صمٌ بكمٌ ... ليسوا شيوعيين


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6030 - 2018 / 10 / 21 - 20:36
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

صمٌ بكمٌ ... ليسوا شيوعيين
منذ انفصالي عن الحزب الشيوعي الأردني في العام 1965 وأنا أناضل بكل ما أوتيت من عزم وقوة بما في ذلك دخول السجن مرة أخرى كي يدرك الشيوعيون قبل غيرهم الأسباب الحقيقية لانهيار الإتحاد السوفياتي (المشروع اللينيني) وعبثاً ناضلت . لو أدرك الشيوعيون الأسباب الحقيقية في حينها لما آل الاتحاد السوفياتي إلى الإنهيار ؛ وهم لو يدركونها اليوم لما بتنا نرى الأحزاب الشيوعية تمّحي من على وجه الكرة الأرضية . عبثاً يوقف الشيوعيون إمِّحاءَهم قبل إدراكهم الأسباب الحقيقية لانهيار مشروعهم الأساس وهو الثورة الشيوعية العالمية التي استشرفها ماركس .

كتبت مقالي الأخير قبل أسبوع "ستنتصر الشيوعية رغم أنف الشيوعيين" لأؤكد الوقائع التاريخية التي أدت إلى انهيار المشروع اللينيني الذي كان ماركس ورفيقه إنجلز قد أكدا أنه سيحسم نهاية التاريخ في وقت ليس ببعيد . لكن الشيوعيين الذين يمسكون اليوم برقاب الأحزاب الشيوعية في العالم العربي على الأقل حافظوا على أنفسهم صمّاً بكماً لا يفقهون، بل زادوا في ذلك بأن قيّموا المقال بأحد عشر صفراً . لكن ذلك لن يجديَهم نفعاً ؛ سيلاحقهم الإمّحاء حتى التلاشي وقد غدا ماثلاً فيهم إذ يتحولون إلى إصلاحيين مثلهم مثل الديموقراطيين الإجتماعيين . استبدلوا الثورة الشيوعية التي دعا إليها ماركس بالديموقراطية البورجوازية وزادوا في شرحها على أنها المساكنة الطبقية، أي قبول العمال بالاستغلال الرفيق والعادل (!!) .

لكن لماذا انقلب هؤلاء الشيوعيون مثل هذا المنقلب الخطير الفج والمستنكر ؟
ليس من سبب آخر لهذا الإنقلاب الحدي سوى انهيار المشروع اللينيني .
وهنا ينقلب هؤلاء الشيوعيون إلى حزبين، حزب يقول أن سبب الانهيار هو أن مشروع لينين في الثورة ليس هو مشروع ماركس، وبعض هؤلاء يطالبون بمحاكمة لينين كونه أغوى عمال العالم وضيّع عليهم فرصة الإنتقال الحقيقي إلى الإشتراكية ؛ والحزب الأخر يقول أن استبداد ستالين وبيروقراطيته كانا السبب الرئيسي للانهيار .
وقائع التاريخ وليس المبادئ والقناعات هي ما يدحض افتراءات هذين الحزبين الفارغة الجوفاء . الإتحاد السوفياتي كان أقوى دولة في العالم في الحرب وبعد الحرب، كما تقر الموسوعة البريطانية، وكما يقر أول تقرير تكتبة المخابرات المركزية الأميركي حال إنشائها إذ يؤكد أن الجيش الأحمر كان بإمكانه ألا يتوقف في برلين بل يستمر متجهاً إلى الغرب حتى الوصول إلى واشنطن . وفي 6 ابريل 43 كتب تشيرتشل مذكرة لستالين يقول فيها .. "أنا أعترف بكل مداركي أنكم العمالقة ونحن لسنا مثلكم"، ويؤكد تشيرتشل لمولوتوف أكثر من مرة أن أول عمل يقوم به في الصباح هو أن يصلي للرب لأن يحفظ ستالين لأنه الوحيد القادر على حفظ السلام في العالم . ويكتب روزفلت في مفكرته قبل أن يموت في العام 45 أن ستالين وليس تشيرتشل هو من سيبني عالماً يسوده الديموقراطية والسلام . بل إن خروشتشوف نفسه الذي ادعى في تقريره الشخصي (وليس الحزبي) إدعاء تروتسكي حول بيروقراطية ستالين واستبداده، وهو العكاز الوحيد الذي يتعكز عليه شيوعيو اليوم، عاد ينكر تقريره حين افتتح المؤتمر الاستثنائي للحزب في العام 59 ويقول .. "نجح حزبنا بقيادة ستالين لفترة طويلة في أن يتغلب على سائر الأعداء من تروتسكيين وبورجوازيين وغيرهم وبنى لنا دولة اشتراكية عظمى نعتز بها" .
ليس إلا أحمقَ من يقول أن الثورة البلشفية كانت أسباب نهايتها من داخلها خاصة عقب امتحان الحرب العالمية الثانية حيث عجزت الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث عن مواجهة ألمانيا الهتلرية وانقضت كل الحرب في مواجهة 30 فرقة إيطالية سيئة التدريب والتسليح، وتركت الاتحاد السوفياتي وحده يواجه 180 فرقة نازية فائقة التدريب والتسليح وتنتهي الحرب باحتلال الجيوش السوفياتية لبرلين في 8 مايو أيار 45 ولدى الاتحاد السوفياتي 6.5 مليون عسكري في حين لم تجمّع الدول الغربية الثلاث أكثر من 700 الف عسكري . فقد الاتحاد السوفياتي في الحرب 9 ملايين عسكرياً و 15 مليون مدنياً و 106400 طائرة حربية و 83500 دبابة . بعد هذه المأثرة التاريخية الفريدة في تاريخ البشرية لم ينعدم الحمقى الذين يزعمون أن أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي كانت من داخل المشروع اللينيني ومنهم الحمقى الذين يمسكون برقاب الأحزاب الشيوعية اليوم . هل كان الاتحاد السوفياتي سينهار لو لم تشن عليه ألمانيا النازية حربها المجنونة !؟ بل هل كانت تتحول ألمانيا إلى النظام النازي العسكري لو لم تملِ بريطانيا وفرنسا شروطهما التعجيزية على ألمانيا بموجب معاهدة فرساي التي سدت على ألمانيا كل منافذ تطور النظام الرأسمالي وغرامات باهظة تدفع بالذهب !؟ هل كانت الثورة ستنهار لو لم يضطر الاتحاد السوفياتي إلى تحويل اقتصاده الإشتراكي إلى اقتصاد حربي منافٍ للإقتصاد الإشتراكي منذ العام 38 وحتى العام 51 !؟

الإجابة الموضوعية على مختلف هذه التساؤلات هي المبرر الوحيد لاستمرار قادة الأحزاب الشيوعية اليوم في العمل الشيوعي (!!) وعلّها تكون محاولة جادة لنفي الحماقة عن موقفهم السياسي .
أن تكون أسباب انهيار المشروع اللينيني هي من خارج المشروع فذلك لا بد من أن يغير سياسات وتوجهات قادة الأحزاب الشيوعية الماثلة والتي انتهت إلى تحولهم من شيوعيين ثوريين إلى إصلاحيين يصفهم لينين .. "الإصلاحيون لهم هدف واحد وحيد وهو أن تتخلى الطبقة الثورية عن الثورة وتتهاون في الصراع " . ذلك هو الهدف الوحيد لقادة الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وهم يدعون إلى الديموقراطية البورجوازية متحالفين مع الطبقة البورجوازية، وإلى التعددية التي لا تعني غير المساكنة الطبقية وقبول العمال بالإستغلال الرحيم مثلما طالب الحارس اليقظ للنظام الرأسمالي الإقتصادي البريطاني كينز (John Maynard Keynes) .

المسألة الحديّة التي تواجه كافة الشيوعيين اليوم قبل الغد وتميز الشيوعيين حقاً عن غير الشيوعيين هي اكتشاف الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى انهيار المشروع اللينيني المتمثل بالاتحاد السوفياتي والمعسكر الإشتراكي . فإن كانت الأسباب ذاتية فذلك يستوجب تحديدها وتبيان آثارها المدمرة، وربما نبذ الثورة الشيوعية التي دعا إليها ماركس وإنجلز ولينين نهائياً والتحول من شيوعيين إلى إصلاحيين كما هو ماثل اليوم . وإن كانت أسباباً خارجية فذلك يستوجب الحفاظ على مبادئ ثورة البلاشفة بكل قوانينها ونظمها والبحث الجاد في كيفية استنبات جذورها من عمق تربة العالم .

وأختم بأن أستسمح نفسي لأفترض أن قادة الأحزاب الشيوعية اليوم ليسوا صماً بكماً لا يفقهون كما سبق أن افترضت بل هم يدركون الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انهيار الإتحاد السوفياتي فالأسباب تحكي ذاتها ؛ فلماذا إذاً أن أحداً من قادة الأحزاب الشيوعية لم يعلن عن تلك الأسباب !؟ كيف يمكن لتاجر يذهب لمباشرة العمل في متجره فيجده فارغاً مسروقاً ومع ذلك لا يشكو إلى الشرطة ولا يطلب التحقيق في الأمر !!؟ لو تحدث مثل هذه الحالة فذلك لا يعني سوى أن التاجر نفسه هو من سرق متجره أو كان شريكاً في السرقة .
قادة الأحزاب الشيوعية الحاليين لم يتوقفوا هنيهة أمام الأسباب الحقيقية لانهيار مشروعهم الشيوعي وهو ما يعني بالضرورة أنهم هم أنفسهم كانوا قد شاركوا في انهيار الثورة الشيوعية . يمكن الإفتراض أنهم لم يعلموا عن إلغاء الخطة الخمسية واستبدالها ببرنامج للتسلح الكثيف مع أن القرار كان قد أعلن رسميا بلكل حيثياته في العام 53 وهو مخالف لأبجديات النظام، ولم يعلموا عن طرد أعضاء المكتب السياسي السبعة في العام 57 وهو أمر مخالف للقانون والنظام، لكنهم قطعاً يعلمون إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا وكان ذلك من قرارات المؤتمر العام للحزب الثاني والعشرون في العام 61 . كيف يمكن أن يكون هناك اشتراكية بدون دكتاتورية البروليتاريا !!؟ ماركس نفسه لم يعرف ملمحا من الإشتراكية سوى دولة دكتاتورية البروليتاريا .
ألم تقبلوا قرار خروشتشوف بإلغاء دكتاتورية البروليتاريا وأعدتم وراءه كالببغاوات مقولته البورجوازية السمجة "دولة الشعب كله" !؟ ماذا يتبقى من الإشتراكية بعد إشراك مختلف الطبقات في الدولة !؟ كيف يمكن إلغاء الطبقات، وهو الإشتراكية بتعريف لينين، بينما الطبقات هي الحاكمة وشريكة في الدولة !؟
بقي أن أذكر أنني عانيت كثيرا من تعصب الذين يمسكون اليوم برقاب الأحزاب الشيوعية لخروشتشوف وتحريفاته وهو الذي كان مجرد ألعوبة بيد جنرالات الجيش الذين انقلبوا على الإشتراكية حال اغتيال ستالين .



تعليقات الفيسبوك