعية . لم يقولا كلمة سوى أن فترة الإشتراكية لا يتم عيورها بغير دولة دكتاتورية البروليتاريا وهي العلامة الوحيدة للإشتراكية .
ماركس كتب في الفلسفة وفي الإقتصاد وفي التاريخ لكنه لم يكتب ولو وصفة واحدة للتطبيق . ما كان في الإتحاد السوفياتي هو وصقات وصفها فلاديمير لينين مقدماً وجرى تطبيقها حرفياً ما بين 1919 و 1939 حين إنشغل الإتحاد السوفياتي بالإستعداد للحرب الوطنية العظمى وتم ذلك بالطبع على حساب الإستعدادات الإشتراكية .
في العام 39 ظهر الإتحاد السوفياتي كأقوى دولة في العالم، وبحمايته حافظت الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة على حرياتها بوجه النازية الهتلرية والعسكرتاريا اليابانية . مسارات الحرب العالمية الثانية كما سجلها التاريخ برهنت على أن الإشتراكية اللينينية لم يوازها أي نظام اجتماعي آخر عبر التاريخ ؛ ولذلك بشر تشيرتشل ستالين في افتتاح مؤتمر يالطا في فبراير 45 أن شعوب بريطانيا مالت إلى اليسار وانتخبت حزب العمال إعجاباً منها بالنظام السوفياتي .
الإتحاد السوفياتي ومنذ العام 1939 لم يكن اشتراكياً بأي صفة من الصفات باستثنا وجود ستالين في مركز القيادة ما بين 1939 و 1953 حيث انتفت آخر صفة اشتراكية برحيل ستالين وتم إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا في العام 61 حين لم تعد البورجوازية الوضيعة تخشى افتضاح عارها وشنارها وانقلابها المفضوح على الإشتراكية .

المستشار الإقتصادي بكير لا يعرف جنس الدماء التي يتغذى بها وحدها النظام الرأسمالي . الدماء الوحيدة التي يتغذى عليها النظام الرأسمالي هي تلك التي اكتشفها كارل ماركس وسماها "فائض القيمة" (Surplus Value) الذي يتحقق من إنتاج العمل غير المأجور . فائض القيمة هو وحده الذي يوفر الأرباح للرأسمالي وهي الهدف الوحيد لكل أعماله .
المستشار نصب الفخ الذي وقع فيه ومسكه على الكاحل عندما فال .. "التقلص المتواصل في نسبة مساهمة عنصر العمل في الإنتاج" . كان ماركس قد أكد انهيار النظام الرأسمالي بسببين، وهما أولاً أزمة الكساد الدورية حيث يغرق النظام في فائض إنتاجه المتراكم في السوق المحلية، والسبب الثاني وهو تقلص مساهمة قوى العمل في الإنتاج بحكم تطور أدوات الإنتاج والتقنية الرفيعة ؛ وبمقدار ما تتقلص قوى العمل يتقلص فائض القيمة ويهبط معدل الربح بالتبعية ويصل بالنهاية إلى حدود لا يعود عندها ما يغري الرأـسمالي للإستمرار في الإنتاج فيقلع عن تجارته الرأسمالية .
المؤتمر العام التاسع عشر للحزب الشيوعي في أكتوبر 52 إتخذ قراراً بتوجيه من قائده التاريخي يوسف ستالين يقول .. "سينهار النظام الإمبريالي في وقت قريب" . ليس من شك في أن المؤتمر اتخذ مثل هذا القرار الخطير إعتماداً على أحد الشرطين اللذين اشترطهما ماركس لانهيار النظام الرأسمالي أم على كليهما .
بدأ انهيار النظام الرأسمالي الإمبريالي مع بداية السبعينيات حين اضطرت الولايات المتحدة للخروج من معاهدة بريتون وودز (Breton Woods) التي تحكم بلزوم غطاء بضاعي للنقود يكفل قيمة النقد الوطني ويفضل الذهب لأنه الأغلى والغطاء الأقوى . الدولاؤ المكشوغ لا يعني سوى أن الولايات المتحدو لم تغد تنتج ما يكفي لتغطية افقاتها ولذلك فقد الدولار خوالي 40% من قيمته خلال السنوات القلاث الأولى من السبعينيات ؛ إستولى الرعب إذاك على إدارة نكسون فتم في مايو 74 إعفاء وزير الخزانة جورج شولتس (George Schultz) وهو يحمل درجة الدكتوراة في العلوم المالية وعُيّن مكانه وليم سيمون (William Simon) المحموم بحمى الإمبريالية، فكان أن واجه هذا الرأسمالي المنحط الإنهيار الشامل للنظام الرأسمالي بسياسة إجرامية تقول .. "نحن الرأسماليين الكبار الخمسة (G 5) وقد حكمناع العالم عن طرلايق استغلال العمال بتحويا قوى الغمل لديهم إلى بضاعة، أما اليوم وبعد أن تعذر علينا إنتاج البضائع فسوف يتزايد استغلالنا لكل شهوب الأرض وليس للعمال فقط نقودنا الصعبة" .
إجتمع قادة الدول الخمسة في رامبوييه/باريس (Rambouillet) في 16 نوفمبر 75 وتبنزا تلك السياسة الحمقاء وأعلنوا متضامنين كفالتهم لأسعار صرف عملاتهم في أسواق الصرف !! وأعطوا تعليمات لهيئة صندوق النقد الدةلي المقرر اجتماعها في جمايكا في يناير 76 لأن تقرر إلغاء معاهدة بريتون وودز ومفاعيلها وأهمها الغطاء الذهبي للنقود .

الأحكام الأولية لقانون السوق تقول أن القيمة التبادلية للبضاعة (Exchange Value) ليست هي قيمتها الحقيقية والأمر نفسه بالنسبة للنقد كبضاعة في السوق، فسعر الصرف (Exchange Rate) ليس هو القيمة الحقيقية للنقد . استطاعت البنوك المركزية في دول الخمس الكبرى (G 5) بما لديها من سطوة على أسواق المال في العالم أن تحافظ على معدل سعر صرف عملاتها نسبياُ منذ العام 75 وإعلان تضامنها في كفالة أسعار صرف عملاتها لكن ذلك لم يسعف ولو بمقدار في الحفاظ على القيمة الحقيقية لعملاتها فالدولار الأمريكي وقد بات الغطاء الوحيد لكل عملات العالم المختلفة هبطت قيمته حتى الحضيض . فدولار اليوم لا يساوي أكثر من ثلاث سنتات من دولار 1970؛ وصلت القيمة التبادلية لأونصة الذهب في العام 2012 إلى أكثر من 1900 دولاراً بينما كانت في العام 70 أقل من 60 دولاراً .

كفالة أسعار الصرف في إعلان رامبوييه سمح للولايات المتحدة وكانت آخر قلاع الرأسمالية والمتعهد الأقوى لمقاومة الإشتراكية لأن تطبع الدولار بغير حساب ؛ فهي تطبع سنوياً ما يزيد على 10 ترليون دولارا بينما لا تنتج في العام من البضائع أكثر من 5 ترليون دولاراً وهو ما بعني أن الولايات المتحدة تبيع إلى العالم 5 ترليون دولارا مكشوفة لا قيمة لها وتحصل بدلاً عنها أكثر من 70000 طناً ذهبا . الولايات المتحدة في قمة عطائها الرأسمالي عند نهابة الأربعينيات لم تكن تحصل على 1% من بدلات الدولارات الزائفة .ً
مجرد قيام الولالت المتحدة يطبعة الدولاربغير حساب دون أن تنتج بدلاتها من البضائة فذلك يعني مباشرة تعطيل دائرة الإنتاج الرأسمالي (نقد – بضاعة – نقد) فالنقد فقد قيمته الثابتة طالما ماكينة طباعة الدولارات الأمريكية لا تتوقف عن الطباعة ليل نهار .
الهدف الوحيد للنظام الرأسمالي منذ البداية هو مراكمة الأموال (Capital Accumulation) واليوم تتحقق مراكمة الأموال عن طريق طباعتها من دون الإنتاج الرأسمالي .
على مختلف الإقتصاديين والسياسيين الإعتراف يهذه الحقيقة الحديّة