أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة اليوم (2)


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6177 - 2019 / 3 / 19 - 21:14
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

لامنا بعض القراء على قولنا في الجزء الأول من هذا المقال .. " هم ليسوا شيوعيين مفلسين وحسب بل هم ليسوا شيوعيين على الإطلاق أو الأحرى هم أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة " . وادّعى أحدهم أنه طالما أن القرآن يُقرأ على سبعة أحرف فلماذا لا تقرأ الماركسية على بضعة أحرف بعدد أطياف المجتمع !!

البيان الشيوعي (المانيفيستو) 1848 لم ينادِ به ماركس وإنجلز غير العمال حصراً للقيام بثورة شيوعية، "ياعمال العالم اتحدوا فلن تفقدوا إلا أغلالكم!" ، وتضمن أيضاً تحذير ماركس للعمال من أن يخلطوا بين الإشتراكية التي يدعو إليها، اشتراكية العمال، و"الإشتراكية البورجوازية" أو"الإشتراكية الإقطاعية" حيث الإشتراكية العمالية لا تتم بغير الثورة وإلغاء علاقات الإنتاج – وإلغاء كل الحقوق لكافة أفراد المجتمع ومنهم العمال – بعكس أية اشتراكية أخرى مزعومة تعتمد الإصلاح السياسي وتحسين أحوال العمال دون أن تمس علاقات الإنتاج بسوء .

الشيوعيون المفلسون وهم اليوم أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة يظنون أنهم سيكونون شيوعيين أيضا بدون ماركس، ولذك ندر ما يذكر اسم ماركس أو لينين في مؤتمراتهم العامة وفي خطاباتهم، أما ستالين فلا يذكر إلا ليشتم ويُندد بأعماله حتى وإن يكن هو الوحيد الذي بنى الإشتراكية وسحق النازية بكل أهوالها على العالم .
نحن الشيوعيين البلاشفة، ونحن نعتبر الماركسية بمختلف مفاصلها مصدر قوتنا وكعب أخيل في مواجهتنا للأعداء، لا نجد أعداءً في مواجهتنا أكثر وقاحة من الشيوعيين المفلسين .

عامة الشيوعيين المفلسين يقولون أن ثورة أكتوبر البلشفية جاءت حدثاً طارئاً في التاريخ ولذك هي انهارت ولم تترك أثراً في الحياة الدولية، لا بل تبلغ الوقاحة الفجة ببعضهم لأن يطالب بمحاكمة لينين لأنه هو من دبّر وقاد ثورة أكتوبر في غير مكانها وغير زمانها .
في مثل هذا السياق يتوجب أن نسأل هؤلاء الشيوعيين المفلسين الأعداء .. هل كانت روسيا القيصرية، لو لم يكن هناك ثورة اشتراكية، ستنتصر على ألمانيا النازية ؟
لئن كان الجواب بالسلب، كيف يمكن أن يكون عالم اليوم في تلك الحالة غير أن يكون امبراطورية نازية كما بشر بها هتلر، إمبراطورية الرايخ الثالث الكولونيالية لألف عام !!؟ لولا الثورة الإشتراكية بقيادة ستالين لكان أعضاء الأحزاب الشيوعية في العالم مجرد عبيد أذلاّء لدى الجنس الآري . ملك بريطانيا جورج السادس ورئيس وزرائه ونستون تشيرتشل اعترفا بفضل الاتحاد السوفياتي بحماية حرية شعوب بريطانيا بموجب مذكرة ممهورة بتوقيعهما لكن الشيوعيين المفلسين يصرون اليوم بوقاحة فجة أن الثورة الإشتراكية لم تترك أثراً في التاريخ وكما لو أنها لم تكن .

نحن ندين أدعياء الشيوعية هؤلاء بالإفلاس لأنهم يزعمون أن الثورة الإشتراكية انهارت لأسباب أخرى غير الصراع الطبقي . بل هم يستهجنون أن يكون هناك صراع طبقي في المجتمع الإشتراكي بينما الإشتراكية كما أكد لينين لا تعني أكثر من محو الطبقات وهو ما يقتضي اشتداد الصراع الطبقي حتى النزع الأخير . تلك هي القاعدة التي اكتشفها ستالين في العام 38 والتي تقول .. كلما تقدم عبور الإشتراكية كلما اشتد الصراع الطبقي . كما أن هؤلاء الشيوعيين المفلسين لم يقرأوا أبحاث الندوة الكبرى التي عقدها الحزب الشيوعي السوفياتي بحضور قادة الحزب وعلى رأسهم ستالين ومولوتوف وعدد عديد من الأخصائيين في الإقتصاد في العام 51، ونقل أبحاثها ستالين في كتابه "القضايا الإقتصادية للإشتراكية في الاتحاد السوفياتي" الصادر في العام 52 وفيه مجمل الحديث يدور حول الصراع الطبقي إذ كانت مجموعة من المنتدين بقيادة مولوتوف تؤيد تسعير الصراع الطبقي لكن ستالين كان يرى بالمقابل أن تسعير الصراع الطبقي كان من شأنه أن يشكل خطراً جدياً على الثورة .

كيف يمكن الركون إلى هؤلاء الشيوعيين المفلسين وهم ينفون وجود صراع طبقي في المجتمع السوفياتي وكأنما انهارت الثورة الإشتراكية بفعل قادة الطبقة العاملة الأكثر وعياً بمصالح العمال من الحزب الشيوعي !!؟ ينفون دور الصراع الطبقي في انهيار الاتحاد السوفياتي ومع ذلك يتحدثون بكل وقاحة عن تطور روسيا الرأسمالي حاليا ًوكأنما خروشتشوف وصديقه جوكوف، قائدا الإنقلاب العسكري ضد الحزب في يونيو حزيران 57، كانا من عتاة الرأسماليين!!
القراءة الدقيقة لموقف هؤلاء المفلسين في تجاهل دور البورجوازية الوضيعة السوفياتية في الإنقلاب على الإشتراكية إنما هو دفاع عن البورجوازية الوضيعة وانتصاراً لانقلابها على الإشتراكية ولهذ السبب تحديدا يُعتبر أدعياء الشيوعية المفلسين هؤلاء هم أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة اليوم .
ليس إلا دفاعا عن البورجوازية الوضيعة وانتصاراً لها يُعزى انهيار الإتحاد السوفياتي لستالين "البيروقراطي" و "القمعي" بالرغم من أن كل هجوم أو نقد لشخص ستالين يستند أساساً على جملة الأكاذيب في خطاب خروشتشوف بعد انتهاء مؤتمر الحزب العشرين في العام 56، وهي الأكاذيب التي اعترف بها وندم عليها خروشتشوف نفسه لدى افتتاحه مؤتمر الحزب الحادي والعشرون في العام 59 يقول .. " إنتصر حزبنا بقيادة ستالين لفترة طويلة على سائر الأعداء وبنى لنا دولة اشتراكية عظمى نعتز بها " . ليس من سبب آخر لتجاهل الشيوعيين المفلسين الأعداء مثل هذا التقرير في مؤتمر عام للحزب غير نصرتهم للبورجوازية الوضيعة السوفياتية التي انقلبت على الإشتراكية في خمسينيات القرن الماضي .

من المتعارف عليه بين الناس أن الشخص المفلس يخجل من إفلاسه غير أننا نحن الشيوعيين أُبتلينا بعد ستالين بمفلسين لا يخجلون . ينشرون برامجهم السياسية ليس فيها مفردة واحدة تنتمي للفكر الشيوعي ومع ذلك يواجهون الشيوعيين بوقاحة لا مثيل لفجاجتها . جميع الأحزاب الشيوعية في العالم العربي تقوم برامجها السياسية اليوم على الديموقراطية البورجوازية والتعددية والعدالة الإجتماعية .
في العام 1884 كتب إنجلز يقول .. بنية الديموقراطية يمكن استخدامها كمعامل لاستيلاء البروليتاريا على السلطة . أما أن تُعتمد هدفاً نهائيا فهي ليست إلا بنية سياسية تأخذ بها طبقة الفلاحين وطبقة البورجوازية الوضيعة وكلتا الطبقتين هما في طور الإضمحلال .
الأحزاب الشيوعية في العالم العربي استبدلت برنامجها السياسي المتسق مع الماركسية اللينينية وبيانها الشيوعي ببرنامج يتساوق مع مانيفيستو برنشتاين (Edward Bernstein) وهو من هاجمته روزا لكسمبورغ كتحريفي معادٍ للماركسية . مانيفيستو بيرنشتاين كان يقول أن التطور السلمي للنظام الرأسمالي هو ما يوصل للإشتراكية وليس الثورة . بل إن الأحزاب الشيوعية العربية أكثر تخلفاً من بيرنشتالين فقد استبدلت مانيفيستو ماركس وإنجلز بمانيفيستو بيرنشتالين لا لتصل إلى الإشتراكية بل إلى الرأسمالية كما يفصحون دون حياء أو خجل .
بيرنشتاين كان أكثر أمانة من قادة الأحزاب الشيوعية العربية حيث أعلن دون مواربة أنه تخلى عن الماركسية وبات عدواً لها، بينما قادة الأحزاب الشيوعية تخلوا عن الماركسية وباتوا أعداء لها لكنهم لم يتخلوا عن سياسة الكذب والنفاق وما زالوا يعلنون أنفسهم شيوعيين .

الأحزاب الشيوعية العربية وقد باتت تعتمد مانيفيستو بيرنشتاين لم تعد تختلف عن الحزب الإشتراكي الألماني موئل الخيانة للطبقة العاملة . للبلشفية تاريخ عريق في رفض اشتراكية البورجوازية التي حذر منها ماركس واعتمدتها الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية في أوروبا . في أول كتاب يكتبه ستالين في العام 1901 (الواجبات الملحة على حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي في روسيا) هاجم ستالين بشدة تلك الأحزاب ونفى أي صفة تمثيلية لها للطبقة العاملة . وهاجمها لينين بشدة واتهمها بالخيانة في مؤتمر الأممية الثانية في بازل 1912. وكتب القائد الشيوعي الطليعي الرفيق فهد (يوسف سلمان يوسف) رسالته الشهيرة في العام 1943 تحت عنوان "حزب شيوعي .. لا اشتراكية ديموقراطية" .
أحزاب الإشتراكية الديموقراطية لها تاريخ عريق في الخيانة . بدأ ذلك عندما قررت الأممية الثانية بقيادة كاوتسكي وبليخانوف ومارتوف بالإشتراك في الحرب الاستعمارية الأولى بحجة الدفاع عن الوطن وهكذا رضيت هذه الأحزاب أن تكون ذيولاً لقوى العدوان الإمبريالي . حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي في روسيا – المنشفيك حارب بجانب البورجوازية وفلول القيصرية والإقطاع ضد قوى الثورة الاشتراكية والجيش الأحمر . الحزب الإشتراكي الديموقراطي في المانيا كان مع القوى المسلحة التي حطمت جمهورية بافاريا السوفياتية وقتل آلاف الشيوعيين 1919 وعمل على اغتيال الزعيمين الشيوعيين البارزين روزا لكسمبورغ وكارل لبيكنخت . وعاد في جمهورية فيمار يقاوم الثورة الشيوعية في العام 1923 ويمهد الطريق لوصول هتلر لرأس السلطة في ألمانيا . أما حزب العمال في بريطانيا فقد انتخبه اليسار في بريطانيا بعد الحرب وإذ به على أقصى يمين المحافظين فقد تعاون مع أميركا بإنشاء حلف شمال الأطلسي العسكري العدواني بينما كان تشيرتشل اليميني المحافظ يطالب أميركا بتشكيل كومونويلث لغوي ثقافي وحضاري، وكان وزير خارجية العمال آرنست بيفن هو أول من شكل دائرة لمقاومة الشيوعية تابعة لوزارته وكان يستلم مخصصات شخصية شهرياً من المخابرات الأميركية .

كافة الأحزاب الشيوعية العربية القائمة اليوم استبدلت مانيفيستو ماركس بمانيفيستو بيرنشتاين، عدو ماركس بلسانه، ولذلك هي اليوم العدو الأول للشيوعية والأكثر وقاحة .

(يتبع)



تعليقات الفيسبوك