أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد عمارة تقي الدين - المؤسسات الدينية في إسرائيل (المقدمة)















المزيد.....

المؤسسات الدينية في إسرائيل (المقدمة)


محمد عمارة تقي الدين

الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 14:51
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


كتاب (المؤسسات الدينية في إسرائيل ... جدل الدين والسياسة )
دكتور محمد عمارة تقي الدين
المـقـدمــــة :

تتحدّد أهمية المؤسسات الدينية في أي مجتمع إنساني وفقًا لموقع الدين ذاته داخل هذا المجتمع، ومدى تعمُّقه في وجدان أفراده، ومدى تشجيع الدولة له والحث عليه؛ فالدولة ـ أية دولة ـ تجد نفسها أمام أحد هذه المواقف من الدين: إما دعمه، أو رفضه، أو عدم الاكتراث به، أو حتى منعه، أما في إسرائيل فالأمر مختلف؛إذ تشجّع الدولة تيارات دينية بعينها وترفض تيارات أخرى من منطلق مصالحها البراجماتية، وهي رؤية انتقائية للدين لا تعبأ كثيرًا بروح الإيمان بقدر اهتمامها بمحاولة التوظيف الديني، وإن جاء تعسفياً، لرؤية سياسية ما.

ومهما يكن من أمر، فالمؤسسات الدينية الإسرائيلية تمثّل قيمة جوهرية داخل المجتمع الإسرائيلي انطلاقًا من الأهمية البالغة للدين ذاته؛ لذلك نجد أن تلك المؤسسات تنتشر بشكل كبير داخل المجتمع الإسرائيلي، فمنها المؤسسات الدينية التعليمية، والدينية الحزبية، والدينية القضائية والعسكرية.

وقد آثرنا أن نتناول تلك المؤسسات الدينية كرؤية للدين الرسمي للدولة ـ دين المؤسسة ـ للدين عندما يدخل معترك السياسة ومدى تأثير كل منهما في الآخر، أي كيف يتم إعاد صياغة النظرية الدينية لتتواءم والموقف السياسي للدولة , وفي المقابل مدى انصياع القرار السياسي لرجال الدين, وأثر ذلك كله على المجتمع, ومن ثمّ على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي, ومن ناحية أخرى، أثره على الفكر الديني ذاته في اقترابه أو ابتعاده عن مقصده الذي أُنزل من أجله.

والدراسة من هذا المنطلق هي محاولة لاستخلاص مبدأ عام أو معادلة شاملة تتحدد على أساسها العلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل, ومن ثمّ مستقبل الدين فيها, وعلاقة ذلك كله بالصراع العربي الإسرائيلي, وهي معادلة قد تكون صعبة في مجال الدراسات الإنسانية, والتي تتسم بتعقُّد ظواهرها، إلا أنها في الوقت ذاته ليست مستحيلة, معادلة نعتقد أنها سوف تجعل من الممكن حل شفرة المجتمع الإسرائيلي الذي يسير بخطوات هُلامية سرطانية؛ فلا ندري أين سيضع أقدامه في الخطوة القادمة.

ومن ناحية أخرى فالدراسة في أحد أوجهها ترمي إلى دراسة العلاقة بين الدين والسياسة, ونشأة وتطور تلك العلاقة في مجتمع إنساني ما, وتأثيرها على الاثنين ـ الدين والسياسة ـ كعلاقة بين بناءين للأفكار ـ إن جاز لنا أن نستعير من الطرح الماركسي ـ أحدهما تحتي وهو (الدين) و الآخر فوقي وهو (السياسة أو الحراك الاجتماعي) , وما ينتج عنهما من بناء جديد يتجه اعتدالًا أو تشددًا طبقًا لظروف هذه العلاقة.

وفيما يتعلق بعلم الأديان ـ فتلك الدراسة هي ابنة هذا العلم الكبير ـ ما مدى صحة الفرضية القائلة بأن السياسة تُفسد الدين؟ وأن المتدينين قد يتنازلون عن قناعاتهم الدينية من أجل مكاسب سياسية ومادية بمجرد دخولهم عالم السياسة، وعن المواقف التي تمسكوا بها طوال تاريخيهم؛ وهل كان يجب أن يظلوا قابعين في جيتوهاتهم بعيدين عن معترك الحياة للحفاظ على الدين في نبعه الصافي؟ وأي دين هذا الذي تفسده الحياة وقد أرسله الله بالأساس من أجل إصلاحها؟ تلك إشكالية أخرى ستحاول الدراسة تقصّيها بحثًا وتحليلًا.

والآن سنحاول سرد عدد من القناعات التي ترسخت عبر مسيرة الدراسة لتتيسر القراءة على ضوئها، إذ تعتبر بمثابة فقرات مفتاحية من شأنها تمكين القارىء من الإمساك بالخيوط العامة للأطروحة قبل الشروع في قراءتها، ولعل أبرزها:

 أن كثير من المؤسسات الدينية ورجال الدين قد لعبوا دوراً مركزياً في إفساد الأديان حين عقدوا تحالفاً شيطانياً ولا أخلاقيًا مع السلطة القائمة، وهو أمر ليس قاصراً على اليهودية فحسب بل يكاد يكون قانوناً صارماً يسري على جميع الأديان، وهو ما دعا توفيق الحكيم لأن يقول قولته الشهيرة: " إن المسئول عن انهيار مملكة السماء هم رجال الدين أنفسهم " فقد عمدوا إلى تكريس نمط نفعي من الدين حفاظاً على مكانتهم وتعظيماً لها أو لإضفاء شرعية دينية زائفة على السلطة القائمة، وكأنه عقد صامت تم إبرامه بين رجال الدين والمؤسسة الدينية من ناحية وبين السلطة السياسية من ناحية أخرى، فالمؤسسة الدينية المتماهية مع السلطة بفعل عملية طويلة من التحريف والتزييف جعلت من الدين خادمًا للسلطة السياسية التي جاءت تلك الأديان بالأساس احتجاجًا على ممارساتها اللا إنسانية ضد المحكومين، ومن ثم طورت تلك المؤسسة نمطًا دينيًا تسويفياً وطوعويًا يدعي أن الحياة ليست على هذه الأرض وأن على الأتباع تقبُّل الأوضاع الفاسدة القائمة في الواقع المتعين بحجة تعويضهم في الآخرة، فالمؤسسة الدينية، بحسب مسعد عربيد، تمثل في كثير من الأحيان واحدة من أدوات جهاز القمع الأيديولوجي للسلطة السياسية، بزعمها امتلاك الحقيقة المطلقة ومن ثم محاولة فرضها بشكل جبري على الجميع(1 )، وعليه فلن يتسنى تطوير رؤية دينية ونمط ديني أقرب لمقاصد الدين من دون تحقيق استقلالية تامة لتلك المؤسسات الدينية لتصبح تعبيرًا عن تطلعات الأمة وليس السلطة الحاكمة، ثم وضع آليات واضحة يتم بموجبها الاشتباك مع التراث الديني تفسيرًا وتأويلًا وإسقاطًا على الواقع بشكل يجنب النص الديني وينأى به بعيداً عن التوظيف السياسي السلبي له سواء من قبل رجال الدين أو المؤسسات الدينية أو الجماعات الدينية ذات الفكر الأيديولوجي الحديدي والمغلق.

 غيبت أيديولوجيات العنف جوهر التسامح الكامن في كل الأديان، وفي المقابل أضفت شرعية دينية على أيديولوجيتها أللإنسانية فاستدعت نصوصًا بعينها وانتزعتها من سياقها التاريخي ومن ثم أسقطتها على سياق مغاير تمامًا ليصبح العنف وكأنه أمر إلهي يتحتم على الجميع الامتثال له، فخطورة التفكير الأيديولوجى الدوجمائي أنه يسعى لتغيير العالم وفقًا لرؤيته، وهو في أحيان كثيرة يلجأ للقوة لفرض أيديولوجيته تلك في عالم الواقع، من هنا العلاقة بين الأيديولوجيا والعنف، فعندما يتحول الدين، وكما يذهب البعض، إلى أيديولوجيا حديدية مغلقة تعتنقها جماعة ما وتسعى لصياغة العالم وفقًا لأطروحات تلك الأيديولوجيا،فإن الدين في تلك الحالة يفقد أبعاده الإنسانية ويصبح مؤججًا لصراع سياسى عنيف يتم فيه التضحية بالوسائل على مذبح الغايات، أي التضحية بقيم الأخلاق والعقل والعدالة والتراحم لأجل الانتصار للعنف والقتل والإبادة بحجة تحقيق غاية نهائية وفردوس أرضي فى آخر الزمان.

 واحدة من الملاحظات المركزية، ليس فيما يتعلق بإسرائيل وحسب بل بالعالم أجمع، هي تصاعد الحاجة للغيبي والمقدس، وهي ظاهرة جديرة بالدراسة المعمقة إذ استطاعت تقويض كل توقعات علماء الاجتماع بشأن الأديان، فقد تنبأ كثيرون بخفوت الدين بعد دخول الإنسان عصر العلم، فها هو الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت كان قد أعلن أن البشرية مرت بثلاث مراحل: مرحلة السحر أو الخرافة، مرحلة الدين، ثم مرحلة الوضعية العقلية والعلم وهي التي عليها البشرية الآن، وأن مرحلة الدين وفقًا لطرحه قد انقضت وانتهت، ومن ثم تنبأ بانسحاب الدين من الحياة ليصبح من الحفريات التاريخية, غير أن ما حدث هو عودة المقدس,أو (انتقام الله لنفسه)، بحسب البعض، فها هي مجتمعات مابعد الحداثة تتصاعد فيها معدلات التدين بشكل يبعث على التعجب( 2)، فكما يقول تشارلز تايلور: " العلم يعزز الدين إذ أن الله مقحم فى الوجود الإنساني "، وأندريه مالرو الذي أكد أن: " القرن الحادي والعشرون سوف يكون روحيًا دينيًا أو أنه لن يكون "، فالدين ظاهرة تزامنت مع البدايات الأولى للإنسان على الأرض, وهذا ما تجسده المقولة الشهيرة للمؤرخ الإغريقي بلوتارك: "لقد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور.. ومدن بلا مدارس.. ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد"، فالحاجة للدين تكتسب قيمتها فى مقدرة هذا الدين على إضفاء معنى على هذا الوجود وحياة الإنسان به وإنقاذه من متاهات العدمية، وإنهاء التوتر القائم بين الإنسان وهذا العالم عبر طمأنة هواجسه، غير أن ما نريد تأكيده هنا أن العبرة ليست بتصاعد معدلات التدين عالمياً وإنما بطبيعة ونمط هذا التدين: فهل هو نمط راديكالي عنيف يدعو للتغيير بالقوة، أم نمط طقوسي من شأنه تفريغ الدين من أبعاده الروحية، أم نمط إنساني عقلاني متفاعل مع مقتضيات العصر؟ وفي إسرائيل التي هي موضوع هذه الدراسة نلاحظ أن النمط الديني المتصاعد داخلها هو النمط الراديكالي المتشدد والداعي إلى الحلول النهائية عبر إبادة الآخر، وهو أمر يبعث على القلق في ظل اقتراب سيطرتهم كاملاً على مفاصل الدولة وبخاصة الجيش، فيكفي أن نعلم أن أكثر من نصف من العسكريين في الكتائب القتالية في الجيش الصهيوني هم ممن يعتنقون أيديولوجية التيار الديني الصهيوني المتشدد.

 المسافة هائلة بين الدين وبين الأيديولوجيات ذات الديباجات الدينية، فإذا كانت وظيفة الدين هي في عمقها لأجل إنتاج المعنى، معنى لحياة الإنسان والعبرة والغاية من وراء وجوده المتعين، ومن ثم القدرة على إنهاء التوتر المتفاقم بين الإنسان وعالمه وطمأنة هاجس الفناء الذي ينهشه من الداخل، في المقابل فإن الأيديولوجيا تؤجج هذا التوتر إذ تحشد الفرد المنتمي لها لمهمة مستحيلة غالبًا ما تبؤ بالفشل فيصيبه اليأس والإحباط، أو أنه يسرف فى العنف والقتل فى محاولة لفرض هذه الأيديولوجية بالقوة فيفقد إنسانيته، وفي حين أن الدين يجعل من المستقبل أمرًا مفتوحًا على كافة الاحتمالات إكباراً لحرية الإنسان التي منحها الله له وتقديرًا لحقه فى صياغة مفردات واقعه المعاش لتتفق والأمانة التي حملها على عاتقه إلا أن الأيديولوجيا تسعى دائمًا لمصادرة المستقبل ووضعه فى مسار واحد هو مسار تحقيق أهدافها ورؤيتها باعتبارها أمر حتمي، كما أن الأيديولوجيا تدعو للجمود والتحجر عند اجتهاد ما ولحظة تاريخية معينة فتزبل الحياة وتموت، أو أن تصبح غير مقبولة فى عالم متغير فيلجأ معتنقوها لفرضها بالقوة، من هنا تنبثق نبتة العنف في رحم الواقع، فما قتل روح الأديان سوى الأيديولوجيا عبر صب النص الديني فى قالبها... قاتل الله كل أيديولوجيات الأرض، فما تركت بشاعة إلا بررتها وما سكنت عقلًا إلا عطلته وما تحكمت بأمة إلا أقصتها من الإنسانية وما أصابت جماعة إلا كلستها وحنطتها وحجرتها فى التاريخ، وعليه فلا خلاص من هذا الواقع من دون إعادة قراءة النصوص الدينية قراءة جديدة، قراءة تقوم على المعرفة والتفكير وليس الأيديولوجيا والتبرير.

 تأسيساً على التحاولات المتسارعة داخل الكيان الصهيوني نعتقد أنه ينبغي أن تصبح المعرفة والدراسات البحثية المتجددة والتي يجري تحديثها بصفة مستمرة حول هذا الكيان بمثابة فريضة على الأمة العربية، فهو مجتمع تتغير معطياته باستمرار وبوتيرة متسارعة جداً، فهو وبحق كيان سرطاني يتغير من داخله بشكل عشوائي ولايقنع بحدود، فالتيارات الدينية داخله تتجه نحو التصهين وتبني مزيد من أيديولوجيات العنف، وتيارات الوسط تنزع نحو اليمين، وتيارات اليسار تتآكل وتضمحل، والمتدينون تزداد براجماتيتهم السياسية وأوشكوا على التحكم كاملاً في النظام السياسي وقيادة الجيش،وهو أمر يبعث على القلق، فماذا لو سيطروا على الحقيبة النووية فى ظل ما يؤمنوا به من قناعات؟ مؤكد أن النتائج ستكون كارثية،إذ من شأنه أن يصبح مصير الصراع العربى الصهيوني مفتوحًا على كل الاحتمالات، من هنا أهمية المعرفة العلمية والمتجددة لهذا الكيان والتى يجب أن يصاحبها عمليات التفسير والتحليل ثم التنبوء والاستشراف ثم محاولة بناء عدد من السيناريوهات لكيفية التعامل مع هذا الكيان الصهيوني مستقبلاً، والتدخل بالمنع أو التحفيز لتحقيق سيناريو معين دون غيره، أي التحرر من دائرة رد الفعل ومن ثم الانتقال إلى دائرة الفعل والمبادرة، وهو أمر لن يتسنى من دون تكوين خريطة معرفية وإدراكية كاملة حول هذا الكيان ومحددات صناعة القرار السياسي داخله.

 أن هناك زحفاً غير مقدس للصهيونية على الفكر الديني اليهودي، فالصهيونية بمثابة الثقب الأسود الذى التهم الجماعات الدينية اليهودية،فابتلعها فى محاولة لصهينتها من الداخل وهو ما تحقق بشكل كبير، فالصهيونية وكما يرى كثير من اليهود بمثابة " الهولوكوست الصامت" الذى قضى على أية بقايا للروح اليهودية وأية جوانب أخلاقية إنسانية كامنة فيها كديانة سماوية لتنتصر الطقوس والنزعة العنصرية في مقابل خفوت الأبعاد الروحية الكامنة في الدين.

 نعتقد أن زوال الكيان الصهيوني بشكله الحالي هو أمر حتمي، هو ضرورة أخلاقية، ولانعني بزواله دماره وموت من فيه، وإنما تفكيكه وإعادة تركيبه بشكل وصيغة إنسانية، إن لم يتخذ هذا الطريق فحتماً ستكون نهايات الحد الأقصى مصيره بانخراطه فى حروب مميتة مع كل جيرانه، ونعتقد أن عملية إعادة تفكيكه لن تتأتى من دون إحداث تغيير حقيقي في جبهتين: الجبهة العربية بتحررها من الأنظمة السلطوية ومن ثم انخراطها في تحالف قوي يجبر الكيان الصهيوني على إحداث تغيير جذري فى قناعاته وتقليص أطماعة، والجبهة الدولية بتخليها عن الدعم اللامحدود لهذا الكيان ومن ثم ممارسة الضغط عليه ليقبل بحل سلمي إنساني ويدفع باتجاهه، من دون إحداث تغيير بنيوي في هاتين الجبهتين أو على الأقل في الجبهة الأولى لن يكون هناك أمل في حل حقيقي في ظل تمدد التيارات المتشددة داخل الكيان الصهيوني مع وجود مناخات دولية مشجعة ومساندة لها.

 واحدة من استراتيجيات إفساد الدين،أي دين، هي إعادة ترتيب أولوياته،فأزمة الأديان اليوم تتجلى في وجه من وجوهها في استدعاء أتباعها لبعض المعتقدات أو الفرائض الدينية الهامشية ومن ثم إعادة تموضعها كأولوية مركزية فى الدين، بل هي كل الدين، ضاربة بمقاصد تلك الأديان عرض الحائط، أى الإتيان بقضايا من الهامش والقذف بها في المركز لتكتسب وضعًا جوهريًا فى الدين وبمرور الوقت تبتلع هذا الدين وتلتهمه داخلها، ففي اليهودية طورت التيارات الدينية الصهيونية والتيارات الموالية لها نمطاً من التدين اختزل الدين فى جوهر واحد هو تهيئة الأرض لاستقبال الماشيح المخلص بإبادة العرب ثم استيطان الأرض عبر إحلال يهود مكانهم، ومن ثم فكل فعل بخلاف هذا الجوهر هو من الفرعيات القابلة للغفران والتي يجب التساهل معها، ومن ثم أفتى بعض حاخامات الكيان الصهيوني بأن فريضة استيطان الأرض(أرض إسرائيل) تضارع بل وتفوق كل فرائض التوراة، ومن ثم نجد أنفسنا أمام دين مغاير تمامًا لدين التأسيس عبر استراتيجية إعادة ترتيب أولوياته وإعادة موضعة العقائد داخله فيجري مركزة الهامشي وتهميش المركزي منها.

 كما أنه عبر اتباع استراتيجية تضخيم المقدس جرى التلاعب بالنصوص المقدسة ومقاصدها الحقيقية، إذ تم إدخال نصوص جديدة عليها باعتبارها شروحاً لها وبمرو الوقت اكتسبت مكانة مركزية وقداسة تفوق قداسة النص ذاته، فكثير من نصوص التلمود يتم تقديمها على نصوص التوراة ذاتها، تقول المروية الشعبية اليهودية ساخرة من هذا الأمر: " تأزمت العلاقة بين اليهود والله، فقال الشعب لله: اتخذ لنفسك شعباً آخر، قال الله: إذن أعيدوا إلىّ صحفي المقدسة، فأعادوا له كتبًا كثيرة، فقال الله لهم متعجبًا: لم أرسل كل هذه الكتب "، والحقيقة أن كل الأديان دون استثناء لم تنجو من هذه الخديعة، إذ نجدها وقد تضخمت نصوصها المقدسة بشكل كبير، من هنا أهمية ومركزية التجديد في الدين والذي لا يجب أن يتوقف.

وفي النهاية تبقى كلمة مفادها أنه قد حان الوقت لأن نُعيد الصراع العربي الإسرائيلي إلى مكانته المركزية في الوعي والوجدان العربي، فلقد أضر وجود الكيان الصهيوني العرب جميعًا، وطالما أن هذا الصراع مستمر فستظل المنطقة مشتعلة ولن تحقق استقرارًا أو تنمية حقيقية، فقد برر وجود هذا الكيان للعنف والتشدد الديني فى المنطقة إذ كرس الإحساس بالظلم المولد للعنف نتيجة كيل العالم بمكيالين فيما يتعلق بتلك القضية، كما حال دون قيام أنظمة ديمقراطية فى المنطقة فباسمه جري إهدار كرامة الأمة وتوطين الاستبداد واغتيال الحريات، إذ اتخذتها الأنظمة السلطوية بالمنطقة ذريعة لوأد حرية شعوبها والترويج لنظرية المؤامرة، ففلسطين حقاً هي " المعركة الذريعة "،إذ باسمها تم اغتيال الحريات والتغطية على الفساد والاستبداد، يقول العلامة جمال حمدان في واحدة من مقولاته الرائعة: " الوظيفة التي من أجلها أوجد الاستعمار هذا الكيان الصهيوني،هي أن يصبح قاعدة متكاملة آمنة عسكريًا، ورأس جسر ثابت استراتيجيًا، ووكيل عام اقتصاديًا، وعميل خاص احتكاريًا، وهو فوق كل ذلك يمثل فاصلًا أرضيًا يمزق اتصال المنطقة العربية ويخرب تجانسها ويمنع وحدتها، وإسفنجة غير قابلة للتشبع تمتص كل طاقاتها، ونزيفًا مزمنًا في مواردها "، من هنا أهمية إدراك مركزية تلك القضية فهي ليست شأنًا فلسطينيًا كما يروج البعض، بل هي في حقيقة الأمر شأن عربي وإسلامي وعالمي أيضًا، وكما يقول أرنولد توينبي:" مأساة فلسطين ليست مأساة محلية إنها مأساة العالم لأنها ظلم يهدد السلام العالمي".

وبعد، أرجو من الله أن تكون هذه الدراسة قد أسهمت في الكشف عن بعض جوانب العلاقة بين الدين والسياسة من ناحية، ومن ناحية أخرى عن طبيعة المؤسسات الدينية الإسرائيلية واتجاهاتها العقائدية للتوصل إلى فهم أعمق لطبيعة المجتمع الإسرائيلي خاصة في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة التي تزايد فيها الجدل حول تأثير القوى الدينية في تقرير مصير المنطقة ودورها في التأثير على السلام العالمي، ولا أزعم أنني قد تناولت هذا الموضوع بكل أبعاده؛ فهناك الكثير في هذا المجال مما هو بحاجة لمزيد من الدراسة والربط مع التطورات التاريخية السابقة واللاحقة.
والله أعلم،،
المراجع :
(1) للمزيد حول هذا الطرح راجع: مسعد عربيد، التوظيف السياسي للدين، بحث منشور على شبكة الحوار المتمدن.
(2) للمزيد بهذا الشأن راجع:عبد الجبار الرفاعي، إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين.

(دكتور محمد عمارة تقي الدين : أكاديمي مصري متخصص في الاجتماع السياسي والصراع العربي الصهيوني )



#محمد_عمارة_تقي_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التربية الإعلامية في عصر ما بعد الحداثة
- نحو إعلام ديني أكثر إنسانية
- عائلة روتشيلد والمشروع الاستعماري الصهيوني
- في ذكرى رحيل مجاهد عبد المنعم مجاهد
- وسائل الإعلام .. كيف نحمي أطفالنا منها؟
- فلسطين وأراكان .. وجهان لجريمة واحدة
- الصهيونية والنازية ...علاقة جدلية
- الإعلام السياسي .. رؤية تحليلية
- دستور النضال الفلسطيني ..رؤية تأسيسية
- الدين وذئب الأيديولوجيا
- مقدمة تأسيسية في علم اجتماع الاستبداد
- إدوارد سعيد والوطن الذبيح
- سلوك القطيع .. فن اقتياد الخراف إلي المذبح
- إيلان بابيه وتفكيك المشروع الصهيوني
- نورمان فينكلشتاين والمشروع الصهيوني
- القضية الفلسطينية في فكر إدوارد سعيد
- جدلية العلاقة بين الدين والأيديولوجيا
- شلومو ساند وتفكيك المشروع الاستعماري الصهيوني
- الإرهاب الصهيوني ..الجذور والتجليات
- إيفانكا ترامب واللوبي الصهيوني


المزيد.....




- رئيس CNN يعلّق على قرار القاضي بشأن حظر ترامب مؤسسات إعلامية ...
- قاضٍ: حظر ترامب لوسائل إعلام من دخول البيت الأبيض يُرجّح أنه ...
- تحليل: ترامب حاول خفض الأسعار قبل الانتخابات النصفية.. لكن ل ...
- من أوكرانيا لهرمز.. الطاقة معضلة ترامب
- البنتاغون والدفاع الإسرائيلية يوقعان صفقة لتوريد 12 مروحية أ ...
- رئيس بلدية إسطنبول المسجون يبدأ دفاعه أمام المحكمة في 142 ته ...
- السيسي يعلق لأول مرة على إمكانية تعديل الدستور وتمديد رئاسته ...
- روسيا تؤكد أن قرار منح الأسد اللجوء لأسباب إنسانية نهائي ولا ...
- الحوثيون يعلنون استهداف منشآت لأرامكو ومطار في السعودية بالص ...
- موسكو تسجّل أكثر من مليار رحلة بوسائل النقل البري منذ بداية ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد عمارة تقي الدين - المؤسسات الدينية في إسرائيل (المقدمة)