أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاروق حميد - الدين والقومية - الجزء الاول















المزيد.....



الدين والقومية - الجزء الاول


فاروق حميد

الحوار المتمدن-العدد: 551 - 2003 / 8 / 2 - 02:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


    الجزء الاول:اعداد /فاروق حميد

ان الحرب الاخيرة التي شنتها الولايات المتحدة على العراق افضت دون شك الى سقوط النظام البعثي  و انهيار  اركان حكمه و من أولى نتائجه هي فتح باب الصراع  على مصراعيها امام تجاذب  تيارات سياسية و اجتماعية مختلفة  و لكن ما اعقب ذلك من احداث ,نتج عنها وضع يستدعي منا تأمله و محاولة تقصيه بشئ من العناية بغية الخروج برؤية اوضح حول ما يجري من  احداث و التي من الاهمية بحيث نستطيع ان نقول انها تحدد ملامح المرحلة القادمة للصراع الجاري و معه يحدد مصير ملاين البشر سواء أ كانوا مشاركين فيها مباشرة أو يتأثرون بما ينتج عنها من تفاعلات   لكن قبل كل شئ ثمة حقيقة و هي ان النظام البعثي سقط لا نتيجة اختلال موازين قوى داخلية او نتيجة تحرك جماهيري  في العراق و انما  هزم عقب حملة عسكرية  مخططة من قبل  الولايات المتحدة .و لكن هذا الواقع لايمنع طبقات و شرائح أجتماعية مختلفة من ابداء ردود أفعال مختلفة  تجاه ما حدث  وذلك من خلال بروز احزاب وتنظيمات سياسية الى الساحة ببرامج و افاق سياسية متنوعة  .غير أنه أولا وقبل كل شيء بغية فهم خلفية الصراعات الجارية لابد من فهم التيار القومي أفاقه و طموحاته الاجتماعية .ان التيار القومي يبدأ مسيرته السياسية بصورة جدية اثناء الحرب العالمية الاولى أذ تحالف أبرزقادته أنذاك شريف مكة وفيصل مع الانكليزعلى أمل ان يحقق ذلك امنيتهم في تأسيس دولة عربية من المحيط الى الخليج غير أنه ما ان وضعت الحرب أوزارها و عقدت اتفاقية سايكس- بيكو حتى تبخرت امنيتهم هذه و كما عبر فلورنس العرب عن هذه الخيبة في رسائله الى ال سعود بهذا الشان و شرح له ان العصر هو عصر تجزئة التركة العثمانية و ان الواقع الحاصل هو تاسيس دول حسب اقتسام الغنائم  فيما بين المنتصرين في الحرب  لا تأسيس دولة عربية واحدة .  ان الهزائم المتكررة التي منيت بها التيار القومي العربي سواء في المواجهة حول القضية الفلسطينية أو في تحقيق أهدافها المعلنة حول طرد الاستعمارو تحقيق التقدم الاقتصادي و الازدهارو التصنيع الوطني وايجاد مكانة اقتصادية للبلاد العربية في الاقتصاد العالمي وفق رؤية التيار القومي و ما الى ذلك من أهداف التي تزخر بها أدبيات هذا التيار خلقت واقعا مزريا في الدول العربية  سماته الاساسية هي  استبداد سياسي مظلم من الناحية السياسية  وتخلف شديد من الناحية الاجتماعية وبؤس و فقر مدقع و خاصة بين الطبقة العاملة و معها الفئات الكادحة هذا من جهة, و من جهة أخرى هيأت من دون شك أرضية لظهور الاتجاه الاسلامي و أشتداد عودها فيما بعد و عرض نفسها كبديل عنها و منافستها على السلطة .رغم انني أرى أنه ليس هناك فرق من حيث الجوهر بين التيارات القومية و التيارات الاسلامية ألم يحارب التيار القومي وصدام حسين تحت راية الله أكبر؟ أوه لم يكن الهدف الاول لبن لادن في صراعه مع الغرب انسحاب القوات الكافرة من الجزيرة العربية أي من "الوطن" ؟ يبدو لي ان الفرق الوحيد من حيث الماهية و هذا مايهمنا هنا  هو ان التيارات الاسلامية تلجأ الى الدين الا لان للدين قوة تعبوية أكثرشراسة في هذا الزمن بالذات من المغاهيم التعبوية الاخرى كال"الوطن في خطر" و"الكرامة القومية" و و ماشابه من ترهات .ان بن لادن و ان كان يحارب في أفغانستان و هو بلد غير عربي الا انه يتحرق شوقا الى طرد الكفار أولا من الجزيرة العربية .اذن الهدف العام المجرد هو محاربة الكفر في العالم و لكن عندما ياتي الامر الى تشخيص الهدف فان تحرير الوطن الام ياخذ الشكل الملموس لهدفه هذا .و لكن لطالما يجري حديثنا هنا عن التيار القومي و الذي كان طرفا في الصراع و خاصة بجناحه المتشدد و المتمثل بحزب البعث ,لابد لنا من التساءل حول ماهية البعث . من كان يمثل حزب البعث ؟ ماهي الشروط الاجتماعية –الاقتصادية التي ساعدت على تفريخ  مثل هذا الحزب و من ثم اكتساحه  للساحة السياسية العراقية لمدة مايقارب اربعين عاما ؟ و الاهم من ذلك ما هي الخاصية الاجتماعية للطبقة البرجوازية العراقية التي أصبحت القابلة التي ساعدت على توليد البعث الدموي في العراق ؟
لفهم هذه المسألة لابد لنا من عودة الى بدايات ظهور الدولة العراقية و ظروف تكونها. ان اعلان الدولة العراقية في بداية العشرينات من القرن الماضي هو بمثابة تهيء الاطار السياسي في تحويل العراق من مستعمرة شبه اقطاعية من مخلفات الدولة العثمانية الى دولة راسمالية خاضعة للسلطة الامبريالية.
من البديهي ان ظهورقوى اقتصادية جديدة في المجتمع و في هذه الحالة اساسا هي قوة الرأسمال تخلق أرضية كي تبدي طبقات و فئات أجتماعية مختلفة ردة فعلها ازاء ها و ذلك عبر صراعات وتصادمات مختلفة حول اهداف مختلفة بين احزاب سياسية متنوعة.
هذه العملية كانت تحتم و تتطلب تغيرات جذرية في بنية المجتمع العراقي من اولى اثارها  هجرة الاف العوائل المعدمة من الارياف واستقرارها في حواشي المدن الرئيسية.
هذه العملية كانت تجري بصورة بطيئة ولكن بخطى ثابتة بدءا من عشرينات الى نهاية الخمسينات(و استمرت طبعا لما بعد ذلك أيضا)ثمة طبعا من العوامل ما ساعد في تسريع هذه العملية منه مثلا اكتشاف النفط في اواسط العشرينات.اما الوقائع السياسية المصاحبة لهذه الفترة فهي تتلخص في صراعات تافهة بين الاحزاب المتجمعة والملتفة  حول محور السلطة السياسية المتمثلة بالعائلة الملكية الهاشمية الحاكمة في العراق الى جانب ذلك تبدو مؤسسة الجيش اداة فاعلة في الحفاظ على السلطة و تلعب دورا مهما في قمع الحركات المطالبة بالتغيرفي تلك الحقبة  .من ملامح تلك الحقبة هي سيادة الرجعية السياسية و قمع و استبداد سياسي شديد لكل صوت داع للتغير ولكن خلف المشهد السياسي الرسمي و بصورة متوازية مع التغيرات الاقتصادية الاجتماعية و شروع تقسيم عمل جديد أساسه هو الصراع بين العمل و الرأسمال كانت لظهور طبقة عاملة فتية بمطالب سياسية  واجتماعية و اقتصادية واضحة الى هذا الحد أو ذاك تنم من رغبة عميقة في تغير الاوضاع القائمة رغم افتقارها الى تنظيم سياسي ترشدها و كذلك تكون الفئات الوسطية  في حواشي المدن التي كانت تزداد اعدادها بصورة مضطردة أثر بليغ في صياغة ملامح الصراعات اللاحقة في المجتمع العراقي.
وينبغي ان اذكر القارئ هنا انه كما ان ايدولوجيي طبقة ما ليسوا بالضرورة من الطبقة نفسها مثلما ان ايدلوجية سائدة لدى طبقة ما ليست بالضرورة ايدلوجيتها.  فأنه في هذه الفترة بالذات تبرز الى الساحة حركات سياسية جديدة تنادي بالتغير و تطرح رؤياها و تصوراتها للكيفية التي ينبغي ان تكون عليه السلطة السياسية و هنا نشير حصرا للتيارالبرجوازي الاصلاحي المتمثل مثلا بالحزب الشيوعي الذي كان يرى في النجاحات التي التي احرزتها مثيلاتها في المستعمرات بمساعدة المعسكر السوفييتي نموذجا يمكن تطبيقه أو التيار القومي العربي المتمثل بالناصريين و البعثيين الذين ابهرهم انقلاب الضباط العسكريين على السلطة الملكية في مصر .
ان التغير المنشود ياتي على يد المؤسسة العسكرية في أنقلاب 58.هذا الحدث عمق الصراعات القائمة و ساهم في تشديد وتيرة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية و نخص بالذكر مثلا ان قوانين الاصلاح الزراعي التي سنت بهدف حل مسألة الارض و لكن الواقع على الارض كان غير ذلك حيث في بداية الستينات و في زيارة لقاسم وعارف للمنطقة التي اقيمت عليها بيوت الصرائف يقال انهما اندهشا و صدما للمشهد المزري حيث الالاف العوائل المهجرة من مختلف المناطق الريفية الى حواشي بغداد كل عائلة مكونة من 6 او7 افراد تعيش في صريفة دون عمل تنهكهم الجوع و المرض .و ربما يعرف القارئ بقية القصة حيث ان اسكانهم بات امرا لامفر منه من هنا تاتي تسمية محلة الاسكان و الجمهورية حيث لايوجد مدينة عراقية الا و فيها محلات بهذين الاسمين.
غير ان التوسع في تقسيم العمل الجديد في المجتمع وتجريد الفلاحين من الارض  عزز التوسع العددي في الفئات الدنيا من الطبقة البرجوازية العراقية.و يجب ان اذكر ان اي تطور كمي في ظاهرة ما سواء كانت طبيعية ام اجتماعية تؤدي الى تحول  نوعي  عند نقطة ما. ان الوسعة العددية لهذه الفئة جعلتها تسيطر على المجتمع من حيث القيم و المعاييرالاخلاقية باختصار مايسمى بالخاصية الاجتماعية.
نعني بالخاصية الاجتماعية أبرز الصفات والميول المشتركة بين أفراد شريحة ما أو طبقة ما او مجموعة ما تتكون عبرتجاربهم في الحياة ضمن الشروط الاجتماعية-الاقتصادية المتوفرة في مجتمع محدد.و من المعروف ان مايفكر به انسان ما و مايحبه ومايرغب به و كذلك هواجسه وطموحاته ميوله الى العنف أو الخضوع و الخ , يعتمد على سماته الشخصية التي بدورها تعتمد على هيكل شخصيته الاجتماعية و التي بدورها تعتمد على مجمل الشروط الاجتماعية الاقتصادية المعطاة في المجتمع المذكور. والمثال على ذلك ان حب العمل والثراء الذاتي الذي نجده عند الفرد مثلا في المجتمع الرأسمالي لانجده اطلاقا عند الفرد الذي كان يعيش في المجتمعت المغلقة في العصور الوسطى أو حب الفرد الى الشهرة و تخليد الاسم في عصر التنوير لانجده اطلاقا عند الفرد الذي عاش في عصر القبلية. بعبارة اخرى أقول ببساطة ان الانسان عليه ان يأكل ويشرب وينام ويدافع عن نفسه ضد أعدائه .لذا عليه ان يعمل وينتج. ولكن العمل ليس شيئا عاما ومجردا .أن العمل دائما شئ ملموس ,يعني عمل محدد في نظام أقتصادي محدد.فالفرد بامكانه ان يعمل فلاحا في نظام أقطاعي أو صاحب مصنع في النظام الرأسمالي أو بائع صغير أو عامل في مصنع كبيرأو رجل دين يقدم خدماته الدينية في المسجد او الكنيسة مقابل أجر يتقاضاه.أن هذه الاشكال المختلفة من العمل تتطلب في الحقيقة اشكالا متفاوتة من السلوكيات وان العلاقات الاجتماعية المقامة على أساس هذه الاعمال هي الى نفس الدرجة متفاوتة. ان الانسان بهذا المعنى يعمل في ظروف و ضمن شروط لا يقررها هو انما يقدمها المجتمع الذي يعيش فيه. ومن الواضح ان  كلا العاملين اعني حاجات الانسان للعيش و كذلك النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه لايمكن له ان  يغيرهما من حيث المبدأ لوحده .بل انهما تلعبان دورا مهما في تكوين اهم الجوانب المرنة من شخصيته الاجتماعية.
من هنا  نتساءل ما هي الخاصية الاجتماعية للفرد  للفئات الدنيا للطبقة الوسطى في العراق ؟
أولا: قلق موقعها الاقتصادي في المجتمع على أرضية الصراع الاساسي بين العمل و الرأسمال في المجتمع يؤدي الى تناقض ذاتي عميق يفرز لديه  قلق اجتماعي وشعور بعدم الامان والذي كان متوفرا لاسلافه الذي كان مثلا مرتبطا بالارض التي كانت توفر له مصدر عيش له و لعائلته ولكنه الان ملقاة به في حاشية المدينة وحيدا متحررا من  القيود.هنا تلعب الية التهرب من الحرية المتوفرة دورا مهما في حياته للخروج من الواقع المتناقض المتمثل من جهة بالحرية والتحرر والقلق ومن جهة اخرى الحنين الى الشعور بالامان والدفء والضمان الذي كان توفره له الروابط الاجتماعية السابقة , فمن جهة ينزع الى الامام بحكم الواقع الاقتصادي الجديد  و لكنه مرتبط بصورة عميقة بماضيه . تعاني هذه الفئة من التفكك المستمر بحكم واقعة الاقتصادي المترنح اي بسبب العصبية الاقتصادية التي تعيشه تطور لديها نوع من العصبية السياسية - الاجتماعية و لذا يسهل دعوته الى الاتحاد والوحدة من قبل الاحزاب السياسية.
ثانيا- ان هيكل شخصية الافراد التي تكونت في الماضي بواسطة التفاليد و,الثقافة ,التعليم والعائلة و الخ...
يتطور بصورة أبطأ من القوى الاقتصادية-الاجتماعية السائدة. وبطء التطور التأريخي ككل يمكن تفسيره لهذا السبب و كذلك الحقيقة القاضية بأن الانسان في كل عصر يعيش في واقع الامر بعدة أجيال الى الوراء مقارنة بامكانيات التقنية والاقتصادية المتوفرة . و لو لم يكن كذلك لما كانت ولادة مجتمع جديد مؤلما لهذه الدرجة.فكما ان الفرد يرث عن ابيه الممتلكات المادية كالماشية و قطعة الارض و الممتلكات المعنوية كالعادات و التقاليد , فأن الطبقة البرجوازية الجديدة ترث كثيرا من قيم و اساليب حكم الطبقات السائدة التي سبقتها في الحكم وتصيغها من جديد على نحو تطابق مصالحها. انظر الى شكل العائلة في العراق بصورة عامة التي  لازالت تحافظ بقوة على تقاليد تعود الى العصر العثماني أو حتى  العصورالتي سبقتها. و على ذكر العائلة قد يكون من المفيد هنا ان نذكر انه طالما ارتبط الانسان بأبويه وعائلته بروابط أولية , فانه يشعر بالامان لايتحمل هو المسؤولية وانما الاخرين يتكفلون به .بذلك يتجنب ذلك الشعور المقلق الذي قد ينتابه اذاما اصبح كائنا مستقلا محملا بمسؤوليات الحياة و المهمة الشاقة المتمثلة بتحمل عواقب تفكيره و سلوكياته في الحياة.ان يكون الانسان طفلا يتحقق شيئان اولا يتخلص من ذلك القلق الاساسي الذي يصاحبه  بالضرورة لو عايش نفسه ككائن مستقل وثانيا يشعر برضى عميق نتيجة شعوره بالامان و الحنان والانتماء الذي توفره له العائلة التي جربه سابقا ايام طفولته.ان الانسان الذي يعود الى طفولته رغم انه وصل مرحلة البلوغ عليه ان يدفع سعرا غاليا في الحياة. اذ لايمكن له ان ينضج و يصبح انسانا متكاملا أي ان  يطورقدراته باتجاه تفكير مستقل وحب مستقل بل يصبح غيرمستقلا و يتمسك دائما بشعور من عدم الامان والتي تتجلى في كل مره يتم فيها تهديد روابطه البدائية و يخضع مجمل نشاطاته العاطفية لهيبة عائلته أو مجموعته التي ينتمي اليها , افكاره و وجهات نظره هي التي تهيئه وتصقله له في النهاية عائلته في وقت يظن هو ان افكاره و وجهات نظره هي من انتاجه و نتيجة لجهوده الشخصية هو لاغيره  .لايقوى على الحب و العطاء لانهما يفترضان بالانسان ان يكون حرا مستقلا.ان الفرد المرتبط بالعائلة يشعر بالارتباط فقط مع الذين يعرفهم داخل العائلة و خارجها.لايقوى على الشعور بالارتباط مع "الغرباء" أي مع الاخرين حصرا.و يؤدي مثل هذا التوجيه بصاحبه الى ان يقيم الافكار و المشاعر لا من وجهة نظر حقانيته او عدم حقانيته وانما من وجهة نظر ما اذا كانت هذه الافكار و المشاعر مألوفة و عادية ام انها جديدة و غيرمالوفة. اذن مسألة الارتباط بالاباء والاجداد وتعليق صورهم حتى بعد مماتهم في جدران غرفة الجلوس في البيوت العراقية أو الاحتفاظ بقطعة من ملابسهم او اي شئ اخريمثل سلطتهم مسألة معروفة.و يشكل هذا فقط واحدة منها .فخلال النمو الاجتماعي للافراد يتم تعويض هذه الرابطة بروابط اخرى .العشيرة , الوطن ,الامة ,الطائفة ,الدولة ,الطبقة ,الاحزاب السياسية  واشكال متعدده من مؤسسات و منظمات التي تصبح العائلة و البيت الجديد. هنا تكمن جذور القومية و الوطنية و العرقية التي ما هي الا علامات على افتقار الفرد الى القدرة على معايشة نفسه و اخرين كاحرار. يمكن القول ان تاريخ تطور الانسانية هو تاريخ التطور من القرابة الى الحرية. ان الفرد الذي همه الاول و الاخيرهو وطنه أو أمته ويتخذ من علم  بلاده شيئا مقدسا و ان القاعدة الوحيدة لديه لتقيم شئ ما هو الى اى حد يتطابق مع مصالح بلاده يستحق حمل الهوية القومية و الوطنية بألف نسخة ان اراد و لكنه بكل بساطة يفقد هويته الانسانية. و لنضع الواقع الاجتماعي  في عراق اليوم في هذه الصورة ماالذي نحصل عليه ؟ و ليس بصدفة ان أول ما يظهرهو أن الشكل المفضل للزواج بغية تكوين العائلة هو الزواج من بنت العم و الخال أو ممن قريبة من العائلة او ممن تنتمي الى نفس الطافة و القومية و القرية او العشيرة او حتى المدينة .طبعا مثل هذه الزواج له حسناته اذ يوفر للمتزوج مشقة التفكير و الارادة الحرة و الاستقلال الذاتي التي تتطلبه الحب الحر من جهة و من جهة ثانية توفر له امكانية البقاء طفلا في أحضان الاب و الام و ينعم بعواطفهم بينما له زوجة و و ييبقى  هو حائرا في كيفية التغلب على هذا التناقض توزيع ولائه المزدوج و حبه التوفيقي بين زوجته وامه .و يبدو طبيعيا من وجهة نظرالبرجوازي التافه ضيق الافق ان الشعور بالدفء و الامان الذي توفره له الروابط البدائية كالعائلة ,العشيرة, القومية , الوطنية والامة اهم من رابطة الحب و الحرية و التكامل و الاستقلال الذاتي و الانسانية.ان الذي يقدس دكتاتورية العائلة و ينحني امامها من وعي أو غير وعي سوف ينتهي به المطاف  الى الانحناء أمام دكتاتورية الدولة   وكثيرا مايأخذ مثلا في مجتمعنا  على رئيس الجمهورية مثلا انه يوزع مناصب الدولة على أقربائه !! وهل ثمة سكرتير حزب قومي أو وطني أو حوزوي لا يجمع أبناء عمومته و أبنائه حوله, لايوزع مناصب و امتيازات الحزب(و خاصة الشق التجاري و المالي ) على أقربائه و هم لازالوا بعيدين عن السلطة بأميال عدة  ؟ هل ثمة وزير أو مدير أو حتى موظف صغير في سلسلة بيروقراطية الدولة لا يحب و لايسعى الى ان يكون منهم من العائلة أو ابناء العشيرة بقربه عند توزيع مناصب الدولة ؟؟؟          
ثالثا- ان فقدان الشعور بالامان لدى هذه الفئة خلق حالة متناقضة فمن جهة لايمكنه العودة الى الماضي و العيش بهدوء قرب ارضه او حرفته . ومن جهة ثانية ليس هناك افق معيشي ثابت نسبيا امامه  وبالنتيجة يزداد حقدا و حنقا على الاوضاع الموجودة ما هو الحل اذن للتغلب على ذلك ؟ كافراد كانت هناك عدة احتمالات مثلا الانخراط في الجيش و الانتساب الى المؤسسات القمعية أو البوليسية الالتحاق بدراسة رخيصة و مجانية و التغلغل في حلقات بيروقراطية الدولة و ماشابه و لكن كفئة طورت لديها نزعة خضوعية . ولاحقا نجد ان غالبية ما يسمى بالادب أو الثقافة العراقية التي تشدقت بطيبة قلب العراقي ما هو الا تقديس لهذه النزعة الخضوعية .ان طيبة القلب لدى شخص ما يعني من جملة مايعنيه ان  يفعل المرء كما يرغب به الاخرين بمعنى اخر ان يفعل لا مايريده هو و انما ما يريده الاخرون منه باختصار يعني التضحية بالذات من من اجل" الاخر" و قد يكون هذا "الاخر" لاحقا زعيما وطنيا أو مسؤلا حوزويا او حتى رجل دين غبي بالكاد يلفظ اسمه بصورة صحيحة و لكنه يمثل سلطة فوقية ".ان الخضوعية تؤدي الى التهرب من الحرية و الاستقلال الذاتي و الثقة بالذات و الميل الى الانقياد والحنين الى قيادة قوية تعطيها الشعور بالامان و في مرحلة لاحقة تؤدي هذه   الى نشوء عدائية نائمة ونزعة تدميرية كامنة وكره عام للحياة لديها.هذه الفئة كانت دوما لديها الاستعداد لالقاء نفسها تحت قدمي زعيم أو قائد او حزب ينقذه من قلق و هواجس سياسية تساوره و الاهم انقاذها من عدم شعورها بالامان التي تنتابه كالنوبات العصبية في المنعطفات التاريخية المهة. أن الذي يظن أو يشعر( وهم كثرة طبعا) ان قيم عائلته هو أسمى و اكثر أصالة  من عائلة الاخرين  ويعتبر ذلك شعورا طبيعيا , لايتردد في ان يعتبر أبناء عشيرته أو مدينته أو قريته أو حتى محلته احسن من الاخرين ولذا فان ابناء عائلته وطائفته وامته يستحقون حبا اكثر و يستثني الاخرين من حبه و عاطفته متناسيا ان الحب الذي يستثني "الغرباء" هو حب مريض لأن الوجه الاخر لمثل هذا الحب هو كره الاخرين والغرباء و ان هذا الكره يمكن تفعيله في منعطف من منعطفات حياته و قد يتحول الى قوة تدميرية تشارك بصورة مباشرة او غير مباشرة بكل راحة ضمير في نفي و ابادة الاخرين وأقامة المقابر الجماعية لهم .
و فقا لما ذكرناه انفا فان حزب البعث كان نداءا عميقا لأيقاظ ضمير هذه الفئة. شكل حزب البعث ادق تعبيرعن تطلعات ورغبات هذه الفئة, التي أصبحت بدورها تربة خصبة لنشوء البعث و مقلعا من مقالع اشد القيم و الافكار والاخلاقيات رجعية في المجتمع .
لكن من وجهة نظر الصورة الكلية لمجمل الصراع بين الطبقات فان كل ماقلنه يشكل نصف الصورة و لكي تكتمل الصورة لابد من الاشارة الى ان حزب البعث تمكن من تفعيل الحقد الكامن في هذه الفئة تمكن من تفجير الطاقة التدميرية الكامنة لهذه الفئة و تعميميها على مجمل الطبقة البرجوازية العراقية . بعبارة اخرى يمكننا القول ان طبقة البرجوازية العراقية استلهمت اساليب العنف الدموية من فئتها السفلى عبر حزب البعث و بذلك تمكن البعث من توحيد البرجوازية العراقية حول السلطة السياسية و تهيئة الشروط المطلوبة لاستثمار الطبقة العاملة العراقية و بقية الفئات الكادحة باشد الوسائل قمعية و دموية والجدير بالذكر هنا انه ثمة عوامل اخرى ساعدت كثيرا في تثبيت اركان الحكم البعثي و منها مثلا حتى بداية السبعينات مان سعربرميل نفط 2 دولارفقط و لكن فيما بعد و في ظرف 4 سنوات قفز هذا السعر الى مافوق 30 دولارا (أي تحول العراق الى دولة وحيدة الانتاج ضمن تقسيم عمل جديد على مستوى الرأسمالية العالمية مما سبب موجات اخرى من الهجير القسري و الهجرة من الارياف الى المدن نتيجة للخراب الذي أتى على القطاع الزراعي في العراق انذاك) مما ساعدت الدولة العراقية والبعث الحاكم في تشديد قمعه الداخلي و بناء اجهزته القمعية وتوسيع مؤسساته العسكرية التي استخدمته فيما بعد لتحقيق الاحلام التي كانت تراوده في توسيع سلطته والدفاع عن بقائه .
أذن  تمكن البعث من تحقيق الشروط السياسية لنمو الرأسمال في العراق وان كان هذا الهدف تطلب ازهاق ارواح الملايين , وفي هذا المضمار اود ان اشير الى مسألة مهمة و هي ان ما قام به البعث من جرائم و فظائع او حتى اهداف حاول تحقيقه  خلال فترة حكمه لم يكن من ابداع خيال منظريه و قادته و انما كان تعبيرا عميقا من رغبات كامنة في نفوس الطبقة البرجوازية العراقية و نخبها الايدولوجية و الثقافية في المراحل السابقة ولكن البعث اصبح الممثل الاشمل للبرجوازية العراقية فكان يمثل تضحيتهم و التضحية في قاموس البرجوازية هي خضوع الفرد المطلق لشئ ما فوقي كمصير الامة و قدرها ومثلهم في العدالة و هي تعني ان كل شخص ينبغي ان ياخذ بما يستحقه ,فان استحق الموت يجب ان يموت وان استحق العيش فسوف يعيش في اذلال , مثلهم في الشجاعة و هي تعني الاستعداد التام للخضوع و تحمل الالام و المعاناة   و الامثلة عديدة على ذلك:
خذ مثلا قضية الكرد الفيليين حيث ان تضيق الخناق عليهم كمجموعة أتنية في المجتمع العراقي كان حلما راود البرجوازية العراقية و نخبها الحاكمة منذ العهد الملكي حيث جرت انذاك اولى الهجمات من قبل السلطة على شكل سحب الهوية و الجنسية وتحديد حقوقهم . وبمجيئه الى الحكم  اكمل البعث هذه المهمة في ابادتهم و تفتيتهم وتشريدهم  على نحو اقل ما يقال عنه انه عمل عنصري ضد بشري خالي من كل ذرة من الاخلاق.
أو أعتبار الكويت جزءا من العراق و ضمها يبدو انه طموح قديم كان موجودا لدى اوساط من البرجوازية العراقية و بعض منظريها ولكن البعث ورث هذا  الطموح وايقظه في نفوس البرجوازية العراقية الغارقة انذاك في ازمة عميقة و حاول تحقيقه كوسيلة للخروج من ازمتها هذه .  
و كذا الحال بالنسبة للاضطهاد القومي والطائفي والديني التي مورست منذ تاسيس الدولة العراقية , غير ان البعث اوصل هذا الاضطهاد الى حدودها القصوى في حروب القتل و التدمير و حملات الابادة الجماعية.
و قبل ان انهي هذا  الجزء لابد من الاشارة الى ايدولوجية البعث  التي هي في الحقيقة عقيدة سلطوية  والعنصر الاساسي في مثل هذه العقيدة هو خضوع الفرد المطلق لقوة تمثل أهدافا وهمية أو حقيقية  خارجة عن ارادة الفرد كمصير و وحدة الامة وتراب الوطن و... الخ . وغالبا ما تطرح مثل هذه العقائد افكارا و رؤى لاتمت بصلة للواقع ومحتواها عبارة عن تجريدات تطلب من الفرد التضحية بالنفس و ترك سعادته الشخصية جانبا من اجل "المستقبل" و"العيش بكرامة وعزة نفس" بحيث ان تحقيق هذه الاهداف تبرر استخدام أية وسيلة تخطر بالبال.
ان كل فكرة ,سواء كانت صائبة ام خاطئة ,يتم تبنيها من قبل صاحبها أو حاملها بدافع المصلحة الشخصية و الحاجة الذاتية.و ان كل فكرة مهما كانت شيطانية تعطي لحامليها شعور بالراحة و الاطمئنان .وهم يعتبرون ذلك شعورا طبيعيا لديهم
 و لكن ثمة مصلحة تريد للحقيقة ان تنكشف واخرى تريد ازالتها. ثمة مصلحة تريد للحرية ان تسود و اخرى تريد الغاءها وهكذا و الافكار التي لاتنبثق من حاجات نفسية قوية سيكون لها تأثير ضئيل على سلوكيات الفرد الاجتماعية. و يصبح الفكر عاملا قويا في التاريخ فقط عندما يحقق حاجات نفسية قوية عند طبقة أو شريحة اجتماعية في المجتمع .
ان ايدولوجية القومية العربية التي تبناها البعث حققت هذه الحاجة النفسية الاجتماعية للطبقة البرجوازية العراقية و تظهر ذلك جليا من خلال استجابة الطبقة البرجوازية  السريعة لنداء البعث في العراق و انضوائها تحت قيادته في خضم التحولات و الصراعات التي المت بالمجتمع العراقي طوال العقود الماضية.
  
و اليوم و في ظل الاوضاع الراهنة ,تطل علينا احزاب قومية و حركات دينية وجماعات طائفية و شخصيات سياسية –اجتماعية وطنية مختلفة .منها ما اتت على أكتاف المارينز الامريكي  وهي تبشرنا بالديقراطية و الخلاص من الدكتاتورية ,لذا تدعو الجماهير الى الانحناء امام المارينز بل ملاطفته و عدم ازعاجه لأنه و  ان كان الشر يتطاير منه ,فانه  يملك مفاتيح الحكم  و هو جاثم على قلوب و صدور العراقيين بدأ يتحكم بكل صغيرة و كبيرة في حياتهم و وصولا الى الجماعات الاسلامية التي ظهرت الى السطح بعد سقوط النظام و التي بدأت تنبت كالفطر هنا و هناك .ان كثرة الاحزاب و الجماعات السياسية  على الساحة العراقية اليوم لا تشكل دليلا على توفر الحرية السياسية و انما دليل على شعور بقلق و بعدم أمان عميق لدى فئات و جماعات برجوازية متنوعة التي تحاول جاهدة الدفاع عن مصالحها التافهة الضيقة .كل عقيد متقاعد و كل رئيس عشيرة يبادر الى الى تشكيل حزب ما على امل ان يدخل فيما بعد في حلبة الصراع على السلطة .ليس من الصعب في العالم الرأسمالى تحويل الثروة السياسية الى الثروة المادية غير ان العكس صحيح ايضا.ثمة من يملك ثروة معنوية كالملابس و الخدمة العسكرية أو القيم العشائرية فيبادر الى تأسيس حزب أو بالاحرى عصابة تعرض بضاعتها السياسية على امل ان تشتريها جهة ما كالمارينزأو جهة استخباراتية اخرى.لكن نظرة  متأنية  تبين ان القاسم  المشترك بين كل هذه الحركات على اختلاف ماربها و مشاربها هو  ,اذا ما اهملنا الجانب الدعائي  في خطابهم السياسي  وبرنامجهم ,تعطشهم الغريب للسلطة و محاولتهم الحثيثة بغية الاقتراب ولو خطوة واحدة من مقاليد الحكم في العراق و من ثم الامساك بها ان كان ذلك ممكنا. هنا عند الحديث عن حكم العراق  تزول و تختفي كل فرق بين هذه الاحزاب و التيارات و الشخصيات الى حد الفرق بين القيافة العسكرية  للجندي الامريكي مقارنة  بالجندي البريطاني في العراق . فما يهمهم ليس العراق و انما كيفية حكمه ,ليست الجماهير العراقية و معاناته  و انما  استثمار  هذه المعاناة لزيادة رصيدهم السياسي . في اجتماعاتهم مع بعضهم البعض يهمسون كلمة السر في اذان بعضهم البعض و هي عند جميعهم  السلطة . لماذا ؟  لطالما ان  السلطة و النفوذ مبنية على علاقات طبقية  في  مجتمعات اليوم  و ضمنها المجتمع العراقي , بمعنى اخر   هرمي التكوين اي ان الله يحكم ما في السموات و الارض  والقائد يحكم الامة او الشعب  والمواطن العادي الذي يتعرض لاذلال سرمدي  من قبل الله و الحاكم  معا يترك له حكم عائلته لكي يعوض عن نفسه هذا الاذلال  و يوجهه نحو افراد عائلته .الاذلال هو  الاذلال بعينه ايا كان مصدره  قد يتعرض له المواطن من قبل الجندي الامريكي  او مسلحي و شقاوات احدى الاحزاب الموجودة او ائمة و خطباء المساجد الجهلة الذين يشكون من قلة الاخلاق و كثرة الحانات و يهددون بضرب العنق او ذلك الوطني التافه الذي  يطالب الناس بالانتظار و التحلي بصبر أيوب.   ضمن هذا التصور السائد , اليس عصا الحكم هو كعصا السحر  ,يجعل من يمسك به قائدا تاريخيا   وان كان  نذلا بائسا,محررا شريفا  وان كان لصا محترفا .اذا كان الله يريد مايشاء و ما على العبد الا  الوقوف امامه خاشعا متصدعا  فكذا  اذن الحال بالنسبة للحاكم سواء كان مستبدا او ديمقراطيا  فحقه في الحكم مصان و مضمون لا احد يستطيع انتزاعه منه و ما على المواطنين الا الخشوع و كذلك الحال بالنسبة للرجل فهو رب الاسرة  سواء كان أبا  حنونا ام غليضا وجب طاعته  .و من الجدير بالذكر هنا ان نفس هذه الابوية و السلطوية يسري  على  الاحزاب و التنظيمات السياسية البرجوازية الموجودة.  ما ان ينتمي احدهم اليها حتى يفقد حريته الشخصية و الفكرية و يصبح انسانا بلا ارادة , بلا رأي ما عليه الا تنفيذ اوامر الحزب و يكون بذلك سنا من اسنان ماكينة سياسية ضخمة تسمى حزب.و ياتي هنا السؤال لماذا يعامل الجماهير من قبل هذه الاحزاب و الجماعات كالقطيع  الذي يفقد الفرد فيه فرديته الانسانية و يسلخ الانسان من كل شيئ   الا الطاعة  ؟ لماذا  يتنازل المرء بل يتهرب في بعض الاحيان من حريته و يسلم امره وارادته للحزب او القائد او الحوزة ؟   ما الذي تعنيه حرية الانسان في الارتباط  بالعلاقات التي تقيمها فيما بينها  ؟يمكننا و حسب الاستناد الى الخبرة البشرية فصل نوعين من العلاقات  بين البشر اما ان تكون علاقة حرة متساوية و متوازية بين انسانين  ليس فيها امتياز مادي او معنوي بحيث يضطر احدهما الى الدفاع عنه في مقابل الاخر  و هذه العلاقة تكون محل رضا للطرفين بصورة موضوعية واعية , و اما ان تكون هذه العلاقة هرمية سلطوية غير متساوية مبنية على اصدار الامر من طرف والطاعة المطلقة  من الطرف الاخر .جهة تأمر و تطلب و تقرر والجهة الاخرى تنفذ و تلبي و تتبع فقط .
 لاستيضاح هذه المسألة علينا الرجوع الى شرح لمكونات الاسس الايدولوجية الاربعة في المجتمع الرأسمالي و هي الدين والوطن و العائلة و القومية التي أشار اليها ماركس في "البيان الشيوعي" . ونبدأ عرضنا هنا أولا  بالدين :
            ظهر الدين في سياقه التاريخي عند الانسان في اولى مراحل تطوره ,حيث لم يكن بامكانه استخدام عقله لمواجهة  قوى داخلية و خارجية غامضة لم يكن بأمكان الانسان انذاك فهمها و استيعابها ,فلجأ الى استخدام قواه  العاطفية لمواجهتها. اذن بدلا من استخدامه لعقله ,اضطر الانسان الى الاستفادة من احاسيسه و عواطفه لتقليل تأثير القوى التي لم يتمكن من اقامة علاقات معقولة و مناسبة معها. و قد انتج الانسان في ظل هذه العملية و استنادا الى تجاربه في  مرحلة الطفولة  , ما يمكن تسميته ب" الوهم".ان الانسان في مواجهته لقوى مجهولة و مخيفة و غير مروضة  حوله , لجأ  الى استذكار تجارب  مرحلة طفولته التي كان يشعر فيها بالامان في ظل وجود أب حام  يقيه من المخاطر و يغدق عليه محبته شرط ان لايخرج عن طاعته . ان الانسان حاول تجنب المخاطر و الابتعاد عن القوى المجهولة كما تعلم ذلك في طفولته حين كان يجد الشعور بالامان  من خلال ابداء  اعجابه بأبيه و اطاعته و اظهار الاحترام و الخوف منه.
ان تشجيع الناس على الاعتقاد بالوهم من قبل الدين و منعهم من التفكير النقدي  يجعل من الدين مسؤولا عن اضعاف قوة التفكير و الذكاء عند الانسان  و ينتشر هذا الضعف ليشمل مجمل نواحي حياته .ان الدين يهدد العقل و الاخلاق و يساهم في ازدياد  ألام البشر و معاناتهم .ان الذي يعبد الله  ينهب في الواقع نفسه و يسلم الى الله كل ما لديه و يحتفظ لنفسه بالطاعة فقط. بهذا يقلل الانسان من قيمته و يجعل من نفسه انسانا غير ذي ارادة . ان الانسان الذي يفقد ارادته يصبح انسانا سيئا بمعنى انه يفقد الثقة بنفسه و بالاخرين ويزداد جهله بالحب والعاطفة الانسانية و نتيجة لذلك يظهر عنده فرق بين القيم الدنيوية و القيم السماوية. ضمن القيم الدنيوية و لكي يعيش عليه ان يعمل و ينتج و يدخل في علاقات مع الاخرين وو في هذه الحالة يرتكب الاخطاء ومن ثم يشعر بالذنب .... أين المفر من ذلك ؟ يتوجه الى القيم السماوية و فيها يتوسل الى الله كي يسترجع قليلا من انسانيته وحبه ويطلب رحمته ويؤكد له دونيته .اذن يقع هو في تناقض مدهش ,فكلما احس بانه يقترب من الله يشعر في اعماقه بالفراغ و كلما احس بالفراغ انتابته شعور عميق بالذنب و كلما زاد شعوره بالذنب يحاول التقرب من الله اكثر فاكثر و بذلك يدخل نفسه في حلقة مفرغة يدور و يجول في حيرة من امره دون ان يصل الى النهاية و الضريبة التي يدفعها هنا هي الام نفسية ومعاناة عقلية عميقة تصاحب حيرته تلك .  و بما ان العقل و الحرية في ارتباط وثيق مع بعضهما البعض , فانه فقط الانسان الذي بامكانه التخلص من كل  سلطة حامية( و قد تكون  هذه السلطة أب, رئيس العشيرة , بني جلدته ,أقاربه و كذلك  قائد ألامة , الوطن و الوطنية , الحزب , الطائفة ,االرأي العام ,العادات و القيم التي تستقر عميقا داخل الانسان و حتى ما يسمى بضميره الشخصي الذي ما هو الا منتوج اجتماعي معنوي يتم نقله الى داخل الانسان منذ الطفولة عن طريق مئات المؤسسات الرسمية منها كالمدارس و المساجد و غير الرسمية كالعائلة من خلال عملية التربية على شكل قيم و عادات واخلاقيات عامة سائدة. و بالمناسبة فان مجمل مهمة التربية التي يتشدق بها الاباء هو قلع العفوية والتطلعات الصادقة لدى الاطفال وبدلا من ذلك غرس ضميرهم فيها, مما يسمح للمرء ان يعرف العائلة على انها العميلة السرية للمجتمع على اطفالهم في عملية التربية في مجتمعات اليوم  ) يستطيع ان يستخدم عقله وان يجد دوره  الموضوعي  وان يطور امكانياته دون اي وهم .وفقط عن طريق تركنا لمرحلة الطفولة التي تمتاز بالاتكالية و الخوف من السلطة نستطيع ان نفكر . ولكن العكس ايضا صحيح ,اعني لو نجرؤ على التفكير فأننا نستطيع ان نحرر أنفسنا من السلطة. و من هنا تأتي اهمية الاشارة الى اطار للتوجيه الذي يتكون لدى  كل انسان يوجه به حياته بصورة واعية أو غيرواعية , فهو يشبه  البوصلة و الخريطة التي نمسك بهما عندما نشق طريقنا عبر الادغال او البحار .ان نظام التوجيه هذا لا يشمل الجوانب الفكرية فحسب و الا تمكن الانسان من الوصول الى غاياته و حل مشاكل حياته عبر تدشين منظومة  فكرية شاملة فحسب و انما يحوي الجوانب العاطفية والحسية أيضا. ذلك لأن الانسان في جوهره الموضوعي ليس كائنا فكريا مجردا وانما كائن له  الروح و الجسد معا  يحوي حاجات مثل الجوع و العطش وكذلك الاهواء والنزوات التي بحاجة الى الاشباع و التحقق و يستجيب لا لمتناقضات  وجوده  عن طريق الفكر فحسب و انما عن طريق تصرفاته و و تعبيراته العاطفية ازاء مجمل عملية الحياة  ., و لكن من المنطقي ان نتساءل أين أتت الحاجة الى منظومة التوجيه هذه لدى الانسان  ؟ في الحقيقة يمكن القول أن حاجة الانسان الى اطار للتوجيه لها جذور عميقة في وجود الانسان نفسه ,طالما ان عقل الانسان و خياله و وعيه حطم الانسجام و الوحدة  الذي كان يعيش فيه مع الطبيعة ,فمن جهة يخضع للطبيعة و قوانينه الفيزيائية بينما في مجالات عدة  اخرى يتجاوز الطبيعة بفضل تطور عقله.انه يشعر بمحدودية قدرته و ضعفه .له تصور واضح حول فناءه –الموت-لذلك لايمكنه التخلص من ثنائيته المتناقضة أبدا. ان تطور عقل الانسان يجبره على ايجاد حلول جديدة التي بدورها تفضي الى تناقضات و تحديات جديدة .يعيش  دائما حال من عدم توازن وهو الكائن الوحيد الذي يعاني الكابة و الهموم وان لايكن راضيا لكن عليه ان يعيش.انه الكائن الوحيد الذي وجوده يشكل مشكلة كبيرة بالنسبة له يستدعي حلول منه . فهو لايستطيع العودة الى ما كان عليه من توازن و توافق مع الطبيعة ,بل يجب ان يطور عقله و عن طريق ذلك اخضاع الطبيعة  ان تطور العقل أوجد تناقضا كبيرا داخل الانسان يجبره على ايجاد الحلول و كل مرحلة تصل اليه الانسانية و تحصل على مكتسبات جديدة يقف الانسان حائرا مذهولا تواجه فيها معضلات جديدة تستدعي حلها بينه و بين الاخرين و الطبيعة .لم يولد الانسان مع "رغبة التقدم " وانما تناقضات الحياة نفسها تجبره على ملء غرف معرفته الفارغة و عليه ان يدور و يجول دون هوادة  بغية ايجاد معنى للحياة و سر وجوده .و عن طريق ذلك يصل الى نظام التوجيه الذي ذكرناه انفا و ذلك لكي يسترجع الاتحاد و التناغم مع الطبيعة.و اولا عن طريق تكوين صورة اجمالية عن العالم  وما حوله و ما يحويه أي تدشين ما يسمى بأطارللتوجيه  . فمن جهة  فان حاجة الانسان الى وجود قوى ما وراء الطبيعة تعبير عن هذه الحاجة الشاملة في الحياة ولكن هذا لايفسر بحد ذاته و بصورة الية جوهر  التعبير وأعني هنا حقيقية هذا التعبير أو وهميته . ومن جهة اخرى فأن شدة هذه الحاجة عند الانسان هي الى درجة نستطيع معه ان نقول انه  مصدر القوة الوحيدة  والاهم لدى الانسان . لذا نقول ان الانسان ليس حرا في اختيار او عدم اختياره ل"الافكار"و و انما اية نوع فكرة يختارها .فهو حر في ان يلهث وراء السلطة او الحب . فكل انسان في مكانه هو مثالي او ايدولوجي . ان اشد الافكار انسانية و كذلك اشدها شيطانية هي تعبير عن عقيدة الانسان  واشير هنا بالمناسبة فان الناس لاهم بجيدين و لاسيئين كلا الاحتمالين قائمان في ذات الانسان  .لذا فان انصار النسبية الداعين الى  ان يكون للانسان شئ من قيم و اخلاق , لااساس لها .كل العقائد والافكار متأتية من حاجة الانسان.فلا وجود للافكار و المعتقدات و الاخلاق والقيم و التصورات بمعزل عن الانسان أوخارجه في مكان ما في هذا الكون  ناهيك عن أن الكلام عن مثلا تطورالافكارأوالقيم عبرالتاريخ و ماشابه يصبح مجرد هراء لان المنتوجات سواء كانت ذهنية ام مادية ليست لها صيرورة ذاتية و مستقلة  و انما المنتج و هو في هذه الحالة الانسان  هو نفسه من يملك الصيرورة  .
ان حاجة الانسان الى نظام للتوجه جعل من الدين منظومة شاملة  تتدخل في حياة الفرد و تفصيلاتها .اذا فشل شخص ما في الوصول الى درجة من التكامل و النضوج , فانه مما لاشك فيه يطور نوعا من العصبية ,لايستطيع ان يعيش هكذا و كان شيئا لم يحدث ,دون ان ينتبه الى هزيمة اصابته ,ان ياكل و يشرب ويذهب الى مضجعه و كأن شيئا لم يحدث  . ولو كان الامر كذلك لانتفت الحاجة لكل فكرة .و لكن اذا فشل انسان ما في ان يوجه قواه الى هدف اعلى و معقول ,فانه حتما يوجهه نحو هدف ادنى .اذا فشل في تكوين صورة واقعية حول حياته و اهدافه , فانه يكون صورة خيالية ترتبط بها اوهامه و اهدافه غير المحققة .
 

 






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- هل تخططون للسفر؟ نصيحتان توجههما إليكم مراكز السيطرة على الأ ...
- -الكيبولان-.. قاعة خاصة بالطعام الأفريقي تجذب زوار إكسبو 202 ...
- أول تعليق من الصين على دخول سفينتين حربيتين تابعتين لأمريكا ...
- بولتون يتحدث عن الفروق بين تنظيمات -القاعدة- و-داعش- و-داعش ...
- لبنان.. مقتل مواطن صعقا خلال عملية سرقة
- مصر.. الكشف عن حقيقة الكائن الغريب المثير للجدل في مياه البح ...
- وزارة الآثار الإسرائيلية: غواص يكتشف سيفا صليبيا عمره 900 عا ...
- شاهد: لوحات بشرية من العراة في البحر الميت
- ميانمار ـ المجلس العسكري يعتزم الإفراج عن 5000 اعتقلوا منذ ا ...
- الحرس البحري التونسي ينتشل جثث مهاجرين من البحر و20 شخصا لا ...


المزيد.....

- أخف الضررين / يوسف حاجي
- العدالة الانتقالية والتنمية المستدامة وسيلة لتحقيق الأمن الم ... / سيف ضياء
- الحب وجود والوجود معرفة / ريبر هبون
- هيكل الأبارتهايد أعمدة سرابية وسقوف نووية / سعيد مضيه
- جريدة طريق الثورة، العدد 41، جويلية-اوت 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 42، سبتمبر-أكتوبر 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 43، نوفمبر-ديسمبر 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 44، ديسمبر17-جانفي 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 45، فيفري-مارس 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 46، أفريل-ماي 2018 / حزب الكادحين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاروق حميد - الدين والقومية - الجزء الاول