أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اخر الاخبار, المقالات والبيانات - خالد عبد الله - المأزق الأمريكي يتعمق















المزيد.....

المأزق الأمريكي يتعمق


خالد عبد الله

الحوار المتمدن-العدد: 572 - 2003 / 8 / 26 - 06:31
المحور: اخر الاخبار, المقالات والبيانات
    


د. خالد عبد الله
كاتب عربي يقيم في وارسو


لغط كثير يدور حول ما يجري في العراق، يخفي الحقائق ويؤكد على المشتبهات. وهو ما كان له أن يختل أهل الغفلة لولا قوة الآلة الأمريكية الإعلامية، والإذعان المخزي لكثير من القوى. وليس هناك من سبيل لمنع خداع الناس عن الأمر الظاهر، ولفت الأنظار إلى الشبهات إلا بالتأكيد المتواصل على بديهيات الأمور، ومقاومة البحث في الهوامش، والرجوع دوما إلى أصول الأحداث.

فمقاومة الاحتلال حق مشروع ضمنته القوانين والأعراف الدولية. والمقاومة لها أشكال كثيرة، عسكرية واقتصادية وسياسية وثقافية. فهي من حيث الأصل أخلاقية. غير أن كل حدث منها يرتب، سواء ارتكب وعيا أم جهلا، نتائج أخلاقية واستراتيجية. وبعض هذه الأفعال قد لا ينسجم مع الضرورات الأخلاقية، فقطع إمدادات المياه، أو الكهرباء، أو قتل المدنيين المسالمين مثلما حصل لموظفي الأمم المتحدة يثير على الفور قضايا القيم الأخلاقية. وهذا أمر مشروع.

لكن الحكم الأخلاقي، بخلاف المرامي الاستراتيجية والدوافع السياسية والأهداف الاقتصادية، قيمة لا تقبل التخصيص ولا تجيز التدرج. فالعمل غير الأخلاقي يبقى حكمه واحدا بغض النظر عن فاعله، فلا ينجو من أثره أحد. والفعل غير الأخلاقي ليس طبقات، بل جنس واحد. فليس هناك ممارسة أكثر أخلاقية، أو ممارسة أقل أخلاقية. فهي إما ممارسة تقع في نطاق دائرة الأخلاق أو تحدث خارجها. أي بمعنى آخر تقرها القوانين أو تنكرها. لكن هذا لا يعني أن الممارسات غير الأخلاقية لا تتفاوت في فظاعتها، ومعها تتفاوت العقوبة المنصوص عليها. لكنها سواء كانت فظيعة أو في غاية الفظاعة فهي غير أخلاقية فحسب.

وبادئ ذي بدء، قليل من أهل النزاهة يشكون في أن ظلما فادحا يحل بالقيم الأخلاقية حينما نعاينها، مثلا، على مستوى العراق. فنحن أمام مشهد واضح في اختلافه، تباين الليل الدامس عن النهار الساطع. فالولايات المتحدة وبريطانيا شنتا حربا على العراق بدون موافقة الأمم المتحدة بل رغما عنها. ثم قبلتا أن تعتبرا دولتين محتلتين. فالوجود الأمريكي البريطاني في العراق احتلال، أي غير شرعي.
 فكل عمل تقوم به قوات الاحتلال يتولد من أصل غير مشروع هو الاحتلال. وقد يترتب على ممارساتها أفعال تنسجم مع متطلبات القانون الدولي بشأن الاحتلال. لكن الأفعال المتلائمة مع القانون الدولي لا تغير من حقيقة حكم الأصل، أي عدم شرعية الاحتلال، أي أخلاقيته. أما المقاومة فهي في أصلها حق مشروع، أي أخلاقي. وحينما تصدر منها أفعال لا تناسب القانون الدولي، فهي لا تلغي صحة الحكم الأصلي، كون المقاومة عمل مشروع، أي أخلاقي.

ولكن الرياء بلغ أقصاه في مجلس الأمن، والنفاق أصبح سيلا جارفا في الإعلام ولدى كثير من البلدان. فلم نجد في مجلس الأمن ابتداء استنكارا لاحتلال العراق كما يفعل في العادة لأحداث أقل جسامة. ولم نسمع منه إدانة لقتل المدنيين العراقيين خلال الحرب الذين يقدر عددهم بالآلاف. كما لم يهمس مجلس الأمن ببنت شفة بعد الحرب حتى لحظتنا هذه لما تقوم به قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية من قتل متواصل للمدنيين، وانتهاك لكثير من أحكام القانون الدولي بشأن ممارسات الاحتلال.

فمجلس الأمن لم يتجاهل الأصل، أي الاحتلال، فحسب. بل يغض الطرف عن ممارسات الاحتلال المخالفة للقوانين الدولية، أي غير الأخلاقية. وعندما يثور مجلس الأمن ضد تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد وقتل موظفيه ينحدر درجة أكثر في مصداقيته، كما يثير المرارة في نفوس الكثير من الناس. ولا ينبع هذا من كون الناس توافق على التفجير، بقدر ما هو مرارة من النفاق الصارخ في ما يصدر عن مجلس الأمن. فتمييزه بين قتلى أبرياء، وقتلى أبرياء يضعف أثر الاحتجاج في منع تكرار تلك الممارسات. لأنه حينذاك يبدو عضدا لممارسات الاحتلال الأمريكي البريطاني. ويصبح لا وزن لما يصدر عنه لدى الناس.

فلو صرخ مجلس الأمن بنفس القوة في وجه الأمم المتحدة لوجد أثرا كبيرا لصراخه ضد أعمال المقاومة التي لا تتماشى مع الأعراف الدولية. فكما أن احتجاجه العلني على ممارسات الولايات المتحدة سيحرجها على الأقل أمام شعبها ويؤثر بالتالي على ممارساتها، فإن الاحتجاج على بعض تصرفات المقاومة العراقية سيجد صدى لدى الشعب العراقي مما سيلجم تلك الممارسات.

غير أن مشكلة الأمم المتحدة، أي مجلس الأمن وليس موظفيها، في العراق عويصة. فلها تاريخ طويل في المشاركة في آلام الشعب العراقي التي تمت تحت مسمى العقوبات الاقتصادية. فقد أودت هذه العقوبات بحياة مئات الآلاف من  الأطفال حسب تقديرات المنظمات الدولية نفسها. كما أنها ساهمت في تدمير البنى الأساسية العراقية. وحينما يشاهد العراقيون غض الطرف منها على قتلهم يوميا وتدمير حياتهم بكل جوانبها، ثم يرونها ترعد وتزبد حينما يسقط آخرون غير عراقيين تزداد المرارة وتنحدر المصداقية.

 كما تزداد السخرية حينما يحتج على حادث يوقف إمدادات الماء أو الكهرباء، بعد أن رأى العراقيون بأم أعينهم كيف دمرت الطائرات والصواريخ الأمريكية المنشآت الكهربائية وإسالة المياه وصرف المجاري والجسور والطرق وغيرها كثير. وقد تم ذلك تحت سمع وبصر الأمم المتحدة دون احتجاج. فكيف سيكون لاحتجاجها معنى ليس فقط عند العراقيين بل عند معظم شعوب العالم؟

ومع ذلك فلا يقلق الأمريكان الجوانب الأخلاقية في المقاومة، وإنما جانبها الاستراتيجي.

كما أن المقاومة العراقية لا يتحكم في تصرفاتها الاحتجاجات بقدر ما يكيف عملها مناط الواقع. فهي تعيش في واقع خلاصته أن الاحتلال الذي تقاومه قام أصلا على الأكاذيب والأضاليل، أي السلوك المنافي للأخلاق، ثم بدأ حربه مستخدما أسلحة وأساليب لا تنسجم مع القوانين الدولية، أي غير أخلاقية. ثم إنه لم يأبه لقتل المدنيين، وهو مستمر في عدم تقدير حياة الأبرياء بحبة خردل. وقام خلال الحرب بقتل الصحفيين، وهو يقوم بقتل الصحفيين. وهذه القوة ليس لها في العالم ثان. أي بإمكانها أن تتقيد بالقوانين الدولية، ومع ذلك فهي لا تفعل.

 ثم نأتي نحن لنلقي على قوة ضعيفة مختفية تعاني مما لا يمكن تصوره من صعوبات أن تكون أكثر مثالية في سلوكها، أي أن تتعالى على الواقع الإنساني.

فلو طرحنا  الأبعاد الأخلاقية، على أهميتها،  وصوبنا النظر على تفاصيل ما يجري لنرى المسار الاستراتيجي، لوجدنا ما يلي. الولايات المتحدة سعت لأن تجعل أولا من احتلالها تحريرا انتظره العراقيون. وقد أخفقت في ذلك. فالعراقيون لم يعطوها الفرصة. حيث أدانت مظاهراتهم واحتجاجاتهم المليونية الوجود الأمريكي وطالبت برحيله. ولذلك، فأمريكا تريد على الأقل أن تظهر أنها مسيطرة على الأمور في العراق. وهي تلفت النظر عن المشاكل التي يعاني منها العراق بالإعلان المتواصل عن اعتقالات المسؤولين السابقين تنزله قطرة قطرة حتى يلتهي الناس بها وبالذات في أمريكا.

وواضح أن المقاومة العراقية مدركة لذلك، فاستراتيجيتها هو تأكيد عدم السيطرة الأمريكية على الأوضاع في العراق. ثم زيادة نزيف الاحتلال بمختلف الأشكال. فحينما تفجر أنابيب النفط، يعني ذلك أمور كثيرة. أن الولايات المتحدة لن تجد عائدا تصرف منه على إدارتها للعراق، وهي لا بد أن تتحمل بعض الكلف. أن المستثمرين في حقول النفط لن يجدوا ما يقومون به مربحا. وأنها إذا كانت لا تستطيع حماية آبار النفط فكيف بها بتسيير عملية الإنتاج؟ ثم إنها تحتاج إلى قوات إضافية لحماية خطوط النفط. كما أن منعها من القيام بإدارة المرافق على وفق ما تريد يعمق الاحتجاج في المجتمع العراقي، ويخلق تربة مناسبة لمزيد من المتطوعين في أعمال المقاومة.

كما أن تفجير مقر الأمم المتحدة يحمل أكثر من رسالة. أولاها، أن التعاون مع قوات الاحتلال غير مقبول، وهذه رسالة لمن يفكر من الدول أن ترسل قوات لتعمل تحت إمرة قوات الاحتلال. ثانيها، أن الضربة تكشف عن الفوضى الأمنية الضاربة أوتادها في العراق بشكل صارخ. فهي قائمة فعلا لكن مثل هذا الحدث فقط يكشف عن عمقها. ثالثها، أنه إذا كان بمقدورها أن تخفي خسائرها في الجنود والعتاد من هجمات المقاومة، فإن هذه العملية شككت بالتصريحات الأمريكية حول الخسائر.

وواضح أن التكتم على الأخبار مكن بوش من الإدعاء أن تحقيقا يحصل في العراق لتطمين الداخل الأمريكي. لكن مثل هذه الحوادث الرنانة تلفت الأنظار داخل أمريكا وخارجها إلى مدى الورطة الأمريكية في العراق. وسوف يصعب هذا من قدرة الآخرين على إرسال قوات إلى العراق، وستمكن هؤلاء من التشدد في ضرورة قيام دور جوهري  للأمم المتحدة في إعمار العراق. فهي، أي الهجمات،  من حيث لا يقصد الفاعلون، على ما أظن، قوت الدعوة إلى نقل الإدارة من الأمريكان إلى الأمم المتحدة.

وستحاول الولايات المتحدة الذهاب إلى الأمم المتحدة للحصول على قرار جديد لإرسال قوات دولية إلى العراق تحت إمرة الاحتلال مقابل رشاوى للدول الكبرى وضغط على الدول الصغرى. كما أن الدول العربية ستكون الأكثر تعرضا للضغوط لإرسال قوات أو لإحكام الضغط على المقاومة العراقية بأساليب شتى. وسيكون منظرا مؤلما أن نشهد مقتل جنود عرب يعملون تحت الإمرة الأمريكية على أيدي مقاومين عرب. ولعل الوقت الحاضر أكثر الأوقات ملائمة للبلدان العربية، وذلك من أجل مصلحتها أساسا،  للضغط من أجل إعطاء الأمم المتحدة الدور الأساسي في نقل العراق خلال فترة قصيرة إلى حكم الذات.
                                 

 






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المأزق الأمريكي البريطاني


المزيد.....




- شاهد لحظة انهيار مدرجات كنيس بالضفة الغربية.. ومراسل CNN يعل ...
- شاهد لحظة انهيار مدرجات كنيس بالضفة الغربية.. ومراسل CNN يعل ...
- وزير الدفاع ورئيس الأركان الإسرائيليان يجريان جولة لتفقد الق ...
- قيادي كردي سوري: نرفض كل أشكال الصراع التي تلحق الضرر بالمدن ...
- رئيس أبخازيا يصل دمشق
- الجامعة العربية تدعو بايدن لترك سياسة ترامب تجاه النزاع الفل ...
- السعودية تمنع مواطنيها من السفر إلى 13 دولة دون إذن مسبق
- لحظة تدمير منزل عائلة فلسطينية في محافظة رفح
- مسابقة لأسرع حفاري قبور في روسيا
- أضرار في مدينة عسقلان جراء سقوط صواريخ من غزة


المزيد.....

- فيما السلطة مستمرة بإصدار مراسيم عفو وهمية للتخلص من قضية ال ... / المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية
- الخيار الوطني الديمقراطي .... طبيعته التاريخية وحدوده النظري ... / صالح ياسر
- نشرة اخبارية العدد 27 / الحزب الشيوعي العراقي
- مبروك عاشور نصر الورفلي : آملين من السلطات الليبية أن تكون ح ... / أحمد سليمان
- السلطات الليبيه تمارس ارهاب الدوله على مواطنيها / بصدد قضية ... / أحمد سليمان
- صرحت مسؤولة القسم الأوربي في ائتلاف السلم والحرية فيوليتا زل ... / أحمد سليمان
- الدولة العربية لا تتغير..ضحايا العنف ..مناشدة اقليم كوردستان ... / مركز الآن للثقافة والإعلام
- المصير المشترك .. لبنان... معارضاً.. عودة التحالف الفرنسي ال ... / مركز الآن للثقافة والإعلام
- نحو الوضوح....انسحاب الجيش السوري.. زائر غير منتظر ..دعاة ال ... / مركز الآن للثقافة والإعلام
- جمعية تارودانت الإجتماعية و الثقافية: محنة تماسينت الصامدة م ... / امال الحسين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اخر الاخبار, المقالات والبيانات - خالد عبد الله - المأزق الأمريكي يتعمق