البورجوازية الوضيعة أشَرُّ أعداء الإنسانية


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6146 - 2019 / 2 / 15 - 22:22
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

البورجوازية الوضيعة أشَرُّ أعداء الإنسانية

كنا نحن الشيوعيين حتى خمسينيات القرن الماضي نعتبر أن البورجوازيين الرأسماليين هم أعداء الإنسانية الشريرون، لكن تبيّن فيما بعد الخمسينيات أننا كنا مخطئين وأن هناك من هم أشرُّ من الرأسماليين وهم طبقة البورجوازية الوضيعة ؛ فالرأسماليون كانوا الكرماء مفارنة مع البورجوازية الوضيعة وهم الذين كانوا يضيفون إلى العالم كل يوم ثروة جديدة لم تكن في اليوم السابق عكس البورجوازية الوضيعة الذين عالمهم يكون أفقر منه في اليوم السابق.
سوءَة الرأسماليين الكبرى هي إثارة الحروب بين الأمم بين فترة وأخرى لكن ذلك ما كان ليكون لولا الإثراء الذي لا يتوقف للمراكز الرأسمالية المختلفة لكن بصورة غير متكافئة وهو ما يتسبب في الحرب . البورجوازية الوضيعة بالمقابل لا تثير الحروب حتى الصغيرة منها وما ذلك إلا لأنها لا تنتج على الإطلاق، لا تنتج إلا الخدمات والخدمات لا قيمة تبادلية لها، قيمة مادية وليس قيمة معنوية . البورجوازية الوضيعة لا تنتج ما يكفيها ولذلك يستدين عالمها سنوياً 2 ترليون دولار ديوناً خارجية كما تشير بيانات الأمم المتحدة ومن المرجح أيضاً أنها تستدين أكثر من 2 ترليون أخرى ديوناً داخلية ؛ أي أن البورجوازية الوضيعة تفقر العالم مقدار 4 ترليون دولار كل عام في حين كانت الطبقة الرأسمالية تثري العالم بما يفوق هذا المبلغ كل عام فيما قبل الحرب العالمية الثانية، ولذلك ليس كرماً منا أن نصف الرأسمالية الإمبريالية بأنها الأكرم للإنسانية من البورجوازية الوضيعة السائدة اليوم .

مما يثير السخرية والسخط معاً هو أن بعض الخبثاء من طلائعيّي البورجوازية الوضيعة ومعهم بعض الأغبياء من دعيّي الماركسية يدعون أن الرأسمالية الإمبريالية ما زالت تحكم العالم !! يدعون مثل هذا الإدعاء السخيف دون أن يكون لديهم تفسير لماذا هذه الرأسمالية الإمبريالية لم تعد تنتج ما يكفيها وتضطر للإستدانة، إذ يستدين عالم اليوم حوالي 4 ترليون دولاراً سنوياً كيلا ينهار على أساسه !! كيف هي رأسمالية ولا تنتج !!؟ هذه حزّورة لا يقدر على حزرها ماركس نفسه، فكيف يحزرها أرهاط الخبثاء من طلائعيّي البورجوازية الوضيعة والأغبياء من دعيّي الماركسية !؟

الواجب الملح الأول على أجندة الشيوعيين اليوم هو فضح هذه التمثيلية السمجة . وهنا يلزم التذكير بنبوءة نبي الشيوعية فلاديمير لينين حين كتب في كتابه "الضريبة العينية" في العام 1921 ما يلي ..
we must expose the error of those who fail to see the petty-bourgeois economic conditions and the petty-bourgeois element as the principal enemy of socialism in our country.
يقول لينين ..
يجب فضح تقصير أولئك الذين لم يروا بعد الدور الإقتصادي الذي تلعبه البورجوازية الوضيعة وهي العدو الرئيسي للإشتراكية في بلادنا .
لينين نبي الإشتراكية كتب ذلك في العام 1921 وكأنه يكتبه في العام 2021 أي بعد قرن طويل وقد غدت البورجوازية الوضيعة العدو الرئيسي للإشتراكية في العالم كله وليس في الاتحاد السوفياتي فقط .

الخبثاء من طلائعيّي البورجوازية الوضيعة والأغبياء من دعيّي الماركسية يجهلون أو يتجاهلون لماذا اشتراكية لينين والتي كانت قد وصلت بقيادة ستالين لأن تكون أقوى دولة في العالم في العام 1945، تسحق النازية والفاشية في أوروبا وتحافظ على الحرية لشعوب بريطانيا وغرب أوروبا كما جاء في رسالة ملك بريطانيا جورج السادس ورئيس وزرائه ونستون تشيرتشل إلى ستالين في ديسمبر 43، وتؤمن انتصار أميركا على اليابان في 2 سبتمبر 45، تلك الدولة العملاقة كما وصفها تشيرتشل في رسالته إلى ستالين في 6 ابريل 43، إنهارت في العام 1990 !!
هؤلاء وأولئك يزعمون أن الرأسمالية الأميركية تغلبت على الإشتراكية السوفياتية بفعل المنافسة الحثيثة بين الطرفين وخاصة في سباق التسلح . لقد ثبت فعلياً أن الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث لم تستطع في الحرب أن تنتج أسلحة بمقدار نصف ما أنتج الإتحاد السوفياتي علما بأن الأسلحة السوفياتية كانت في معظمها من إنتاج النساء السوفييتيات . لقد فقد الإتحاد السوفياتي في الحرب 106400 طائرة و 83500 دبابة هذا خلافاً لما بقي لديه من آلاف الدبابات والطائرات بعد الحرب ؛ لا أعتقد أن الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث كانت قد أنتجت من الأسلحة نصف ما أنتحج الاتحاد السوفياتي رغم أن أوضاعها في وجه العدو كانت أسوأ من أوضاع الاتحاد السوفياتي . الدول الغربية الكبرى الثلاث قضت السنوات الخمس الأولى من الحرب تحارب ايطاليا وحدها التي لم تملك سوى 30 فرقة سيئة التدريب والتسليح، ومعركتها الكبرى الوحيدة ضد ايطاليا كانت في "العلمين" التي وصلت خسائر الجانبين إلى 15 ألفاُ بينما كانت خسائر كل من معارك الجيش الأحمر ضد النازي في موسكو وستالينجراد وكورسك وبرلين تصل إلى خمسين ضعف خسائر العلمين . لم تشارك الدول الغربية في الحرب في القارة الأوروبية إلا بعد الإنزال النورماندي في 6 يونيو حزيران 44 بعد أن بدت هزيمة النازية أمراً محسوماً ومع ذلك لم يشكل إنزال النورماندي إلا ثقالة على الجيش الأحمر وهو ما كان تشيرتشل يؤكده لستالين قبلئذٍ، الثقالة التي اضطرته أن يبادر مبكراً إلى أكبر معركة في تاريخ الحروب في 12 يناير 45 لإنقاذ الجيوش الغربية من الحصار الألماني الذي كان يتهدها بالإبادة التامة في جبال الجاردنز شرق فرنسا .
وإن ننسى فلا ننسى في هذا السياق أن وزارة الخارجية الأميركية كانت طيلة السبعينيات والثمانينيات تصدر سنويا بيانا تشكو فيه من انكباب الاتحاد السوفياتي على التسلح وأنه يوظف كل اقتصاده لأجل ذلك . وهو ما يكذب مقولة أن الولايات المتحدة قد عمدت إلى إنهاك الإتحاد السوفياتي عن طريق إرغامه في الدخول في سباق التسلح . كان التسلح الذي فرضه الجيش على الإتحاد السوفياتي يستهدف تقويض الثورة الإشتراكية وليس تحصينها . الجيش السوفياتي هو من فرض على الاتحاد السوفياتي الإنكباب على التسلح وليس الولايات المتحدة . ليس الولايات المتحدة من ضغط على اللجنة المركزية للحزب الشيوعي أن تتخذ قراراً يلغي الخطة الخمسية الخامسة في اجتماعها في سبتمبر ايلول 53 من أجل الإنصراف إلى التسلح .

بدأ انهيار الاتحاد السوفياتي باغتيال ستالين بالسم أثناء عشاء 28 فبراير شباط 53 حين تمكن عضو المكتب السياسي وزير أمن الدولة لافرنتي بيريا (Lavrenti Beria) من دس السم (Warfarin) في شراب ستالين يرافقه مالنكوف وخروشتشوف عضوا المكتب السياسي حيث كان ستالين قد اتخذ قراره بابعادهم عن القيادة وإحالتهم على التقاعد ؛ ومن أجل ذلك كان قد طلب من مؤتمر الحزب في أكتوبر 52 إنتخاب 12 عضواً جديداً للمكتب السياسي توطئة لإحالة جميع القيادة القديمة بمن فيهم ستالين نفسه على التقاعد . طبعاً ليس هناك من شك في أن أحداً من هؤلاء الثلاثة الذين تآمروا على اغتيال ستالين له أدنى علاقة بالولايات المتحدة الأميركية .

في صبيحة وفاة ستالين عقد الأعضاء السبعة المرشحين للتقاعد اجتماعاً في 6 مارس آذار 53 وقرروا إبطال انتخاب الأعضاء الجدد الإثني عشر الذين كانوا من المقرر أن يحلوا محلهم في القيادة، وهو قرار مخالف لأولى قواعد الحزب الصارمة .

في سبتمبر ايلول 53 اجتمعت اللجنة المركزية وقررت إلغاء الخطة الخمسية الخامسة (51-55) التي كانت ستجغل من الاتحاد السوفياتي جنة الله على الأرض لأجل الإنصراف كلياً إلى التسلح كما جاء في القرار . ولما كان هذا القرار مخالفاً لأبسط القواعد الحزبية وهو ليس من صلاحية اللجنة المركزية لاتخاذه الأمر الذي يؤكد أن رحيل ستالين ترك فراغاً في السلطة لا يشغله إلا الجيش فكان أن استقال مالنكوف احتجاجاً على القرار ليحل محله خروشتشوف رجل الجيش المطواع كما اعترف في مذكراته .

ظل شبح ستالين يلاحق قيادة الجيش فكان أن كتب أحدهم ما سمي بخطاب خروشتشوف السري يحط من ايقونة المثل الشيوعية يوسف ستالين، محل تقدير عامة السوفياتيين الكبير، وطلب الجيش من خروشتشوف إلقاء الخطاب كبند مدرج من أعمال المؤتمر . لكن خروشتشوف وهو يعلم تماما أن المكتب السياسي لا يمكن أن يوافق على مثل ذاك الخطاب الملفق، ولما كان لا يجرؤ على رفض أوامر الجيش فقد لجأ إلى طلب جلسة خاصة بعد انتهاء أعمال المؤتمر العشرين وألقى ذلك الخطاب الشائن الذي هو نفسه أنكره بعد ثلاث سنوات . من المعروف تماماً أن خروشتشوف لا يجيد الكتابة، وطبعاً ليست المخابرات الأميركية هي من كتب الخطاب لخروشتوف .

في أواسط يونيو حزيران عقد المكتب السياسي اجتماعا للنظر في مشروع خروشتشوف بعنوان "إصلاح الأراضي البكر والبور" فكان أن رفض المكتب مشروع خروشتشوف وزاد في ذلك بأن سحب الثقة من خروشتشوف بأغلبية 7 : 2 وترتب على خروشتشوف أن يستقيل كأمين عام الحزب، إلا أن المارشال جوكوف الذي كان خروشتشوف قد أعاده إلى الحزب وبرتبته العسكرية "مارشال الإتحاد السوفياتي" ووزيراً للدفاع ومرشحاً لعضوية المكتب السياسي، بعد أن كان مرذولاً في بيته آخر سني ستالين نظراً لاعترافه في المحكمة بجرم السرقة أثناء حكمه العسكري لبرلين، هذا المارشال الحرامي رفض قرار الحزب في الحال كونه كان حاضراً نظراً لأنه مرشح المكتب السياسي وتوعد إذاك قائلاً ..
“The Army is against this resolution and not even a tank will leave its position without my order"
" الجيش ضد هذا القرار ولن تتحرك دبابة في الجيش إلا بأمري "
وهكذا أعلن وزير الدفاع أن أمور الإتحاد السوفياتي لم تعد بيد الحزب بل بيد الجيش وكان ذلك هو الحقيقة منذ أن لفظ ستالين آخر أنفاسه . فكان أن قام جوكوف بانقلاب عسكري ضد الحزب لصالح خروشتشوف .
اللجنة المركزية التي كان أعضاؤها قد وافقوا على إلغاء الخطة الخمسية لصالح التسلح في سبتمبر 53 أحضر أعضاءها جوكوف خلال 24 ساعة بالطائرات العسكرية من أقاصي الإتحاد السوفياتي بحجة مقاومة مؤامرة ضد الحزب وضد خروشتشوف ؛ فكان أن قررت اللجنة المركزية التي اجتمعت بغير دعوة المكتب السياسي كما يقضي النظام طرد الأعضاء السبعة المعارضين لخروشتشوف من القيادة ثم من الحزب . كيف اتخذت اللجنة المركزية مثل ذاك القرار وهي تعلم تماما أن إعفاء عضو المكتب السياسي من منصبه لا يتم إلا من قبل مؤتمر عام للحزب !! الجيش "الأحمر" هو من قام بالإنقلاب وطرد جميع البلاشفة من المكتب السياسي وليس الجيش الأميركي أو عملاء أميركا في الجيش السوفياتي .

في فبراير شباط 59 عقد الحزب الشيوعي مؤتمره الاستثنائي الحادي والعشرون . وكان أبرز ما قرره المؤتمر بطلب من خروشتشوف هو رسم خط فاصل بين ثورة التحرر الوطني من جهة والثورة الإشتراكية من جهة أخرى ؛ وزعم خروشتشوف أن الوحدة العضوية بين الثورتين – وهي من مبادئ لينين الرئيسة – من شأنه أن يجلب أخطاراً للثورة الإشتراكية حيث ظهر في ثورة التحرر الوطني بزعم خروشتشوف زعماء مغامرون يتوجب اجتناب مغامراتهم – ويبدو أنه كان يقصد عبد الناصر دون أن يسميه – حيث في ذاك الخطاب انتقد قيادة الحزب التي كانت قد وجهت إنذاراً نهائياً لدول العدوان الثلاثي على مصر يطلب وقف العدوان وإلا ستقصف عواصمهم بالصواريخ البالستية . كما انتقدها أيضاً على انذارها في يوليو تموز 58 لحماية الثورة العراقية لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا بسحب قواتهما من لبنان والأردن وإلا سيضطر الاتحاد السوفياتي لاتخاذ الإجراءات التي تكفل أمن حدوده الجنوبية . طبعاً كان خروشتشوف يقدم بذلك عربون مصالحة مع الإمبريالية ممثلة بالولايات المتحدة التي استقبلت ذلك العربون خير استقبال فقامت بعشرات الانقلابات العسكرية الرجعية خلال الستينيات في الدول المستقلة حديثا، كما حرضت اسرائيل في حربها على مصر في 67 وظل الاتحاد السوفياتي يتفرج على مصر تنهزم بكلمات ناصر نفسه .

في أكتوبر 1961 عقد الحزب الشيوعي السوفياتي مؤتمره الثاني والعشرون حيث كشفت قوى البورجوازية الوضيعة عن وجهها القميء فأعلن رجل الجيش في قيادة الحزب خروشتشوف بكل وقاحة البورجوازية الوضيعة الإستغناء عن دولة دكتاتورية البروليتاريا لتحل محلها ما سماها "دولة الشعب كله" وهو ما يعني أن الدولة هي دولة البورجوازية الوضيعة السوفياتية بمقدار ما هي دولة البروليتاريا أي أنه إذا ما كان ذلك حقيقياً – وهو ما ينفيه علم السياسة – فذلك يعني نهاية الإشتراكية التي لا تعني غير محو الطبقات بعرف لينين ودولة الشعب كله تحمي كل الطبقات المشاركة فيها . كما يعني بالمثل أنه لم يعد هناك اشتراكية وكان ماركس قد أكد في "نقد برنامج غوتا" أن الإشتراكية لا تقوم إلا تحت ظل دولة دكتاتورية البروليتاريا قصراً . يعلن خروشتشوف مشاركة البورجوازية الوضيعة في السلطة بالرغم من أن لينين كان قد أكد أن البورجوازية الوضيعة هي العدو الرئيسي للإشتراكية في الاتحاد السوفياتي كما أشرنا أعلاه .
كان خروشتشوف ينطق بلسان ولي أمره وهو الجيش "الأحمر" منذ توليه السلطة في الحزب في العام 53 وليس بلسان الجيش الأميركي . وبعد أن قضى الجيش وطره من خروشتشوف أزاحه من القيادة في أكتوبر 64 تحت تهديده بالقتل والخونة هم دائماً جبناء .

نخلص بعد كل هذا الإستعراض لوقائع تاريخ الإتحاد اليوفياتي منذ مارس آذار 53 وحتى أكتوبر 64 للتأكيد على أن كل دعاوى سقوط الإشتراكية السوفياتية في المنافسة مع الرأسمالية الأميركية إنما هي هرطقات غبية لا تتقولها غير البورجوازية الوضيعة . القراءة العلمية والموضوعية لتاريخ النصف الثاني من القرن العشرين تؤكد تأكيداً قاطعاً على أن النظام الرأسمالي قد قبرته الثورة الشيوعية البلشفية في سبعينيات القرن لماضي وأن مصائر العالم حتى اليوم تقررها الثورة الشيوعية البلشفية وهو ما كان قد أكده لينين حتى قبل قيام انتفاضة أكتوبر 1917 وعاد يكرر ذلك في خطابه يفتتح المؤتمر التاسيسي للأممية الشيوعية (Comintern) في 6 مارس آذار 1919 .
نحن نتحدى كل من يقرأ تاريخ النصف الثاني من القرن العشرين غير هذه القراءة . "نظام" البورجوازية الوضيعة السائدة اليوم في العالم سينهار بالتأكيد بعد سنوات قليلة جداً أقل من أصابع اليد الواحدة وما ذلك بغير فعل الثورة الشيوعية البلشفية .



تعليقات الفيسبوك