أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد مطير - البلاد ..... قراءة في ذاكرة الحرب














المزيد.....

البلاد ..... قراءة في ذاكرة الحرب


محمد مطير

الحوار المتمدن-العدد: 1615 - 2006 / 7 / 18 - 12:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


( ربما سأستيقظ يوما فلا اجدني في أحضانك .. احبك يا فيض رغبتي الخرقاء )
عقيل علي

حين غادر الرجل الغريب المدينة خلسة .. كاد يتعثر بالحواجز المزروعة هنا وهناك …
المدينة رسمت لعنة مستديمة في وجوه الناس . أناس يدورون في دائرة القلق القاتم …
لم يكونوا يوما جزءا من تلك السياسات التي جلبت لهم كل هذا الخراب …،
كانوا مطية يركبها السلطان ….
حينئذ توقف برهة ليرمي دمعة نزلت بطيئة كأيام العوز إلى الصبية ذوي الملابس المتسخة الذين ما برحوا يلوحون له بأياديهم ..
- إلى أين تمضي …
التفت الرجل الغريب بصعوبة وتمتم :
ألا ترى الخراب يزحف ..
يزحف إلى كل حارة , شارع … إلى كل بيت ..
واجهش بالبكاء …….
أشتهيك أيتها المدينة العارية …
أشتهيك أيتها المدينة الآثمة …
كرع بعض رشفات من زجاجة الخمر التي ما فارقته .. ثم مضى يترنح في الشوارع المتكئة على الهواء ,…
أصوات الطائرات تتعالى … والبلاد ترتجف ….
ظل يسير بتثاقل مميت حتى نهاية الشارع المحاذي لمدينة العاب مهجورة باتت أشبه بامرأة عجوز غلبتها سنوات عجاف من عمر بددته هكذا دون جدوى….
فأجاب الظل:
” الخراب سيتبعك ..
مادمت قد خربت حياتك
في هذا الركن الصغير من العالم …
فحياتك خراب أينما حللت ”
- لم تكن المدينة التي خربت حياته كهذه يا صديقي….. !
ا لا ترى الشوارع تسير على ذاكرة معطوبة .. ثم مضى يحث الخطى للخروج من المدينة فهي على وشك السقوط وقد يدخلها الأمريكان في أي لحظة ولايدري ماذا سيفعلون ..
لابد أن يقطع الشارع المؤدي إلى جسر الناصرية مشيا ….
ذلك الجسر الذي لم يتعافى ألا قبل شهور قليلة بعد أن خربته الطائرات ..
الطائرات ذاتها ….
لازالت صور الضحايا عالقة في ذهن الرجل .. .. يومها قدمت قرابين للفوضى …
طوابير من الضحايا …..
تطايروا في الهواء … وغرقوا في نهر أخذ نذوره المؤجلة دفعة واحدة .. .
كم كان ثمن الحرية وقتها …
كم كان ثمن الأفكار الهشة أمام هذا الكم الهائل من الموتى ..
ما معنى الموت في زمن رديء لا يشبهه شئ .
- حين التقيتها في المرة الأخيرة كانت لديها رغبة جامحة للبكاء …
البكاء المر على ضحايا كطوابير تنتظر السلخ لبلاد هشمتها الحروب ..…
تبكي بأحضاني بمرارة تعيد طفولتها التي صادرتها الحروب .
وأنا المح حيرتها …
بين الفينة والأخرى كانت عيني تذهب بعيدا .. ..
العصفور بجانبها ،
كان قلبه يرتجف …
يرتجف …
…….

بادرتني : هل أطلقه … ليحلق بعيدا ، نحو ارض اكثر أمانا …
لكني كنت أخشى أن تمزقه الطائرات …. !!
صافرات الإنذار تنقض على مساحات البياض المتبقية للصفو …
لم أكن وقتها أنتظر لحظات القنوط تلك فالموت لا يتسع للتنظيرات الكبيرة والمدينة الآن مشروع كبير للقتل وعلي أن افر بجلدي قبل أن تفتك بي دموعها التي ما برحت تتساقط كالرصاص المخبول الذي بدأنا نسمع أصواته في كل اتجاه. هاهي الطائرات مرة أخرى …
- أن قسوة الحياة التي تحتضنها هذه المدينة تجعلك تفكر كثيرا في جدوى البقاء في هذه المدينة المربكة .
المار ينز يبحث عن عدو موهوم .. !!
……..؟؟ ؟ !!
… الخطوات المتثاقلة للرجل تشير إلى رغبته للتزود برائحتها وهي تحترق .. .
لم يكن يعرف أن الحرب ستبدأ هكذا بهذه الطريقة الفاضحة ..
لا تترك مسافة ألا للهلع الآسر ..
لم يكن أمام الرجل الغريب ألا مسافة ليست طويلة ليجتاز السواتر ويغور في بساتين النخيل الممتدة كالملل على النهر بعد أن يعبر الجسر السريع النائم على ضفتيه ..
أشلاء العصافير المحترقة على امتداد الشارع المحاذي للنسيان ….
ريش العصافير المقتولة يغطي الإسفلت …
يأخذ مساحة مشاكسة طويلة …
العصافير التي تحلق عاليا … …!
أخفقت في تلمس أشلاءه بين العصافير الميتة ….
الريش يغطي الإسفلت …
العصافير تحلق عاليا …
الطائرات أيضا ….
ال…
ع..
ص..
ا…
ف ..
ي ..
ر ….
الظل بدأ يتلاشى شيئا فشيئا … ثم توارى .. …
توارى هناك في القصف الكثيف وأصوات الطائرات التي بدأت تغير بشراسة حيوان مفترس على جثة هامدة …
الرجل الغريب الذي غادر المدينة خلسة غرق هو الآخر في بساتين النخيل الشاخصة كخيول مستعدة للهرب . وغطت المدينة في حريق الطائرات المجنونة … تتمزق كجسد طفل غض
لا يقوى على الصراخ .

- من قصيدة ” المدينة ” ل كافافي



#محمد_مطير (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نهارات ثملة


المزيد.....




- -الوقائع العسكرية-: اقتران -سوخوي-25- مع مسيرات -غيران- الرو ...
- - قاع الهامور- يصعد إلى الترند في مصر، ما القصة؟
- مسلحون يقطعون طريق دمشق – السويداء.. والامتحانات الثانوية ره ...
- أوكرانيا وروسيا في سباق خطير.. موسكو وبكين تطوران بديلًا لـ- ...
- حرب إيران وقواعد أمريكا في الخليج.. نهاية عصر الحصون الكبرى؟ ...
- سوريا.. الجيش الإسرائيلي يتوغل في قرية أم العظام في ريف القن ...
- -أكسيوس-: اجتماع -نادر ومثمر- بين وزير الخارجية السوري ورئيس ...
- -واشنطن بوست-: هل تنفذ إيران ضربة استباقية قبل انتخابات التج ...
- الجيش اليوناني ينقل بطارية باتريوت إضافية إلى جزيرة كريت
- -مناهضو الحرب في السودان- يرفضون مقترح الحوار ويطرحون مسارا ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد مطير - البلاد ..... قراءة في ذاكرة الحرب