أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سي محمد طه - اليسار المغربي بين الدعوة للمراجعة و التدحرج للهاوية.. رد على مقال.















المزيد.....



اليسار المغربي بين الدعوة للمراجعة و التدحرج للهاوية.. رد على مقال.


سي محمد طه

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 19:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"سؤال النظرية و الممارسة أمام الانهيار المزدوج" قدمه كاتبه محمد الوافي كدعوة لمراجعة نقدية لتجربة اليسار بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بطريقة ربطت بين أزمة اليسا ر المغربي المعاصر و استمرار التطورات و التنظيمية التي يراها الكاتب تجاوزها التاريخ و رماها في سلة المهملات.
المقال و من بدايته وضع نفسه في موقع من يدعو إلى تجاوز " البنية الفكرية و الايديولوجية المهزومة" و إعادة بناء ممارسة يسارية على اساس استخلاص دروس التاريخ . فإلى اي حد تمكن الكاتب من خلال نص المقال من بناء هذه المراجعة النقدية في منهجه و قراءته للتاريخ ؟
نص المقال انتقل عب ر مواضيع عديدة، من توصيف أحداث تاريخية إلى اصدار أحكام كلية عليها ، و من نقد نموذج سياسي محدد إلى أحكام أوسع على النظرية الماركسية اللينينية، دون تقديم وسائط تاريخية تجعل الانتقال مقنعا بين المقدمة إلى النتيجة. و هو ما سنحاول تبيانه عبر الملاحظات الآتية.
اولا : الدعوة للمراجعة
الدعوة الى " مراجعة نقدية " لتاريخ اليسا ر المغربي خاصة و العالمي عامة يمكن أن تكون مشروعة، بل هي ضرورية، اذا كان القصد منها استخلاص الدروس من التجربة ، بفحص الأخطاء التنظيمية و السياسية و النظرية ، وتقديم بدائل اكثر وضوحا و علمية ، لإعادة بناء الأدوات على اساس علمي اكثر صلابة و قدرة على مواجهة الواقع العنيد.
لكن ما هي المراجعة العلمية و النقدية ؟ و ما هي الادوات النظرية التي ينبغي اعتمادها لتحقيق هذا الانجا ز المتوخى؟ .
هل هي مراجعة ماركسية تنطلق من الصراع الطبقي و علاقات الإنتاج و ملكيتها ، و تطور الطبقات الاجتماعية، و موازين القوى؟ ام انها مراجعة تبدأ من نتيجة )" انهيار الاتحاد السوفياتي"( و الانتهاء بحكم على النظرية و الممارسة ) اذن الاشتراكية فشلت( ، و من انتقاء المؤسسات للوصول الى الشخصنة )ستالين و "الستالينية " هما المسؤولين.(؟
بين هذه المراجعة و تلك الأخرى بون شاسع ، بون ليس لغويا و إنما هو فرق بين المادية التاريخية المبنية على المادية الجدلية و القراءة المتعسفة للتاريخ و التحليل السياسي .
مقال" سؤال النظرية و الممارسة أمام الانهيار المزدوج" يدعو إلى مراجعة نقدية دون تقديم اي تحليل فعلي للتجربة السوفياتية في سياسة التصنيع ، لعلاقات الإنتاج ، للصراع داخل الحزب، للحرب الاهلية ، للتحولات الاجتماعية، للنزاعات وموازين القوى، للصراعات على الحكم ، للعوامل الخارجية، من تهديدات الدول العظمى على الدولة و الاتحاد السوفياتي الفتي ، للتهديدات الداخلية من الطبقات الاوليغارشية و الب رجوازية و الاقطاع، التي تمتلك كل مؤهلات السطو على الدولة و الكيان الاشتراكي. كل هذه القوى الغاها المقال و جعل من الاتحاد السوفياتي بعد الثورة البلشفية جزيرة ميكروسكوبية منفصلة عن العالم ،ألغيت فيها كل أشكال التناقضات الطبقية و القومية . في حين يقول الواقع عكس كل ذلك. روسيا بعد الثورة البلشفية قارة كاملة تتوزع بين اروبا و اسيا، ورثت حدودا مع دول عظمى في منطقة صراعات جيوستراتيجية بين اليابان و المانيا و دول اروبا الغربية. دولة الاتحاد في بداية بناء نظام معاد للرأسمالية الامبريالية كانت حتى قبل 1917و بعدها محط اطماع الاستعمار، التوسع الياباني من الشرق و الألماني و
الانغلوفراكوفوني في الغرب ، إضافة إلى ان ولادة هذا النظام في عقر اروبا يعد تهديدا مباشرا للنظام الرسمالي برمته في عموم اروبا و أمريكا و اليابان. كل هذا حيده المقال و اعتقد ان قراءة التاريخ بأسلوب انتقائي وصفي كافية و قادرة على اقناع القاريء و كأن التاريخ يسير على خط مستقيم..
لم يكتف المقال بالقراءة الوصفية للتاريخ بل تعمد القفز على أربعين عاما منذ اغتيال ستالين و تولي خروتشوف و بريجنيف إلى غورباتشوف 1991 و تحلل الاتحاد. المقال نسب الانهيار إلى جزء من المرحلة السوفياتية من 1924 الى
1952و برأ الجزء الأكبر من 1952 إلى 1991.
المقال انطلق من " انهيارالاتحاد السوفياتي " للحكم على التجربة و النظرية ، و هذه ليست مراجعة للتاريخ بل هي إحالة إلى نتيجة تاريخية دون تحليل لاسبابها . انه جر النظرية و التجربة إلى المقصلة. نتيجة يحيل بها المقال قارئه إلى انهيار مزدوج ، انهيار النظرية و الممارسة. يعني وفق المقال ان سقوط دولة أو اتحاد جمهوريات هو سقوط نظرية و سقوط ممارسة.....!!!!؟؟؟؟؟
كيف تمكن الكاتب من اختزال" التاريخ" )كما سماه( اي فترة زمنية طويلة تحت عنوان واحد هو الفشل و السقوط ؟
كيف لسقوط دولة يثبت ان كل تاريخها فاشل؟ !!!!!
سقطت الامبراطوريات العظمى و آخرها العثمانية و البريطانية ، و سقطت دول رأسمالية و أنظمة ملكية و جمهورية،
كما سقطت أنظمة ديمقراطية و تغيرت و انهارت . لكن لا يوجد مؤرخ جاد أو باحث متمكن يقول ان سقوط دولة يثبت ان تاريخها السابق كان خطأ ، الا في هذا المقال الذي انقلب على التاريخ و مناهج التحليل .
لذلك فإن انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 ينبغي ان يكون موضوعا للتفكير و التحليل و ليس حكما مسبقا على ثورة 1917 أو على القيادة بين 1924 إلى 1952. و من أجل هذا يفترض طرح السؤال بصياغة افضل و ادق: هل كان الاتحاد السوفياتي سنة 1991 هو نفسه الاتحاد السوفياتي في الثلاثينات و الأربعينات؟ و ما هي مسببات الانهيار ليس فقط في فترة ما قبل 1952 و لكن بين هذا التاريخ و 1991، و هي الفترة التي قفز عليها النص و لم يذكرها الا في علاقتها ببروز اليسار الجديد و ليس بالعلاقة مع انهيار الاتحاد السوفياتي .
فهل الدعوة الى المراجعة النقدية التي دعا لها المقال و التي اكتسبت المشروعية المبدئية لها الشرعية التحليلية و المنهجية؟ هذا ما سنوضحه اكثر في الجزء الفقرة الثانية عب رالحجة التاريخية التي تبناها المقال و التي أسس عليها النص.

ثانيا : "حكم التاريخ "
جزء مهم من المقال اعتمد فكرة الزمن الطويل كأساس للقول ان " التاريخ قال كلمته" حول التجارب الشيوعية و الاشتراكية.
. "مسافات زمنية طويلة في مسار نضال الشعوب و تجارب الحركة الشيوعية و الاشتراكية امميا و على مستوى بلادنا ،لقد قال التاريخ كلمته حول هذه التجارب و مآلاتها.) و بالتالي وجب استخلاص الدروس انطلاقا مما افرزته الممارسة سواء على المستوى النظري او السياسي "
عبارة "التاريخ قال كلمته "تظه ر للوهلة الأولى قوية سياسيا ، لكنها اشكالية منهجيا. ذلك أن التاريخ لا يتكلم و لا يصد ر حكما، بل التاريخ يقدم المصاد ر التي لا تقرأ او تحلل بعين واحدة و لا تصد ر حكما واحدا. الوقائع التاريخية متعددة التفسي ر و متعارضة المعطيات و بالتالي مختلفة للنتائج و التحليلات.
التاريخ لا "يتكلم" بطريقة واحدة و إنما التاريخ يقدم الوثائق و الاحصائيات و الشهادات و القرارات و صراعات المصالح الاجتماعية و الاقتصادية السياسية و على الباحث تفسيرها بالتحليل و التدقيق العلميين. و هذا فارق بين البحث التاريخي و الحكم الايديولوجي.
انهيا ر الاتحاد السوفياتي سنة 1991يمكن ان يكون دليلا قويا على أزمة او فشل نموذج سياسي و اقتصادي و تاريخي محدد . لكنه لا يسمح، من الناحية المنهجية ، بالانتقال تلقائيا إلى القول ان كل النظرية التي ارتبط بها هذا النموذج قد ثبت بطلانها. المقال يؤكد ان انهيا ر الاتحاد السوفياتي لا يعني نهاية الماركسية باعتبارها منهجا للتحليل الاجتماعي و الاقتصادي . و هو إقرار من الكاتب بإستثناء يفرض عليه سؤالا اساسيا و محرجا: اذا كان انهيار الاتحاد السوفياتي لا يساوي انهيار الماركسية ، فكيف نحدد بدقة ما الذي انهار و ما الذي بقي صالحا بناء على هذا الاستثناء؟؟
النص لا يقدم جوابا. و لكنه بدون اساس لا منهجي و لا علمي يقوم بفصل حاد بين "ماركسية نقية" و " ستالينية منحرفة" و هو ما سنكشفه في التالي.
ثالثا: ماركسية ماركس" النقية" و ستالينية ستالين "المنحرفة"، )؟؟؟(!!!!
التميي ز بين المنهج النقدي المرن و الدوغمائية المتصلة فر ز بين منهجين. من حيث المبدأ هذا التميي ز مشروع و إيجابي.
لكن هذه المشروعية تفقد صوابها حين تنسب إلى أشخاص بذواتهم هذه الصفة او تلك بناء على رغبة ذاتية يتحكم فيها
الهدف، و التعصب الايديولوجي بدون رابط تحليلي منطقي . هذا التميي ز الحاد الذي قدمه المقال بين ماركس بمنتج نقدي مرن و ستالين بدوغمائية ثابتة تجعل من منهج كاتب المقال غارقا في الدوغمائية قبل نسبها لفلان او علان.
بناء ثنائية شديدة النظافة تقابل النقد و المنهج لماركس و العقيدة و الجمود لستالين هو اختزال لتاريخ شديد التعقيد و استبداله بتبسيط لا تربطه بالماركسية و منهجها التحليلي اية صلة. ذلك أن صاحب المقال عمد إلى اغفال ان بين ماركس و ستالين توجد تجارب نظرية و سياسية و تنظيمية عديدة، من بينها الأممية الثانية، البلشفية و المن شفية، كما أن بينهما أحداث و وقائع، الحرب العالمية الأولى و الثورة البلشفية، الحرب الاهلية الروسية الاقتصاد الحربي،السياسة الاقتصادية الجديدة و الصراعات الداخلية في الحزب البلشفي ، إضافة إلى التحولات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية الكبرى في الاتحاد السوفياتي و الأهم هو التحولات التي عرفتها الرأسمالية كنمط إنتاج . و هذا ما تعمد الكاتب نكرانه ان الرأسمالية العالمية انتقلت من مرحلتها ألكلاسيكية إلى المرحلة الامبريالية.
لو ان ماركس صاحب المنهج النقدي المرن عايش تطو ر الرأسمالية الكلاسيكية ، التي قدم أجوبة لنمط إنتاج وفقا لعلاقات الإنتاج و ملكية وسائل الإنتاج و بناء على نظرية الصراع الطبقي ، المرحلة الامبريالية للرأسمالية هل ستكون اجاباته على القضايا الثورية المطروحة هي نفسها التي طرحها كجواب في 1848 او أثناء سقوط حكومة باريس سنة 1872. لو تمكن ماركس من قيادة الثورة و بناء "دولة الثورة " يقودها الثوار ، هل سيحتفظ بنفس الاجوبة التي طرحها أثناء تأسيس منظمة عمالية عالمية ؟ هل موقع قيادة الثورة العمالية ضد الدولة البرجوازية هو نفس موقع قيادة دولة الثورة ضد البرجوازية المتمردة؟؟؟
المنهج النقدي المرن هو المنهج الذي يعتمد على السياقات الكبرى لتحليل القضايا و ربطها بالمتغيرات الذاتية و الخارجية و ارتباطات ملكية علاقات الإنتاج بالطبقات المالكة لوسائل الإنتاج و السيطرة على جها ز الدولة و فر ز الترابط المستم ر بين التكتيكي و الاستراتيجي، و ليس تقديس ما أتى به ماركس و تجميده و اعتبا ر أجوبة لينين وفق سياق تاريخي و وفق الشروط الذاتية و المضوعية للثورة هو خروج عن الماركسية و تجاو زا لها. الدوغمائية التي ينتقدها صاحب المقال هي اعتبا ر موقف لينين بين مرحلتين موقفا متناقضا، في حين ان كل موقف مرتبط بسياقه الخاص . حين ترفض الحرب لأنها حرب البرجوازية و مصلحتها تصب في خدمة المتحالفين الرأسماليين على حساب العمال و الطبقات الشعبية ، لن يكون موقفا جامدا و دائما و وفق كل الشروط و السياقات. حين لا تنخرط في حرب تحت عنوان الدفاع عن الوطن لا يعني أنك ضد كل حرب و مهما كانت الحرب و في كل سياقاتها. و اذا صد ر عن لينين موقف يدعم الحرب لا يعني مطلقا ان هذا تناقض، لأن السياقات و القوى المحا ربة و أهداف الحرب و ضحايا و نتائجها مختلفة وفق الشرط الموضوعي و الذاتي لصاحب الموقف باعتباره يقود ثورة و تنظيما يهتم بمصالح هذا التنظيم و تقويمه تكتيكيا و استراتيجيا،
ثنائية ماركس صاحب المنهج النقدي المرن و ستالين صاحب المنهج العقائدي الجامد بهذه الحدة تتطلب من المقال إثبات هذا الادعاء، ينبغي تحليل التحولات و في اي ظروف و بواسطة اي مؤسسات و ما العناص ر التي جاء بها ماركس و ما الذي جاء به لينين و ما الظروف التاريخية السوفياتية و الدولية التي اتخذ فيها ستالين قرارا ما او ما استنسخه بشكل نقلي و جامد عن ماركس او عن غيره دون الارتباط بالشروط المحيط به وفق زمانها و مكانها.
نص المقال يعفي نفسه من كل هذا و يكتفي بالنطق بالحكم على الماركسية اللينينية و ستالين بالدوغمائية و العقائدية و الجمود ، و يتستر خلف القرا ر الاستثنائي للمؤتم ر العاش ر سنة 1921 لشرعنة أحكامه المتسرعة، و هذا ما يطلب منا توضيحه.
رابعا : لينين و المؤتم ر العاش ر: الحاجة إلى اعادة بناء و توضيح.
أدرج المقال القرار المتعلق بمنع التيارات داخل الحزب و تشديد الانضباط الذي صد ر ضمن مقررات المؤتم ر العاش ر للحزب الشيوعي السوفياتي سنة 1921كقرا ر استثنائي للحزب في عهد قيادة لينين لكنه في نظ ر الكاتب تحول لاحقا إلى أساس للحزب الواحد و البيروقراطية.
هذه الفكرة من أهم النقط التي بنى عليها الكاتب مقاله لبرهنة حكمه الجاه ز على القيادة بعد لينين . فكرة تتبنى العقائدية و الجمود كما وضعها ضمن حلقة سببية مكنته من الوصول إلى الحزب الواحد و البروقراطية و انتهاء بالاستبداد.) إجراء استثنائي > مؤسسة دائمة > حزب واحد > بيروقراطية > استبداد. (.
لكن الكاتب يضع نفسه في مشكلة عدم القدرة على برهنة كل حلقة من هذه السلسلة. ذلك أن وجود قرا ر استثنائي في ظرف تاريخي محدد، اي في سياقات قد تكون خاصة أو عامة او هما معا، لا يثبت وحده أن السبب الحاسم في كل هذه التطورات اللاحقة )أن كانت كذلك( . كما أن القرارات الاستثنائية لم يوضح الكاتب استثنائيتها بماذا ترتبط لكي تنتهي بسياقاتها. و هنا مطلوب تحديد هذه السياقات لنعرف حدودها و نهايتها ام ان شروط اتخاذ تلك القرارات استمرت و لم تتوف ر اي شروط لالغائها باعتبا ر أنها هي سبب حالة الاستثناء. و هنا لابد من الإشارة أن الحزب نفسه تعرض للحظ ر و المنع في ظل النظام القيصري ا الاقطاعي دون أن يكون قرارا استثنائيا، و لذلك فإن القرار الذي اتخذه المؤتم ر العاشر ليس استثنائيا و لا تكتيكيا و إنما هو قرا ر استراتيجي لحماية الثورة البلشفية و دولة العمال و التجربة الاشتراكية في العالم. و لو لم يتم اتخاذ هذه القرارات ما كان للدولة السوفياتية أن تستم ر و ما كان للح زب الاستمرا ر في القيادة.
المنظمات التي يفترض وجودها في ظل الحكم الجديد و بعد سيطرة تحالف طبقة العمال و الفلاحين و الجنود هي المنظمات السوفياتية للعمال و الفلاحين و الطلبة و الشباب و المنظمات النسائية و التي تعمل تحت مظلة الحزب القائد للثورة، المنطق هنا منطق الثورة و السيطرة الطبقية لتحالف العمال و الفلاحين و ليس منطق سيطرة تحالفات برجوازية على جها ز الدولة و على وسائل الإنتاج التي توزع الفتات على الشعب و تسيط ر على النسبة العظمى من مقدرات الوطن و تسن القوانين التي تدعي التعددية و لكنها في الواقع تمنع العمال و الفلاحين و عموم الفقراء من الوصول للحكم و التنظيم و التغيي ر. من يريد أن يقرأ الواقع في الاتحاد السوفياتي في هذه المرحلة التاريخية عليه أن ينزع النظارات الليبرالية و ينظ ر للسياقات من زاوية الواقعية الاشتراكية لا الواقعية البرجوازية.
و هنا ينبغي للكاتب لكي يعتمد التحليل التاريخي وفق القراءة الماركسية أن يسأل عما هي الظروف التي انتجت قرارت
المؤتم ر العاشر؟ هل لو عاش لينين فترة أطول في القيادة سيتخلى عن هذه القرارات و بأي شكل ؟ هل فورا ام بعد حين ام عند انتفاء ظروف اتخاذها، و كم هي المدة لذلك في ظروف الاتحاد السوفياتي انذاك ، انها قرارات مؤتمر حزبي تتطلب قرارات مؤتمر لنفيها و ليس قرار قائد او هيئة حكومية? و هل طرح موضوع تغييرها في مؤتمرات تالية ، ام ان شروط طرحها لم تتوفر؟
هل كانت القرارت تصورا نظريا دائما ام هو فقط إجراء مرتبطا بالحرب الاهلية او سياقات اخرى؟
كيف أثرت الحرب و المجاعة و الانهيا ر الاقتصادي أثناء التحولات الثو رية و الاجتماعية للبلد؟
كيف تطورت العلاقة بين الدولة و الحزب بعد إتمام السيطرة على كل جهاز الدولة بمؤسساتها و و هيكلتها بسيطرة الحزب البلشفي ؟
ما دو ر نمو الجهاز الإداري تحت سيطرة الحزب و الثورة؟
ما دو ر الصراع الدولي بين الحربين في الداخل الروسي و اول حصا ر اقتصادي في التاريخ تقوده الولايات المتحدة و الدول الرأسمالية على الثورة البلشفية ؟
كما أنه لابد من البحث و التمحيص في الصراع الداخلي بين اقطاب الحزب خاصة بين المناشفة سابقا و البلاشفة بعد وفاة فلاديمي ر لينين.؟ ما هي اطماع معارضوا الثورة في السلطة بعد تحييد لينين و ستالين عن القيادة؟
قرارات 1921 أدت إلى ما سماه الكاتب" الستالينية". و هذا قول فاقد لأي تحليل علمي تاريخي و تجن حاد على الواقع و الوقائع. كما تعد هذه نتيجة مهمة و اساسية اكب ر بكثي ر من كل الادلة التي أتى بها الكاتب في هذا النص و التي بحث لها و عبرها عن مخرج للوصول إلى شرعية التعددية الحزبية و الديمقراطية برؤيته البرجوازية الليبرالية .
بوصلة الكاتب في التفكير هي التعددية الحزبية و ديمقراطية الصناديق مرحبا الاقتراب بشكل مطلق. فلا مرونة في المنهج و التحليل التي ادعى انها مميزات الماركسية. هل التعددية الحزبية صالحة و في مصلحة الطبقات الكادحة و العمالية في كل السياقات و كل المراحل و في كل الشروط؟ هل ديمقراطية الصناديق و التصويت هي النموذج الصالح في كل زمان و مكان و في كل الأحوال لممارسة الدمقراطية؟ هل النموذج الدمقراطي البرجوازي وحده القادر على تحقيق
العدالة و المساواة ام ان البشرية قادرة على إنتاج نماذج تتوافق مع المصلحة الطبقية للمجتمع و الطبقة المسيطرة؟ أليست الدمقراطية التعددية و ديمقراطية التصويت و البرلمان إنتاج بشري مناسب للطاقة البرجوازية و مناف للصالح الاقطاعيين و ضد وصول العمال و الفلاحين للحكم و تسيير الشؤون العامة.؟ أليس النموذج الدمقراطي البرجوازي الليبرالية هو نفسه نماذج متعددة تختلف حسب كل مجتمع و وفق مصالح الطبقات السيطرة فيه ؟ أليست الدمقراطية الأمريكية مختلفة عن البريطانية و الفرنسية و الأمريكية و الهولندية و الفلندية...،،،، ؟ هل انتخاب الرئيس الأمريكي في نظر الدمقراطية الاوروبية دمقراطية؟ هل الرئاسي و البرلماني متساويان؟
الا يحق لشعب و مجتمع له شروط اقتصادية و اجتماعية و سياسية مختلفة عن النموذج البرجوازي الليبرالية إنتاج نموذج ديمقراطية يتفاهم مع مرحلته التاريخية الموافقة مع الطبقة المحاضرة للسلطة ؟ ام ان النموذج الوحيد و الأوحد للبشرة هو النموذج البرجوازي الليبرالية الذي انتبه البشر في القرن 19 و أغلق باب ذلك ، مهما تغيرت الطبقة الحاكمة و كل السياقات.؟ انه الجمود العقائدي الفعلي حين تتكلس الادمغة و ترى أن النموذج الوحيد للدمقراطية بشكل مطلق هو التعددية الحزبية و دمقراطية الصناديق و غيرها باطل و دكتاتورية و استبداله. رغم ان البرجوازية نفسها تمارس الاستبداد و الدكتاتورية باسم نفس الدمقراطية. خير دليل على ذلك دمقراطية الأمم المتحدة و مجلس الأمن و ما تعرفه الدول المسمار دمقراطية تجاه شعوبها و طبقتها المهمة.
كاتب المقال، و في خلط بين الدمقراطية المجتمعية و الدمقراطية الداخلية للحزب استعمل الكاتب روزا لوكسبورغ كمجداف يوصله إلى هدفه و هو ما لم ينجح فيه.
خامسا: استخدام روزا لوكسمبورغ كمعيا ر اكثر منها كموضوع للتحليل.
استحضا ر الكاتب لروزا لوكسمبورغ في المقال و مقولتها حول حرية المختلف ليس فقط لتوظيفها كحجة و لكن لأنها تعب ر بشكل جلي و واضح و مكشوف عن موقف الكاتب من التنظيم الثوري و من "الدمقراطية الداخلية" كمعيا ر للحكم على التنظيم ككل.
موقف روزا لوكسمبورغ يعد لبنة اساسية في نص المقال باعتبا ر انه يلخص المقال بأكمله و يحدد بالضبط موقع كاتبه بعيدا عن كل التبريرات او البراهين . لكن كذلك يعد اقحام موقف روزا لوكسمبورغ في موضوعه ضربة قاصمة لظه ر بعيره حين لم يدخل في تحليل حقيقي للتوثيق الذي كانت روزا نفسها تناقشه بين الديمقراطية و شروط الثورة و الصراع الطبقي و الحرب الاهلية. و بالتالي أصبحت روزا لوكسمبورغ هنا في النص اشبه بمرجعية أخلاقية للكاتب ضد لينين.
هذا الذي خصص لروزا ما يكفيها من الكتابة لكشف سقوطها )كنس ر بين الدجاج كما أتى في تعبي ر لينين نفسه( في الخطأ رغم انه يقدر موقعها كفيلسوفة ماركسية ثورية، لكنها تسقط في بعض الأحيان.
أخطأت روزا حين أسقطت موقفا مبدئيا مقبولا في شروط عادية و طبيعية على وضع غي ر عادي و لا طبيعي. حيث ، كما جاء رد لينين، ان الحزب الثوري في ظل القمع و المنع و الحصا ر الذي يطبقه النظام القيصري لا يجو ز الكلام عن الديمقراطية و حق المختلف اي الاقلية. و هنا نعود مرة أخرى للكاتب و كلامه عن الماركسية و مكوناتها المنهجية و ارتباطها بالسياق لنكتشف ان نسخ موقف روزا و إعادة تكراره خارج سياقه و نقل سقوطها المدوي في هذه الحال هو تعبي ر على أن المرونة الماركسية لدى الكاتب ليست ممارسة و إنما فقط تبري ر لموقف و لكن عمق ما يتبناه الكاتب من خلال النص هو الجمود الفكري الواضح.
كان المطلوب من الكاتب اذا كان هدفه معرفي باستعمال موقف روزالوكسمبورغ ان تكون جزءا من مقارنة نظرية تاريخية معقدة و مركبة و ليس كما أتى بها عبارة عن حكي تبسيطي، يراد به الهجوم على التجربة القيادية للحزب البلشفي تحت قيادة ستالين و شخصنة كل تلك التجربة في ذات ستالين، و هذا ما نحاول فهمه كالآتي.
ساد سا : ضعف المقال في انتقاله من التحليل إلى الشخصنة.
يلاحظ القاريء لنص المقال انه تطو ر من الدعوة الى النقد و المراجعة، عب ر ال رفع من شأن ماركسية ماركس ثم إلى الاعتراف بأهمية دو ر لينين مع الإشارة إلى" تناقض" موقفه من الحرب ، ثم الهجوم على قرارات المؤتم ر العاش ر في عهد لينين مرورا بالهجوم على المركزية الدمقراطية بدمج قولة روزا لوكسمبورغ.
مسا ر المقال إلى هذا الحد بقي وفيا لمناقشة المنهج و المؤسسات و المواقف. لكنه انقلب بشكل حاد على منهجه الذي، على طوله لم يكن وفيا للمنهجية العلمية في قراءة التاريخ و لم ينضبط نهائيا للمادية التاريخية كأساس للماركسية، لكن بقي إلى حد ما منضبطا لأسلوبه النقدي الموضوعي. لكن نقده لقرارات المؤتم ر و اعتبارها قرارات استثنائية فتح بابا على المنحد ر نهو الهاوية.
وصلت قراءته إلى قلب كل ما جاء في النص كاملا عندما قال الكاتب ان ستالين "حسم الصراع لمصلحته بتحويل الحزب إلى ماكينة تصفية مرعبة" . ثم ربطه بتصفية خصومه و بتدبي ر اقتصاد الريف و إفراغ الجيش الأحم ر من كوادره.
هذه الفقرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها وصفا تاريخيا محايدا، بل هي الروح التفسيرية للنص بكامله. كاتب النص جعل من ستالين مرك ز لعدد هائل من الظواه ر : الصراع السياسي، القمع، الريف، الجيش، البيروقراطية، خسائ ر الحرب....
و هنا يظه ر بشكل فاضح تناقض صارخ مع العنوان نفسه. فإذا كان السؤال هو " النظرية و الممارسة" فكيف يتحول التفسي ر من النظرية و المؤسسات إلى" ستالين هو المشكلة"، اي إلى الشخصنة بشكل فج.
ان كان الباحث ماركسيا، فليتساءل عن البنية الاجتماعية و السياسية و المؤسساتية التي سمحت" لشخص " ما )ستالين( بأن يمارس هذه الدرجة من السلطة؟
من الإجابة ستتبين المسؤوليات و تحدد البنيات و المؤسسات التي فيها خلل ، فوفرت الشروط لإنتاج ممارسات ما . فإما يتم إصلاح المؤسسات و البنيات و اما ان الادعاء بممارسة الشخص باطلة.
و هذا فرق جوهري بين التفسير الشخصاني و التفسير البنيوي .
التفسي ر الشخصاني و الذي تبناه الكاتب جعل من الشخص محو ر كل شيء في التاريخ و الجغرافيا. رغم ان روسيا في عشرينيات و ثلاثينيات و اربعينيات القرن الماضي تعتب ر قارة كاملة و متكاملة بين آسيا و اروبا و بطيف متعدد من القوميات و الثقافات و آلاف المؤسسات و العديد من الأنماط الإنتاجية، كما انها تتوفر على جهاز إداري و قضائي ضخم موروث عن الفترة القيصرية و آخ ر تم أحداثه مع البلشفية مما يعني تعدد المؤسسات ، كما ان فترة قيادة ستالين للح زب البلشفي الروسي و إدارته لقيادة الدولة استمرت بين 1923 إلى ، 1952 لا تمثل الا فترة يسيرة من مرحلة الاتحاد السوفياتي. و من المرحلة الثورية للحزب، كما انها مرحلة مختلفة عن كل المراحل التي سبقتها و عن التي ثلتها.
يصعب على قاريء عاقل ان يستوعب كيف تمكن الكاتب من جعل ستالين مسؤولا عن كل ادعاء وقع في ابعد نقطة في شرق سيبيريا او في بحر البلطيق و عن أي حدث وقع بالليل او النها ر في الظلمة او تحت أشعة الشمس حتى في مكان و ربما حتى في الفضاء. اذا قتلت فيه بقرة في مكان ما فإن مسؤولية الجرم تقع على ستالين.
التفسير العلمي هو الذي يعتمد في تحليله على البنيات و المؤسسات و يجعل البنيات تؤث ر و تتأث ر ببعضها البعض و يصبح الأشخاص محكومين بهذه المؤسسات و ارتباطاتها.
اللافت ان المقال حاول في البداية بتحليل بنيوي لكنه تدحرج إلى هاوية التفسي ر الشخصاني. و الهدف هو ضرب الماركسية اللينينية من خلال ضرب شخص ستالين ، و هذا ما سنكشفه في الجزء السابع.
سابعا: من " ستالين" إلى "الماركسية الللينينية " و القفز المفاهيمي.
يقول الكاتب من خلال المقال ان " الماركسية الللينينية" اصبحت ايديولوجية رسمية بعد وفاة لينين و صعود ستالين، ثم ربطها مباشرة بصياغة ستالينية موحدة. ثم يربط انهيا ر الاتحاد السوفياتي بسقوط هذه الايديولوجية كنموذج للحكم.
هنا يتبين جليا ان الكاتب لم يستوعب معنى مفهوم "الماركسية اللينينية" كما أتت في الادبيات الماركسية ، أو ربما الكاتب يتعمد تحوي ر معنى المفاهيم لبلوغ أهداف الهجوم على الماركسية اللينينية كمرجعية و كمنهج ماركسي . و هنا كذلك لا نجد المشكلة في نقد الماركسية اللينينية بل في تحوي ر مضامين المفاهيم و البناء عليه لبلوغ أهداف اديولوجية تبر ر سببية انهيا ر الاتحاد السوفياتي التي كانت لدى الكاتب منطلقا نقب في التاريخ و النظرية و الممارسة عن تبريره . و كانت شخصية ستالين حصان طروادة الذي ركبه لبلوغ هذه الأهداف.
مقولة أصبحت "الماركسية اللينينية" اديولوجية رسمية بعد وفاة ليني ن و صعود ستالين تشي ر و كأن "الماركسية اللينينية" هي سلعة من بين السلع المعروضة ، و تم اختيارها و وضعها كاديولوجية بعد غياب لينين . و كأن الأمر يتعلق باختيا ر إحدى السلع الأخرى او التخلي عنها بعد وفاة لينين او انها لم تكن في عهد لينين.
هذا الفهم او الادعاء الذي يحاول تقديم مفهوم " الماركسية اللينينية" و كاريكاتوريتها ينم عن انهيا ر ذاتي في فهم الماركسية بحد ذاتها كمنهج للتحليل . لكن فهم الكاتب للماركسية هو فهم عقائدي جامد من خلال نص المقال . لان هذا الفهم المغلوط عن الماركسية و التعامل معها كعقيدة جامدة هو الذي جعل لينين يواجه كل أنواع التحريفية و اتباع الأممية الثانية الذين أخذوا الماركسية بشكل نصي و افرغوها من اساس وجودها و هو العمق التطو ري المواكب للتاريخ و شروط التغيي ر الموضوعي و الذاتي للقضايا. اتباع هذا الفهم المنحرف هم الذين رأوا في القراءة اللينينية للماركسية بدعة في الماركسية و اعتبروا تبني هذه القراءة ضلالة .
رغم ادعائهم ان الماركسية منهج للتحليل الا انهم ليسوا اهلا لمواكبة المتغيرات الموضوعية التي انتجت ما سمي لاحقا "الماركسية اللينينية".
كل أنماط الإنتاج السابقة عن الرأسمالية كانت لها مناهج تحليل واكبت تغيراتها و تطوراتها. و كانت الماركسية استجابة موضوعية لنمط الإنتاج الرأسمالي في بداياته. و كأن ماركس إلى جانب آخرين انجلز و آخرين السباقين إلى تطبيق المنهج المادي الجدلي و التاريخي على الاقتصاد و السياسة و المجتمع بشكل تركيبي أعطانا وصفة علمية تحدت النظرة الليبرالية التبسيطية التي كان يتبناها اقطاب الفك ر الليبرالي.
لكن النظام الرأسمالي عرف تطورات هائلة ، حيث انتقل من وضعه في الإنتاج الكلاسيكي إلى وضعه الامبريالي. هذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى اثر في وسائل الإنتاج و علاقات الإنتاج التي عرفها النظام الرأسمالي . هل يمكن مواجهة الوضع الجديد بنفس آلياته التحليل و نفس المناهج التي أتت مع كارل ماركس و انجلز؟ هل لو عاصر ماركس و انجلز هذه المرحلة من الرأسمالية الامبريالية سيحتفظون بنفس مناهج التحليل و آليات المواجهة؟
النظام الرأسمالي انتقل الى المرحلة الثانية من تطوره ، هذا الانتقال الموضوعي و ليس الذاتي بالنسبة للفكرة الثوري و القادة الماركسيين ، يتطلب منهم المواكبة باعتماد الجدل و المادية التاريخية كأساس ماركسي على علاقات إنتاج و وسائل إنتاج عرفت تغيرات عميقة للاستجابة .
لو عاش ماركس هل سيرى في ما أتت به الأممية الأولى نافعا للقراءة و التحليل و الاستجابة للوضع ؟ طبعا لا. لا ليس لان ما أتت به الأممية الأولى أو الثانية كان خاطئا، و ليس لان الأشخاص كانوا في ذواتهم غي ر قادرين على التحليل ، و لكن و بكل بساطة ان المتغيرات الموضوعية تتطلب تغييرا في آليات المواجهة. و هو ما قام به لينين في تطوي ر الماركسية لتواكب عصر الرأسمالية الامبريالية. و ربما هو ما لم يتمكن من بلوغه رفاقه في المدرسة الماركسية من قبيل تروتسكي و غيرهم.
تطوي ر النظرية الماركسية من ماركس إلى لينين لا يختلف في شيء عن تطوي ر نظرية الميكانيك من نيوتن إلى انشتاين.
فهل نظرية انشتاين ألغت نظرية نيوتن؟ لكن النظريتين صحيحتين معا و لكن كل واحدة صحيحة في مجالها و أبعاد تطبيقها.كذلك الماركسية في عهد ماركس و الماركسية في عهد لينين، ماركسية الرأسمالية الكلاسيكية و ماركسية الرأسمالية الامبريالية. هذه الأخيرة هي التي سميت لاحقا بالماركسية اللينينية.
لهذا فالعودة إلى ماركسية ماركس كما تبناها ماركس لتحقيق الثورة عب ر الديمقراطية البرلمانية و ضمن التعددية و في كل السياقات و الازمنة و الأمكنة لا يمكن إلا أن يعبر عند متبنيها بالجمود الفكري و العقائد. و هو اغتيال للماركسية في حد ذاته.
حين يقول كاتب المقال ان الماركسية اللينينية أصبحت ايديولوجية "رسمية" بعد وفاة لينين و صعود ستالين هي عملية مقصودة لفصل الماركسية اللينينية كماركسية و منهج للتحليل يتواف ق مع الرأسمالية الامبريالية عن لينين، صاحبها كنظرية، و ربطها بستالين للهجوم عليها و جعلها اختيارا شخصيا لستالين و ليست استجابة نظرية موضوعية عن واقع الثورة في ظل النظام الرأسمالي الامبريالي. اكيد ان لينين لن يتكلم عن" الماركسية اللينينية" كمفهوم، كما لم يتكلم ماركس عن الماركسية كمفهوم. لكن كلا منهما أسس للنظرية وفق الشرط الموضوعي لمرحلته. و هنا لابد من الإشارة إلى أن الماركسية و الماركسية اللينينية ليسا الا واحدا و الغرض من ربط الماركسية بلينين فقط للتميز بين الماركسية في كل مرحلة للنظام الرأسمالي و ليس بشكل ذاتي للينين او روسيا او بو ركينافاسو او اليمن ....
لا يفوتنا ان نوضح ان قول بعض التافهين ب"الستالنية" و ما شابهها ليس إلا اسلوبا مقيتا للهجوم على الماركسية اللينينية من اعدائها و كشفا لجهل مترسخ في عقول تدعي فهمها للماركسية و ما لها بها صلة الا بالادعاء . ذلك أن الرأسمالية في مرحلتها الامبريالية لم تعرف متغيرات عميقة و جدرية في وسائل الإنتاج و علاقات الإنتاج .، نظرية ماركسية بديلة عن الماركسية اللينينية ، و لذلك يؤكد ستالين في كتاباته )اي ستالين( تلميذ للينين و انه على نهج لينين يتبنى الماركسية الللينينية كمرشد عمل و منهج للتحليل ، و لم يدع ابدا انه انتج نظرية ماركسية لكي تسمى "الستالينية"، كما لا يمكن لماركسي نزيه الادعاء ان هناك ماركسية ستالينية قياسا على ماركسية لينينية. لان إنتاج نظرية متطورة في الماركسية لا يرتبط برغبة ذاتية للأشخاص و لكنه يرتبط بالمتغيرات على المستوى الموضوعي اي في النظام الرأسمالي ذاته و هو ما لم يتم في عهد ستالين او من بعده.
سيقول بعضهم ان الرأسمالية عرفت متغيرات عميقة بالانتقال من رأسمالية بضاعية الى" الرأسمالية مالية "و هذا تحول يتطلب إنتاج ماركسية تنسب ل)فلان(X . لكن الواقع ان هذا المتغي ر ليس فقط مهما بل انه اساسي لكنه لم يغير الوجه الامبريالي للرأسمالية ، لأنه فقط سمح بصعود طبقة رؤوس الأموال على حساب طبقة المنتجين للبضاعة و هو ما لم يغير الوضع الامبريالي للرأسمالية ، و بالتالي يبقى مرشد العمل و منهج التحليل مسايرا لهذه المتغيرات مع تطوي ر بآليات و وسائل القراءة و التحليل بعيدا عن أي جمود و تصلب.
و هذا لا يعني باي حال من الأحوال ان الماركسية اللينينية ستبقى هي المنهج الابدي ، و لكن الأم ر يتطلب متغيرات موضوعية في نمط الإنتاج و من تم تعود الماركسية اللينينية إلى ما أصبحت عليه الافلاطونية او الكانطية او غيرها.
اذن هل الماركسية مرحلة تاريخية ؟ لا، بل هي استجابة علمية لقضايا مرحلة تاريخية من الرأسمالية. و كذلك الماركسية اللينينية استجابة لمرحلة تاريخية من نمط الإنتاج الرأسمالي.
هنا يجب التذكير أن الماركسية ليست مرتبطة بمن يحكمون الدول او من يقودون الثورات و لكنها مرتبطة اولا بالمرحلة التاريخية للنظام الرأسمالي ثم بالمنظر الذي وضع النظرية الأكثر تلاؤما للاستجاحة لتلك المرحلة.
كاتب المقال يربط انهيار الاتحاد السوفياتي بسقوط الماركسية اللينينية كأيديولوجية و نموذج للحكم بالنسبة له. هذا الفهم المغلوط للماركسية اللينينية هو الذي جعل الكاتب، و الكثي ر من دعاة الماركسية دون استيعابها ، يسقطون في هذه المطبات التي تربط انهيا ر دولة بانهيا ر نظرية. علم التاريخ لم يثبت ان نظرية انهارت بسقوط نظام حكم و لم يكن ممكنا ربط انهيار كيان امبراطوري او جمهوري او مملكة او. ،،، بنظرية ما.
نقد الماركسية اللينينية ليس هو المشكلة ، بل مشكلة الكاتب في التسوية المفاهيمية بين ماركسية ماركس ، لينينية لينين ، البلشفية و المنشفية، الماركسية اللينينية كاديولوجية دولة، الستالينية كمرحلة تاريخية ، و التجارب الاشتراكية المختلفة التي تبنت بدرجات مختلفة تسمية الماركسية اللينينية.
لكن هذه مفاهيم ليس بينها اي تطابق ، بل ان جزءا مهما منها ليس له منطق وجود مثل الستالينية كمرحلة تاريخية !!!! و بالتالي فإن نقد احد هذه المفاهيم لا يسمح تلقائيا بادانة المفهوم الاخر. لكن هذا الأسلوب الذي اختاره المقال هو مجموعة متكاملة هدفها إدانة الماركسية اللينينية من خلال الخط الثوري البلشفي و قادته الأساسيين ستالين و لينين و تحميلهم مسؤولية انهيار الاتحاد السوفياتي. و من بين هذه الادانات ما سمي بالمحاكمات الكبرى و هذا ما سنراه في القسم الثامن.



#سي_محمد_طه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة سوسيوانتروبولوجية للعيش المشترك : تراݣت او الهدي ...
- بين إليش و قليش نحن على حقيقتنا
- البشرية في ازمة : الابادة الجماعية احدى تجلياتها
- عن اي رأسمالية نتكلم ؟


المزيد.....




- مصر.. الأزهر يصدر بيانا بعد تجدد هجمات إيران على الإمارات وا ...
- اتفاق ليبي يضع مسارا لعقد الانتخابات
- الأردن: نرفض أن نكون ساحة للصراع
- حلف مكة يعقد اجتماعا في إسطنبول
- -حرب الساعات- بين واشنطن وطهران.. إسرائيل تراقب المنشآت الإي ...
- -محمد- الاسم الأكثر شيوعاً بين طلاب الصف الأول في إسرائيل
- سد الموصل في العراق أخطر سد في العالم
- تركيا وباكستان والسعودية تعلن عن قرارات عسكرية وتطلق أمانة ع ...
- -مدينة مقابل مدينة-.. مشروع إماراتي ضخم يعيد رسم خريطة السكن ...
- بري: نرفض اتفاق الإطار مع إسرائيل.. لن نقبل بأن تكون هناك من ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سي محمد طه - اليسار المغربي بين الدعوة للمراجعة و التدحرج للهاوية.. رد على مقال.