العثرة الخامسة على الطريق إلى الشيوعية


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6096 - 2018 / 12 / 27 - 19:48
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


كان إلغاء الإقتصاد المدني الإشتراكي لصالح الإقتصاد الحربي نقيض الإقتصاد الإشتراكي بقرار من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي في سبتمبر 53 وقبول عامة الأحزاب الشيوعية في العالم لهذا القرار الذي شكل انقلاباً جذرياً على المشروع اللينيني وعلى الإشتراكية، كان تأكيداً على إفلاس الشيوعيين الذين لم يميزوا بين اقتصاد الحرب والاقتصاد الإشتراكي حتى وإن كان على كره منهم تحت التهديد من قبل مارشالات وجنرالات الجيش ذوي السلطة والسطوة بعد غياب ستالين . حالما لفظ ستالين أنفاسه الأخيرة تولى الجيش قيادة البلاد وليس أولئك الأقزام في المكتب السياسي للحزب الذين تآمروا على اغتيال ستالين بالسم كي يحتلوا كرسيه، وقد تمثلت سطوة المارشالات وجنرالات الجيش بمنظمة المخابرات السوفياتية القوية (كي جي بي) وهي المنظمة التي بعد رحيل مؤسسها قائد انتفاضة أكتوبر 17 البولشفي فلكس جرجانسكي وهو من رحل مبكراً في العام 26 وتلاه تلميذه الأمبن فياتشسلاف منجانسكي وقد توفي مريضاً في العام 34، تعاقب على إدارة المخابرات بعدئذٍ حتى الإنقلاب الفعلي على الإشتراكية في العام 53 خمسة من كبار رجال الحزب تم إعدامهم جميعهم كمجرمين بحق الدولة والحزب وكان آخرهم لافرنتي بيريا الذي نجح باغتيال ستالين بالسم . يبدو أن السلطة الزائدة تفسد المرء إلا إذا كان بولشفيا رفيعاً مثل جرجانسكي ورفيقه منجانسكي وكلاهما من أصول بولونية . أن يتم تجريم خمسة رؤساء متعاقبين لأهم مؤسسة أمنية في الاتحاد السوفياتي خلال عشرين عاماً موصولة 34 – 54، فذلك يعني أن الإتحاد السوفياتي وبقيدة ستالين وهو من هو كان مصاباً في مقتل، لم تقتله أعظم الحروب في تاريخ البشرية، بل قتله المسؤول عن جهاز المخابرات لافرنتي بيريا الذي دس السم في شراب ستالين أثناء عشاء 28 شباط فبراير 53 وقام شريكاه في الجريمة مالنكوف وخروشتشوف بمحاكمته سرياً خلافاً للقانون وإعدامه حال النطق بالحكم من قبل محكمة عسكرية خاصة في جلسة واحدة .

في أكتوبر 52 في المؤتمر الناسع عشر للحزب كان ستالين قد طلب من الهيئة العامة للحزب عدم انتخاب كامل أعضاء المكتب السياسي ومنه ستالين أيضاً لقيادة الحزب مرة أخرى لأنهم لم يعودوا قادرين على القيام بواجباتهم الشيوعية بسبب الشيخوخة ألا أن الهيئة العامة لم تستجب لطلبه لسوء حظ الإنسانية جمعاء حيث لو تم ذلك لكانت البشرية جمعاء حتى في أفقر مواطنها تستقبل شمس الشيوعية . ولما أعيد انتخاب الجميع طلب ستالين انتخاب 12 عضوا جديدا في المكتب السياسي كيلا يستبد به القلق على مصير الثورة بقيادة الكهول المنتخبين ؛ وبالفعل تم انتخاب 12 عضواً جديداً كيما يكون أعضاء المكتب السياسي للحزب 24 بدل 12 عضواً . باغتيال ستالين مع عشاء 28 شباط فبراير 53 لم يتم اغتيال الإشتراكية فقط بل واغتيال الحزب أيضاً . قبل أن يدفن ستالين اجتمع الكهول الثمانية في المكتب السياسي الذين كان ستالين قد طلب إزاحتهم من قيادة الحزب اجتمعوا في صباح 6 آذار مارس وقرروا إبطال إنتخاب الأعضاء الجدد الإثني عشر . تلك كانت طعنة قوية في صدر الحزب ؛ أما الطعنة الأخرى التي قضت تماما على الحزب فكانت من الجيش الذي وجد في خروشتشوف رجله المطواع ليلغي الخطة الخمسية الخامسة التي كانت ستحقق انتصاراً عالميا في التطور السلمي المدني للإشتراكية موازياً لانتصارها في الحرب كما كان قد توعّد ستالين رداً على تشكيل حلف شمال الأطلسي في العام 49 . وهكذا نجح خروشتشوف بترتيب من قوى الجيش في لملمة أعداد من اللجنة المركزية للحزب وإصدار بيان باسمها يلغي الخطة الخمسية التي توهن وسائل الدفاع عن الوطن كما زعم البيان ؛ وهو ما يعني تحويل كامل قوى الإنتاج لإنتاج الأسلحة وليس لإنتاج حاجات الشعب كما قضت الخطة . وهكذا فمنذ العام 54 وحتى اليوم لا تنتج روسيا سوى المود الخام كالغاز والزيت ثم الأسلحة والفولاذ وجميع هذه المواد يمنع تصديرها النظام الإشتراكي .

لم يكن بإمكان الجيش أن يعلن إنقلابه على الإشتراكية فالشعوب السوفياتية ضحت بالنفس والنفيس دفاعاً عن الإشتراكية، والجيش نفسه ضحى بتسعة ملايين جندياً دفاعاً عن الإشتراكية . ترك الجيش الحزب الشيوعي قائماً وبقيادته القديمة المتهالكة وعزا إليها مهمة تطوير وتحسين الإشتراكية الستالينية "البغيضة" شرط ألا يمس ذلك قوى الإنتاج المنهمكة كلياً بإنتاج الأسلحة ومختلف وسائل الدفاع عن الوطن بموجب إعلان الإنقلاب على الإشتراكية الصادر باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في سبتمبر ايلول 53 . وهكذا ترك الجيش للشعوب السوفياتية شيوعية بلا إنتاج غير الأسلحة والصواريخ والأقمار الصناعية وكل هذه الصناعات لا تحفظ الحياة بل هي ضد الحياة . تحملت الشعوب السوفياتية الإنقلاب على الإشتراكية أربعين عاماً حتى فاض بها الكيل وبات الحزب الشيوعي الذي ينتج الأسلحة والصواريخ بدل الطعام والملابس محل كراهية السوفياتيين فكان أن نجح بوريس يلتسن يقود أقل من مائة شاب من الهبيين يستولي على أعظم دولة في العالم . وكان قادة الجيش هم الذين أمروا بقصف نواب الشعب المعتصمين في الرلمان بالمدافع وجيءَ ببرلمان جديد يسن قانوناً يحل الحزب الشيوعي ويحرم النشاط الشيوعي في البلاد . مائة شاب من ذوي السراويل الضيقة يقودهم سكير عربيد هو بوريس يلتسن ينتزعون السلطة من الحزب الشيوعي الذي كان يعد 17 مليون عضواً وهو ما كشف على أن الحزب الشيوعي السوفياتي بعد أربعين عاماً من الإغتراب بات مجرد هبكل آيل للسقوط .

رحلة التغريب التي قادها رجل الجيش قائد الحزب الشيوعي نيكيتا خروشتشوف أخرجت الشيوعيين ليس في الإتحاد السوفياتي فقط بل وفي العالم كله أيضاً من المسار الماركسي اللينيني الثوري إلى مسار رجعي إصلاحي يبحث عن مصالحة مع الرأسمالية الإمبريالية بل ويبدي استعداده لانتشال النظام الرأسمالي من الإنهيار الذي كان قد أحاق به فكان أن وصل الأمر بقائد الشيوعيين في العالم ليونيد بريجينيف لأن يناشد زعماء الدول الرأسمالية الإمبريالية في مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي في هلسنكي 1975 مستغيثاً بالقول .. " تعالوا نتلاقى في منتصف الطريق فلا يخسر كلانا " – أين أنتم يا آباء الشوعية الأوائل !؟ أين أنتما يا لينين ويا ستالين، يا من انتهجتما السياسات الجامعة لتدمير النظام الرأسمالي الإمبريالي فإذ بعد أن تحقق هدفكما الكبير في السبعينيات يبرز من يجلس على كرسيكما وريث المغترب نيكيتا خروشتشوف ليونيد بريجينيف بستعطف زعماء الرأسمالية الإمبريالية العالمية لأن يسمحوا له بحماية الرأسمالية الإمبريالية من الخسران !!!؟

العثرة الكبرى على الطريق إلى الشيوعية هو اغتراب عامة الشيوعيين فلم يعودوا يعترفون بأن لا اشتراكية بدون دولة دكتاتورية البروليتاريا وهو ما أكده جميع آباء الشيوعية دون لبسٍ أو إبهام ورغم ذلك وافق جميع الشيوعيين على إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا من قبل قائد الإغتراب خروشتشوف في مؤتمر الحزب الشوعي الثاني والعشرين في العام 61 ؛ بل ويعلن عامة الشيوعيين المغتربين اليوم أن دكتاتورية البروليتاريا مفهوم ماركسي قديم بائد .
هؤلاء "الشيوعيون " المغتربون والمفلسون تبعاً لذلك لم يلحظوا انهيار النظام الرأسمالي مع بداية السبعينيات، بل هم لا يريدون أن يلحظوه لأنه لا يتناسب مع أفكارهم المنحرفة . بمقدار ما أكد انهيار الإتحاد السوفياتي إفلاسهم السياسي آكد بالمثل انهيار النظام الرأسيمالي إفلاسهم الماركسي . ليس ثمة من شك في أن ما جعل ماركس شيوعياً هو فهمه الكامل لمختلف ميكانزمات النظام الرأسمالي . وإشكال الثورة الشيوعية الأكبر اليوم هو أن عامة الشيوعيين في العالم منخرطون في رحلة التغريب عن أبجديات الماركسية التي قادهم إليها رجل الجيش خروشتشوف منذ العام 53 فلم يعودوا يدركون شرطاً واحداً من شروط النظام الرأسمالي .

ليس أدل على انهيار النظام الرأسمالي من انهيار العملات الصعبة في السنوات الأولى من سبعينيات القرن الماضي . الحصن الأخير للنظام الرأسمالي فيما بعد الحرب العالمية الثانية كان الولايات المتحدة التي أكلها الحقد على الشيوعية . لعشرين عاماً (1955 – 75) شنت حرباً هوجاء مجنونة ضد شعب فيتنام الأعزل المناضل من أجل الإستقلال، وفي العام 71 وجد الرئيس نكسون خزائن الدولة فارغة مما أرغمه على الخروج من معاهدة (BrittonWoods) التي تقضي بأن توفر الدولة غطاء حقيقياً لعملتها من الذهب أو أية بضائع معادلة للذهب . في العام 71 كانت الولايات المتحدة تنتج الحرب وليس البضائع التي تحل محل الذهب وهو ما رتب على الرئيس الأميركي الخروج ن معاهدة بريتون وودز كي يصدر الدولارات المكشوفة الكافية لتغطية تفقات الحرب .
ما معنى أن تصدر الولايات المتحدة نقوداً مكشوفة لا غطاء لها !؟ المعنى الوحيد لهذا هو أن النظام الرأسمالي فيها تعطل ولم يعد يعمل وهو النظام الذي يدور في دورة واحدة بعينها فقط هي (نقد – بضاعة – نقد) . من يعرف دورة أخرى للنظام الرأسمالي فليعلن ذلك وإلا عليه أن يصمت ويقر بأن النظام في الولايات المتحدة لم يعد رأسمالياً .
في العام 72 استنجد الرئيس نكسون بالخبير المالي المتميز جورج شولتس الذي أوصى بتخفيض القيمة الرسمية للدولار (Devaluation) لكن ذلك لم يحد من تدهور قيمة الدولار فأعلن تخفيض قيمة الدولار مرتين في العام 73 دون جدوى حتى بات انهيار النظام الرأسمالي في العالم مؤكداً مما حدا بالرئيس نكسون أن يستبدل وزير الخزانة الخبيرالمالي جورج شولتس بوليم سيمون المهووس بالنظام الرأسمالي . بعد أن فشل شولتس الذي يحمل درجة الدكتوراة في الإقتصاد في انتشال النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة من السقوط جيء بهذا المهووس سيمون لينجح فيما فشل شولتس !! هوس سيمون بالنظام الرأسمالي ناجم فقط عن تسلط واستغلال مراكز الرأسمالية لباقي دول العالم . فكان انتشال الرأسمالية العالمية من الإنهيار لا يعني لهذا المهووس أكثر من احتفاظ تلك المراكز على تسلطها واستغلالها . أما وقد اصطدم سيمون بحائط صخري لا يمكن تجاوزه وهو أن مصارف فائض الإنتاج في مراكز الرأسمالية قد سدّت نهائيا حيث لم تعد الدول المستقلة حديثاً أسواقاً مفتوحة وامتنع بذلك على النظام الرأسمالي تحقيق فائض القيمة وهو ما رتب الانهيار التام للنظام الرأسمالي دون أية معالجة . إذاك ابتدع وليم سيمون حماقة لا نظير لها في تاريخ البشرية وهي تصدير الأموال التي لا يحدها أية حواجز جمركية مثل البضائع التي امتنع إنتاجها . ليس أكثر حماقة من الإفتراض أن النقود ذات قيمة بذاتها . قيمة النقود هي فقط الإستدلال على قيمة البضاعة ولا قيمة لأية نقود بغياب البضاعة إلا إذا كانت من الذهب والفضة وهما من البضاعة .
حماقة وزير الخزانة الأميركي المهووس وليم سيمون تبناها أول مؤتمر قمة للرأسماليين الخمسة الكبار (G 5) في رامبوييه/باريس في 16 نوفمبر 75 حيث أعلن أولئك الخمسة (أميركا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا واليابان) في معالجتهم لانهيار النظام الرأسمالي تضامنهم في الحفاظ على أسعار صرف عملاتهم في أسواق الصرف .
السؤال الفيصل في هذا الموضوع هو .. هل كانت هذه الدول لتعلن تضامنها في تأمين أسعار صرف عملاتها لو كانت منتجة للبضاعة التي هي وحدها تؤمن قيمة العملة ؟؟
الدولة التي لا تنتج البضاعة ليست دولة رأسمالية بحال من الأحوال .
كيف للدول الخمسة أن تكون رأسمالية وشعويها تعيش على قوى العمل لعمال شرق آسيا بسبب أن عمالها لا ينتجون ؟
العثرة الكبرى على الطريق إلى الشيوعية هي أن الشيوعيين لم يدركوا بعد أن النظام الرأسمالي انهار في سبعينيات القرن الماضي بفعل تداعيات الثورة البلشفية .
تلك هي الحقيقة التي وحدها تقرر الاستراتيجيا والتاكتيك لأي حزب شيوعي وما عداها إنما هو قبض الريح .



تعليقات الفيسبوك