أعداء ستالين أعداء الشيوعية


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6002 - 2018 / 9 / 23 - 19:29
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

حال اغتيال ستالين في مارس آذار 53 تسلم كامل السلطة الجيش وليس الحزب الشيوعي وقد غدا إسماً بلا مسمى . ظل شبح ستالين يلاحق قيادة الجيش ويسد عليها طرق الرجوع عن الاشتراكية التي لا تتفق مع العسكرة ؛ إذاك طلبت قيادة الجيش من نيكيتا خروشتشوف وهو من ولّوه قيادة الحزب أن يغتال شبح ستالين خاصة وهو من شارك في اغتيال ستالين الحقيقي، وكتبوا له خطاب الإغتيال كي يلقيه في المؤتمر العشرين للحزب . غير أن خروشتشوف وجد الخطاب غريباً ولن يوافق عليه أي عضو من أعضاء المكتب السياسي ولذلك لا يمكن إلقاؤه في المؤتمر . ولما أصر الجيش على إلقائه في المؤتمر لم يكن من مفر أمام خروشتشوف سوى إلقائه في جلسة خاصة خارج برنامج المؤتمر بحيث لا يعود الخطاب بحاجة إلى موافقة المكتب السياسي ولا العلم به . وهكذا ألقى خروشتشوف خطاب اغتيال شبح ستالين في جلسة إضافية لم يحضرها كافة المندوبين . وكتبت الجريدة البريطانية "مانشستر غارديان" في الذكرى الخمسين للخطاب في العام 2006 أن عددا من المندوبين الذين استمعوا للخطاب غابوا عن الوعي لهول ما سمعوا والعديدين أيضاً شدوا حنقاً شعر الرأس بكلتا القبضتين .
ما يغيب عن السيد كريم الزكي كما يبدو أن خروشتشوف تراجع عن خطاب الإغتيال المحشو بالأكاذيب طبقاً للبروفيسور الأمريكي الأخصائي في الأرشيف السوفياتي غروفر فر (Grover Furr) في كتابه أكاذيب خروشتشوف (Khrushchev Lied) إلا أن السيد كريم الزكي لم يتراجع وكتب أمس في "الحوار المتمدن" مقالته بعنوان "اللينينية بالضد من الستالينية" وهي مقالة مليئة بالمغالطات وسوء الفهم . لو عرف كريم الزكي أن خروشتشوف تراجع عن أكاذيبه في الخطاب السري لما كتب ما كتب . خطب خروشتشوف يفتتح أعمال المؤتمر الإستثنائي الحادي والعشرين للحزب في يناير 59 وقال .. "حزبنا بقيادة ستالين لفترة طويلة نجح في التغلب على سائر الأعداء من تروتسكيين وبورجوازيين وغيرهم وبنى لنا دولة اشتراكية عظمى نعتز بها" – ماذا بقي من اللينينية نسيه ستالين !!؟
لو عرف كريم الزكي أن ستالين في مؤتمر الحزب التاسع عشر في أكتوبر 52 أي قبل اغتياله بثلاثة شهور فقط وعندما وقف مولوتوف ليعلن أنه تلميذ لستالين وتلاه مالنكوف ليعلن أنه من تلاميذ ستالين قاطعهم ستالين ليقول .. "هذا هراء “nonsense”، ستالين ليس له تلاميذ فنحن جميعنا من تلاميذ لينين"، لو عرف كريم ذلك لما كتب ما كتب .
الهالة الوهاجة للينينية التي يعترف بها اليوم الشيوعيون وأدعياء الشيوعية وحتى التروتسكيين الأفّاقين _ وهم الذين نادوا بسقوط لينين عميل الألمان في مارس آذار 1918 – تلك الهالة الوهاجة هي من صناعة ستالين عندما حاضر عن أسس اللينينية في جامعة سفردلوف في العام 1924 وصدر كتابه "أسس اللينينية" ويعتبر من أهم كتب الشيوعية، أوعندما أقسم ألا يغطي وجه لينين التراب كيما تزوره الشعوب وتقتبس من طلعته قبس الثورة . ويروي مولوتوف صديق ستالين الصدوق في مذكراته أن ستالين أينما كان يخلد للنوم أثناء حلّه وترحاله يعلق وجه لينين الشمعي مضاءً فوق رأسه – هل بعد هذا يمكن الإدعاء بأن الستالينية ضد اللينينية !؟ مات ستالين والصورة الرسمية المعلقة في مكتبه فوق رأسه لأكثر من ثلاثين عاماً هي صورة لينين . وفي مقابلة صحفية له أكد ستالين أن منية عمره هي على الدوام أن يكون تلميذا نجيباً للينين وهو ما زال، كما قال، ليس أكثر من نقطة في محيط اللينينية الكبير .

من المغالطات التي اقترفها كريم الزكي هي ادعاؤه أن ماركس وإنجلز كان لديهما تصورات محددة عن النظام الشيوعي بينما المعلوم تماماً هو أن ماركس وإنجلس رفضا رفضاً قاطعاً أن يحددا أية سمة من سمات النظام الإشتراكي باستثنا أن نظامه السياسي لا بد وأن يكون دولة دكتاتورية البروليتاريا . ثم كيف لهما أن يصفا نظام الحياة الشيوعية بغير نهاية الدولة . لا لينين ولا ستالين الذي نجح في عبور معظم المسار الإشتراكي تكلما عن تنظيم الحياة الشيوعية .
أما فيما يخص مجالس السوفيتات فلقد تشكلت هذه المجالس بعد فشل الثورة البورجوازية في العام 1905 وقد تشكلت من العمال والفلاحين والجنود . تلك المجالس هي التي قادت النهوض الثوري لدى الشعب الروسي وقامت بالثورة البورجوازية في فبراير شباط 1917 ثم بالإنتفاضة في أكتوبر 1917 ليتولى فيها السلطة حزب البلاشفة الذي في مواجهة الثورة البورجوازية المضادة طور الانتفاضة لتكون هي الثورة الاشتراكية العالمية التي أعلنها لينين في 6 مارس آذار 1919 مع تشكيل الأممية الشيوعية .
الإشتراكية بتعريف لينين هي بكلمتين "محو الطبقات"، أي أن عبور فترة الإشتراكية القصيرة إعداداً للإنتقال إلى الحياة الشيوعية يستلزم قبل كل شيء آخر محو الطبقات، أي إلغاء طبقة الفلاحين والجنود . وعليه يمكن اعتبار تواجد مجالس سوفيتية لا تضم فلاحين وجنوداً مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين نجاحا حقيقيا للعبور الإشتراكي خاصة ونحن نعلم أن المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي في العام 52 كان قد قرر حذف صفة البولشفي من اسمه إشارة إلى سياسته القاضية بإلغاء طبقة الفلاحين حيث كان الخلاف بين البلاشفة والمناشفة في العام 1903 حول اعتماد البلاشفة على طبقة الفلاحين بالإضافة إلى العمال في تنظيم النشاط الثوري وهو ما رفضه المناشفة – مع ذلك أنا لا أعلم فيما إذا كانت مجالس السوفيتات في النصف الثاني من القرن العشرين ضمت فلاحين وجنودا أم لم تضم .
السيد كريم الزكي تجاوز ماركس وإنجلز ولينين وستالين وتكلم عن الكومونات الشيوعية تديرها مجالس سوفيتية وهو الكلام الذي لم يتفوّه به أحد من طلائع الشيوعيين .
المغالطة الأخرى التي تكلم فيها كريم الزكي هي الخلاف المزعوم بين لينين وستالين حول التنظيم القومي والجيوسياسي للإتحاد السوفياتي . من المعروف تماما أن كتاب ستالين عن المسألة القومية أثار إعجاب لينين الشديد حتى أنه كتب إلى مكسيم غوركي يدعوه إلى سويسرا ليرى "القوقازي العجيب" يكتب في المسألة القومية . وفي صبيحة انتفاضة أكتوبر عين لينين ستالين وزيرا للشؤون القومية . كتاب ستالين "الماركسية والمسألة القومية" ما زال هو المرجع الوحيد لكل الباحثين في المسألة القومية .
ومن المعروف تماماً أن الاتحاد السوفياتي تفسخ في العام 91 إلى خمس عشرة جمهورية معروفة حدودها السياسية ومعروفون رؤساؤها وشعوبها تتكلم لغاتها القومية . ذلك ما كان في الاتحاد السوفياتي بقيادة ستالين لثلاثين عاما بل وكان لأوكرانيا وروسيا البيضاء ممثلون مستقلون في الأمم المتحدة غير ممثل الاتحاد السوفياتي .
استند كريم الزكي في حلقته الثانية في نفس الموضوع إلى وثيقة ُزائفة يُزعم أن لينين كان قد كتبها إلى نائبه كامينيف . لينين ما كان ليكتب مثل هذا الهراء في الوثيقة المزعومة . وليف كامينيف لم يكن يوما نائباً للينين . كيف للينين أن يعوم وظيفة الأمين العام للحزب الشيوعي البولشفي ليكون مرة روسيا وأخرى اوكرانيا وثالثة آذاريا وهو في العام 23 لم يجد بديلا لستالين فيما سمي بوصية لينين وأوصى أعضاء اللجنة المركزية النضال لاستبدال ستالين بآخر مثله بكل شيء ما عدا الفظاظة حيث لا يجوز أن يكون الأمين العام للحزب فظاً فظاظة ستالين . وعندما ذكر أحد أعضاء القيادة تلك الوصية بعد وفاة لينين أثناء الإجتماع قدم ستالين استقالتة مؤكداً أنه لا يستطيع إلا أن يكون فظاً في مواجهة أعداء الثورة وهو ما دفع أعضاء القيادة إلى التصويت بالإجماع، بمن في ذلك تروتسكي الطامع أبداً بالرئاسة، لصالح ستالين أميناً عاماً للحزب .

كان آخر ما كتب ستالين في مذكرته قبل اغتياله يقول .. " أنا أعلم أن كثيراً من الزبالة ستهال فوق قبري لكن الرياح ستذرو بها بعيداً " . نؤمل من الرفيق كريم الزكي ألا يشارك في إلقاء الزبالة فوق قبر ستالين وهو "أعظم القادة في كل العصور" كما وصفه رفيقه في الحرب ونستون تشيرتشل، وهو برأي الشيوعيين البلاشفة من سيظل محل فخار البشرية جمعاء طوال المستقبل .



تعليقات الفيسبوك