أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد عبد الحميد - الدور الأمريكي في تصاعد تيار الاسلام السياسي-حالة الاخوان المسلمين















المزيد.....



الدور الأمريكي في تصاعد تيار الاسلام السياسي-حالة الاخوان المسلمين


خالد عبد الحميد

الحوار المتمدن-العدد: 1609 - 2006 / 7 / 12 - 09:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة :
رتب الاحتلال الأمريكي مجموعة من التداعيات علي المنطقة العربية من بينها ما يتعلق بعملية الإصلاح السياسي،الذي أسهم بدوره في صعود تيار الإسلام السياسي؛ فقد بادرت الولايات المتحدة الأمريكية في إطار ما أسمته بـ"الحرب علي الإرهاب" بمطالبة الدول العربية بإجراء إصلاحات سياسية علي ضوء ما رأته من أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في هذه الدول تفرخ الإرهاب الذي أصبح يطول دول العالم الغربي .
وبالرغم من محاولة الدول العربية إبداء قدر من الممانعة فإنها اضطرت مع تصاعد الضغوط الأمريكية إلي الاستجابة لمطالب الإصلاح بدرجة اختلفت من دولة إلي أخري ، وبغض النظر عن طبيعة هذه الاستجابة إذا ما كانت شكلية أم حقيقية فإن الثابت أن مطالب الولايات المتحدة قد أفرزت مناخاً أتاح درجة من حرية الحركة للقوي السياسية المعارضة .
وينطبق هذا الأمر علي الحالة المصرية حيث شهدت مصر حالة من الحراك السياسي بلغ ذروته مع إعلان الرئيس مبارك مبادرته بتعديل المادة 76 من الدستور الخاصة بطريقة اختيار رئيس الجمهورية مروراً بإقرار مجلس الشعب للتعديل وإجراء الاستفتاء عليه وإجراء الانتخابات الرئاسية في شهر سبتمبر 2005 وصولاً إلي إجراء الانتخابات البرلمانية خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2005 التي شهدت مفاجأة غير متوقعة وهي حصول جماعة الإخوان المسلمين "المحظورة" علي 88 مقعداً تمثل نحو خمس عدد مقاعد مجلس الشعب .
وإزاء تلك التطورات تثار مجموعة من التساؤلات من بينها : ما مدي تأثير الضغوط الأمريكية علي صعود الإخوان المسلمين في مصر ؟ وما هي تداعيات صعود الإخوان علي مطالب الإصلاح الأمريكية ؟ ..هذا ما ستحاول هذه الورقة البحثية الإجابة عليه .

أولا : المطالب الأمريكية بالإصلاح .. مبادرة الشرق الأوسط الكبير
اختلفت طبيعة الاهتمام الأمريكي بقضية نشر الديمقراطية عقب أحداث 11 سبتمبر2001،فقد كشفت هذه الأحداث وفقاً لرؤية الإدارة الأمريكية عن وجود مشكلة ثقافية كبرى في العالم العربي ككل لا سبيل لمعالجتها من جذورها إلا بعملية تحديث شاملة ،وقد رأي منظرو إدارة الرئيس بوش الابن أن الأوضاع الداخلية،السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،في دول المنطقة تسببت في حدوث الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة في 11/9/2001 ، فقد ربطت الإدارة بين هذه الأوضاع وتأثيرها على الأمن القومي الأمريكي .. تلك الأوضاع التي تفتقد من وجهة النظر الأمريكية لثقافة ومؤسسات الديمقراطية مما يؤدي إلى ظهور تيارات وأفكار متطرفة قد تستخدم العنف لنشر أفكارها ليس فقط داخل البلدان العربية والإسلامية بل في المجتمع الغربي ذاته .
في هذا السياق تبرز تصريحات المسؤولين الأمريكيين على اختلاف مستوياتهم حيث أكد الرئيس بوش في خطاب ألقاه في جامعة كارولينا (9/5/2003 ) أنه " في عصر الإرهاب العالمي وأسلحة الدمار الشامل فإن ما يحدث في الشرق الأوسط يهم أمريكا كثيراً ..إن تقدم الحرية والسلام في الشرق الأوسط من شأنه أن يضاعف أمننا ،وأن أيديولوجية الإرهاب المبنية على الكراهية تكيفها وتغذيها وتحميها أنظمة طغيانية .. أما الدول الحرة فهي تشجع الإبداع والتسامح والمشاريع الحرة " ، وفي خطابه الذي ألقاه في 6 نوفمبر 2003 أكد الرئيس الأمريكي أنه " طالما ظل الشرق الأوسط مكاناً لا تزدهر فيه الحرية فإنه سيبقي مكاناً يتسم بالتشنج ومشاعر الامتعاض والعنف الجاهز للتصدير" .
وقد تدعمت تلك الرؤية بوجود قناعة داخل الإدارة الأمريكية بأن أمريكا مكلفة بإنقاذ الإنسانية وأن القيم الأمريكية هي قيم الإنسان كافة ،وهو ما أكده الرئيس بوش في خطابه في مكتبة الكونجرس في 4 فبراير 2004 حيث قال في معرض حديثه عن الحرب ضد الإرهاب " وهذه الحرب أيضاً صراع بين رؤى ..ونحن نقبل مسئولية التاريخ . إن الرسالة الموجهة للمنتظرين للحرية والعاملين من أجل الإصلاح هي أنه بإمكانهم الثقة بأن لديهم حليفاً قوياً ثابتاً يتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية " .
وقد أخذ الاهتمام الأمريكي بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط خطوات عملية وملموسة .. فقد دفعت الإستراتيجية الأمريكية التي تحمل عنوان " مكافحة التطرف والإرهاب "الولايات المتحدة إلي التركيز علي الأوضاع الداخلية لدول المنطقة وبدأ التركيز بوجه خاص على الربط بين التطرف والعنف وبين نقص الحريات السياسية ومستويات التعليم وحقوق الإنسان والمرأة ،كما سبقت الإشارة ، وفي هذا السياق أكدت الوثيقة الأمنية الأمريكية الصادرة عن البيت الأبيض في أواخر عام 2002 على ضرورة العمل من أجل تغيير البيئة الداخلية في العالم العربي والإسلامي لتصبح غير مساعدة على إنتاج الأفكار المتطرفة المشجعة على الممارسات الإرهابية حسب وجهة النظر الأمريكية .
علي ضوء تلك الرؤية أعلنت إدارة الرئيس بوش مجموعة من المبادرات التي تضمنت مجموعة من المطالب الموجهة إلي الدول العربية بشأن إجراء إصلاحات سياسية شاملة ، وكانت أولي هذه المبادرات مبادرة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول التي أعلنها في 12 سبتمبر 2002 تحت اسم "مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط" Middle East Partnership intiative وشملت عدة برامج في توطيد المجتمع المدني والإصلاح الاقتصادي وتنمية القطاع الخاص والتعليم ، ثم أعلن الرئيس بوش في خطاب ألقاه في جامعة كارولينا (9/5/2003 ) عن مبادر الشراكة الاقتصادية بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وتضمنت إقامة منطقة تجارة حرة بين الولايات ودول المنطقة في غضون عشر سنوات ( 2003 – 2013 ) وربط بوش مبادرته بقيام حكومات المنطقة بإجراء إصلاحات سياسية ( مثل مكافحة الفساد والإرهاب وحماية حقوق الملكية ) واقتصادية ( مثل تحسين مناخ الاستثمار،وتشجيع القطاع الخاص ) .
وفي إجراء ثالث عرض الرئيس بوش في خطابه أمام المؤسسة الوطنية للديمقراطية بواشنطن في 6 نوفمبر 2003 لرؤية إدارته بخصوص نشر لديمقراطية وأوضاعها في الشرق الأوسط ، حيث كرر الربط بين غياب الديمقراطية في المنطقة وتنامي ظاهرة الفقر والتي وفقاً له ، قادت إلي التطرف والإرهاب الذي تسبب في أحداث 11 سبتمبر وأكد أن بلاده ستعمل على إحداث تغيير كبير نحو الديمقراطية في دول الشرق الأوسط وفرق بوش بين التحديث والتغريب مؤكداً أن حكومات وشعوب المنطقة لنتكون مضطرة لاتباع النموذج الغربي في سبيل تحقيق الديمقراطية .
*مبادرة الشرق الأوسط الكبير :
جاءت مبادرة الشرق الأوسط الكبير تتويجاً للمبادرات السابقة، وقد أشار بعض الكتاب إلي أن مفهوم "الشرق الأوسط الكبير" ليس جديداً حيث نوقش هذا المفهوم بالاسم ذاته في خريف عام 1995 في واشنطن فأشار الكاتب هانس بينينديك إلي أن تعريف الشرق الأوسط علي وضعه الحالي أصبح قديماً ويجب توسيعه ليشمل تركيا من الشمال إلي القرن الأفريقي ومن المغرب إلي باكستان ، وحدد الكاتب حينها ثلاثة أهداف للولايات المتحدة من وراء ذلك وهي حماية مصالحها النفطية وضمان أمن إسرائيل وضبط حركة المنظمات الأصولية .
* مضمون المبادرة وأهدافها :
نشرت صحيفة الحياة اللندنية ( 13/2/2004) النص الكامل للمبادرة حيث بدا واضحاً أنها تركز على الدفع باتجاه " إعادة تشكيل " منطقة الشرق الأوسط عبر الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ،وفي هذا السياق أشارت المبادرة إلي أن هناك " نواقص ثلاثة " حددها تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية للعامين 2002 و 2003 وهي الحرية والمعرفة وتمكين النساء ، وتساهم هذه " النواقص" في خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية لكل أعضاء مجموعة الدول الصناعية الثمانية ، وأكدت المبادرة أيضاً أنه طالما تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة كلما كان هناك زيادة في التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة.
وقد حددت المبادرة الإطار الجغرافي للشرق الأوسط الكبير ..حيث احتوي المشروع على منظور مختلف في التعامل مع الجغرافيا السياسية للمنطقة .. فيدمج المشروع الشرق الأوسط الراهن في دائرة جغرافية وسياسية وأمنية أوسع تشمل الدول العربية بالإضافة إلي باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل .
إلي جانب ذلك احتوت المبادرة على برامج تفصيلية محددة بخصوص أوجه الإصلاح المراد تنفيذه سواء علي المستوي السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي ما يعنى أنها لم تكتف بمجرد طرح الرؤى دون وضع آليات التنفيذ ، بالإضافة إلي ذلك فقد جاءت المبادرة لتعكس بوضوح أن عملية الإصلاح باتت إستراتيجية أمريكية مطلوب تحويلها إلي إستراتيجية دولية لها أطر عامة كما لها في الوقت نفسه آليات للتنفيذ .
وفيما يتعلق بأهداف المبادرة فيمكن القول أنها تأتي في إطار ما يسمي بـ " الإصلاح الأمريكي " للمنطقة والذي كانت أولي خطواته هي إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة بغية تأهيلها نموذجاً للاحتذاء به في المنطقة ، وثاني هذه الخطوات هي مبادرة الإصلاح والتسوية في السودان التي تمت بتدخل أمريكي مباشر ، وثالثها مشروع الإصلاح الأمريكي في أفغانستان الذي اتخذ مساراً في اتجاه بناء أرضية جديدة للدولة من خلال نشر نماذج محددة للثقافة السياسية لإعادة قولبة الثقافة السياسية ومراجعة الأنظمة التربوية وفرض إصلاحات اجتماعية ، ورابعها الخطوات التي حققتها الإدارة الأمريكية على صعيد الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة ، وخامسها انبثاق ديناميكية اختراق متزايد ونوعي لقوى المجتمع المدني العربي الإسلامي من خلال تنفيذ برامج واسعة أبرزها قنوات التعبئة الإقليمية ( إذاعة سوا – تليفزيون الحرة )والمكاتب الإقليمية التي ستفتح لتسويق مشروع الشرق الأوسط الكبير
وقد حملت الولايات المتحدة المبادرة إلي قمة الدول الصناعية الثماني التي عُقدت في مدينة سي آيلاند بولاية جورجيا الأمريكية في يونيو 2004 وذلك في محاولة لتحويلها إلي مبادرة دولية وهو ما نجحت فيه واشنطن بصورة جزئية ، حيث تبنت القمة المبادرة غير أنها أدخلت عليها بعض التعديلات بغض تلافي الانتقادات التي وجهت إليها .
ومن هذه التعديلات الإقرار بأن الإصلاح لا يفرض من الخارج ، وينبغي أن يتم بطريقة تدريجية وحسب ظروف كل دولة ، والي جانب ذلك كان واضحاً أن القمة أرادت أن تكسب تأييداً للمبادرة فتحدثت عن ضرورة تسوية القضية الفلسطينية ، من جهة أخري حرصت القمة علي وضع آلية لمتابعة مدي التقدم التي تحققه كل دولة في إطار ما جاء في المبادرة وتمثلت هذه الآلية فيما عرف ب "منتدى المستقبل" الذي يعقد بصورة دورية بمشاركة وزراء الخارجية والمالية والاقتصاد للدول الصناعية الثماني والدول العربية .
في هذا الإطار بدأت إدارة الرئيس بوش في ممارسة بعض الضغوط علي مصر ،وأخذت هذه الضغوط أشكالاً عديدة من أهمها إشارات الرئيس بوش المتكررة في خطاباته عن أهمية أن تقوم مصر بإصلاح سياسي ، وكان بوش قد حرص في خطاب حالة الاتحاد (فبراير2005) علي أن يكرر رسالة علنية سبق وبعث بها إلي النظام المصري خلال عام 2004 قائلاً " إن مصر التي قادت التحول نحو السلام في المنطقة تستطيع أن تظهر قدرتها علي قيادة المنطقة نحو الديمقراطية " مؤكداً " أن الولايات المتحدة ستقف مع حلفاء الحرية لدعم التحركات نحو الديموقراطية في الشرق الأوسط لإنهاء الاستبداد في عالمنا " ، واعترف الرئيس الأمريكي بأن السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط طيلة الستين عاماً الماضية كانت خاطئة لأنها كانت تدعم نظماً غير ديموقراطية .
إلي جانب ذلك اتخذت الإدارة الأمريكية مجموعة من الخطوات العملية للضغط علي النظام المصري من بينها تلويح جهات في الكونجرس باتخاذ إجراءات عقابية ضد مصر قد تصل إلي حد قطع المساعدات العسكرية التي تحصل عليها القاهرة سنوياً، وتهديد نواب بتقديم ما أسموه "مشروع محاسبة مصر" إلي الكونجرس بسبب تزايد معاناة الأقباط –حسب زعمهم- ،وتسريب اتهامات لمصر بأنها زودت نظام صدام حسين بأسلحة كيماوية ، ونية واشنطن الي التقدم بطلب لمناقشة موضوع الإصلاحات الداخلية في مصر في اجتماع للدول العربية والدول الصناعية الثماني كان من المقرر عقده بالقاهرة في الثالث من مارس 2006 ،بالإضافة إلي إعلان السفارة الأمريكية في القاهرة عن تقديم مبلغ مليون دولار للجمعيات الأهلية في مصر .
وكانت أبرز مظاهر الضغط الأمريكي علي النظام المصري هو الموقف من سجن رئيس حزب الغد أيمن نور، فقد أعربت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بصورة علنية خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرها أحمد أبو الغيط عقد في واشنطن (15/2/2005) عن "القلق الشديد إزاء احتجاز السلطات المصرية للسيد أيمن نور" ، وطالبت بحل سريع للقضية موضحة أنها ناقشت هذا الموضوع مطولاً مع وزير الخارجية المصري وذكرته بأن الحكومة المصرية "أمامها فرصة وعليها مسؤولية أن تقود عملية الإصلاح والتحول الديموقراطي في المنطقة" .
إلي جانب ذلك كانت رايس قد أبلغت القاهرة بأن عليها أن تضع اقتراحات جدية للإصلاح وأن تكون جاهزة في الثالث من مارس 2005 خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب مع وزراء خارجية الدول الصناعية الثماني الذي كان مقرراً أن يعقد بالقاهرة ، غير أن الحكومة المصرية ردت بإلغاء الاجتماع مما دفع وزيرة الخارجية الأمريكية إلي زيارة لها كان من المقرر أن تتم في الخامس والعشرين من مارس 2005 ،وحتى عندما قامت رايس بزيارة القاهرة بعد ذلك فقد عقدت اجتماع مع رموز الأحزاب المصرية حضره ممثل عن الحزب الوطني ، وباقي أحزاب المعارضة ، كما ألقت كلمة بالجامعة الأميركية أكدت فيها علي تمسك واشنطن بتحقيق إصلاح سياسي في مصر.
ثانياً : طبيعة استجابة النظام المصري
يمكن التمييز في طبيعة استجابة النظام المصري لمطالب الإصلاح الأمريكية بين مرحلتين، اتسمت المرحلة الأولي بالإعلان الصريح عن رفض مطالب الإصلاح وقد استمرت تلك المرحلة منذ ظهور مبادرة الأوسط الكبير وحتى نهاية عام 2004 ، بينما شهدت المرحلة الثانية ما يمكن أن نعتبره استجابة لتلك المطالب .
فبالنسبة للمرحلة الأولي فقد أكد المسؤولون المصريون علي رفض المبادرة مؤكدين أن السبب في الإرهاب هو استمرار الصراع العربي الإسرائيلي دون تسوية عادلة، وفي هذا الصدد أكد الرئيس مبارك في كلمة وجهها إلي مؤتمر الصحفيين العرب (23/2/2004 ) أن "مشاعر الإحباط واليأس الناجمة عن عدم تسوية هذا النزاع العربي الإسرائيلي هي التي خرجت عن إطارها بفعل قوى التطرف لكي تؤذى بعض المجتمعات الأخرى .
كما اتجهت مصر إلي تنسيق الموقف مع المملكة العربية السعودية حيث قام الرئيس مبارك بزيارة الرياض وأكد البيان المصري السعودي المشترك الصادر (24/2/2004) علي أن الاهتمام بتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط يستلزم إيجاد حلول عادلة ومنصفة لقضايا الأمة العربية والإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية ،كما أكد البلدان رفضهما فرض نمط إصلاحي على الدول العربية والإسلامية من الخارج مؤكدين أن الدول العربية تمضي على طريق التنمية والتحديث والإصلاح ،كما اعتبر الرئيس مبارك أن من يتصور أنه من الممكن فرض حلول أو إصلاحات من الخارج على أي مجتمع أو منطقة هو "واهم" .
علي صعيد آخر اتجهت مصر إلي تحريك مسألة الإصلاح علي المستوي العربي عبر الحديث عن أهمية إصلاح الأوضاع العربية ورفض أي أفكار من الخارج ، والتأكيد علي خصوصية كل دولة، وجاء هذا الأمر قبيل انعقاد قمة تونس العربية (أبريل 2004) ، وكان لافتاً رفض الرئيس مبارك للدعوة التي وجهت إليه لحضور اجتماعات قمة الدول الصناعية الثماني التي عقدت بولاية جورجيا الأمريكية ( يونيو 2004) ،وذلك حتى لا يفسر حضوره بموافقته علي مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي كانت القمة ستناقشها.
أما بخصوص المرحلة الثانية فقد بدأت مع إعلان الرئيس مبارك في 26/2/2005 أنه طلب من مجلس الشعب تعديل الدستور ليتسنى انتخاب رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح بالاقتراع السري المباشر، وبالرغم من أنه لا يمكن إنكار دور القوي الوطنية الداخلية في هذه الخطوة فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلي أن مبادرة الرئيس مبارك جاءت في جزء كبير منها تخفيفاً للضغوط الأمريكية التي سبقت الإشارة إليها ورغبة في تخفيفها.
فقد جاءت المبادرة بشكل مفاجئ لم يتوقعه الكثيرون حتى من بين المسؤولين المصريين أنفسهم وليس أدل علي ذلك من أن مسألة تعديل الدستور كانت مرفوضة تماماً من قبل الحزب الوطني .. فحين راحت أصوات المعارضة المصرية تعلو مطالبة بإدخال تعديلات جوهرية علي الدستور جرت محاولة لاحتوائها وتم الاتفاق علي إجراء حوار بين الأحزاب الرسمية والحزب الحاكم، غير أن هذا الحوار لم يصمد كثيراً وما لبث أن انهار لأسباب عديدة كان أهمها إصرار الحزب الوطني علي عدم المساس بالدستور،وما هي إلا أيام أو أسابيع قليلة حتى أعلن الرئيس مبارك طلب تعديل الدستور .
والحقيقة أن الطريقة التي تمت بها تعديل المادة 76 قد أكدت أن الهدف في الأساس كان تخفيف الضغوط الأمريكية التي تصاعدت بدرجة ملحوظة في هذه الفترة ، فقد جاء التعديل متضمناً مجموعة من الضوابط والتفاصيل غير المألوفة في دساتير العالم دون الالتفات إلي ما قد يحدثه ذلك من تشوهات ومعارضات لاسيما وأنه يمكن القول بأن التعديل كان مانعاً – كما ذهب أحد خبراء القانون الدستوري في مصر – بمعني أنه يحول دون وجود مرشحين متعددين .
ثالثاً : طبيعة استجابة القوي السياسية المعارضة –حالة الإخوان المسلمين
تبلور موقف القوى المعارضة المصرية ومن بينها جماعة الأخوان المسلمين من مطالب الإصلاح الخارجية في شقين رئيسيين : الأول هو الإعلان الصريح والواضح عن الرفض التام لهذه المطالب ورفض التعاون مع الولايات المتحدة في هذا الشأن ، أما الشق الثاني فتمثل في محاولة الاستفادة من المناخ الذي أفرزته تلك المطالب لا سيما مع إحساس هذه القوى بأن النظام قد بدأ يستجيب لهذه الضغوط مع إعلان الرئيس مبارك عن طلب تعديل المادة 76 .
وبالنسبة للشق الأول فقد أكد الأخوان المسلمون مراراً رفضهم لمطالب الإصلاح الخارجية وذهبوا إلى حد التأكيد على نفس المنطق الذي استخدمته الحكومة المصرية في بداية تعاملها مع تلك المطالب من قبيل أن الإصلاح لا يفرض من الخارج ، واعتبار ذلك تدخل في شئون مصر الداخلية بل وأكدوا أنهم لن يستخدموا كمعول لتدخلات خارجية تستهدف مصر وقد تؤدي في النهاية إلي تكريس سيناريو " الفوضى الخلاقة " التي تروج له الإدارة الأمريكية .
وفي هذا الصدد قال المرشد العام للجماعة محمد مهدي عاكف " لقد طالبنا بأن يتم الإصلاح من الداخل ولا يفرض علينا من الخارج قبل أن يطرح الرئيس مبارك مبادرته التي ترفض هي الأخرى أن تفرض علينا الديمقراطية من الخارج " وقال نائب المرشد محمد السيد حبيب " نحن نعلم أن هناك ضغوطاً شرسة وضارية من أمريكا بصفة خاصة علي مصر ، وموقفنا من هذه الضغوط واضح وثابت ومعلن ونؤكد أننا نرفض هذه الضغوط ولا نقبل أي تدخل أمريكي في شؤون بلدنا حتى لو كان المقابل أن يحصل الأخوان على منصب رئاسة الجمهورية فنحن لا نقبل عرقنة مصر ، ونعتبر هذه الضغوط محاولات للتدخل في شؤون بلدنا ونوعاً من الابتزاز المرفوض ومحاولة لفرض الوصاية علينا والعودة بالبلاد إلي شكل من أشكال الاستعمار " .
إلي جانب ذلك نفي الإخوان أي رغبة في الحوار مع الولايات المتحدة ، ووضع المرشد مجموعة من الضوابط في هذا الصدد حيث أكد على ثلاثة مواقف يعتبرها أساسية وهى رفض أجندة الإصلاح ، كما سبقت الإشارة ،ورفض أن يكون " مساعداً لنظام خارجي ضد نظام بلدي " ، ورفض الحوار المباشر مع المسؤولين الأمريكيين إلا في وجود ممثلين من وزارة الخارجية المصرية وذلك " حتى لا يقال أنني أتحاور مع قوي أجنبية في غيبة النظام"
ولا شك أن موقف الإخوان المعلن من مطالب الإصلاح الخارجية أخذ في اعتباره عدم استفزاز النظام لا سيما وأن الرئيس مبارك حذر بشدة من أي اتصالات بين قوى غير مشروعة داخلية وقوى خارجية ، فضلاً أن الإخوان أردوا عدم إعطاء الفرصة لاتهامهم بالاستقواء بالخارج في مواجهة الداخل وهو اتهام من شأنه أن يشوه صورتهم أمام الشارع المصري ، ومن ثم كان الحرص على رفض المطالب الخارجية ورفض أي حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية .
أما بخصوص الشق الثاني الخاص بمحاولة الاستفادة من المناخ الذي أفرزته مطالب الإصلاح الخارجية فقد عمد الإخوان إلي تحقيق أكبر قدر من الاستفادة فانضموا إلي قوى المعارضة في رفض بعض القرارات السياسية وعملوا في الوقت نفسه علي إثبات وجودهم في الشارع واستعراض قوتهم في محاولة للتأكيد على أنه ينبغي أخذهم في الاعتبار عند حدوث أي تطور سياسي ، كما حققت الجماعة استفادتها الأكبر عند إجراء الانتخابات الرئاسية ومن بعدها الانتخابات البرلمانية .
ولا شك أن جماعة الإخوان ،كغيرها من قوى المعارضة المصرية ، قد استفادت من ما أسماه البعض بـ"الغطاء الأمريكي " الذي تشكل بفعل المطالبة المستمرة بالإصلاح في مصر ودون المنطقة العربية ، فالضغوط الأمريكية مثلت دعماً مباشراً لجهود المعارضة المصرية في قضية الإصلاح ، والتصريحات التي صدرت عن مسؤولين أمريكيين في مواقع مختلفة قد صبت في النهاية في اتجاه توسيع هامش الحريات والحد من سطوة السلطة تجاه تحركات المعارضة وخصوصاً الإخوان فبالرغم من أن السلطات المصرية قد اتخذت بعض الإجراءات تجاه الإخوان عقب مشاركتهم في بعض المظاهرات إلا أن الحقيقة أن السلطة ظلت يدها مقيدة ، ولولا تسليط الضوء خارجياً على مصر فإن تصرفات الإخوان في هذه المرحلة لم تكن لتقابل من جانب السلطة إلا بإجراءات أشد عنفاً وأكثر صرامة .
وقد بدا أن الجماعة على إدراك تام بهذا الوضع الجديد فأقر نائب المرشد بأن " كل القوى السياسية المصرية استفادت من الضغوط " الأمريكية كونها قيدت من سطوة السلطة في مواجهة المعارضة ، بل أنه أكد عقب الانتخابات البرلمانية أن " كل ما حصلنا عليه من مقاعد كان نتيجة للحراك السياسي الذي حدث في مصر وللضغوط الخارجية ، مما جعل النظام ، بدون إرادة منه ،يزيد مساحة الحرية " .
في هذا السياق اتجهت الجماعة إلي استثمار المناخ القائم عبر مجموعة من الخطوات تمثلت في النزول إلي الشارع واستعراض القوة ، وطرح مبادرة للإصلاح ، والتحالف مع بعض قوى المعارضة المصرية ، وإعلان الموقف من تعديل المادة 76 ومن الاستفتاء عليها ، ثم التعامل مع الانتخابات الرئاسية بمنطق تحقيق مصلحة الجماعة وأخيراً المشاركة في الانتخابات البرلمانية .
وقد بدأت الجماعة في النزول إلي الشارع مبكراً حيث نظمت في 26 مارس 2004 مظاهرة هي الأولي لها منذ تولي الرئيس مبارك للسلطة وهو ما يعكس تحول مهم في نهج الجماعة واكتسابها جرأة لم تكن موجودة من قبل ، وقد برر المرشد تسيير المظاهرة قائلاً أن الهدف هو " سماع صوت الحركة .. لم يكن من الممكن أن نقصر في التعبير عن رؤيتنا في قضية من أخطر القضايا المطروحة وهى التعديل الدستوري والإصلاح السياسي " .
وقد تكررت مظاهرات الجماعة حتى أن الدكتور عصام العريان أحد قيادي الإخوان كان قد تحدث عن تسيير مظاهرة مليونية ، وبغض النظر عن حجم المظاهرات فإن المؤكد أن الهدف هو رغبة الجماعة في استعراض قوتها سواء أمام النظام أو أمام قوى الخارج بما يؤكد وجودها على الساحة كقوة لا ينبغي تجاهلها ، وهو ما نجحت فيه الجماعة بدرجة كبيرة .
وفيما بدا أنه استعراض آخر للقوة عقد المرشد العام للجماعة في الثالث من مارس 2004 مؤتمراً صحفياً كان بمثابة تحول سياسي كبير على خطة تحرك الجماعة حيث طرح المرشد برنامجاً سياسياً متكاملاً أسماه " مبادرة للإصلاح" تضمنت 18 بنداً أهمها الإقرار بأن الشعب هو مصدر جميع السلطات دون هيمنة من أي فرد أو حزب أو جماعة،واحترام مبدأ تداول السلطة والتأكيد على حرية الاعتقاد وحرية الرأي والجهر به وحرية تشكيل الأحزاب السياسية دون تدخل من جهات إدارية وحرية الاجتماعات الجماهيرية والتظاهر السلمي وإجراء انتخابات حرة وإبعاد الجيش عن السياسة وتحديد سلطات رئيس الجمهورية وعدم ترأسه لأي حزب سياسي .
إلي جانب ذلك نشطت الجماعة في التحالف مع قوى المجتمع المصري المعارضة فبعد إقصاءها من المشاركة في أعمال لجنة الدفاع عن الديمقراطية التي تشكلت في أكتوبر 2003 بين عدد من الأحزاب والجمعيات طرحت الجماعة رؤيتها للإصلاح ،كما سبقت الإشارة ،ومع إخفاق الجماعة في إقامة جبهة من الأحزاب المعارضة لفرض تعبئة الشارع وراء مطالب الإصلاح السياسي اتجه الإخوان إلي التوافق مع عدد من قوى المعارضة لم تكن تنتظم في صورة حزب قانوني مثل جماعة " الاشتراكيين الثوريين " ،وحركة 20 مارس ،والحزب الشيوعي المصري ،وحزب الكرامة( تحت التأسيس ) وغيرهم من المثقفين ومنظمات المجتمع المدني وشكلوا معا ما سمي في حينه بـ " الحملة الشعبية من أجل التغيير" التي أصدرت بياناً بعنوان " لا للتجديد .. لا للتوريث .. نعم لانتخابات رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح " .
واستمراراً لهذا النهج تمكنت الجماعة من تكوين " التحالف الوطني من أجل التغيير " في شهر يوليو 2005 وضم بالإضافة إلي الإخوان كل من حزب الوفد وحزب الكرامة (تحت التأسيس ) وحزب العمل(المجمد) وتيار الاشتراكيين الثوريين ، والحملة الشعبية من أجل التغيير ،وكذلك التجمع الوطني من أجل الإصلاح الذي يقوده الدكتور عزيز صدقي ، بالإضافة إلي عدد من حركات التغيير النوعية الخاصة بالأطباء والمهندسين والمحاميين .
وبغض النظر عن مدى فعالية وتأثير هذه التحالفات فإن الشاهد أن جماعة الإخوان المسلمين كانت تتحرك بقدر من الحرية لم يكن متاحاً من قبل حتى أنها تدخل في تحالفات وتعمل على تحشيد قوة المعارضة ،ومن دون شك فإن الجماعة كانت تبحث لها عن شرعية قانونية بالإضافة إلي محاولة تحريك قوى المعارضة المصرية من أجل التغيير .
وقد حرصت الجماعة على توضيح موقفها من التطورات السياسية التي شهدتها مصر منذ إعلان الرئيس مبارك مبادرة تعديل الدستور ، فبينما اعتبر المرشد أن تلك المبادرة "تحركاً ايجابياً" فإنه عاد وأشار أن التعديل الدستوري تضمن "شروطاً تعجيزية" أفرغت التعديل من مضمونه " مضيفاً أن الإخوان يطالبون بتعديل المادة 77 أيضاً .
وفي ظل هذا الموقف انضمت الجماعة إلي القوى الرافضة للتعديل الدستوري الذي أقره مجلس الشعب المصري وحاولت هذه القوة تعطيل تمرير هذه التعديل عبر الدعوة إلي مقاطعة الاستفتاء الذي كان مقرراً بشأن التعديل الدستوري وفي هذا السياق قال نائب المرشد " الإخوان قاطعوا الاستفتاء لعدم تحقيق التعديل الدستوري للإصلاح المطلوب (..) فالشروط التعجيزية التي وضعت أمام مرشحي الرئاسة والتفرقة في الشروط بين الأحزاب والمستقلين خطأ دستوري واضح " .
غير أن إجراء الاستفتاء وتحديد موعد الانتخابات الرئاسية ( سبتمبر 2005) قد أدي إلي تغيير في موقف الإخوان الذي تحول من المقاطعة إلي المشاركة فبالرغم من دعوة بعض قوى المعارضة إلي مقاطعة الانتخابات الرئاسية حثت الجماعة أعضاءها على المشاركة والتصويت دون أن تحدد لهم مرشحاً معيناً ، والحقيقة أن الجماعة نجحت في استثمار هذا الظرف لصالحها تماماً .. فإعلان مشاركة الأعضاء في التصويت دفع بعض المرشحين (ايمن نور ، نعمان جمعة ) إلي محاولة كسب ود الجماعة ، غير أنه يمكن القول أنه كان هناك ما يكن أن نعتبره تفاهماً ولو ضمنياً بين الجماعة والحكومة المصرية .. فمجرد مشاركة الإخوان في الانتخابات أعطى لها دفعة مهمة ،كما أن عدم تأييد أي من المرشحين ضد الرئيس مبارك علانية كان معناه إمكانية أن يقوم الأعضاء باختيار الرئيس مبارك ، ومما قد يثبت جدية هذا الطرح هو قيام السلطات المصرية بالإفراج عن بعض رموز الإخوان المعتقلين في ذلك الوقت أمثال الدكتور عصام العريان .
وكانت الانتخابات البرلمانية هى الفرصة التي انتظرها الإخوان المسلمون ليحصلوا على ثمار تحركاتهم في هذه الفترة حيث شاركت الجماعة بـعدد 150 مرشحاً انخفض إلي 120 مرشحاً بعد ذلك، ولوحظ أنه لأول مرة منذ عودة الحياة الحزبية في مصر أن مرشحي الإخوان يعلنون عن انتمائهم صراحة دون أن يتقدموا باسم " التيار الديني " كما كان يحدث من قبل ، فرفعوا شعار "الإسلام هو الحل " ووضعوا كلمة " الإخوان المسلمين " في كل دعاياتهم الانتخابية ، ورغم استبعادهم من الجبهة الوطنية للتغيير التى ضمت أحزاب المعارضة الرئيسية فإنهم شاركوا في الانتخابات منفردين دون التحالف مع أي من قوى المعارضة كما حدث عامي 1984 و 1987 .
وقد أظهرت نتائج الانتخابات أن جماعة الإخوان المسلمين هي القوة السياسية الوحيدة التي نجحت في الاستفادة من المناخ الذي أفرزته مطالب الإصلاح الخارجية .. فقد حصلت الجماعة على 88 مقعداً من مقاعد مجلس الشعب وهو رقم لم يكن أكثر المتفائلين في صفوف الجماعة يتوقعه ، وهو ما يعكس صعوداً واضحاً في العملية السياسية وكونها رقماً مهماً في المعادلة السياسية في مصر ، وهنا يمكن القول أن مطالب الإصلاح الأمريكية قد ساعدت في صعود الإخوان المسلمين في الحياة السياسية في مصر حيث استفادت الجماعة من هامش الحرية الذي حاول من خلاله النظام المصري الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة الأمريكية الخاصة بالإصلاح ، لكن السؤال الذي يثار هنا هو: ما هي تداعيات ذلك الصعود على التوجهات الأمريكية لنشر الديمقراطية في المنطقة العربية ؟ هذا ما سيجيب عليه الجزء التالي من البحث .
رابعاً : تداعيات صعود الإخوان المسلمين على مطالب الإصلاح الأمريكية :
يشير بعض المراقبين إلي أن قضية الحركات الإسلامية التي تشارك في الانتخابات ويمكن أن تصل إلي السلطة هي أكثر ما يحير الإدارة الأمريكية .. فهناك حالة من الخلاف والانقسام داخلها حول هذا الأمر فالبعض يرفض أن يؤدي نشر الديمقراطية في الدول العربية إلي صعود الإسلاميين إلي السلطة باعتبار أن ذلك من شأنه أن يعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر والبعض الآخر لا يرى في ذلك ما يؤثر على المصالح الأمريكية طالما التزام الإسلاميون بمفاهيم الديمقراطية .
والحقيقة أن تعامل واشنطن مع فوز الإخوان قد أعطي انطباعاً بأنها ليست ضد وصول الإسلاميين إلي الحكم طالما أن ذلك لن يؤثر علي مصالحها؛ فقد تطور موقف الإدارة من فوز الإخوان في الانتخابات من التحفظ والتقليل من حجم المفاجأة إلي الإعلان عن التعامل مع نواب الجماعة في مجلس الشعب ولو بصفتهم مستقلين ، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلي محاولة واشنطن التقليل من حجم فوز الإخوان بعد المرحلة الأولي التي حصلوا فيها على 34 مقعداً فأشار مساعد وزير الخارجية ديفيد وولش إلي أن الإدارة ستنظر إلي الأمر على اعتبار أن مجموعة من المستقلين فازوا بعدد من المقاعد ويمكن تفسير هذا الموقف من قبل الإدارة على أنه يعكس خيبة الأمل التي شعرت بها واشنطن من تراجع أداء التيارات الليبرالية وأنه لم يعد أمامها من خيارات سوى النظام الحاكم والإخوان المسلمين .
غير أن نجاح الإخوان في حصد 77 مقعداً مع انتهاء المرحلة الثانية من الانتخابات جعل التصريحات الأمريكية تأخذ منحنى تصاعدي حيث لم يخل مؤتمر صحفي للمتحدث باسم الخارجية الأمريكية من الحديث عن سير العملية الانتخابية ورؤية الولايات المتحدة ، كما ظهرت التصريحات الخاصة بفوز الإخوان وكيفية تعامل الولايات المتحدة مع هذا الأمر ، وهو الأمر الذي أخد أبعاداً جديدة مع تأكد حصول الجماعة على 88 مقعداً تمثل خمس مقاعد مجلس الشعب وتجعلها قوة المعارضة الرئيسية للحزب الوطني الحاكم في المجلس .
ويبرز في هذا الصدد تصريح السفير الأمريكي في القاهرة معلقاً على نتائج الانتخابات حيث أكد أن جماعة الإخوان المسلمين أصبحت أكبر قوة سياسية موجودة في الشارع السياسي وهذا ما سيجعل الحكومة المصرية تفكر في إيجاد طريقة شرعية وقانونية للتعامل مع الجماعة وأعضائها في البرلمان الأمر الذي يتيح للولايات المتحدة التعامل مع الجماعة في إطار قانوني توافق عليه الحكومة المصرية ، وبالنظر إلي تصريحات السفير الأمريكي يتضح أن الإدارة الأمريكية حثت الحكومة في مصر على إعطاء الشرعية للإخوان وهو ما يعكس رغبة أمريكية للاتصال بالجماعة .
من جهة أخرى ذهبت باولا روبرا فينكسي وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية إلي القول أن فوز الإخوان جاء باختيار الشعب المصري وعبر عملية انتخابية وعلينا احترام ذلك ، كما أن الحكومة المصرية ذاتها احترمت ذلك واعترفت بفوز الإخوان ، وحول إمكانية قبول أمريكا حكومة إسلامية في مصر قالت روبرا فينسكي " ليس لدينا أية مشاكل في التعامل مع أية جهة طالما أنها جاءت عبر الانتخابات " .
إلي جانب ذلك خرجت بعض التصريحات الأمريكية التي أكدت على أن واشنطن ستقوم بالاتصال بنواب جماعة الإخوان المسلمين في البرلمان ولو بصفتهم مستقلين ،وبذلك تكون الإدارة الأمريكية قد حسمت موقفها من مسألة صعود الإسلاميين في الدول العربية في ظل إسهام مهم من جانب المطالب الأمريكية بالإصلاح حيث يبدو واضحاً أن واشنطن ستستمر في سياساتها الخاصة بالإصلاح في دول المنطقة العربية حتى مع إمكانية وصول تيار الإسلام السياسي إلي السلطة ، وهو ما أكدته ميشيل دن الخبيرة في معهد كارنيجي والأستاذة بجامعة جورج تاون حين أشارت إلى أن إدارة بوش قد لعبت دوراً مهماً في تشجيع النظام المصري للقيام بإصلاحات حتى وان أدى ذلك إلي تحقيق جماعات معارضة لسياسة الولايات المتحدة مكاسب سياسية .
ولا شك أن الموقف الأمريكي الذي بدا عليه عدم الانزعاج من فوز الإخوان المسلمين بـ88 مقعداً من مقاعد مجلس الشعب يشير إلي وجود رؤية لدى الولايات المتحدة بشأن التعامل مع تيار الإسلام السياسي حيال وصوله إلي السلطة ، والحقيقة أن هذا الأمر قد شغل بال بعض مراكز البحوث التى تخدم صانع القرار الأمريكي .. فقد ذهب جراهام فولر نائب رئيس وكالة الاستخبارات المركزية في مقال منشور بمجلة فورين أفيرز إلي أن الولايات المتحدة إذا أرادت أن تتعامل بواقعية وجدية مع القوى السياسية في العالم العربي فلا بد من الحوار والتعامل مع حركات الإسلام السياسية القوية التأثير والحضور في هذا الجزء من العالم وفي الاتجاه ذاته قدمت مؤسسة راند دراسة استراتيجية خلصت فيها إلي ضرورة إجراء إصلاح إسلامي شامل لبناء إسلام مدني ديمقراطي يستوعب قيم الحداثة .
وقد انتقل ذلك الاهتمام من مراكز البحوث إلي الإدارة الأمريكية .. فقد كشف تقرير نشرته مجلة يو اس نيوز في 18أبريل 2005 عن أن استراتيجية الولايات المتحدة إزاء جماعات تيار الإسلام السياسي تقوم على أساس أن مصالحها تقضي بالاهتمام ليس فقط بما يحدث في ساحات العالم الإسلامي بل داخل الإسلام ذاته وقياداته ، وأن الولايات المتحدة لا يمكنها البقاء فى " موقع المتفرج " بينما تجري مواجهة بين ما يوصف بالإسلام والمعتدل والإسلام الراديكالي ، وأكد أن واشنطن رصدت 1.3 مليار دولار لتمويل تشجيع الحوار مع الإسلاميين بطرق مختلفة .
وفي هذا الإطار أشارت مصادر إلي أن إدارة الرئيس بوش تجري بالفعل مراجعة لسياساتها تجاه التيارات الإسلامية المعتدلة فى المنطقة من حيث تصنيف تلك المنظمات على أساس موقعها من الديمقراطية ومبدأ تداول السلطة ونظرتها إلي العنف ، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلي ما قاله جيمس وولسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الأسبق في إجابته على سؤل يتعلق بماذا لو أوصلت الحرية والديمقراطية الإسلاميين إلي السلطة ؟ ..حيث قال " الأمر يتوقف على ماذا نعنى بكلمة إسلاميين .. فإذا كان من يصل للسلطة مثل الإسلاميين في تركيا (..) فلا ضرر من وصول إسلاميين إلي السلطة ما داموا يقبلون بالتداول السلمي لها ، ولكن إذا كان هناك من يسمي نفسه إسلامياً ويعني بذلك انه يريد أن يشارك فقط في انتخابات لمرة واحدة وبعد ذلك يقرر (..) كيف تحكم البلاد ،فهو أمر غير مقبول مهما كانت التسمية " .
ووفق بعض المصادر فإن هناك مجموعة من الأسباب أو العوامل التى دفعت الولايات المتحدة الى تبنى تلك الرؤية ومن أهمها ما يلى :-
· أن الرغبة في تحقيق الإصلاح داخل الدول العربية يقتضي التعامل مع التيارات الداخلية بما فيها تيار الإسلام السياسي انطلاقاً من كون هذا التيار يمثل أحد أهم مكونات الحقل السياسي العربي لذا لا بد من التعامل معه لا سيما مع تزايد احتمال استفادته من عمليات التحول الديمقراطي الداخلي فى الدول العربية .
· إن هناك قوائم مشتركة في الرؤى تجمع بين الإسلاميين المعتدلين والولايات المتحدة حيث تعتبر الرؤية الاستراتيجية الأمريكية دوماً الحركات الإسلامية والمعتدلة أقرب إليها في الرؤى من الحركات اليسارية مثلاً .
· هناك اقتناع أمريكي بأن الإسلام المعتدل يستطيع القيام بدور حائط الصد الذي يقوم بامتصاص ومنع تدفق العناصر الإسلامية نحو التنظيمات الإرهابية ، والجيل الثاني من تنظيم القاعدة ، وفي هذا الصدد كشفت دراسة معهد راند ،التى سبقت الإشارة إليها، عن أن أمن الولايات المتحدة بحاجة إلي " إسلام معتدل " وفق الرؤية الأمريكية ،ولذلك فإن على الإدارة الأمريكية أن توفر كل الدعم الممكن الذى يتطلب الانفتاح على الجماعات والأحزاب السياسية المعتدلة والتقرب بها والتحاور معها ،وفي هذا الصدد اعتبرت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أثناء حضورها مؤتمر دبي ( نوفمير 2005) أن أنجع وسيلة لانحسار التطرف في الشرق الأوسط هي السماح للمعارضة الإسلامية غير العنيفة بالمشاركة في الحياة السياسية .
· ان عدم السماح للجماعات الإسلامية المعتدلة بالعمل والمشاركة في الحياة السياسية قد يؤدي إلي تكرار نموذج الثورة الإسلامية فى ايران حيث نقل تقرير في صحيفة "الفايننسيال تايمز " عن راؤل جريتش عضو المعهد الأمريكي القريب من المحافظين الجدد قوله إنه " من المحتم أن يلعب الإسلاميون دوراً رئيسياً في توجيه الأحداث
(..) فمن الأفضل السماح للإسلاميين المعتدلين من ذوى المصداقية بالصعود عبر الديمقراطية بدلاً من ركوب موجة الثورة الإسلامية " .
· ولا شك أن كل هذه العوامل تنطبق على حالة الأخوان في مصر وهو ما يعني أن الإدارة الأمريكية ستعمل على تنفيذ رؤيتها التي سبقت الإشارة إليها في الحالة المصرية لا سيما أن البعض يشير إلي أن صعود الإخوان بهذا الشكل قد يدفع النظام إلي تنمية البدائل وتوسيع دائرة المشاركة لخلق بدائل للتيار الديني وهو ما يجدد شرعية النظام عبر انتماؤه للشعب ،بالإضافة إلي أن البعض داخل الإدارة يرون أن تأثير الإخوان لن يصاحبه تغييرات دراماتيكية في السياسة المصرية ومن هنا فإنه لا مبرر لتأجيل مشروع الإصلاح والتراجع عنه .






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- شيخ الأزهر يدعو قادة العالم لمساندة الشعب الفلسطيني -المظلوم ...
- شيخ الأزهر يدعو قادة العالم لمساندة الشعب الفلسطيني في قضيته ...
- رسالة من الجامع الأزهر إلى الحكام العرب بشأن القدس
- خطيب الجامع الأزهر يوجه رسالة إلى الحكام العرب حول القدس
- ثمانون عاما على حملة اعتقالات -البطاقة الخضراء- الجماعية بحق ...
- محمد النني هدف جديد للحملات ضد داعمي القضية الفلسطينية.. عضو ...
- صحفي يهودي مناهض للصهيونية ينتقد موقف السعودية والإمارات من ...
- ماس: لا تسامح على الإطلاق مع مهاجمة معابد يهودية في ألمانيا ...
- عكرمة صبري: إذا أراد الاحتلال الهدوء فليرفع يده عن المسجد ال ...
- اشتباكات قرب المسجد الأقصى بعد اعتداء قوات الاحتلال على المُ ...


المزيد.....

- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد عبد الحميد - الدور الأمريكي في تصاعد تيار الاسلام السياسي-حالة الاخوان المسلمين