الشيوعية ستنتصر قريباً رغم أنف -الشيوعيين-


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6023 - 2018 / 10 / 14 - 21:26
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

- ويحكَ أيها البلشفي العتيق ! ما هذا الخطاب الفج الذي تخطب ؟ البلاشفة لا يهذرون !
- أيُّهذا القوم الغُفل، البلشفي العتيق لا يهذر.. ما بكم لا تقرؤون التاريخ !؟ .. الماركسية ليست إلا قراءة التاريخ .
قال لنا التاريخ أن عتات الرأسماليين في العالم جمعوا كل عساكرهم ودفعوا بتسعة عشر جيشاً إلى روسيا في العام 1919 لخنق البلشفية في مهدها، لكن البلاشفة أنزلوا بالإمبريالية العالمية هزيمة نكراء في العام 21 ، فكان أن تعلّم الإمبرياليون الدرس في ألا يقتربوا من حدود البلاشفة .
تحت مظلة الإمبريالية العالمية تنامت الفاشية في ألمانيا النازية وفي كل أوروبا . وفي العام 1941 جمعت الفاشية كل قواها في أوروبا وبحقد مجنون غزت الأراضي السوفياتية، وأعطى هتلر تعليماته للغزاة بأنه يريد الأراضي الروسية بدون البشر عليها إلا أن البلاشفة تحت الراية اللينينية التي رفعها ستالين عالياً سحقوا قطعان الغزاة وسحقوا رأس هتلر النازية العفنة تحت أحذيتهم .
وهكذا توطد الإتحاد السوفياتي أقوى دولة في العالم، دولة إشتراكية لا تقهر .
- لكن دولة البلاشفة لم تعد موجودة وهو ما يعني أن دولة البلاشفة قد قهرت وتم تفكيكها .
- أبداً، دولة البلاشفة لم تقهر إنما تراجعت إلى ما وراء الأفق وليس أدل على ذلك من أن الدولة البلشفية تراجعت أمام أرهاط من الشيوعيين أنفسهم أو الأحرى أدعياء الشيوعية، وليس أعداء الشيوعية الكلاسيكيين .

في العام 51 بعد أن أعيد إعمار الاتحاد السوفياتي إلى مثل ما كان عليه قبل الحرب قرر الحزب الشيوعي بقيادة ستالين استعادة الإقتصاد المدني الإشتراكي بدل الإقتصاد الحربي الذي ظل سائداً طيلة أربعة عشر عاماً . دعا ستالين إلى عقد ندوة متخصصة في العام 51 للبحث في الإنتقال إلى الإقتصاد الإشتراكي، فكان الموضوع الرئيس الذي بحثته الندوة هو استعادة الصراع الطبقي بعد إخماده لثلاث عشرة سنة . ونظراً لأهمية أبحاث تلك الندوة الفريدة في تاريخ الإشتراكية السوفياتية انقطع ستالين عن العمل ليؤلف كتابا يتحدث عن " المسائل الإقتصادية للاشتراكية في الإتحاد السوفياتي " . ليس من شك في أن ستالين أخذ أبحاث الندوة في الاعتبار حين قرر تحويل اقتصاد الحرب إلى الإقتصاد المدني الإشتراكي وقدم في هذا السياق الخطة الخمسية الخامسة إلى موتمر الحزب التاسع عشر في أكتوبر 52 تحت عنوان التحول من الصناعات الثقيلة إلى الصناعات الخفيفة . وافق المؤتمر على الخطة الخماسية (51 – 55) بحماس شديد لكنه لسوء حظ البشرية جمعاء لم يوافق على الحاح ستالين الجاد والخطير القاضي بإحالة جميع قادة الحزب بمن في ذلك ستالين نفسه إلى التقاعد واستبدالهم بشباب أكثر قدرة وحماساً للعمل الشيوعي . ولما عاد ستالين بعد إعادة انتخاب نفس القيادة يحذر من أن بقاء القيادة على حالها يشكل خطراً جديّاً على مصائر الثورة الإشتراكية عاد المؤتمر ينتخب إثني عشر عضواً إضافيا للمكتب السياسي ليغدو عدد أعضائه 24 بدل 12 عضواً فقط، وهو ما هدّأ من روع ستالين .
ثلاثة من الأعضاء القدامى وقد تأكد لهم أن ستالين يهدد مستقبلهم السياسي بإحالتهم إلى التقاعد وهم بيريا ومالنكوف وخروشتشوف نجحوا في اغتيال ستالين بالسم أثناء تناولهم العشاء معه في بيته في 28 فبراير شباط 53 . أمّل هؤلاء "الشيوعيون" المجرمون الخونة الثلاث أن أحداً منهم سيجلس على كرسي ستالين العالي كقائد للثورة الإشتراكية العالمية . لكن كيف لمجرم خائن أن يرتقي أعلى كرسي في تاريخ البشرية، كرسي قائد ثورة البروليتاريا في العالم !!؟
كان الجيش هو من فَصَل في هذا الأمر الخطير وليس الحزب كما يقتضي القانون والنظام ؛ فكيف ولماذا تمت مخالفة القانون والنظام !؟

بسبب المؤامرة الفاشية الإمبريالية التي طل رأسها في مؤتمر ميونخ في سبتمبر 38 الذي ضم تشيمبرلن ودالادييه يمثلان بريطانيا وفرنسا الإمبرياليتين وهتلر وموسوليني يمثلان ألمانيا وإيطاليا الفاشيتين، اضطر الاتحاد السوفياتي لأن يتخلى عن سياساته الإشتراكية المنبثقة جميعها من مبدأ الصراع الطبقي والتحول إلى الإقتصاد الحربي والتآخي الطبقي الأمر الذي انعكس آلياً في أولوية الجيش على حساب الحزب الذي لم يعقد أي مؤتمر له طيلة ثلاثة عشر عاماً . وهنا يجب ألا نغفل عن التناقض الكبير بين الاشتراكية والعسكرة، فالجيش الأحمر الذي اضطلع بحماية الإشتراكية هو بذات الوقت ضد الإشتراكية بالطبع بموجب تقسيم العمل .
ما إن أغمض ستالين عينيه إلى الأبد مساء الخامس من مارس آذار 53 حتى برز الجيش منظمة أقوى من منظمة الحزب الشيوعي بسبب الحرب العظمى وبات له القول الفصل في كل أمور الوطن السوفياتي مركز الثورة الإشتراكية العالمية . وهكذا أمسك مارشالات الجيش بصولجان السلطة وبات لهم البت حتى في هايراركية الحزب فسمحوا لمالنكوف أن يجلس على كرسي ستالين لكن بعد أن يلغي انتخاب الشباب الاثني عشر المتحمسين للعمل الشيوعي الذين أصر ستالين على انتخابهم أعضاء في المكتب السياسي للحزب ؛ فكان أن قرر الأعضاء الكهول الثمانية بعد موت ستالين الذين طالب ستالين بتنحيتهم، بعد ساعات قليلة من موته، إبطال إنتخاب الأعضاء الإثني عشر الجدد . ولما لم يقبل مالنكوف إلغاء الخطة الخمسية الكفيلة برفع مستوى حياة الشعب لتؤمن له رفاهية لا مثيل لها في التاريخ، كلف المارشالات خروشتشوف بالقيام بالأمر فأطيح بمالنكوف ليحل محله خروشتشوف ويدعو لجنة الحزب المركزية في سبتمبر ايلول 53 لتقرر إلغاء الخطة الخمسية لصالح اقتصاد الحرب المرتكز على تصنيع الأسلحة الذي ما زال سائداً حتى اليوم والمنافي جذرياً للإشتراكية . لقد كان ذلك القرار التاريخي هو الإنقلاب التام والشامل على الإشتراكية – نستذكر هنا العبارة التي كتبها ستالين على مشروع موازنة الجيش يرفضها في العام 36 .. "كل كبيك يصرف على العسكرية هو ضد الإشتراكية بنفس المقدار" .
عصابة العسكر – خروشتشوف لم يفتضح أمرها كعصابة معادية للشيوعية بالهجوم على ستالين عراب اللينينية بعد نهاية مؤتمر الحزب العشرين في العام 56 فقط بل أيضاُ في الإنقلاب العسكري ضد الحزب الذي قام به المارشال جوكوف في يونيو حزيران 57 وانتهى إلى طرد سبعة أعضاء من المكتب السياسي صوتوا بسحب الثقة من خروشتشوف من مجموع 11 عضوا كسراً للقانون والنظام ؛ ثم كان طلاق الإشتراكية من خلال إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا في مؤتمر الحزب في العام 61 وهي الشرط الوحيد الذي اشترطه ماركس لعبور مرحلة الإشتراكية .

مارشالات الاتحاد السوفياتي يعاونهم خروشتشوف وعصابته طلقوا الإشتراكية قبل العام 61 دون أن يعلنوا طلاقهم للشيوعية وكان ذلك من أجل أن تطلّق جميع الأحزاب الشيوعية في العالم الشيوعية مثلهم دون الإعلان . لقد تحقق لهم ذلك باستثناء الحزب الشيوعي في صين ماوتسي تونغ وفي ألبانيا أنور خوجه وفي رومانيا تشاوتشسكو .
ما كانت البورجوازية الوضيعة السوفياتية ممثلة بالجيش وبعصابة خروشتشوف لتتمكن من الإنقلاب على دولة البروليتاريا الإشتراكية بغير العدوان النازي الواسع والهمجي على الإتحاد السوفياتي . نعم استطاعت طلائع البورجوازية الوضيعة أن تسد طريق التطور ليس على الثورة الإشتراكية العالمية فقط بل وعلى تطور البشرية جمعاء أيضاً فيصل عالم ما بعد النصف الأول من القرن العشرين إلى أزمة مستعصية وقاتلة لم يسبق أن عانى العالم مثلها إلا خلال القرون الأربعة المظلمة ما بعد القرن الخامس للميلاد وحتى القرن التاسع حين عجز خلالها العالم عن الإنتقال من النظام العبودية إلى نظام الإقطاع .
العجزالقاتل الذي يعاني منه عالم اليوم ليس سببه الإنقلاب على الإشتراكية في الاتحاد السوفياتي في الخمسينيات بصورة رئيسية بل من أن الإنقلاب جرى ضد الشيوعية تحت راية شيوعية حيث ادعى الإنقلابيون أنهم شيوعيون هدفهم إصلاح الثورة الشيوعية وخاصة غياب الديموقراطية، ولهذ السبب قاموا بانقلاب عسكري فككوا بموجبه قيادة الحزب الشيوعي في العام 57 وفككوا دولة دكتاتورية البروليتاريا في العام 61 ؛ بل وصل بهم الإصلاح الديموقراطي إلى خلع رجلهم خروشتشوف بانقلاب عسكري في العام 64 .
رغم كل تلك الجرائم الفحشاء ضد الديموقراطية والتي أدت في النهاية إلى انهيار المعسكر الإشتراكي وتفكيك الاتحاد السوفياتي ما زال فلول الشيوعيين في العالم يؤمنون بأن خروشتشوف وعصابته عملوا على تصحيح الشيوعية الستالينية .

يتجاهل "الشيوعيون" أيتام خروشتشوف إلغاء الخطة الخمسية الخامسة بحجة أنها توهن وسائل الدفاع عن الوطن كما نص بيان الإلغاء في سبتمبر ايلول 53، وهو ما يعني إلغاء الإقتصاد الإشتراكي لتكريس اقتصاد الحرب . يتجاهلون الإلغاء لأنهم يعلمون أن قرارات المؤتمر العام للحزب، والخطة من أهم قراراته، لا تجوز مراجعتها وهي مستوجبة التطبيق بمختلف تفاصيلها . تجاهل إلغاء الخطة يكفي وحده لاعتبار شيوعيي اليوم من أيتام خروشتشوف اعداء للشيوعية، وهم، وليس غيرهم، من فكك الإتحاد السوفياتي . وليس أدل على أن "الشيوعيين" هم أنفسهم من فكك الإتحاد السوفياتي هو أن أعضاء المكتب السياسي للحزب أصبحوا رؤساء الجمهوريات الخمسة عشر بعد التفكيك مباشرة .

مما يؤكد عداء أيتام خروشتشوف للشيوعية هو أنهم يتجاهلون تماما حقيقة أن خطاب خروشتشوف السري ضد ستالين بعد إنتهاء المؤتمر العشرين للحزب في العام 56 كان خطاباً شخصياً لا علاقة للحزب به بل كان محل شجب الحزب . من ذلك الخطاب المليء بالأكاذيب استقى أيتام خروشتشوف كل خطابهم السياسي حتى وبعد أن تبرّأ منه خروشتشوف نفسه في خطابه يفتتح المؤتمر الحادي والعشرون للحزب في العام 59 وقد أشاد بستالين أيما إشادة .

في يونيو حزيران 57 إجتمع المكتب السياسي للحزب لمناقشة مشروع خروشتشوف "إحياء الأراضي البكر والبور" وفي المناقشة استنكر خروشتشوف لينين بالقول "شبعنا من لينينكم ولم نشبع الخبز"، فكان أن رفض المكتب السياسي المشروع وسحب الثقة من خروشتشوف بأغلبية 7 : 4 وهو ما يعني إقالة خروشتشوف من منصبيه كأمين عام الحزب ورئيس مجلس الوزراء . لكن خروشتشوف بدل الصدوع لقرار الحزب راح يطلب من صديقه وزبر الدفاع المارشال جوكوف أن يقوم بانقلاب عسكري ضد الحزب . طبعا لم ينس جوكوف أنه كان في العام 54 مرذولاً في موسكو بعد أن اعترف في المحكمة أنه كان قد سرق تحفاً ومعلقات من قصور برلين عندما كان حاكماً عسكرياً لها في العام 45، لكن خروشتشوف ما إن سُمّيَ أميناً عاماً للحزب ورئيسا لمجلس الوزراء بضغط من الجيش حتى سمى جوكوف وزيراً للدفاع . قام جوكوف بانقلاب عسكري تم بموجبه طرد أعضاء المكمتب السياسي السبعة الذين سحبوا الثقة من خروشتشوف . تم ذلك رغم أن النظام السوفياتي يؤكد أن المكتب السياسي للحزب هو أعلى سلطة في الدولة لا تسقط عضويته إلا بقرار تجريم من محكمة رسمية في محاكمة علنية، وهو ما لم يكن بالطبع في تلك الحالة .

في المؤتمر الثاني والعشرين لما ظل يسمى ابتساراً بالحزب الشيوعي في العام 61 تم الفراق الأخير مع الشيوعية فقد أعلن الأمين العام للحزب خروشتشوف إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها بما يسمى زوراً "دولة الشعب كله" . لا يجوز الإفتراض هنا أن خروشتشوف ليس غبياً لدرجة أنه يعلم أن ماركس حصر الإشتراكية بظل دولة دكتاتورية البروليتاريا . عَلِمَ خروشتشوف أم لم يعلم فإن إلغاء دولة دكتاتوربة البروليتاريا لا تعني أقل من إلغاء الثورة الإشتراكية ؛ وزاد الغبي خروشتشوف في شرح ذلك بأن سخر من مبدأ الصراع الطبقي وهو أبرز ميزات الاشتراكية متسائلاً بغباء صارخ .. "لماذا يقاتل بعضنا البعض الآخر؟ .. هل علينا أن نفعل ذلك لمسرة الأعداء !!" . وعالج القصور في التنمية نتيجة اقتصاد الحرب إلى تشريع المرابحة في الإنتاج والإستقلال المالي لكل مؤسسة إنتاجية .

أي خصيصة اشتراكية ظلت قائمة في الاتحاد السوفياتي فيما بعد العام 61 ؟ لاشيء لا شيء على الإطلاق . انهارت الإشتراكية السوفياتية على أيدي الحزب الشيوعي . ذلك ما عمّق بعيداً في تراجع الثورة الإشتراكية إلى ما وراء الأفق . فأيتام خروشتشوف ما زالوا يمسكون برقاب الأحزاب الشيوعية .
نعيد ونكرر هذه الوقائع التاريخية المشهودة لكن هؤلاء الأيتام سدوا الأذنين في إحداهما طينة وفي الأخرى عجينة إذ يسيئهم الإعتراف بأن الثورة الشيوعية انتكست على أيدي "الشيوعيين" وليس أعداء الشيوعية .
لن تعود الثورة الشيوعية تطل في الأفق القريب قبل أن يعترف زعما وقادة الأحزاب الشيوعية أن إنتكاس الثورة الشيوعية كان قد جرى بأيديهم وليس بأيدي غيرهم .

وأخيراً يتوجب علي هنا أن أعتذر من القراء الكرام لتكراري مثل هذه الإسطونة والتي ربما ملوا سماعها حيث بدون إعتراف أيتام خروشتشوف الذين ما زالوا يمسكون برقاب الأحزاب الشيوعية بأن الثورة الشيوعية انهزمت على أيديهم،عبثاً يكون أي عمل شيوعي .



تعليقات الفيسبوك