أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نصري ف نصري - كلاب السانية- الشهود الخرس-















المزيد.....

كلاب السانية- الشهود الخرس-


نصري ف نصري

الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 15:55
المحور: كتابات ساخرة
    


لم يبدأ الأمر من انجذاب مفاجئ، ولا من تلك اللحظات التي تصفها الروايات بوصفها قدرًا عاطفيًا حاسمًا، بل بدأ من تفصيل عابر بدا تافهًا في حينه، ثم تمدد لاحقًا داخل حياتها حتى التهمها بالكامل.
كانت تجلس في المقعد الأمامي لسيارة الأجرة، متكئة برأسها قليلًا نحو النافذة، تضع سماعات الأذن وكأنها تبني حول نفسها جدارًا عازلًا يمنع العالم من الاقتراب. لم تكن تستمع إلى الأغاني بحماس، بل كانت تستخدم الموسيقى كوسيلة للانسحاب من الناس ومن أفكارها معًا. منذ مدة طويلة أصبحت تميل إلى العزلة، إلى ذلك النوع من الصمت الذي لا يكون راحة، بل إنهاكًا داخليًا يجعل الإنسان غير راغب في أي تواصل جديد.
خلفها مباشرة كان يجلس هو.
في البداية لم تنتبه لملامحه، لكن صوته كان يملأ المكان بطريقة يصعب تجاهلها. لم يكن مرتفعًا أو متعمدًا، بل كان صوت رجل يتحدث بثقة طبيعية وعفوية كاملة، كأنه معتاد على أن يمنح حضوره للمكان دون جهد. كان يتحدث مع امرأة عجوز تجلس إلى جانبه، يضحك معها بسهولة، يمازحها، ويسألها عن تفاصيل يومها الصغيرة باهتمام بدا صادقًا على نحو غريب.
ورغم الموسيقى التي كانت تعزلها عن الركاب، ظل صوته يتسلل إلى داخلها شيئًا فشيئًا.
كان في ضحكته دفء مريح، وفي طريقته في الكلام شيء يجعل المستمع يطمئن دون أن يعرف السبب.
تعطلت سيارة الأجرة فجأة في منتصف الطريق.
توقف كل شيء دفعة واحدة، وبدأ الركاب ينزلون مرتبكين بحثًا عن وسيلة أخرى تكمل بهم الرحلة. كانت الفوضى صغيرة وعادية، لكنها بدت لاحقًا وكأنها الشرخ الأول الذي دخلت منه حياته إلى حياتها.
ظهرت سيارة أخرى ضاقت بأربعة أشخاص فقط. صعد هو أولًا، ثم صعدت هي، ومعهما شخصان آخران. جلست بصمت، ما تزال محتفظة بمسافتها الداخلية، لكنه التفت إليها بعد دقائق وطلب رقم هاتفها ببساطة رجل لا يخاف الرفض.
لم تشعر نحوه بإعجاب مباشر. على العكس، كان هناك شيء مريب فيه منذ البداية. بدا لها من الرجال الذين يعرفون جيدًا كيف يقتربون من النساء، وكيف يجعلون الألفة تبدو طبيعية وسهلة. لكنها في تلك المرحلة من حياتها كانت تعاني فراغًا عاطفيًا هائلًا، فراغًا يجعل الإنسان أقل مقاومة لفكرة التجربة، حتى لو كان يشك فيها مسبقًا.
لذلك أعطته رقمها.
ليس لأنها أرادته، بل لأنها لم تجد سببًا حقيقيًا يمنعها.
بعد دقائق من وصلوهم اتصل بها ودعاها إلى مقهى وافقت لأن يومها كان فارغًا، ولأنها لم تتوقع أصلًا أن يتحول ذلك اللقاء إلى شيء مهم لأنها لم تعره أيّ اهتمام .
جلست أمامه وهي مستعدة لرؤية رجل عابر آخر، رجل يحاول الاقتراب من جسد إمرأة ، لكنه خالف توقعاتها منذ الدقائق الأولى. لم يكن متعجلًا، ولم يرمقها بنظرات جائعة، بل بدا هادئًا بصورة مدروسة. تحدث طويلًا عن رغبته في الاستقرار، عن حلمه بعائلة وأطفال، وعن شعوره بأنه لم يعثر بعد على المرأة المناسبة.
كانت تعرف عنه أمورًا سيئة، وتعرف أن اسمه ارتبط بنساء كثيرات، وبعضهن كنّ يبعن أجسادهن مقابل المال، لذلك ظل عقلها يحذرها منه باستمرار. لكن الجزء الآخر منها بدأ يلين أمام ذلك الرجل الذي لا يضغط عليها، ولا يستعجلها، بل يجعلها تشعر أنهما مجرد عابرين .
في أثناء الحديث أخبرها عن مزرعته، وعن الكلاب التي يربيها هناك، ثم قال مبتسمًا: « سترينها يومًا ما.»
توقفت عند الجملة. لم تكن بينهما علاقة أصلًا، ومع ذلك تحدث وكأن وجودها داخل عالمه صار احتمالًا طبيعيًا.
وحين علّقت على الأمر، ابتسم بخفة وقال إنه لم يقصد شيئًا.
في طريق العودة تعطلت سيارة الأجرة مرة أخرى، وكأن المصادفة كانت تصر على إعادة المشهد نفسه كي تترك أثرًا أعمق في داخلها.
ثم بدأت الاتصالات.
طلب لقاءً ثانيًا.
وافقت.
كان لطيفًا على نحو أربكها. الرجال الذين يريدون جسد المرأة يكونون واضحين واضحين ومكشوفين، بينما هو كان يصنع شيئًا أكثر تعقيدًا: كان يبني الاعتماد العاطفي قبل الاقتراب الجسدي، كان يتحدث في مواضيع مختلفة يمزح كثيرا مما جعلها تشعر بارتياح نحوه.
كانت متعبة جدًا أثناء العودة، أغمضت عينيها دون وعي وأسندت رأسها إلى كتفه.
هناك حدث الشرخ الحقيقي.
شعرت بأمان لم تختبره من قبل.
الأمان ليس شعورًا بسيطًا. إنه استجابة عصبية كاملة. ينخفض التوتر، يهدأ الجهاز الدفاعي، ويبدأ الدماغ في ربط الشخص بمفهوم النجاة العاطفية.
منذ تلك اللحظة بدأ التعلق.
كانت دائمًا تشعر أنها أقوى من الرجال. أكثر تحكمًا. أكثر صلابة. لكنه جعلها تكتشف جانبًا آخر داخلها: أنوثة مرتبكة، ضعيفة، تبحث عن حضن لا عن انتصار.
ظلّا يتحدثان لأشهر.
ثلاثة أشهر كاملة من الرسائل والمكالمات والاهتمام.
لم تشك فيه.
أو بالأحرى: كانت تشك فيه بعقلها، لكنها اختارت ألا تصدق عقلها.
لأن المشاعر حين تبدأ بإفراز جرعات متقطعة من الدوبامين والارتياح، يصبح الإنسان مستعدًا لتأجيل الحقيقة مقابل استمرار الإحساس.
ثم جاءت الليلة التي نزلا فيها إلى الفندق.
كل شيء حدث بسرعة.
كأنها كانت تنزلق نحو قرار سبق أن اتخذته داخليًا منذ وقت طويل.
لم يكن الأمر مجرد انجذاب جسدي. كانت تبحث عن اندماج كامل، عن ذوبان مؤقت في شخص يمنحها الإحساس بأنها مرغوبة ومحمية في آن واحد.
بعد تلك الليلة لم تشعر بالندم.
بل شعرت بتعلق أعمق.
وهنا بدأ اختلال التوازن.
اكتشفت الحقيقة بالصدفة.
غلطة صغيرة منه كشفت وجود امرأة أخرى.
لم تكن امرأة عابرة، بل علاقة جدية تقترب من الزواج على حد تعبير المرأة.
حين اتصلت بتلك الفتاة سمعت كل شيء.
سمعت امرأة تتحدث بثقة عن حبّه، عن خوفه من خسارتها، عن قدرته على التوسل لها.
وفي الخلفية كان هاتفها يرن.
كان يتصل بالمرأة الأخرى.
كانت تسمع صوت الرنين أثناء المكالمة، والفتاة تضحك بسخرية وتقول:
«شوفي كيفاش يطلب كي الكلب.»
في تلك اللحظة لم تشعر بالغيرة فقط.
شعرت بالإهانة الوجودية.
كل ما بنته داخليًا انهار دفعة واحدة.
لكن الإنسان لا يحمي قلبه دائمًا بالحقيقة، بل بالكبرياء.
لذلك أرسلت له رسالة تخبره فيها أنها بدورها كانت تملك رجلًا آخر، وأنها لم تثق به يومًا.
كانت تكذب.
ليس لتؤذيه، بل لتنقذ صورتها أمام نفسها.
الصدمة الكبرى لم تكن خيانته.
بل أنها اكتشفت أنها تحبه فعلًا.
بعد أقل من شهر عاد إليها بحجة المرض.
كانت تعرف أنه يكذب.
لكنه كان يحتاج فقط إلى ثغرة يعود منها.
التقيا مجددًا.
قال لها إن الأمر ليس كما فهمت فتح موضوع البنت الأخرى ليبرر ويختلق الأكاذيب
لكنها كانت منهكة من المقاومة.
قالت له ببرود مصطنع إنها لا تريد منه سوى العلاقة الجسدية.
فرح.
لأنها أعفته من عبء التبرير الأخلاقي.
وفي الفندق، بينما كان يفرغ رغباته بلا اكتراث، كانت هي تغرق أكثر في تعلقها.
التعلق المرضي لا يقوم على السعادة المستمرة.
بل على التناوب بين القرب والحرمان.
العقل يصبح مدمنًا على انتظار المكافأة التالية.
كل انسحاب منه كان يضاعف رغبتها فيه.
وكل عودة كانت تفرز داخلها جرعة هائلة من الارتياح، كأنها نجت من موت مؤقت.
وحين طلب رؤيتها في مزرعته رفضت.
كان هناك شيء داخلها يخاف من الدخول الكامل إلى عالمه.
لكنها هاجرت لاحقًا إلى دولة أخرى ربما كان فشل علاقتها أحد اسباب هجرته.
ورغم المسافة، لم تنسه.
لأنها لم تكن متعلقة بما عاشته معه فقط، بل بما لم تعشه، كانت تفكر في كل شيء جميل كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.
الاحتمالات غير المكتملة أكثر قسوة من النهايات الواضحة.

عادت إلى البلاد.
وعادت إليه.
بعد سنة كاملة.
التقيا في اليوم نفسه تقريبًا، في الساعة نفسها، كأن الزمن يدور حول دائرة مغلقة.
كان باردًا.
منزعجًا بسبب تأخرها دقائق.
جلسا في السيارة قرب البحر. قبلها، لمسها، ثم فجأة قرر أن يعود إلى منزله وتركها دون تفسير.
كان ذلك أحد أكثر أشكال العنف النفسي قسوة.
أن يمنحك الإنسان القرب، ثم يسحب نفسه فجأة، فيترك جهازك العصبي معلقًا بين الرغبة والرفض.
بعدها عاد يطلب رؤيتها.
وهذه المرة خضعت و وافقت على الذهاب إلى المزرعة،
إلى الكلاب التي حدثها عنها منذ اللقاء الأول.
هناك شعرت أنها استسلمت نهائيًا. وأحس هو بنشوة الانتصار.
أصبحت تزوره باستمرار.
مرتين أسبوعيًا أحيانًا.
كان يمنحها دفئًا واهتمامًا وحنانًا يجعلها تشعر بأنها امرأة للمرة الأولى.
وكان يحلف لها، حتى على المصحف، أنها الوحيدة في حياته.
وهي تصدق.
ليس لأنها ساذجة، بل لأن الإنسان حين يحب، يبحث عن أي رواية تخفف ألم الشك.
لكن النمط بدأ يتكرر.
بعد كل لقاء يختفي.
يصنع مشكلة.
يدفعها إلى الغضب والحظر.
ثم يعود بعد أيام أو أسابيع باعتذارات باردة.
كان يمارس عليها ما يسميه علم النفس «التعزيز المتقطع».
وهو أخطر أنواع التعلق.
الاهتمام غير المنتظم يجعل الدماغ أكثر إدمانًا من الاهتمام الثابت.
مثل المقامر الذي يواصل اللعب لأنه لا يعرف متى سيربح.
ومع الوقت أصبحت تتوقع الهجر، لكنها لا تستطيع منعه.
حتى تلك الليلة.
حين أخبرتها صديقة بأنها سمعت أنه يستعد للزواج من امرأة أخرى.
كانت في طريقها إليه.
ورغم الصدمة ذهبت.
نامت ونامت في حضنه الغادر.
ثم بدأت مرحلة أكثر ظلمة.
هذه المرة حاولت ألا تختفي بعد الخلاف.
بادرت.
اتصلت.
تشبثت به.
فوجدت منه جفاءً لم تره سابقًا.
كان هاتفه مشغولًا طوال الوقت.
وفي الليل، حين كان يفترض أن ينام، بقي يتحدث مع نساء أخريات بينما كانت هي تبكي بصمت.
الإنسان حين يدخل دائرة التعلق المرضي يفقد قدرته على حماية كرامته.
لا لأنه بلا قيمة، بل لأن الدماغ يصبح مهووسًا باستعادة الشعور الأول: الأمان.
ثم جاءت الكارثة التي لم تكن مستعدة لها نفسيًا ولا وجوديًا.
اكتشفت أنها حامل.
في تلك اللحظة لم تشعر بالفرح ولا بالخوف فقط، بل شعرت بأن حياتها كلها أصبحت معلقة داخل مكالمة هاتفية واحدة. كانت ترتجف وهي تحاول الاتصال به، بينما عقلها ينتقل بعنف بين صورتين متناقضتين: صورة الرجل الذي كانت تنام مطمئنة إلى صدره، وصورة الرجل الذي بدأ يختفي عنها كلما اقتربت منه أكثر.
اتصلت به مرارًا ولم يجب. كانت ترى هاتفه مشغولًا معظم الوقت، وكانت تعرف في أعماقها أنه يتحدث مع نساء أخريات بينما هي غارقة وحدها في الذعر. كانت الفكرة تمزقها نفسيًا؛ أن تكون هي عاجزة عن النوم من الخوف، بينما هو يقضي ليلته متنقلًا بين المكالمات والوعود والكلمات التي يوزعها على نساء كثيرات، بعضهن يعرفن جيدًا طبيعة علاقتهن به، وبعضهن يبعن الوهم والرغبة كما يبعن أجسادهن.
كانت تشعر بإهانة قاسية. ليس فقط لأنه يخونها، بل لأنه جعلها تقف للمرة الأولى في حياتها داخل منطقة ضعف كاملة، ثم تركها هناك وحدها.
وحين أجاب أخيرًا، أخبرته بصوت مرتبك أن الأمر خطير وأنها تحتاج إليه. لكنها فوجئت ببرودة صادمة في صوته، إذ قال بحدة مرتابة:
«ما هذا الكلام؟ أنتِ تكذبين. لعلّك تسجلين المكالمة كي تفتعلي لي مشكلة.»
تجمدت للحظة.
لم تصدمها فكرة إنكاره للحمل فقط، بل الطريقة التي نظر بها إليها فجأة. بعد كل ما عاشاه، وبعد كل الوعود والأيمان، تحولت في نظره إلى تهديد محتمل، إلى امرأة قد تفضحه أمام الأخريات، من هن الأخريات هي تعلم جيدا أنهن مجرد عاهرات يدفعن لمن يملك أكثر، وربما لو كان فقيرا لما التفتن إليه أصلا. ألهذه الدرجة يراها منحطة ويمكن أن تفتعل فضائح داخل مجتمعها، بأي عين يراها وكيف قضت معه كل هذه الفترة ويراها بهذا السوء.
هناك رأت انحطاطه الحقيقي.
لم يكن متزوجًا كي يخاف، ولم تكن هي امرأة تسعى إلى فضيحة، بل كانت تملك من المكانة الاجتماعية والكرامة ما يجعلها ترتعب أصلًا من انكشاف ما تعيشه. ومع ذلك كان أول ما فكّر فيه هو نفسه، صورته، وعلاقاته الأخرى.
في تلك الليلة انهارت داخليًا بطريقة لم تعهدها من قبل. شعرت بأن كرامتها الأنثوية سُحقت بالكامل. كيف سمحت لرجل بهذا القدر من النذالة والحقارة أن يراها ضعيفة؟ كيف وثقت بصوت كان يطمئن نساء كثيرات بالطريقة نفسها؟
حتى حين كانت تبكي وتفكر في إنهاء حياتها من شدة الخوف والعار والخذلان، كان هو منشغلًا بعالمه الآخر؛ بمكالماته، وعلاقاته، ونساء ينتظرن منه الدور نفسه الذي كانت تظنه حقيقيًا.
في النهاية لم يمنحها سوى المال.
مال للتخلص من الجنين.
أما المرافقة، والحماية، وتحمل المسؤولية، فقد تهرب منها بالكامل. ادعى أن العمل يمنعه من الذهاب معها، لكنها كانت تعرف أنه يكذب، وأنه ببساطة لا يريد أن يربط نفسه بها في لحظة حقيقية تتطلب شجاعة رجل، وأنه جبان يخاف من غضب عاهراته عليه.
ذهبت وحدها.
وحدها تمامًا.
كانت ترتجف في الطريق، تشعر بأن جسدها صار غريبًا عنها، وأن الخوف يلتهمها من الداخل. وفي أثناء معاناتها كانت تتخيله يضحك أو يتحدث مع امرأة أخرى، لم يعر ما مرت به أي اهتمام فقط مكالمات باردة ليطمئن أن الأمر انتهى ، كانت تبكي بحرقة وتراه مشغول بمكالمات لا تنقطع ولا تهدأ، بينما كانت هي تعاني آلام جسدية ونفسية.
بعد ذلك كرهته، وكرهت نفسها أكثر، لكنها اكتشفت شيئًا أكثر رعبًا: أنها رغم كل شيء ما زالت تحبه.
بعد فترة عادت إليه، وعاد هو إليها بسهولة مخيفة، كأن المسافة والألم وكل ما حدث بينهما لم يكن سوى انقطاع مؤقت في عادة قديمة.
الغريب أن العلاقة بعد تلك المرحلة أصبحت أكثر هدوءًا من قبل. صار يهتم بها أكثر، يتصل باستمرار، يبحث عنها، ويبدو أحيانًا وكأنه يحاول فعلًا أن يكون رجلًا أفضل. كانت تشعر معه بدفء حقيقي، بدفء يشبه البيت الذي تأخر كثيرًا. وحين تكون قربه يعود إليها ذلك الإحساس القديم بالأمان، الإحساس الذي جعلها منذ البداية تتخلى عن حذرها كله.
لكن الأمان هذه المرة لم يكن كاملًا.
كان دائمًا مشوبًا بالخوف.
فهي لم تعد قادرة على الثقة المطلقة به، مهما بدا صادقًا. كانت كل لحظة سعادة بينهما تحمل داخلها ظل غدر محتمل. وإذا تأخر في الرد، أو بدا منشغلًا، يعود القلق فورًا إلى جسدها كاستجابة عصبية لا إرادية. لقد أصبحت علاقتها به مرتبطة بالخوف بقدر ارتباطها بالحب.
ومع ذلك كانت سعيدة.
سعيدة بطريقة مؤلمة.
تشعر معه بأنها امرأة فعلًا، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها أخيرًا سمحت لنفسها بأن تكون هشة أمام شخص آخر. وهذا ما جعل انفصالها عنه مستحيلًا تقريبًا، لأن الإنسان لا يتعلق فقط بمن يمنحه الحب، بل بمن يسمح له بالخروج من صلابته القديمة.
أما هو، فقد أصبح أكثر غموضًا من أي وقت مضى. أحيانًا ينظر إليها بطريقة توحي بأنه بدأ يراها فعلًا، لا كجسد عابر أو تسلية مؤقتة، بل كامرأة بقيت رغم كل شيء. امرأة عرفت أسوأ ما فيه ثم استمرت. وربما لهذا السبب بدأ يتمسك بها أكثر، كأن حضورها المستمر أمام انهياراته المتكررة جعله يكتشف قيمتها متأخرًا.
لكن هل أحبها حقًا؟
هي نفسها لا تعرف.
أحيانًا تشعر أنه تغيّر فعلًا، وأنه بدأ يخاف خسارتها، ويبحث عنها بصدق، ويتعامل معها بعناية لم يكن يعرفها سابقًا. وأحيانًا أخرى يخطر لها أن الرجل الذي تعوّد التشتت بين النساء لا يستطيع ببساطة أن يتحول إلى شخص ثابت وآمن.
كانت تتساءل دائمًا: هل اقتنع بها أخيرًا؟ هل فهم أنها الوحيدة التي بقيت إلى جانبه رغم كل قسوته؟ أم أنه ما زال يراها الملجأ الذي يعود إليه كلما تعب من الآخرين؟
لم تكن تملك إجابة حاسمة.
كل ما كانت تعرفه أنها ما زالت تحبه، وأنها تعيش اليوم داخل علاقة تبدو سعيدة من الخارج، لكنها في الداخل تقوم على توازن هش بين الطمأنينة والرعب.
كانت تنام أحيانًا على صدره وتشعر بأنها وصلت أخيرًا إلى ما بحثت عنه طويلًا، ثم تستيقظ فجأة على خوف قديم يهمس داخلها:
ماذا لو عاد يومًا إلى طبيعته الأولى؟
وماذا لو كان الحب الذي تعيشه الآن مجرد هدنة أخرى قبل الغدر التالي؟
كان آخر لقاء حميمي بارداً كجثة سريع كالموت، أفرغ فيه شهوته ثم استدار يجلدها بقسوته المعهودة وبروده القاتل، أدركت يقيناً أنها لم تكن سوى محطةٍ يفرغ فيها نذالته لا غير؛ فالرجل الذي استأمنته على ضعفها لم يزدد إلا وضاعة، وظل غارقاً في وحل علاقاته المشبوهة موهماً إياها بالوفاء. في تلك اللحظة، شعرت بعبء الخطيئة التي أوقعتها في حب كائنٍ لا يقدر قداسة العواطف، وقررت وهي تغادر مكانه أن تطوي صفحة أنذل شخصٍ عرفته في حياتها. عادت لتسترد قوتها المسلوبة وسعادتها التي كانت يوماً ملك يديه، واعدةً نفسها بأن تعود لتلك التفاصيل البسيطة التي كانت تصنع يومها، من قطرات مطرٍ ولمة أصحاب، بعيداً عن سجن هذا المتلاعب الذي لا يستحق دمعة واحدة من طهر عينيها، تاركةً إياه في قاع حياته، موقنةً أنه لن يجد أبداً قلباً يحبه بصدقٍ ويهتم لأمره ويخاف عليه كما فعلت هي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نصري ف نصري - كلاب السانية- الشهود الخرس-