أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حارث محمد الحسن - في العراق ...جوع















المزيد.....

في العراق ...جوع


حارث محمد الحسن

الحوار المتمدن-العدد: 1803 - 2007 / 1 / 22 - 07:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



عندما كان يجري تذكير صدام ومجموعته الحاكمة بالمشاكل المعيشية التي يعيشها سواد الشعب ، كان يأتي الرد حاسما وقويا ، وهي ان الشعب يجب ان يتحمل ويصبر ويقتصد ويضحي حتى يتحقق النصر الناجز على الاعداء ، وقد انتظر العراقيون طويلا ذلك النصر الناجز ، واعتاشوا على هذا الانتظار الذي امتد لجيلين او اكثر دخل العراق خلالهما المعركة تلو الاخرى مسطرا ( كما كانت الة الدعاية التابعة للنظام تدعي ) اعظم الانتصارات ، لكن النصر الذي لم يكتب له ان يتحقق هو النصر الناجز بالطبع . وعندما كان يصل ضنك العيش بالاغلبية المنتظرة والتي هي بنفس الوقت وقود معارك المصير المتواصلة ، حدا لاينفع معه مزيد من التحمل او الصبر ، كان رجال صدام ينزعون اقنعة الثوار التي اصطنعوها لانفسهم موزعين شتائمهم ولعناتهم والعقوبات المرة على هؤلاء " الرعاع " الذين لايفهمون من الدنيا سوى الأكل والشرب والنوم والتناسل .
كثيرا ماكان رجال السلطة يحتفظون بهذه النظرة الفوقية تجاه " الجماهير " او الغوغاء كما اختار صدام ان يسميهم بعد انتفاضتهم عام 1991 ، وكانت نبرة التعالي تتكشف مع كل موقف يغادر " قادتنا " فيه حلمهم غير المعهود ، والغريب في الامر ان هؤلاء القادة في اغلبيتهم الساحقة لم يكونوا سليلي حسب او نسب ، او عباقرة في مجال السياسة او الفلسفة او علم الاجتماع او العلوم الطبيعية ، وعندما كان صدام يذكر العراقيين بانهم كانوا حفاة قبل ان ياتي الى السلطة كان هؤلاء " القادة " في مقدمة المصفقين لكرمه ربما لانهم في مقدمة من يشعر بالامتنان ، ومن يطلع على السيرة الذاتية لكل واحد منهم كما لقائدهم سيدرك انهم كانوا احق بوصف " الرعاع "، على الاقل لأن رباعية الأكل والشرب والنوم والتناسل كانت تنطبق عليهم بشكل مدهش .
ولكن هذه الفاتحة ليست محاولة اخرى لتقريع النظام السابق رغم مايستحقه من تقريع، انها مقدمة للحديث عن مانلمسه من مقدمات في العهد الجديد من تنكر لاحتياجات السواد الاعظم من العراقيين الذين يعيشوا وضعا حياتيا بائسا حد الخجل من الحديث عن تفاصيله . وفي الوقت الذي شهدت منطقة الشرق الاوسط في الاعوام الاخيرة انتعاشا اقتصاديا كبيرا ونموا واعدا بفعل صعود اسعار النفط ، يبدو غالبية العراقيين الذين ينتمون لبلد يقال انه يضم ثاني الاحتياطيات العالمية من النفط يعيشون حياة لاتختلف كثيرا عن تلك التي عاشها اسلافهم اوائل القرن الماضي ، فقر وبطالة ومدن عتيقة وخدمات غائبة ورجاء خجول الى الله بالستر والشكر على طي يوم اخر !!
تشير التقديرات الاقتصادية الى ان الاقتصاديات الخليجية شهدت اتساعا كبيرا في حجم الاستثمارات وان هناك عشرات الالاف من فرص العمل في البلدان الخليجية قد توفرت بفضل ذلك ، وتعلن السعودية عن اتساع كبير في المشاريع الاستثمارية وعن بناء مدن اقتصادية جديدة تعزز من حجم الناتج القومي وتوفر فرص العمل وتعزز التنافسية ، يحدث ذلك في الوقت الذي لاتنفك الامارات تكرس اسطورتها الفريدة عبر التوسع الاقتصادي المضطرد حد القدرة على جذب عمالة وافدة تفوق باضعاف حجم السكان الاصليين ، وتفاجئنا قطر بافتتاح فخم لدورة الالعاب الاسيوية يعبر عن قدر كبير من النهوض وعن فوائض اقتصادية ضخمة أهلت الامارة الصغيرة الى ان تفتتح محطة الجزيرة بطبعتها الانكليزية للتنافس مع المحطات الامريكية والبريطانية وتعلن عن استعدادها دفع رواتب قطاع التعليم المتأخرة في فلسطين ، في نفس الوقت، يجري الحديث في مصر عن نمو اقتصادي يتجاوز 7% وعن اتساع استثمارات القطاع الخاص الذي اصبح يشكل 85% من حجم الاقتصاد المصري ، وتواصل ايران نهضتها الصناعية عبر فتح المزيد من الصناعات المعمرة والاستثمارات بعيدة المدى في الوقت الذي تخطو بازعاج للكثيرين نحو توظيف الطاقة النووية ، وتبدو طهران لزائريها قطعة من اوربا مازالت طبعة الاصلاحات الخاتمية بادية عليها وكأن " باريس الشرق " تعيد انتاج نفسها بنسخة اسلامية ، ولاينفك الاقتصاد التركي يشهد تحسنا حد غزو اسواق البلدان المحيطة وقطم جزء من الحصة الاوربية واليابانية !!!!
يحدث كل ذلك على مقربة من حدود العراق التي حالما تعبرها تكون قد ركبت الة الزمن هبوطا من المستقبل الى الاعوام الاولى للثورة الصناعية والاخيرة للانحدار الزراعي . سيكون بامكانك التعرف على البلد الذي لم يدخل عصر الكهرباء رغم دخول بعض قطاعاته عصر الكومبيوتر ، بنية تحتية قديمة ، خدمات عامة مفقودة او متهالكة ، ازمات في تصريف المياه الاسنة وفي توفير مياه الشرب في بلد يضم الى جانب ثروته النفطية ثروة مائية ضخمة يحسده عليها القريب قبل البعيد . القطاع الصحي شهد في السنوات ال15 الاخيرة انحدارا كبيرا استكملته هجرة الاطباء في العامين الاخيرين ، والجامعات العراقية تواصل محنتها التي بدأت منذ اصبح وزير التعليم في الثمانينيات شخصا لايفقه عن التعليم شيئا وتعززت بالهجرة الكبيرة للاساتذة فترة الحصار الاقتصادي الى ليبيا واليمن وغيرها من دول المعمورة ، واستكملت في مرحلة الرعب الامني الراهنة حيث لم يعد الطريق الى الجامعة سالكا او الدخول الى حرمها نجاحا ، اصبحت شأنها شأن اي مرفق اخر عرضة للعبث والتدميروسيطرة الطارئين .
يتقاضى الموظف العراقي مامعدله 100 دولار كراتب شهري مدعوم بحصة العائلة المتقلصة باضطراد من المواد التموينية ، ويتم تهديده باستمرار بايقاف الدعم لهذه المواد سيرا على نصائح صندوق النقد الدولي وكأن المواطن العراقي حصل على جزء يسير من الحقوق التي يحصل عليها المواطن في الدول الرأسمالية كالضمان الاجتماعي والضمان الصحي . تزدحم المستشفيات بمرضى لايلقون العناية الكاملة وبجرحى العمليات " الجهادية " بدون توفر اللوازم والمعدات والامكانيات اللازمة لمواجهة هذه الاوضاع . وفي بلد النفط عليك ان تنفق مرتبك بأكمله اذا كنت موظفا كي تملأ خزان سيارتك ، واذا اخترت ان تذهب بوسائط النقل عليك ان تقبل مجازفة الموت عند انفجار مفخخة في الكراج او عند فشلك وزملائك الراكبون في اعطاء الهوية المذهبية المناسبة لاحدى السيطرات الوهمية !! وتصل قيمة العبوة الواحدة من الغاز السائل الى ربع مرتب الموظف الذي عليه ان ينفق هذا المرتب على المأكل والملبس ودفع الرسوم الشهرية لاصحاب المولدات الكهربائية الخاصة وهي تشكل عبئا اضافيا كبيرا على العائلة العراقية . وبالطبع فان هذ الموظف محسود من القطاعات الاخرى العاجزة عن استحصال وظيفة ، فنسبة البطالة تصل اليوم الى اكثر من 40% اذا اردنا ان نعطي رقما متحفظا وغير " مسيس " .
يعتبر البعض في العراق ان الحديث عن هذه الامور بات ترفا لمجتمع يكابد فرده كل يوم لمجرد ان يبقى على الحياة حيث التحدي الامني يبز ماسواه والبلد باكمله على شفير الهاوية وامام احتمالات التفكك والحرب الاهلية ، وستظل الحكومة الحالية والحكومتين السابقتين تحملان عذرا ينطوي على بعض المشروعية في ان الخطر الامني والتحدي الارهابي يمنع الانصراف التام لتحسين الحياة اليومية للمواطن ويدفع الجهود الى ان تتركز على مجرد حفظ هذه " الحياة " .
غير ان قوة هذا العذر لاتصمد كثيرا اما حقائق مهمة من مثل ان احد اهم ركائز محاربة الارهاب والتطرف تتمثل بتوفير فرص العمل المناسبة للشباب ، المتعلم وغير المتعلم ، لاعطائهم فسحة امل في الحياة بدل من ان يجدوا الخلاص في تفخيخ انفسهم وتفجيرها قرب اقرب تجمع لل"الكفار على اختلاف تعريفاتهم " وسيلة للخلاص !! ان جزءا مهما من الدوافع وراء قوة الجماعات المسلحة والميلشيات انها تصبح بمرور الوقت وسائل للمعيشة عبر ماتوفره من مردود مالي حيث تقوم هذه الجماعات بعمليات الخطف والسلب بالاضافة الى واجباتها " الوطنية والدينية " ، او انها تتقاضى اثمان الحماية التي توفرها لقطاعات معينة ، او انها تنخرط في عمليات المتاجرة بالسلاح والتهريب وغيرها من وسائل الانتفاع كما كانت طلبان تنتفع من تجارة الخشخاش . كما ان السيطرة على الشارع عبر السلاح يوفر نوعا من اثبات الذات لدى المسلح الذي يعوض مشاعر النقص المتراكمة داخله بشعور مزيف بالتفوق لمجرد انه قادر على ارتكاب القتل بدم بارد .
ان الهدف الاساسي للجماعات المسلحة هو افشال مشروع اعادة بناء الدولة ، فتلك الجماعات لاتزدهر الا في ظل الفوضى وغياب المركزية والتفكك الاجتماعي ، ولابد ان يكون هدف بناء الدولة جزءا من استراتيجية الصراع معهم ، ولكي يتحقق هذا الهدف لابد اولا من الفصل بين الدولة والحكومة واخراج " المؤسسات " من دائرة الصراع على النفوذ الحزبي ، والاعتماد بقوة على الطبقة الوسطى العراقية في بناء هذه المؤسسات مدعومة بالخبرات التي تقدمها الدول المانحة ، ولابد من خطة حقيقية لاستعادة اساتذة الجامعات والاطباء والمفكرين والمهندسين والمتخصصين وتوفير ملاذات حياة امنة لهم حتى في ظل الظرف الحالي بدلا من ترك المؤسسات " الوليدة " تحت رحمة الطارئين الذين لايجدون في المسؤولية الا وسيلة ربح سريعة قبل عبور الحدود بلا عودة .
غير ان الطبقة الوسطى لايمكن ان تنشط بدون العمل على انتشال الطبقات الادنى وتحسين ظروفها المعيشية ، وربما يمكن لقياداتنا الحالية ان تستفيد من تجربة هوغو شافيز في فنزويلا الذي استطاع ان يكسب دعم فقراء شعبه عبر انظمة الدعم الحياتية التي وفرها لهم مستفيدا من عوائد النفط المتصاعدة ، لايعني ذلك بالضرورة ان يشتموا امريكا كما يفعل هو بل ان يبحثوا عن مبادرات جديدة وخلاقة لتخفيف العبء على المواطنين قبل تحقيق " النصر الناجز " على الارهابيين . وربما ان الاوان لطرح فكرة منح الفرد العراقي حصة من العائد النفطي كتعويض عن الفشل في اعادة البنى التحتية وتوفير الخدمات بحجة الوضع الامني الصعب .
ومن الحقائق التي تضعف اعذار الحكومة ان التحدي الامني لم يمنع المسؤولين من التمتع بحياة امينة ومرفهة واحيانا باذخة تتوفر عبر المرتبات الضخمة والامتيازات الهائلة التي يمنحها المسؤولون لانفسهم عادة تحت مبرر انهم يتصدون للمسؤولية رغم ان كثيرا منهم كان يلهث باتجاهها . الفجوة الحالية بين راتب الوزير وراتب الموظف في ادنى السلم الوظيفي تعكس هذه الحقيقة بالارقام الباردة التي يمكن لاصحاب المسؤولية ان يراجعوها ، واذا كان متعسرا تقليص الرقم في اعلى السلم فينبغي عمل كل شئ لزيادة الرقم في ادنى السلم ، فبعد كل شئ النفط ملك لذلك السواد الاعظم المهمش المبتلى بحروب الماضي والحاضر والمتطلع الى شئ من الكرامة تعيد اليه شعور الانسانية الذي افتقده طويلا ... ليبدأ من جديد .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- شركة ميتا تُسرح أو تُعيد توزيع ما يقارب 15,000 موظف
- تركي آل الشيخ يعلن عن -مفاجأة- تجمع بين محمد رمضان وأحمد مرا ...
- كيف أصبح -الرولكس- أشهر وجبة شعبية في أوغندا؟
- أول تعليق مصري رسمي بعد افتتاح إقليم أرض الصومال سفارة له في ...
- اتهامات لسيارات بالتجسس على سائقيها، ما الذي يحدث؟
- -سانشيز يحظى بشعبية خارج إسبانيا وتراجع داخلي، فهل ينجح في ا ...
- -الخطأ الفادح- الذي كشف عز الدين الحداد.. كيف وصلت إسرائيل إ ...
- أحمد وحيدي في قلب المشهد الإيراني.. تقارير تكشف -دوره المتصا ...
- ما الرد الإيراني على آخر مقترح أمريكي نقله الوسيط الباكستاني ...
- المغرب: مقتل 4 أشخاص على الأقل وإصابة آخرين جراء انهيار مبنى ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حارث محمد الحسن - في العراق ...جوع