أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وفاء داري - حين يفقد المزاح مفتاحه














المزيد.....

حين يفقد المزاح مفتاحه


وفاء داري

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 00:21
المحور: الادب والفن
    


ليست كل ضحكة بريئة كما أن كل مفتاح لا يفتح بابًا. أحيانًا يكون المفتاح شيئًا صغيرًا في اليد، لكنه يحمل في غيابه قلق بيت كامل. من هذه المفارقة تبدأ قصة (المفتاح والمزاح) لرفيقة عثمان، حيث يبدو الأمر في بدايته لعبة طفل، ثم لا تلبث اللعبة أن تكشف سؤالًا أكبر: متى يتوقف المزاح عن كونه مزاحًا؟
تأتي خالة وسيم لزيارتهم وفي عينيه تلك الرغبة الطفولية في العبث التي لا ترى العالم إلا مساحة للّعب. يلمح مفتاح خالته فيخفيه سريعًا منتظرًا ضحكة الآخرين. لكن المفتاح منذ اللحظة التي يختفي فيها، يتخلى عن وظيفته المادية ويغدو علامة على شيء آخر: (الأمان) غيابه يربك حنان، ويحوّل البيت من فضاء مألوف إلى قلق يبحث عن شيء لا يعرف أين اختفى. هنا تتسع دلالة الحكاية. فالطفل الذي يرى فعلته (مزحة) لا يرى بالضرورة العالم من الجهة التي يقف فيها الآخر. وهذه إحدى المعضلات الصغيرة التي قد تمر أمام الكبار عابرة، بينما تترك في وجدان الطفل أثرًا أكبر مما نتوقع. حين يتذكر وسيم مواقف سابقة في المدرسة، ويتذكر كيف كان زملاؤه يضحكون حين يقع أحدهم في موقف محرج، ينتقل من موقع من يصنع الضحك إلى موقع من يتأمل أثره. وهنا تحديدًا تكمن قيمة وعي الكاتبة بموضوعها. فالأدب الموجّه إلى الطفل لا يحتاج دائمًا إلى أحداث ضخمة كي يكون عميقًا. قد تختبئ المعضلة النفسية في مفتاح أو كلمة أو مقلب صغير أو ضحكة يراها أحدهم عابرة. ما يبدو بسيطًا في عين الكبار قد يكون تدريبًا مبكرًا على السخرية، أو الإحراج أو انتهاك خصوصية الآخر. ولذلك لا تقف القصة عند الطفل وحده؛ إنها تضع الأهل أيضًا أمام مسؤولية تربوية: كيف نصحح السلوك دون أن نكسر روح اللعب؟ وكيف نعلّم الطفل أن يفرح بالضحكة التي تجمع، لا بالضحكة التي تقع على حساب إنسان آخر؟ واللافت أن وسيم لا يتعلم من محاضرة طويلة. يتعلم حين يشعر. حين يدرك أن ما فعله أزعج خاله وحنان، يبدأ الندم من الداخل، ثم تأتي كلمة الاعتذار. وهنا تنتصر القصة لفكرة تربوية دقيقة: الضمير لا يبنى بالخوف وحده، بل بقدرة الطفل على رؤية أثر فعله في قلب غيره.
حتى العنوان يحمل هذه اللعبة الدلالية بذكاء: المفتاح والمزاح. بين الكلمتين تقارب صوتي، لكن بينهما مسافة أخلاقية. المفتاح يفتح بابًا والمزاح قد يفتح بابًا إلى الألفة، وقد يغلق بابًا في وجه الثقة إذا تجاوز حدّه. وفي النهاية يعود المفتاح، وتعود الضحكة، لكن وسيم لا يعود الطفل نفسه الذي أخفاهما؛ لقد اكتشف حدًّا لم يكن يعرفه بين اللعب والأذى.
أما الأسلوب، فيقوم على لغة واضحة قريبة من عالم الطفل، وحوار يدفع الحدث إلى الأمام دون إثقاله بالتفسير. وتنجح الكاتبة في تحويل المشاعر إلى حركة وصورة: وجه يتغير، قلب يخفق، بحث يتسع، ودهشة تظهر على الوجوه. هذه اللغة لا تتعالى على الطفل ولا تتعامل معه بوصفه متلقيًا ناقصًا يحتاج إلى تلقين؛ إنها تترك له مساحة ليصل إلى المعنى من خلال التجربة.
ولأن أدب الطفل نصٌّ يُرى قبل أن يقرأ أحيانًا، فإن العتبة البصرية جزء من بنائه، لا زينة تضاف إليه. الألوان، وتوزيع الرسوم، وحجم الكتابة، والمساحات البيضاء، وعلامات الترقيم، والتشكيل الجزئي حين تكون الحاجة إليه قائمة، كلها أدوات تساعد الطفل على الإمساك بالنص. وقد شاركت الرسومات في إنجاز هذا العالم البصري شيرين الخاني، بينما تولى أمير عثامنة التصميم والمونتاج.
وتبدو أهمية الترقيم والتشكيل أوضح في النصوص الموجهة إلى قارئ في بدايات علاقته بالقراءة؛ فعلامة الاستفهام يمكن أن تكون نبرة، وعلامة التعجب حركة في الصوت، والنقطة وقفة تمنح الطفل فرصة لالتقاط المعنى. أما التشكيل، حين يوضع بوعي لا بإفراط، فيعين القارئ الصغير على ضبط الكلمة وتجاوز التباسها. وكذلك تؤدي الألوان وظيفتها في جذب الانتباه، وتوجيه العين، ومساندة الانفعال الذي يصاحب الحدث، شرط ألا تتحول إلى ازدحام بصري ينافس الحكاية.
ومن طبيعة البناء اللغوي والحجمي والحركي للقصة أنها تلائم قارئًا طفلًا في مرحلة القراءة المبكرة، ولا سيما نحو 6–9 سنوات؛ مع إمكان أن تكون مادة قراءة مشتركة مع الأصغر سنًا. وهذه نقطة تستحق الانتباه عند تقويم كتب الأطفال: الفئة العمرية ليست رقمًا على الغلاف، بل معيار يختبر طول الجملة، ودرجة المفردة، وحجم الحدث، وطريقة توزيع الصورة والنص.
ختامًا: لا تكمن قوة "المفتاح والمزاح" في أنها تقول للطفل: لا تمزح. ذلك درس ضيق لا يليق بأدب الطفل. قوتها أنها تجعله يكتشف أن الضحك نفسه يمكن أن يكون اختبارًا للإنسانية: من يضحك معي؟ ومن يضحك عليّ؟ وأين تنتهي اللعبة حين يبدأ قلب الآخر في الانقباض؟ ربما كان المفتاح الحقيقي في الحكاية هو ذلك الذي وجده وسيم في داخله؛ مفتاحًا صغيرًا اسمه الانتباه إلى الآخر. وعندما عثر عليه، استطاع أخيرًا أن يعيد المفتاح الأول إلى مكانه، وأن يعيد للمزاح معناه الجميل.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- سوريا.. ثمانية أشهر تبعث الحياة مجددا في أحد مسارح دمشق
- وتر الفرح وملاذ النزوح.. -الربابة- توثق ذاكرة أهالي بعلبك
- -الإعدام للخونة-.. فيلم عن غزة يفجر حملة ضد مخرجيه في إسرائي ...
- بعد جدل واسع.. القضاء المصري يحسم مصير فيلم -الست- لأم كلثوم ...
- كتاب -تخيل الذكاء الاصطناعي-.. بين الأساطير ومرآة الشعوب
- خطباء المساجد يصوبون على حفل أصالة نصري ووزير الثقافة ضمن دا ...
- من -نازا- إلى جولة شيران.. -الحرية لفلسطين- تلاحق الرواية ال ...
- الثقافة والهوية.. فنان وشم يحتفي بتراثه المكسيكي
- أصالة تتلقى هدية استثنائية من شاب سوري كفيف في دمشق
- جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وفاء داري - حين يفقد المزاح مفتاحه