احمد سالم وداي
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 08:45
المحور:
الادب والفن
في احدى الأمسيات، تغزل الحاضرون بشاعر (كبير)، واجزلوا المدح له، وهو ما أشعرني بالتخلف عن مسايرة الشعر الحديث، لذا بادرت للاتصال بذلك الممدوح، وطلبت منه ديوانا، فما كان منه إلا ان ارسل لي مجموعته الكاملة، والتي تجاوزت الألف صفحة، ولأنني أنسان بطر (بمعاييرهم)، وله من الجِمال صبرها، ومن الحمير ما لها من قدرة على التحمل، قرات تلك المجموعة مرتين، واذا عرفتم انها كانت على شكل pdf فاني لن استغرب اذا أعطيتموني حظرا أو تعليقا سلبيا بل حتى شتيمة، لفرط ما أذيت نفسي.
بصراحة، كانت القصائد اتفه من ان اخدش حدقات أبصاركم بعرض واحدة منها، فضلا عن إنني لا أريد ان خسر أي أنسان أو أسيء اليه، لذا سأعرض عليكم قصيدة لشاعر غربي (كعينة)، ثم ابدأ في مناقشتها كي تعرفوا ما هو شائع من معايير في تقييم الأدب، تلك التي أسهمت في نشرت التفاهات، وكذلك ما أريده شخصيا من الكتابة. لذا تمعنوا في قراءة هذه النص جيد:
((لن أتعلم كيف أخلع حذائي
وأترك المدينة تعض قدميّ،
لن أَسْكَر تحت الجسور،
ولن أُخلَّ بالذوق.
سأقبلُ هذا المصير: مصير القمصان المكويّة،
سوف أصلُ إلى السينما في الوقت المحدد،
ثم أتخلى عن مقعدي للسيدات الهرمات.
إنَّ هذا الاضطراب الطويل في الحواس يصيبني بالغثيان،
أُفضِّلُ معجونَ الأسنان والمناشف.
لقد أخذتُ مطاعيمي
اُنطري إلى هذا العاشق الكسول،
العاجز عن القفز في النافورة كي يلتقط لكِ سمكةً حمراء صغيرة تحتَ أنظارِ رجال الشرطة الغاضبينَ وأمامَ أعينِ المُربِّيات الغاضبات((
بعدما قرأتم هذه القصيدة أريد أوضح ان النقد العربي حاليا يسير في منوالين:
الأول هو النقد الينيوي : والذي يناقش القصيدة من حيث تركبيها الإنشائي، كفاعل وفعل ومفعول به، ومن هذه الناحية تستحق هذه القصيدة بل كل ما يكتب من شعر الدرجة الكاملة، أي 100% ، إذ ان أصحاب المنهج البنيوي يبحثون القواعد النحوية، وهي كاملة وغير منتهكة في هذه القصيدة، وعن المتضادات، والنص مليء بها فالسكر تحت الجسور دليل فوضى والقمصان المكوية رمز النظام، كما ان عبارة تحت الجسور تتناقض مع أو تتضاد مع عبارة الجسور التي قد ترمز للقصور، كما ان المحور الاستبدالي أي استبدال كلمة سكر بدلا عن اصحو والجسور بدلا عن القصور، وغيرهاو وكلها متوافرة، وبما ان النص تضمن أحكام نحوية دقيقة، وكذلك التضاد فضلا عن محوره الاستبدالي فان النص هذا يستحق 100% وفقا للمعايير البنيوية .
والثاني هو النقد التوليدي: والذي يناقش المعاني التي ولدها الشاعر مثل عبارة (لن اسكرَ) بالفتح، إذ لا يجوز ان يقال (لن اسكرُ) بالضم، وهكذا، لذا فان الشاعر يمتلك قدرة على توليد النصوص بطريقة صحيحة، وبهذا فان النص يستحق وفقا للمعايير التوليدية درجة 100%، وعليه فانه الشاعر يمتلك الدرجة الكاملة وفقا للنقاد البنيويين والتوليدين، ويستحق ان نسبح بحمده، ونقيم له الأمسيات الأدبية، وان تشهد جامعاتنا المطرودة من التصنيف العالمي العديد من مناقشات رسائل الماجستير واطاريح الدكتوراه، التي تكبر لأجل قصيدته خمس مرات كل يوم.
والان لنسال السؤالات الأهم:
- ما الذي فهمته من هذا القصيدة التي منحها النقاد الدرجة الكاملة؟
- وما الذي اثارته فيك ؟
- وما الرسائل التي حملتها.
اعلم انك خائف، ومرتعب من ان تتهم بالجهل ان قلت: لم افهم من ذلك النص شيئا، رغم انك قد أعدت قراءته اكثر من مرة. لكن لا باس، انا أيضا لم افهم من ذك الهذيان شيئا.
وما دمت لم تفهم من النص معنى، فهذا يعني ان احدهم قد خان اللغة، فاللغة أصلا هي وسيلة للتواصل، أي لنقل الأفكار الى الآخرين، ومادام الشاعر (واضع تحت هذه الكلمة عشرون خطا) لم يستطع إيصال فكرته اليك، فهذا يعني انه قد خان اللغة، وجردها من اهم فضائلها، بوصفها رموزا ذات معنى، أو انها منتج اعد للتداول، وحين نصل الى هذه النقطة، فانه يجب نقول شيئا عن التداولية، والتداولية باختصار هي توجه يتناول القدرة التي يمتلكها النص على الوصول الى عقل القارئ؟، هل يحترم ذلك النص ذكاء المخاطبين به دون ان يتعالى عليهم؟ وهل يخلف في عقولنا أثرا، أم انه سينسى بعد غلقه؟
كل هذه الأمور التي أشرت لها تحت باب التداولية تم التخلي عنها في خرافة النقد الحديث، إذ ان وظيفة الأدب لم تعد إيصال الأفكار للناس أو تطوير وعيهم، بل إبهارهم بمترادفات خالية من أي معنى، وتحويلها الى ديكور نخبوي، حبيس أوساط معزولة عن المجتمع، ومادام النص مسبوك نحويا فانه نص مثير (حسب رايهم)، ليستحيل الأدب والنصوص الأدبية الى صوت لمحرك سيارة الفيراري، فبرغم انه هادئ، ويثير فينا نوع من الارتياح، إلا انه بلا معنى، وهذا ما تريده الأنظمة الأدبية الحديثة التي يوجهها النظام الرأسمالي، والذي لا يغيظه شيء اكثر مما يغيظه الأدب الملتزم الذي يسعى الى إحداث ثورة في عقول الناس، لذا فانه يسعى الى تأليه الهذيان الفارغ من أي معنى، وتقديس الشكل على حساب المعنى الذي يحمله.
فما دمت تكثر (برأيه) من قول عبارات مركبة من أي لفظين لا على التعيين، فانت شاعر، ولو لم يُفهم مما تقوله شيئا، إذ انك غير مسؤول عما قلت، فالمؤلف قد مات، والموتى لا يسالون عما احدثوا ولا يحاكمون، وعلى القارئ ان ينقب في طبقات ما قلت عن معنى، وان يزيل عن هذيانك عبثيته، وان يضيف أحيانا أو يسقط على ما قلت أشياء لم تخطر على بالك ذات يوم. فان عجز عن ذلك فانه متخلف لم يرتق الى مستوى كتاباتك العظيمة، هذا باختصار ما يحدث في كواليس الأدب، وهذا ما يجعل الأدباء يعيشون في أبراج عاجية من صنع مخيلاتهم، التي عفى عليها الزمن، ولم يعد الناس أصلا بحاجة اليها أو اليهم.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟