أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صلاح السروى - كيف تحول عبدالناصر الى رمز حى فى الوعى الشعبى؟؟















المزيد.....

كيف تحول عبدالناصر الى رمز حى فى الوعى الشعبى؟؟


صلاح السروى

الحوار المتمدن-العدد: 6690 - 2020 / 9 / 28 - 01:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


على الرغم من مرور خمسين عاما على رحيله لايزال جمال عبدالناصر يشغل حيزا كبيرا من مشاعر المصريين والعرب، وربما فى العديد من بلدان العالم الثالث أيضا. بحيث نلاحظ حضور صورته فى الكثير من البيوت والمحافل والثورات والتظاهرات. كما لايزال صوته المعدنى يذاع فى الحوادث والملمات. ولم تزال شخصيته تطفر فى مخيلة الفقراء والثوار، كلما حلت بهم مظلمة أو طرأ عليهم انكسار. فلم يعد، عند المواطن البسيط، هو الزعيم الذى فقدناه، فقط. بل أصبح نموذجا ومعيارا للزعيم الذى يرجو أن يجود الزمان بمثله يوما.
ولاشك ان تلك المكانة التى وصل اليها عبدالناصر، بحيث تحول الى أسطورة ورمز، لم تتواجد بالمصادفة، بل خلقتها عدة عوامل موضوعية متضافرة، لا يقل أى منها عن الآخر فى الأهمية.

1- الظروف المحلية والدولية:
لقد كان الظرف الاجتماعى - التاريخى الذى ظهر فيه عبدالناصر، يعتبر زمن الانكسارات والهوان على كل المستويات. فقد كانت ومصر ومعظم البلدان العربية تخضع للاستعمار (المباشر أو غير المباشر) وتعيش فى كل الأحوال فى حالة تبعية كاملة للغرب، مما أدى الى هزيمة جيوش هذه البلدان، مجتمعة، فى حرب 1948، وتاسيس دولة الكيان الصهيونى فى 15 مايو من هذا العام، وهذا الحدث، على التحديد، هو الذى عجل بفكرة التغيير الكامل الشامل لهذه الوضعية، بعد أن ضاقت غالبية الشعب المصرى من: استغلال اجتماعى على أيدى "الباشوات" من كبار ملاك الأراضى، الذين استأثروا بمعظم الخيرات والخدمات، على حساب غالبية الشعب (فلاحين وعمال) التى عانت من الفقر المدقع (مشروع مكافحة الحفاء عام 1950) خير شاهد، والجهل والمرض. كما عانى الشعب من القمع السياسى واستبداد الملك المدعوم من الاحتلال، مما أجهض كل المكاسب الديمقراطية التى وعد بها دستور 1823 ، فما ان تتم الانتخابات النيابية وينجح حزب الوفد (كالمعتاد) يقوم الملك باقالة الوزارة وحل المجلس النيابى وتشكيل حكومة أقلية.
لقد كانت الهزيمة العسكرية وضياع فلسطين، بالاضافة الى واقع الاستغلال والقهر، بمثابة "شهادة نهاية الصلاحية" لهذه النظام الحاكم ولهذه الوضعية الاجتماعية والسياسية، الظالمة, برمتها. وهنا كان الشارع المصرى جاهزا تماما لاجراء عملية تغيير شاملة لهذا النظام، بكافة تجلياته الاجتماعية والسياسية، وأضحى يعيش فى حالة انتظار لبزوغ عهد جديد، مترقبا ظهور "مخلص" من النوع الذى يذخر به التاريخ والمخيلة الراسخة فى الثقافة المصرية (والعربية – الاسلامية، على حد سواء) . ساعد على ذلك ظهور الاتحاد السوفيتى باعتباره دولة عظمى وقطبا عالميا بعد خروجه مظفرا من الحرب العالمية الثانية, ومعه كتلة كبيرة من دول شرق ووسط أوربا، تعمل على مناهضة الرأسمالية العالمية والاستعمار وتساعد دول العالم الثالث وحركات التحرر البازغة فيها، وتنشر افكار الاشتراكية والعدل الاجتماعى والتحرر السياسى.

2- الانحياز والانجاز:
فى هذه الأجواء ظهر تنظيم الضباط الأحرار الذى قام بثورة الثالث والعشرين من يوليو وعلى رأسه جمال عبدالناصر، فكان هذا الاستقبال الأسطورى والدعم الشعبى الهائل الذى حظيت به هذه الثورة. خاصة، أن أول قراراتها تمثل فى قانون الاصلاح الزراعى فى التاسع من سبتمبر عام 1952، أى بعد أقل من ثلاثة أشهر على قيام الثورة، وهو ما ضاعف الدعم والتأييد على نحو غير مسبوق فى تاريخ الثورات. ثم اتفاقية الجلاء عام 1954 ، حيث تحقق ذلك الحلم الذى ظل يراود المصريين طيلة سبعين عاما، وتحررت مصر خلال عامين فقط من قيام الثورة, فى مقابل أكثر من 30 عاما من المفاوضات العبيثية، فى العهد السابق. ثم قام عبدالناصر بتأميم قناة السويس فى السادس والعشرين من يوليو عام 1956، وصمد الشعب والجيش والقيادة أمام العدوان الثلاثى الذى شنته قوتان عظميان هما انجلترا وفرنسا ومعهما اسرائيل، (باعتبارها وكيلة اعمالهما الاستعمارية فى المنطقة), وباتت مدينة بورسعيد رمزا عالميا للمقاومة والانتصار, لا تقل فى ذلك عن مدينة ستالينجراد فى الاتحاد السوفيتى ابان الحرب العالمية الثانية. وهنا لم يكتسب عبدالناصر وصف "الزعيم" المنتصر فى مصر، فقط، بل أضحى زعيما عالميا، بالمعنى الكامل للكلمة، فكان ملهما بانجازاته لكل حركات التحرر فى العالم الثالث، من آسيا الى افريقيا الى أمريكا اللاتينية، من الهند والصين الى الكونغو والجزائر واليمن، الى كوبا وبوليفيا وفنزويلا. وحتى فى يوجوسلافيا وباقى شرق ووسط أوربا. وتأكدت هذه الصفة بقوة بعدما خرجت مصر من هذا العدوان باعتبارها مركزا عربيا وعالميا للتحرر ومناهضة الاستعمار فى كل مكان. وتقود معسكرا كاملا من غالبية دول العالم الثالث بما فيها الصين والهند ويوخوسلافيا يسمى دول (منظمة الحياد الايجابى و عدم الانحياز).
ومن ثم، تواصلت انجازات عبد الناصر الكبرى من مجانية شاملة وكاملة للتعليم، الى نشر لشبكة الرعاية الصحية فى كل ربوع مصر، الى بناء للسد العالى فى أسوان (والذى يبرهن على عظمة الانجاز وتاريخيته كل عام مع مجىء الفيضان). الى ثورة كبرى فى مجال التصنيع، وعلى جميع المستويات: من صناعة ثقيلة، الى متوسطة، الى خفيفة .. من الحديد والصلب والسيارات والتراكتورات والسلاح والطائرات، الى الورق والأدوات الكتابية. فلم تعد مصر عملاقا سياسيا فقط بل باتت عملاقا صناعيا واقتصاديا وعسكريا مرهوب الجانب.
بسبب كل ذلك ظهر عبدالناصر باعتباره قائدا وطنيا رفع رأس أمته وشعبه، وبخاصة من أبناء الفلاحين والعمال وفقراء المدن والطبقة الوسطى، فترجم شعار "ارفع رأسك يا أخى فقد مضى عهد الاستعباد" الى واقع فعلى على الأرض. فلم تقتصر زعامة عبدالناصر على المستوى الوطنى، بل أصبح "زعيم الفقراء" من كل فئات الشعب من الشغيلة والكادحين والمهنيين.

3- الكاريزما والسمات الشخصية:
بالاضافة الى كل هذه الانجازات التى وصلت الى حد "المعجزة" فى المخيلة الشعبية، تميز عبد الناصر بسمات شخصية أهلته لتبوء موقع الزعامة بامتياز نادر, فلقد تميز بنوع من الكاريزما والحضور الشخصى الطاغى (وصفه البعض بالحضور الساحر)، بعينين مصريتين سوداوين ثاقبتين، وملاحة وجه نيلية آسرة، مع طول فارع وبنيان جسدى هائل جعله يصل، فى الوعى الجمعى الشعبى، الى مرتبة أبطال الأساطير. الى جانب كونه خطيبا مفوها يمتلك ثقافة سياسية وتاريخية كبيرة، ومنطقا محكما وبلاغة مقنعة ومؤثرة على نحو ندر نظيره بين الحكام المصريين، مع صوت رجولى معدنى بالغ الأثر.
بالاضافة الى تمتعه بحس سياسى واجتماعى بالغ الرهافة، فتمكن من خلق قناة تواصل بينه شخصيا، من ناحية ، وجموع الشعب، من ناحية ثانية. بحيث بدا الأمر وكأن خطابه مضبوط على "موجة" بث شعبية، لاتخطىء وجهتها نحو مشاعر وعقول الجماهير.

4- طبيعة الوعى الثقافى لدى الجماهير :
من هنا بدا عبدالناصر، فى الوعى المصرى والعربى, كما لو كان "المخلص" الذى أرسله "القدر" ليملأ الأرض عدلا وتقدما ورخاء واستقلالا وكرامة، بعد أن ملئت ظلما وتخلفا وفقرا وارتهانا لارادة الاستعمار .
ولاشك أن الفارق الكبير بين ما حققه عبدالناصر من انجازات وانحيازات الى جانب ما تمتع به من ملامح وسمات، من ناحية، ونهج من جاؤا بعده، من ناحية أخرى، قد أكد فكرة القيمة الاستثنائية لعبدالناصر. فلم يتمكن أحد ممن حكموا مصر بعد وفاته أن يملأ الفراغ الكبير الذى تركه.

5- التقييم والمآلات:
وبالطبع شاب تجربة عبدالناصر الكثير من الاخفاقات والأخطاء، وكان هو أول المعترفين بها. وعلى رأسها ملف الحريات وهزيمة السابع والستين، ولكن انجازاته ومواقفه، على المستوى الواقعى، وقيمته ودلالته، على المستوى الرمزى، كانا أكبر بكثير من كل أخطائه. بل أكاد اقول أن هزيمة السابع والستين، وهى أقسى اخفاقاته بلا شك، قد عززت من تعاطف الناس معه وتعلق قلوبهم به، لأنه بدا كما لو كان "بطلا تراجيديا" نبيلا يريد الخير والتقدم لبلاده ولقضية العرب ولقضية الحرية على صعيد العالم، يسقط فى حومة الصراع مع الأعداء والمتربصين الذين يحيكون له المكائد لاسقاطه وتدمير جهوده. كما كان لرحيله الفاجع أثناء محاولته لايقاف نزيف الدم الناتج عن الاقتتال الدامى بين القوات الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، فى مؤتمر القمة الذى عقد بالقاهرة فى السادس والسابع والعشرين من سبتمبر 1970، دور فى تعزيز صورته، باعتباره الفارس النبيل الذى يستشهد فى ميدان القتال.

ولعل من أبلغ ماقيل فى هذا المعنى ما قاله الشاعر المصرى أحمد فؤاد نجم :

"عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابت
وعاش ومات وسطنا
على طبعنا ثابت
وان كان جرح قلبنا كل الجراح طابت".



#صلاح_السروى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تحاول السياسة التركية اعادة التموضع تجاه قضايا الشرق العر ...
- الثقافة والهوية والعولمة نحو دراسة منهجية لعمليات التف ...
- دلالات الضربة الايرانية على القواعد الأمريكية فى العراق
- النقد الشلانى للرواية
- اتجاهات الأدب والثقافة فى مصر فى القرن العشرين
- بعض قضايا الرواية عند منظرى النقد الاجتماعى
- حول الصراع الأمريكى - الخليجى مع ايران
- موقف من الصراع الأمريكى - الخليجى مع ايران
- سمير أمين وإشكالية التقدم والتنمية لدول العالم الثالث في ظل ...
- صلاح السروى - باحث أكاديمي وناقد أدبي مصري، وعضو المكتب السي ...
- مصر : ضرورة اتخاذ موقف مستقل ازاء الأوضاع الاقليمية المعقدة
- انتفاضة يناير درة العقد فى مدرسة الاحتجاج المصرية
- ماذا تبقى من طه حسين؟
- جريمة كنيسة الوراق - الدلالات والأهداف
- ثورة الثلاثين من يونيو - الواقع والتحديات
- الانتفاضة المدنية المتواصلة خطوة على طريق انقاذ الثورة
- المسار السياسى والمسار الثورى - علاقة جدلية
- السقوط الوشيك لتيار الاسلام السياسى فى مصر
- مأزق الثورة المصرية ومهمات الانقاذ
- البرلمان آخر ورقة فى يد الثورة المضادة


المزيد.....




- أميرة ويلز: لماذا نشرت الأميرة كيت ميدلتون صورة لها عندما كا ...
- أميركا تشعل النزاعات في الشرق لنشر الفوضى: فما دور روسيا في ...
- فلاديمير روغوف يتحدث عن أتراك وأمريكيين يحاربون إلى جانب روس ...
- للأسبوع الخامس على التوالي.. عشرات الآلاف يحتجون في إسرائيل ...
- صاروخ واحد أنهى العملية.. مقاتلة أميركية تسقط المنطاد الصيني ...
- شولتس: كييف لن تستخدم أسلحة الغرب لضرب العمق الروسي
- بألحان من سوريا والمغرب.. ألبوم جديد لـ-أسيد أراب- الجزائرية ...
- بكين تبدي -استياءها- لإسقاط منطادها بمقاتلة وتحتفط بحق الرد ...
- شولتس: بوتين لم يهددني أو يتوعد ألمانيا خلال المحادثات الهات ...
- أستراليا..سمكة قرش تودي بحياة مراهقة أثناء تزلجها على الماء ...


المزيد.....

- سيميائية الصورة في القصيدة العربية PDF / ياسر جابر الجمَّال
- طه حسين ونظرية التعلم / ياسر جابر الجمَّال
- الخديعة - منظمة الفساد الفلسيطينية / غسان ابو العلا
- قطرات النغم دراسة في موسيقى الشعر العربي / ياسر جابر الجمَّال
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية / ياسر جابر الجمَّال
- مُتابعات – نشرة أسبوعية العدد الأول 07 كانون الثاني/يناير 20 ... / الطاهر المعز
- مدار اللسان / عبد الباقي يوسف
- عوامل تبلور الهوية الفلسطينية(1919-1949م) / سعيد جميل تمراز
- الحد من انتشار الفساد المالي والأداري في مؤسسات الدولة / جعفر عبد الجبار مجيد السراي
- الدَّوْلَة كَحِزْب سِيَّاسِي سِرِّي / عبد الرحمان النوضة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صلاح السروى - كيف تحول عبدالناصر الى رمز حى فى الوعى الشعبى؟؟