أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زينب علي عبدالامير - البنية النسقية للدلالة: مقاربة أركيولوجية - نقدية في مستويات الخطاب














المزيد.....

البنية النسقية للدلالة: مقاربة أركيولوجية - نقدية في مستويات الخطاب


زينب علي عبدالامير

الحوار المتمدن-العدد: 8526 - 2025 / 11 / 14 - 17:59
المحور: الادب والفن
    


ينتظمُ النسقُ الدلالي داخل البنية اللسانية بوصفه مبدأً يحكم العلاقة التوليدية بين الدال والمدلول، ويؤسّس لفهمٍ معمّق لآليات الاعتباط اللغوي ودرجاته. فالنسق الدلالي، في جوهره، ليس مجرد تجاورٍ لمعانٍ، بل هو صورة التنظيم التي تمنح العلامة وظيفتَها داخل شبكة من العلاقات المنتظمة. ومن ثمّ فإن موحّدية النظام لا تُستقى من وحدة الدليل اللغوي فحسب، بل من انتظام الجمل والعبارات في بنية تنتج معنى يتجاوز حدود الملفوظ المباشر.
لقد تنبّه عدد من الباحثين إلى أن النسق الدلالي هو أعلى مراتب التراتبية النسقية، لأنه يُعنى بتوليد المعنى من خلال العلاقات التي تنشأ بين المضامين، لا من خلال العناصر المفردة وحدها. وهكذا يتجاور النسق الدلالي مع أنساق أخرى كالصوتي والصرفي والنحوي والبياني، لكنه يتفوق عليها بقدرته على الإمساك بالبنية الكلّية للخطاب، وبآليات التفاعل بين مكوّناته. وهذا ما يجعل العلاقة بين النسق والنص علاقة جدلية: فكل نسق يتعين من خلال عناصره وتفاعلاتها، لكنه لا يُفهم بمعزل عن سياقه الثقافي والاجتماعي الذي يمنحه شرعية اشتغاله.
تنهض هنا أسئلة مركزية تتصل بآليات تلقي النص الجمالي، إذ لا يظهر النسق كله على سطح الخطاب؛ فثمة نسق مضمر يعمل كطبقة دلالية باطنية، تُخفيها البنية الظاهرة بينما تستمر في توجيه فعل القراءة. ومن هنا تأتي ضرورة وصل النقد الثقافي بالنسقية، لأن النقد الثقافي يكشف البنيات العميقة التي تُنتج المعنى، وينتقل من الدلالة الحرفية أو التضمينية إلى ما يمكن أن يُسمّى «الدلالة النسقية»، حيث تتحرك العلامات داخل نظام رمزي لا يُفصح عن نفسه مباشرة.
وقد رأى أتباع سوسير، وفق جورج مونان، أن السيميائيات هي علم الأنساق الدلالية التي تؤدّي وظيفة تواصلية. فالحوار، بوصفه جوهر التواصل الإنساني، ليس تبادلاً سطحياً للعلامات، بل هو ممارسة نسقية ترتبط بخبرات موضوعية، وتتكاثر فيها التعبيرات اللسانية تكاثرًا لا محدودًا خارج سلطة الإرادة المفروضة. كما أن فعل التواصل نفسه مشروط دائمًا بالمقام والفضاء واللحظة، خصوصًا في التواصل الشفهي الذي يتأسس على بنية ديناميكية للمعنى.
من جهته، يشير بيير جيرو إلى أنّ الانقسام بين المقاربة النسقية واللانسقية ليس مجرد خلاف منهجي، بل هو خلاف في فهم طبيعة العلامة ذاتها. فحين تُختزل الرسالة إلى إشارات ثابتة — كما في أنظمة المرور — نكون بإزاء نسق مغلق وواضح الحدود. بينما تمثل الملصقات الدعائية أو الخطابات البصرية المتغيرة أنساقًا مفتوحة، تتعدد فيها الدلالات، وتعمل على إغواء المتلقي عبر الألوان والأشكال والقيم الإيحائية.
ويقسم مبارك حنون الأنساق الدلالية إلى شقين كبيرين:
1. أنساق طبيعية غير مؤسسية، استثمرها الإنسان ومنحها دلالات خاصة داخل عالم العلامات،
2. أنساق اجتماعية ناتجة من الفعل الإنساني ذاته، وتعكس تاريخ الوعي والثقافة والسلوك.
وتضم هذه الأخيرة أنساقًا لفظية وغير لفظية؛ فالأنساق اللفظية تُبنى على الفروق الصوتية والأنواع السننية التي تتجسد في اللغات الطبيعية، بينما الأنساق غير اللفظية تُعبّر عن نفسها عبر أشكال لا صوتية، طبيعية كانت أم صناعية، وتؤدي وظيفة المؤشر أو العلامة.
ما يتبدى من ذلك أن النسق الدلالي ليس مجرد بنية تنظّم العلامات، بل هو، كما يرى حنون، نتاج إنساني يرسّخ الثقافة ويضبط السلوك، ويؤطّر الممارسة الاجتماعية بأبعادها كافة. فهو مجموعة مفاهيم (دوال) تُنظَّم داخل سياق معرفي وثقافي وسوسيولوجي، وتُنتج معنى يتحدد دائمًا عبر البيئة التي ينشأ فيها النسق ويعمل من خلالها.
وقد ذهب السيميائيون إلى أن كل نسق هو «لعبة دلائل» تحكمها قواعد تركيبية تُنجز لحظة إنتاج النص السيميائي. وفي هذا الإطار يُفهم النسق بوصفه بنية قادرة على تنظيم العلاقات بين العناصر داخل عمل فني أو لغوي، بما يتيح تحليل التناص المفهومي وتتبّع شبكة الأفكار داخل منظومة فكرية أو فلسفية. ويؤكد مونان أن النسق الدلالي يؤدي وظيفة تواصلية تتجلى في الحوار الذي يظل متصلاً بتجارب إنسانية موضوعية ويُنتج سلسلة لا نهائية من الدلالات.
ولذلك تُستخدم النسقية اليوم لفك شفرات الخطاب الجمالي، ولا سيما في الأعمال الفنية التي تُنتج معانيها عبر التفاعل بين اللون والشكل والفضاء وبُنى التكوين، خاضعةً لضغوط أيديولوجية وأركيولوجية تكشف عن طبقات عميقة من المعنى لا تُدرَك مباشرة إلا من خلال تحليل نسقي نقدي.





المراجع
الخدام، غدير عبد المجيد عبد الله: النص بين النسق والسياق كتاب الكتاب في تعلم العربية)، ج /2
حنون، مبارك. 1987. دروس في السيميائيات. الدار: دار توبقال للنشر،ص22
يوسف، أحمد. 2004. سيميائيات التواصل وفعالية الحوار: المفاهيم والآليات. وهران: منشورات مخبر السيميائيات وتحليل الخطاب،ص15






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ترامب ينتقد منح باريس الممثل الأمريكي جورج كلوني الجنسية الف ...
- سيدرا التركية.. مدينة سكنت بها معاصر الزيتون في كل بيت
- المخرج والمنتج كمال الجعفري: فيلمي -مع حسن في غزة- يستخدم ال ...
- لعبة -أحلام على وسادة-.. حين تروى النكبة بلغة الفن والتقنية ...
- مخرج فلسطيني يوثق غزة بالذاكرة البصرية: السينما مقاومة للنسي ...
- -تسويق إسرائيل-.. كتاب يكشف دور الهاسبارا في -غسيل الدماغ- ...
- أولو وترينشين: عاصمتا الثقافة الأوروبية لعام 2026
- بابا نويل في غزة.. موسيقى وأمل فوق الركام لأطفال أنهكتهم الح ...
- من تلة في -سديروت-.. مأساة غزة تتحوّل إلى -عرض سينمائي- مقاب ...
- بالصور.. دول العالم تبدأ باستقبال عام 2026


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زينب علي عبدالامير - البنية النسقية للدلالة: مقاربة أركيولوجية - نقدية في مستويات الخطاب