أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سامي قرة - البرتقال رمز للوطن المفقود















المزيد.....

البرتقال رمز للوطن المفقود


سامي قرة

الحوار المتمدن-العدد: 7045 - 2021 / 10 / 12 - 21:21
المحور: الادب والفن
    


أ‌. سامي قرّة

تتحدث قصة "برتقال يافا" للدكتورة روز اليوسف شعبان (2021) في مجملها عن المأساة التي حلت بالفلسطينيين عام 1948، وهي إلى حد ما تشبه في محتواها القصة القصيرة التي كتبها غسان كنفاني بعنوان "أرض البرتقال الحزين" (1962). وفي كلتا القصتين يرمز البرتقال إلى الوطن المفقود، إلى فلسطين. كتبت الدكتورة شعبان قصتها للأطفال فيما تستهدف قصة كنفاني البالغين.
يعتمد السرد في قصة "برتقال يافا" على الذاكرة. فنرى رانية تبدأ روايتها بهذه الكلمات "كثيرًا ما كنت أذهب إلى بحر يافا مع أسرتي ...". فهي تتذكر ما كانت تفعله مع اسرتها في طفولتها وفي نبرتها شوق وحنين إلى ماض جميل. تحاول رانية عن طريق الذاكرة أن تعيش مرة أخرى تجربة حياتية كانت قد افتقدتها وهي صغيرة. فعن طريق الأدب بكافة أنواعه يمكننا خلق أو إعادة خلق تجاربنا الحياتية الماضية، وهذا أحد أهم الخصائص التي نجدها في الأدب الفلسطيني الحديث. لكن رانية ليست هي الوحيدة التي تسترجع الماضي، إذ نرى جد رانية يروي ما تعرضت له يافا وفلسطين عامة عام 1948 وكيف كان العمال في مدينة يافا يجمعون البرتقال ويضعونه في الصندوق لتصديره إلى خارج فلسطين.
الذاكرة في الأدب الفلسطيني عنصر هام للحفاظ على التراث والتاريخ من الاندثار وهي أداة هامة يمكننا عن طريقها تقديم سرد مضاد للسرد الإسرائيلي الخاص بتاريخ فلسطين، وهي عامل هام جدًا كي نفهم ما حلّ بنا وكيف أثر الماضي على الحاضر الذي نعيشه. ومن أجل الحفاظ على الذاكرة الجمعية والهوية في علاقتهما مع التاريخ، يوصي الجد حفيدته رانية بوجوب "الحفاظ على ما نرثه من آبائنا وأجدادنا، خاصة إذا كان هذا الميراث يتعلق بتاريخنا ومجدنا". ولا بد من الإشارة هنا إلى أن عملية التواصل الشفوي بين الجد وحفيدته يعكس أهمية التقليد الشفوي في نقل التراث من جيل إلى آخر والحفاظ عليه.
لدى تقديمه لفيلمه الوثائقي "يافا – ميكانيكية البرتقال" الذي يتحدث عن برتقال يافا قال المخرج الإسرائيلي: "صورت أفلاماً عن اللاجئين الفلسطينيين، وتناولت عملية توظيف الذاكرة". لكن الذاكرة تربطنا نحن الفلسطينيين بالماضي فقطـ، والسؤال الأهم هو هل ثمة ما يربط الفلسطينيين بالمستقبل؟ وكيف يمكن للفلسطينيين الاستفادة من الذاكرة والتاريخ في صنع المستقبل؟ وإذا اتفقنا على أن أحد أهداف أدب الأطفال في فلسطين هو تعليم أطفالنا عن التراث والتاريخ الفلسطيني وإلى عدم سلخهم عن ماضي أجدادهم، فيجب أيضًا أن نستخدم الأدب كي نهيئ أطفالنا للحياة في المستقبل في عالم متقلب دائم التغير والتطور لا يمكن التنبؤ به.
يمكننا تقسيم قصة "برتقال يافا" إلى ثلاثة فصول: تجري أحداث الفصل الأول على شاطئ يافا، وتجري أحداث الفصل الثاني عام 1948 كما يرويها لنا جد رانية، وأحداث الفصل الأخير تجري في بيت الأب أحمد.
نقرأ في الفصل الأول عن بحر يافا وشاطئها، ونقرأ عن عائلة فلسطينية تعيش بسلام وفرح، وكل فرد فيها يحب الآخر ويبرز فيها الجد سليم الذي يغمر أحفاده بالحب والرعاية. وفيما يلهو الأحفاد في اللعب على شاطئ البحر والسباحة في مياه البحر نرى الجد سابحًا في خياله شارد الفكر ويبدو حزينًا تنهمر الدموع من عينيه. وكما تقول رانية فهو يتذكر "تاريخه التليد" ويبكي على أوقات مضت، وهو في ذلك يشبه الأب في قصة "أرض البرتقال الحزين" الذي ينزل من السيارة ويحمل برتقالة وينظر إليها بصمت ثم ينفجر بالبكاء كطفل بائس. فكل من الجد سليم والأب يشعران بألم شديد بسبب ضياع الوطن وفقدانه. ولرانية علاقة خاصة مع جدها فهي تشعر بألمه وتلعب معه وتبني معه قصورًا من الرمال. هذه العائلة السعيدة سرعان ما يعكر صفوها موج البحر الغادر وينشر الذعر بين أفرادها. لكن الجد يقول إن البحر غدار ومخيف ويحذرهم منه، وفي نفس الوقت يطلب من حفيدته رانية ألا تحزن لأنهما سيعيدان بناء القصر الرملي الذي هدمته أمواج البحر. تمثل عائلة رانية العائلات الفلسطينية جميعها التي تعرضت إلى بطش الاحتلال الذي يمثله البحر. ونجد في دعوة الجد إلى إعادة بناء القصر الرملي دعوة إلى الجيل الجديد لاسترجاع الوطن الذي هدمه الاحتلال وإعادة بنائه. فهي دعوة تبعث على التفاؤل والأمل، على عكس ما نجده في قصة كنفاني مثلا التي تنتهي بحسرة وشعور أن ما مضى لن يعود.
أمّا الفصل الثاني فيبدأ عندما يرى افراد العائلة عن بعد سفينة مبحرة ترفع علمًا طُبعت عليه صورة برتقالة. ثم ينتقل الحديث عن الدبوس الذي يمتلكه الجد على شكل حبة البرتقال، فهذا الدبوس ورثه الجد عن أبيه الذي ورثه عن والده هو رمز للوطن الذي يحبه الجد كثيرًا ويشعر أن مسؤوليته الحفاظ عليه. ثم ينتقل الحديث كي يتمحور حول البرتقال اليافاوي وأنواعه وما حصل لبيارات البرتقال عام 1948 واستيلاء قوات الاحتلال عليها وتهجيرهم للفلسطينيين منها. ومثل الفصل الأول ينتهي هذا الفصل بنبرة تملؤها التفاؤل والأمل إذ يتمكن الجد من العودة من لبنان إلى يافا بعد رحيله عنها والعودة إلى تجارة البرتقال التي كانت تمارسها عائلته وإحيائها. وفيما يسعد الجد سليم في التحدث عن أنواع البرتقال والبيارات وعن الماضي السعيد الذي نرى أن الأب في قصة كنفاني يجد صعوبة هائلة في التحدث عن فلسطين وعن بياراته وبيوته. فقد كان الأب بعيدًا عن أرض البرتقال يعيش مأساة تهجيره عن الوطن بهدوء وألم، على عكس الجد سليم الذي يتمكن من العودة إلى موطنه وإلى بياراته.
وفي الفصل الأخير نقرأ عن ضياع الدبوس الذي يمتلكه الجد ومرضه ونقله إلى المستشفى وحزن العائلة لا سيما رانية عليه. تدعو رانية لجدها بالشفاء كي تعود إلى البحر برفقته وتبني معه قصورًا من الرمال وتستمع لقصصه المثيرة عن يافا. وإن حزن الجد على الدبوس يعكس حب الجد للوطن، فالدبوس على شكل برتقالة يرمز أيضًا للوطن. نترك الجد سليم مريضًا في نهاية القصة كما نترك الأب في قصة كنفاني مريضًا وبائسًا يرتجف من الغضب، وبجواره مسدسًا وبرتقالة. كانت البرتقالة جافة يابسة تدل على الإحباط وضياع الأمل. فهل يقتل الأب نفسه؟ وهل يُشفى الجد سليم كي يعود إلى البحر ويحكي قصصه المثيرة عن يافا وفلسطين لحفيدته؟ وهل سيرجع الفلسطينيون إلى وطنهم وأرضهم كما فعل الجد سليم؟ فهل هم مثل الأب في قصة كنفاني الذي يستسلم إلى قدره أم مثل الجد في قصة "برتقال يافا" الذي يكافح من أجل العودة إلى وطنه وبالفعل يعود؟






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة لا تغضب يا كنغور والتميّز
- الكورونا والحياة
- ليس بالقوة يحيا الإنسان
- الأدب في الكتاب المقدس
- الفلسطينيون والهوية
- كرنفال المدينة رواية ضاعت فيها الحبكة
- سفر مريم والعودة إلى المستقبل
- الدجاجة المذعورة وأدب الطفال
- سامي قرّة يحاضر في اليوم السابع حول نظرية الأدب
- الولد المشاغب والأم الجاهلة والأب الغول
- العلاج بالقراءة
- ولادة الرواية البوليسية في الأدب الفلسطيني
- رواية شبابيك زينب والوطن المفقود
- قضية امرأة خلف القضبان
- من سأكون؟ من سأكون؟
- أشواك البراري-رحلة مع الذات
- أشواك البراري:رحلة مع الذات
- علي رجل المبادئ والنضال
- نسيم الشوق: أحبها لكنها من دين مختلف
- البحث عن فدوى


المزيد.....




- الشام في النصف الأول من القرن العشرين.. دمشق في عيون محمد كر ...
- ابتداء من الخميس المقبل.. الحكومة تعتمد جواز التلقيح
- جلالة الملك يحيي ليلة المولد النبوي الشريف
- نسخة تركية من الهيبة .. جبل التركي من يكون؟
- إسلام ميلبا يكتب عن أفلام جميلة تم اتهامهما بتهمة فيلم ريش: ...
- بتهمة الإساءة لسمعة مصر.. فنانون مصريون ينسحبون من عرض فيلم ...
- مجلس الحكومة يتدارس مشروع قانون المالية لسنة 2022
- قانون المالية يراهن على نمو ب 3,2 في المائة وإحداث 250 ألف ف ...
- نقيب الفنانين المصريين يؤكد في لجنة لمجلس النواب أهمية قرار ...
- فنان يستعين بـ200 شخص لالتقاط صور عارية قرب البحر الميت (صور ...


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سامي قرة - البرتقال رمز للوطن المفقود