أسعد منذر
الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 16:16
المحور:
الادب والفن
لا زالت قصيدة النثر العربية منذ نشأتها حتى الآن تبحث عن هويتها ، وعن تعريف جامع يحدد ماهيتها ، فمنذ مرحلة النشوء مع كتابات بعض شعراء المهجر ، حملت إلتباس مفهومها مع النثر الشعري ، لتتحدد هويتها أكثر فيما سمي بمرحلة التأسيس مع مجموعة مجلة شعر في لبنان ، في تلك الفترة اعتمد كلٌ من أدونيس وأنسي الحاج ، مع بعض التعديل اللفظي ، محدداتِ سوزان بيرنار التي جاءت في كتابها ( قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ) والتي تتلخص في : - الوحدة العضوية للقصيدة - التكثيف أو الإيجاز – التوهج أو الإشراق – المجانية أو اللازمنية ، وبعد مجلة شعر لخصت مجلة الكلمة العراقية تلك المحددات في : - العنف – الكثافة – التحدي – الاحتدام اللغوي .
ثم ظهر في نهاية التسعينيات من القرن الماضي مفهوم الحساسية الجديدة الذي يعتمد على تكسير النمط السردي المتسلسل التقليدي ، وتحطيم النمط العقلي المنطقي للعمل الفني ، والولوج إلى عالم الحلم ، والاستفادة من التداخل الزمني والاعتماد على الحوار الداخلي، تفجير طاقات اللغة ، والاستغناء عن السياق التقليدي في التعبير
ومع كل هذا التطور في التنظير لقصيدة النثر ، بقي الإشكال في المصطلح والتسمية قائماً ، بدءاً من التناقض الذي يحمله مصطلح " قصيدة النثر " لأنه يجمع بين ، قصيدة = شعر ، وبين نثر = لا شعر ، وصولاً إلى الخلط بين هذا المصطلح ومصطلح الشعر الحر free verse , verse libre ، ومصطلح الشعر المنثور poetry en prose ، والنقطة الأهم في الإلتباس تنطلق من أساس التفريق بين ما هو شعر وما هو نثر ، وإذا وافقنا مع " شعراء النثر " أن ليس كل ما هو موزون شعراً ، يبقى الصحيح أيضاً ، أن ليس كل ما هو غير موزون شعراً ، وبالتالي نزع الصفة الشعرية عن بعض الموزون لا تعطينا تعريفاً للشعر غير الموزون ، وإذا كانت مجموعة شعر قد نجحت في فرض رواج مصطلح " قصيدة النثر " فإنها لم تنجح في حل الإشكالية تماماً ، لأن تلك الإشكالية لا تكمن في رواج أو عدم رواج المصطلح ، بل هي في خلق موازنة بين الحدود النظرية للمصطلح ، والمتحقق النصي المتوفر من خلال التجارب الشعرية الواقعية ، وفي هذا الإطار وضعت مجلة شعر تحت هذا المصطلح نصوصاً يرى أصحابها أنفسُهم أنها تعود إلى الشعر الحر verse libre ، وهو شعر متحرر من الوزن والقافية ، يعتمد على التجانس الصوتي ، والصور الشعرية ، والموسيقى الداخلية ، شعر متنوع ينطلق من الحرية في استخدام التفعيلة والقافية ، كما في كتابات توفيق صايغ – جبرا ابراهيم جبرا – محمد الماغوط .
بعد كل ما سبق في رحلة البحث عن الهوية ، برز مفهوم " الشعرية " للتفريق بين الشعر والنثر أو بالأصح بين الشعر واللا شعر ، وعرفت الشِعرية تلك باللغة التي تضحي كثيراً أو قليلاً بالمنطق النحوي لحساب قيمة الكلمات الذاتية ، أو التقاءاتها ، والمنطق النحوي المقصود هو التركيب اللغوي المتعارف عليه والعلاقات المتحققة في الجملة والمفردة والأخرى ، وهذا ما يؤشر إلى مفهوم الإنزياح في اللغة الذي يمثل دلالة على شعرية النص ، بغض النظر عن القيمة الدلالية المباشرة له ، أو الرسالة التوصيلية التي يتضمنها أصلاً ، فمن وجهة نظر شكلانية لا يكون التوصيل غاية في ذات المحمول الشعري ، فالعملية الابداعية وناتجها خارج مجال التوصيل . ( حسن ناظم ، الاتجاهات الأدبية الحديثة ، مفاهيم شعرية ، بيروت 1983 )
وزاد على ذلك اسحق الموصللي أن قال : الشعر لا يتحدد في نظام واحد ، ولا ينحصر في رؤية في عينها ، إنما يظل في تعاليه وإطلاقيته عصياً على كل قول ، فهو إن أحاطت به المعرفة لا تدركه الصفة ( اسحق الموصللي ، دار كتابات ، بيروت 1993 ) ، وهو قول رغم بلاغته لا يقدم تعريفاً إيجابياً للشعر ، بل يعرفه عن طريق نزع الصفات عنه .
ثم عاد أدونيس أخيراً ليهدم محددات سوزان بيرنار التي سبق وتبناها ، مشدداً على ضرورة التغيير والتجاوز ، مستبدلاً محددات بيرنار السابقة بمحددات جديدة تتلخص في : - التنوع - الحرية – اللاشكل ويرى أدونيس ضرورة أن تتجاوز قصيدة النثر نماذجها الشائعة إلى نثر آخر ، وأن على " قصيدة النثر العربية " العودة إلى الجذور ، مشيراً إلى بعض الكتابات الصوفية ( الاشارات للتوحيدي ) ليصل أخيراً إلى مصطلح " الكتابة الشعرية نثراً "
هكذا نرى أن الأمر وصل إلى درجة اندماج قصيدة النثر في الأنواع أو الأجناس الأدبية الأخرى وتخليها عن كونها جنساً أو نمطاً أدبياً مستقلاً ، إذ يضيف أدونيس : قصيدة النثر فقدت هويتها ، لأنها بالأساس لم تعمل من داخل الهوية ، إن على قصيدة النثر حتى تحافظ على هويتها أن تطيح بنفسها ، وتتشكل وفق هوية جديدة . ( من شهادة بعنوان : لماذا لا تنضم قصيدة النثر إلى النثر العظيم ) ، وفي هذا الإطار يقول د. سعيد حيدر : إن تحولات قصيدة النثر قادت في النهاية إلى اندماجها واختلاطها في أنواع نثرية أخرى " قصة – شذرات فلسفية " مؤدية إلى ظهور مصطلحات " النص الجامع – النص المفتوح " مصطلحات لا تؤكد ذوبان قصيدة النثر باعتبارها شكلاً شعرياً وحسب ، بل فناء الشعر وموته ( بيان موت الشعر ، سعيد حيدر ، 2002 ) ، ومع هذا الكلام من حق كل قارئ ومهتم بالأدب أن يتساءل هل من الممكن الاستمرار في استخدام مصطلح " قصيدة النثر " ، وهل أدى التركيز على رفض كل المقومات الشكلية للشعر إلى الخروج عن مفهوم الشعر ذاته كلياً ؟ .... على الأقل هذا ما أراه شخصياً
نقطة أخيرة أراها جديرة بالاهتمام وهي فكرة رفض الرسالة التوصيلية " لقصيدة النثر " ، أي عدم الاهتمام بوصول ما تحمله القصيدة من أفكار إلى المتلقي ، وبالوقت نفسه نصر على وصف قصيدة النثر تلك بالقصيدة الدلالية ، إذ أصبحت الانزياحات اللغوية وسيلة لاستعراض المهارة والصنعة بطريقة لا تقل تكلفاً بل تزيد عن استخدام المحسنات البديعية في القصيدة العمودية ، وأكثر من ذلك صارت تلك الانزياحات اللغوية لا تستخدم من أجل الإدهاش ونقل الإبداع والإحساس ، إنما يستخدمها البعض وكأنها ألغاز تحتمل أجوبة متعددة ، فيصبح كل تفسير لا يعجب " الشاعر " تفسيراً خاطئاً ، ومن جهة ثانية فإن القول برفض رسالة التوصيل فيه شئ من التعالي غير المبرر على المتلقي ، هذا المتلقي الذي لم يطلب من الشاعر أن يكتب له شعراً ، بل الشاعر هو من سأل المتلقي أن يقرأ أو يستمع لشعره ، ثم يأتي الشاعر ليقول للمتلقي : لا يهمني أن تصل إليك الفكرة أم لم تصل ، ما يهمني أنني قلت شعراً وكفى ، لا يهم أن تفهم إنما المهم أن تعرف أنني قلت شعراً ! ..... يستطيع الشاعر أن يكتب لنفسه ما يشاء ، لكن عندما ينشر أو يدعو لأمسية يلقي فيها شعره ، لا يستطيع أن يتجاهل من نشر لهم أو من دعاهم للاستماع ..... مع احترامي لكل من يعتبر نفسه أنه وصل حداً من الابداع لا يفهمه إلا النخبة
#أسعد_منذر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟