أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الخفاجي - الوهم السياسي في العراق بين صناعة الادراك واستعادة الوعي الجزء الاول














المزيد.....

الوهم السياسي في العراق بين صناعة الادراك واستعادة الوعي الجزء الاول


حسين علي الخفاجي

الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 09:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الوهم السياسي لا يمكن اختزاله بوصفه مجرد تضليل إعلامي أو كذب دعائي عابر، بل هو عملية مركّبة تتحول فيها زاوية التلقي من سؤال بريء مفاده: ماذا أسمع؟ إلى مسلّمة خطيرة تقول: كيف يجب أن أرى؟ عند هذه اللحظة يتحول الخطاب السياسي من رسالة مؤقتة إلى بنية ذهنية راسخة لدى الفرد والجماعة، تعمل كعدسة تفسيرية يُعاد من خلالها فهم الواقع وتأويله وتحديد حدود الممكن فيه. وتكمن خطورة هذا التحول في أنه ينقل الإنسان من كونه متلقيًا للمعلومة إلى أسيرٍ لمنظومة فكرية مكتملة تُعاد هندستها عبر التكرار والاعتياد، حيث يصبح المتكرر حقيقة لا لأنها صحيحة بل لأنها مألوفة، ويُعزَّز ذلك بتأثير نفسي يستثمر فجوات الهوية والانتماء العرقي أو الثقافي، مانحًا الفرد شعورًا زائفًا بالأمان، وصولًا إلى حالة من الاكتفاء المعرفي يُغلق فيها العقل على مخزونه الذهني ويرفض أي حقيقة تناقضه، مدعومًا بتنشئة اجتماعية مبكرة رسمت منذ الصغر حدود الصديق والعدو. وفي السياق العراقي، يظهر الوهم السياسي بوصفه أداة سيطرة لا ترفًا فكريًا، فمنذ نشأة الدولة الحديثة جرى توظيفه لإدارة المجتمع، ففي عهد النظام السابق ترسخ وهم السلطة المتمركزة، حيث استقر في الوجدان الجمعي اعتقاد مفاده أن لا دولة دون قائد واحد، وهو ما أدى إلى استعمار عصبي جعل الفرد غير قادر على تخيّل الدولة بوصفها مؤسسات وقوانين، ولذلك لم يكن سقوط النظام حدثًا سياسيًا فحسب، بل صدمة نفسية عميقة، إذ وجد المواطن نفسه في فراغ سلطوي لم يألفه بعد عقود من خضوع حياته وتفكيره لإرادة القائد. وبعد عام 2003 لم ينتهِ الوهم، بل أُعيد إنتاجه بصيغ جديدة، فمع العنف الطائفي برز وهم التهديد الوجودي، حيث جرى تعريف الآخر بوصفه خطرًا على الوجود والمعتقد، ودُفعت الجماهير نحو سلوكيات غير عقلانية ضحّت بالمصالح الوطنية المشتركة لصالح الاحتماء بوهم طائفي يمنح مبررًا نفسيًا للبقاء والخوف في آنٍ واحد. ومع احتجاجات تشرين 2019، وحين طالب المواطن بحقوقه الأساسية، استُحضرت سردية المؤامرة الخارجية لتصوير الحراك الشعبي كأداة تُدار من الخارج، في محاولة منهجية لنزع الإرادة عن العراقي وإقناع المجتمع بعجزه عن الفعل الذاتي، وهي سردية استُخدمت بذكاء لتبرير القمع وسلب الحقوق وإعادة ضبط الخوف في الوعي الجمعي. ويُضاف إلى ذلك وهم الثروة الريعية الذي اختزل الدولة في صورة صرّاف آلي يوزّع الأموال دون إنتاج، استنادًا إلى اعتقاد خاطئ بأن النفط مورد أبدي، ما عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع وأسس لأزمة هيكلية جعلت الريع بديلًا عن العمل، والانتظار سياسة غير معلنة. إن مواجهة هذا الوهم لا تتحقق عبر السجال الخطابي أو تبادل الاتهامات، بل تتطلب التعامل معه بوصفه نظام تشغيل ذهنيًا متكاملًا، يبدأ بالمعرفة الاكتشافية التي تترك الجمهور المؤدلج يواجه نتائج الخيارات المصيرية بنفسه ليصل إلى الحقيقة عبر الاحتكاك المباشر بالواقع، ويتواصل عبر تفكيك الخطاب من الداخل بطرح أسئلة بسيطة لكنها مقلقة حول المستفيد والمرجعية والتوقيت، وهي أسئلة تهز البنية الذهنية وتكشف آليات صناعة الوهم، فضلًا عن دور النخب في تقديم بدائل حقيقية تمنح الفرد معنى وانتماءً واقعيًا، مع العودة إلى التاريخ لا بوصفه ماضيًا منتهيًا بل مختبرًا حيًا لتجارب شعوب سلكت الطريق ذاته وانتهت إلى الفشل. إن الخطاب السياسي الماكر، في جوهره، شكل من أشكال استعمار الجهاز العصبي، يستهدف مراكز الخوف لدى الإنسان ويقوده إلى سلوك القطيع، ويجعل أصحاب الفجوات الفكرية والهشاشة الوجدانية وغياب الهوية أكثر قابلية للسقوط في فخه، غير أن الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن الوهم ليس قدرًا محتومًا، بل منظومة قابلة للتفكيك وإعادة البناء عبر المعرفة النقدية والبدائل الواقعية التي تعيد للإنسان ثقته بنفسه وبقدرته على الفعل.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل العالم قائم على كذبة ام خدعة ام كلاهما معاً ؟


المزيد.....




- الأمير هاري وتأثره بتصريح عن صحيفة جعلت حياة زوجته ميغان مار ...
- مياه فيضانات تغمر مطعمًا في صقلية.. شاهد ما رصدته الكاميرا
- تقرير حقوقي يسلّط الضوء على مزاعم انتهاكات بحق سجناء فلسطيني ...
- دراسة: الرغبة الجنسية لدى الرجال لا تبلغ ذروتها في العشرينات ...
- أستراليا: يوم حداد وطني على أرواح ضحايا هجوم شاطئ بونداي في ...
- شق الطرق.. سياسة إسرائيلية لتغيير معالم الضفة وترسيخ -الأبار ...
- الأمن السوري يواصل البحث عن سجناء تنظيم الدولة الفارين
- 11 شهيدا بغزة بينهم صحفيون وأطفال ومصر تبعث برسالة غاضبة
- مستوطنون يحرقون سيارات وآليات ثقيلة بقرية عوريف الفلسطينية
- مقتل 11 شرطيا بهجوم مسلحين في بوركينا فاسو


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الخفاجي - الوهم السياسي في العراق بين صناعة الادراك واستعادة الوعي الجزء الاول