أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - هشاشة العرض ومكر الدلالة














المزيد.....

هشاشة العرض ومكر الدلالة


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8343 - 2025 / 5 / 15 - 07:36
المحور: الادب والفن
    


كلّ خشبة مسرح تبدأ بوهم: أن شيئًا ما سيُقدَّم. لكن الحقيقة أن ما يُقدَّم ليس سوى أثر لما لا يمكن تقديمه. العرض لا يُنظَّم ليُرى، بل ليصير مشكوكًا في رؤيته. إن البنية الجمالية هنا لا تستقرّ، بل تهتزّ من تلقاء ذاتها. الممثل لا يملك صوته، بل يتسلّمه بوصفه استعارة لآخرين سبقوه، أو يأتون بعده. لا يتكلّم بل يُستَعمل كأداة خطابية. كل جملة هي بقايا جملة أخرى، كل مشهد ينمو على أنقاض مشهد لم يُعرض بعد.

لقد تعلّمت، مع الوقت، أن كل تنظيم مسرحي هو شكل من أشكال التواطؤ مع المعنى، وأن المطلوب هو تقويض هذا التواطؤ، لا عبر معاداته الصريحة، بل عبر التلاعب الذكي بأدواته. لا نرفض الدلالة، بل نكشف مكرها. نمارسها كما يمارس اللغويّ لعبة التشفير، لا ليقول الحقيقة، بل ليؤجلها.

التمثيل، إذن، لا يُعاد إنتاجه بل يُفتَضح. لا نريد ممثلًا بل أثر ممثل. لا نريد عاطفة بل محاكاة ساخرة للعاطفة. لا نريد اندماجًا، بل تعليقًا عليه. المسرح، في جوهره، ليس حدثًا بل لعبة على حافة الحدث.

إن لعبة السرد المسرحي لا تكتمل إلا حين تُخترق. حين يعترف النص بفراغه، ويعترف المخرج بأنه لا يدير بل يُدار. أن تكون مخرجًا بريشتيًا يعني أن تكون في موقع المشكك الدائم. لا تصدّق لحظة تكتمل فيها الجملة. لا تثق في مشهد ينساب بسلاسة. لا تركن إلى صمت لا يتلعثم. كل بناء جماليّ عليك أن تهدمه لحظة الانتهاء منه، لا لأنه ناقص، بل لأنه يزعم الاكتمال.

الديكور لا يجمّل، بل يُفكك. الضوء لا يكشف، بل يفضح. الموسيقى لا تُرافق، بل تعترض. اللغة لا تُقال لتُفهم، بل لتُرتاب. ما يُعرض لا يعني، بل يتظاهر بأنه يعني، ولك أن تُفتّش في هذا التظاهر عن قشرة المعنى، لا عن جوهره.

في هذا كلّه، لا توجد يقينيات جمالية بل مقترحات متقلبة. المخرج لا يمتلك خطّة بل يُمسك بخيوطها وهي تتفلت. الممثل لا يُقنِع بل يفضح تقنيات الإقناع. المتفرج لا يتوحّد بل يتنافر. المسرح لا يوصل رسالة بل يزعزع آليات الإرسال نفسها.

لا نحتاج إلى ستارة بل إلى فراغٍ معلّق. لا إلى مشهدٍ يُغلق بل إلى مشهدٍ ينفلت. لا إلى نهاية بل إلى تشظٍ لا يتوقف. كل عرض مسرحي حقيقي هو تمرين في زعزعة الطمأنينة، تمرين في فقدان المعنى، لا لصالح العدم، بل لصالح كشف آلياته وهو يتكوّن.

هكذا، لا نُنتج مسرحًا جديدًا، بل نُنتج شكلًا جديدًا للريبة. لا نُقدّم فنًّا يُطمئن، بل فنًّا يُقلق. هذه هي هشاشة العرض ومكر الدلالة، وهكذا يكون الجمال: أثرًا لعدم الاطمئنان.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللوحة كفضاء مسرحي
- الكتابة إلى ذ. محمد الكغاط


المزيد.....




- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...
- مهرجان تورينو السينمائي يكرم جون ترافولتا بجائزة الإنجاز الف ...
- الكاتب فيليب جاينادا يحصد جائزة غونكور الأدبية لعام 2026 برو ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - هشاشة العرض ومكر الدلالة