أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الازرق - الفاشية واللاسامية الجديدة: العربوفوبيا والإسلاموفوبيا و-تركيب صورة- العرب والمسلمين في الاعلام الغربي















المزيد.....


الفاشية واللاسامية الجديدة: العربوفوبيا والإسلاموفوبيا و-تركيب صورة- العرب والمسلمين في الاعلام الغربي


عبدالله الازرق

الحوار المتمدن-العدد: 1486 - 2006 / 3 / 11 - 08:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


-1-
عرض مسرح إتحاد الطلاب في جامعة ميزوري حيث كنت أدرس فيلما عن المجاعة في إثيوبيا ، صور مؤلمة لأطفال تضخمت رؤوسهم وبطونهم وبرزت عظام صدورهم حتى لكأنها توشك أن تفر من طبقة الجلد الرفيعة المتبقية وسرح الذباب في محاجر عميقة في قاعها تتحرك عيون مجهدة وأمهات وآباء يمشون ولا يكادون، تغطي أجزاء من أجسادهم أسمال بالية وبؤس تقصر الكلمات عن وصفه.

لدى إنتهاء الفلم أجهش الطلاب أولاد الأمريكان ببكاء ملؤه الحسرة والألم وسالت مشاعرهم مع دموعهم بما ينبئ عن إنسانية عميقة وتبرعوا جميعا. وتبرعنا نحن الطلاب الأفارقة لكن أحدا منا لم يذرف دمعة واحدة للأسف!!! (ملحوظة: يتبرع المواطنون الأمريكان بحوالي 34 مليار دولار كل عام للأعمال الإنسانية وربما زاد هذا المبلغ الآن).

- وفي نفس الجامعة بادر الطلاب الأمريكان ببناء نموذج مدينة أكواخ shanty town أمام مبني إدارة الجامعة وسكنوا فيها إحتجاجا علي إستثمار الجامعة لملايين الدولارات في جنوب أفريقيا العنصرية وقتها وستطول القائمة إن أخذنا في سرد شواهد إنسانية وعظمة المواطن الأمريكي 0

من ناحية أخرى(1) أبدى 71% من الأمريكان تأييدهم قصف ليبيا بالطائرات عام 1986م، وأعتبروا ذلك الفعل ردا مناسبا على الإرهاب(2). يشتكي صديقنا الفلسطيني من أن إبنه الذي يدرس في السنة الثانية في الجامعة تعقد منها وكرهها لأن زملاءه الطلاب الأمريكان يطلقون عليه إسم Camel Jockey "محتال الجمال" إشارة لكونه عربيا(3). وانتشرت شعارات "اقتلوا عبيد الصحراء (العرب)" kill the sand niggers بعد أن أذاعت CNN أن العرب المسلمين هم الذين فجروا المبنى الفدرالي في اوكلاهوما عام 1995م. وأثناء حرب الخليج تحدث الناس في شوارع بروكلين عن ضرورة ضرب العرب بالقنابل الذرية مع مد الـ A "we should nuke all the Ayrabs" (4). وتشتكي النساء المحجبات أنهن يشيعن بنظرات ملؤها الإزدراء والإحتقار وأن الحجاب يجعل تشغيلهن تكتنفه كثيرا من الصعوبات 0

-2-
وهذه أيضا قائمة طويلة من الرفض والعزل والتهميش والإحتقار والسخرية من المعتقدات موجهة تحديدا ضد العرب والمسلمين. لكن لا بد أن يكون ثمة خطأ ما. ما الذي يجعل الغربي المليء بالإنسانية يتبني أنماط سلوك وآراءً تناقض تماما شواهد جمة على إنسانيته. لمحاولة الإجابة على السؤال ينبغي أن نزور هوليوود أولا.

" الفوبـيا " : هي الخوف المرضي غير المنطقي. وقد شاع خوف غير منطقي من العرب والمسلمين، وخلقت لهم صور شائهة مخيفة لا تفرق بين العرب والمسلمين فهم وفق الصورة القبيحة سواء.

بناء صورة العرب والمسلمين في الأفلام :
يبدأ فيلم "علاء الدين والمصباح السحري" بصورة بدوي يمتطي جمله عبر الصحراء وهو يغني :
جئت من أرض... أرض بعيدة هناك I come from a land, from a faraway place
حيث تجول جمال القوافل Where the Caravan Camels roam
وحيث يقطعون أذنيك إذا لم يعجبهم وجهك Where they cut of your ear
if they don’t like your face نعم... إنها بربرية... ولكن لا ضير فذلك وطني It is barbaric, but hey, it s home بعد أن أكملت نهى إبنتي - وكانت في عمر السادسة وكانت أعجمية آنئذ- مشاهدة فيلم الكرتون Bugs Bunny وأيضا Charlie s Angels وغيره جاءتني مرة متساءلة why are we such bad guys "لماذا نحن (العرب) سيئون الى هذا الحد؟". أرجو أن تعذروها فهي لم تشاهد فيلم كرتون واحدا فيه عربي ذو شخصية إنسانية، مثلها مثل ملايين من أطفال العرب والمسلمين.
يقول بروفسير جاك شاهين استاذ علوم الإتصال في أمريكا وهو حجة في "تنميط" stereotypes الشخصية العربية والمسلمة في أفلام هوليوود متسائلا "هل من الاسهل أن يلج الجمل في سم الخياط من أن يظهر على الشاشة عربي كبشر سوي".
بروفسير شاهين، وهوعربي مسيحي من أصول لبنانية، نشر ثلاثمائة دراسة في ما تنتجه هوليوود عن العرب والمسلمين خلال حوالي ثلاثين عاما وقال إنه درس 900 فلم في هذا الباب ولم يجد واحدا منها يعرض صورة طيبة عن العرب. وفي كتابه T.V.ARAB الذي صدر عام 1984م فالعرب وفقا لهوليوود:
أثريا بشكل خرافي، وبرابرة غير مهذبين، ومهووسون بالجنس مع ولع خاص بالرقيق الأبيض، كما أنهم يستمتعون بالإرهاب.
يقول شاهين إن "علي بابا" يصبح في أفلام الكرتون علي بوبو جرذ الصحراء Ali Boo-Boo the Desert Rat وكما هو معروف أن Boo-Boo صوت إزدراء وتحقير لدى الأمريكان ومعروف أن RAT معناها أيضا الإنسان الحقير وهناك أيضا "عبدالله الجزار" والإيحاء لا يخفى.
وإجمالا فشخصية العربي كما تصورها أفلام هوليوود للأطفال يمكن تلخيصها في الآتي :
ـ بدو يلبسون جلابيب تشبه بجامات النوم لدى الأمريكاني ، وكل نسائهم يلبسن ملابس راقصات هز البطن ويلبسن الخمر، ورجالهم يغطون رؤوسهم بقطعة قماش تشبه "فوطة" تربيزة المطاعم الأمريكية ويملكون آبار نفط ويركبون سيارات الليموزين الفارهة أو الجمال.
لا تفرق هوليوود – كما لا تفرق مصادر الثقافة الشعبية الغربية الأخرى – بين العرب والمسلمين، فكل العرب مسلمون، وكل المسلمين عرب. كل المسلمين أصوليون، كما أن كل الأصوليين إرهابيون. ومن ثم فالمسلمون في الأفلام أناس غريبون يلتحي رجالهم ذوو العيون الحمر. وتتركز الصورة لدى المشاهدين حتى يعتقدوا أن المسلمين يعتنقون دين مليء بالغموض يميل الى العنف والتطرف والإرهاب.
ولنضرب مثلا بفيلم "ليس من دون إبنتي" (1991) وفيلم "أكاذيب حقيقية" (1994). فالفيلم الأول يركز على أن المسلمين يستعبدون المرأة ويجعلونها خاضعة وذليلة، والأسرة المسلمة تعيش أوضاع إمتهان وعنف وضرب للزوجات بواسطة أزواج متطرفين وظلمة.
أما الثاني فيعرض العرب كقوم عنصريين متعطشين للدماء متخلفين مهووسين بالجنس، والطريف أن هذا الفيلم من بطولة آرنولد شوارزنغر حاكم كالفورنيا الحالي.
أما فيلم "قواعد الإشتباك" (عرض عام 2000) فيروج الى أن العرب المسلمين يعلنون الجهاد ضد أمريكا لقتل الأمريكان.والأسوأ أن رسالته هي أنه (ليس فقط مناسبا بل هو صحيح أخلاقيا قتل العرب واحتقارهم بما فيهم أطفالهم).
بروفسير شاهين يرى أن هذه الأفلام هي الأكثر عنصرية. وأنها "جزءا من أجندة سياسية!!!". وهكذا فإن البرامج التي تصورها هوليوود للأطفال. وكذلك أفلامها للكبار فيها دلالات وإيحاءات وتلميحات بل وفي الأكثر تصريحات مباشرة مسيئة للعرب ومشوهة لصورتهم. والخطر يكمن في أن هذه البرامج هي التي تشكل رأيهم وأحكامهم عن العرب. ويحذر شاهين من هذا التأثير السالب على الأطفال خاصة، قائلا إن هوليوود تستخدم أسلوب الدعاية الذي كان يستخدمه غوبلز وزير دعاية هتلر الذي كان يعتمد على الثبات والتكرار لتكون الصورة "المقولبة" مؤثرة.
فالشيخ العربي اليوم هو نفس اليهودي الذي كان يرسم صورته غوبلز "فهو قذر المنظر، معقوف الأنف، اشعث، شرير، يتحدث الأنجليزية بلكنه ثقيلة، طماع، همه الوحيد إشاعة الرعب بين الناس حول مستقبل رفاههم الإجتماعي، مريض بالجنس".
ويخلص حجة علم الإتصال بروفسير شاهين الى القول عن تأثير أفلام هوليوود عن العرب "عندما يجرد العرب من الإنسانية dehumanized و delegitimized فإن ذلك يسهل جدا إستخدام العنف ضدهم لأنهم جردوا من شخصيتهم". قد تلاحظون أن هوليوود لم تفرق في تصورها للعرب بين متحرر ومحافظ وبين متعلم وجاهل فهي تتعامل معهم ككتلة صلبة.
جاء في الأخبار أن أحد أبناء القادة العرب سعى لشراء إحدى شركات إنتاج الأفلام في هوليوود فلم تفلح كل مساعيه رغم أنه أبدى استعدادا لسداد مبلغ يفوق ما أعلن من ثمن للشركة، هذا في حين إشترت إحدى الشركات اليابانية شركة لعلها MGM بسهولة ويسر .
صورة العرب في التلفزيون والصحافة :
يلعب التلفزيون والصحافة دورا كبيرا في خلق "تصورنا" عن أي إنسان، إلا أن مجال الترفيه هو الذي "يشكل" ويركز الصورة المقولبة للأشخاص بصورة أكبر.
وتنبع خطورة التلفزيون من أن الغربيين عامة يقبلون ما يعرضه، ويأخذون ذلك كحقائق مسلم بها، ومن ثم يستخدمونها كأساس لتشكيل أفكارهم ورؤاهم ومواقفهم.
من ثم يقبل المشاهد من التلفزيون ومن الصحافة أيضا وصفات التمييز والتعريف labels التي يتم تكرارها مثل أن تذكر ديانة المسلم إذا أشترك في جريمة، فتترسخ صورة أن "مسلم هو مرادف إرهابي".
ولعل أفضل مثال هو مسارعة الـ CNN الى نسب تفجير المبنى الفدرالي في أوكلاهوما (1995) بل وإعطاء اسماء (العرب) الذين أدعت أنهم من قاموا بالعمل (الإرهابي) ، هذا رغم أنها كانت فيما سبق تتبع تقليد "حماية هوية المتهم" حينما كان المتهمون غير عرب. أحست CNN بالحرج والخيبة عندما استبان أن الإرهابي مواطن أمريكي يدعى تيموثي ماكفي. وفي صبيحة حادث التفجير في أوكلاهوما نشرت صحيفة (اليوم) Today البريطانية صورة لرجال مطافي وهم يحملون جثة متفحمة وكتبت تحتها "باسم الإسلام" ولم تصحح فيما بعد أن التفجير كان (باسم المليشيا المتطرفة) التي كان يتزعمها ماكفي.
تنسب الصحف ومحطات التلفزة إرتفاع اسعار النفط الى طمع العرب المتعطشين للمال، والذين يسعون الى السيطرة على الموارد الطبيعية العالمية. وجراء التركيز والطرق المتواصل يعتقد معظم الرأي العالمي الآن أن "الأوبيك" مثلا منظمة عربية.
وكمثال فقط نشير الى أن الواشنطن بوست كتبت مرة أن "إمدادات وأسعار النفط يتم التلاعب بها والسيطرة عليها بواسطة العرب الطماعين". وكتبت صحف أخرى أن العرب يودون إبتزاز العالم وجمع السلاح، ويستخدم التلفزيون ايضا اساطير مشابهة مثل أن العرب يريدون شراء أمريكا "شراء بمعنى الإحتكار والسيطرة".
كما أن الكرتون السياسي يصورهم في رسومات توحي بأنهم يريدون أخذ أمريكا والعالم كرهينة وفي صورة بدوي بشع الشكل.
من ناحية أخرى يلاحظ أن إسرائيل تحظى بتغطية إعلامية أكبر من كل الدول العربية مجتمعة. والأهم أنها تحظى بتغطية إيجابية في الغالب الأعم من الأحوال، ذلك لأن إسرائيل تعتبر "إمتدادا للثقافة والحضارة الغربية".
ويرى بعض المحللين أن عدم العدالة في التغطية الإعلامية للطرفين تعود الى تحيز ثقافي وفعالية لوبي اسرائيلي ذي تصميم ودراية رفيعة بأحوال العالم، بالإضافة الى جو التفكير المتشابه بين أجهزة الإعلام المؤثرة، هذا إضافة الى جهل أجهزة الإعلام الغربية بأصل وتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
صورة المرأة العربية المسلمة :
يبدو أن كتاب النصوص الإعلامية والصحفيين يكتبون وفي أذهانهم نتائج مسبقة متأثرة بما سبق أن بث أو كتب، وإلا فما معنى أن تقول "التلغراف" البريطانية أن المدارس الإسلامية تدرس "أن النساء هم مصدر الشر" أو تكتب غيرها أن المرأة المتحجبة ضحية لدين ذكوري كاره للنساء misogynistic، أو أن الإسلام يروج أن المرأة لا روح لها.
كتبت إحدى المسلمات الأمريكيات مدافعة عن الحجاب قائلة "إن المسلمين ينظرون اليه كشارة على تحرر المرأة من تفحص الرجال لها ومن معايير الجاذبية".
المصطلحات :
حينما قتل باروخ غولدشتاين 50 من المصلين في المسجد في القدس، قالت عنه الصحافة الغربية إنه شخص "مشوش التفكير" deranged ولكن حين يقتل عربي مستوطنا إسرائيليا فهو "إرهابي".
يلاحظ أيضا أن ذكر دين أي متهم في أي قضية لا يهم أجهزة الإعلام إلا إذا كان مسلما. وهي تستخدم عبارات سالبة، وأحيانا إزدرائية pejorative. فمن الشائع أن تسمع عبارات (المهاجمين) ، (المتسللين) و(رجال العصابات)، (المفجرين الإنتحاريين). لكن من الطبيعي أن تستخدم تعبيرات إيجابية أو محايدة حينما يتعلق الأمر بإسرائيل : (جنود)، (قوات الأمن)، (الفدائيون أو المغاوير).
يلاحظ عدم الحياء في استخدام الكلمات البذيئة أو العبارات المقذعة غير عابئين بأن المزاج العربي/المسلم يعكر صفوه جدا إطلاق العبارات النابية مثل الـ F- word أو son of… حتى لو تعلق الأمر بأكبر الإرهابيين. بالطبع أن كتاب السيناريو يجهلون - جراء جهلهم بالثقافة العربية/المسلمة - أن العرب/المسلمين ينفرون من مكرري هذه العبارات ويصنفونهم سلبا.
للأسف تجد تشويه الصورة حتى في البرامج الوثائقية. أحد البرامج الوثائقية كان يتناول إنتشار الإسلام في بعض البلاد الغربية، ولم ينس أن يطمئن المشاهدين أنه رغم تكاثر معتنقي الإسلام إلا أنه يظل "ظاهرة معزولة وسط الطبقات الدنيا ولا يؤثر على الأغلبية".
- وللأسف أيضا إمتد تشويه صورة العرب الى بعض الكتب المدرسية فقد عرّف كتاب مقرّر في مدارس أحدى البلاد الغربية (طبع عام 1975) العرب بأنهم "ينتمون الى الدين الإسلامي وهو دين حروب تحتل المرأة فيه وضع عبودية". وتجد شيئا من هذا في الروايات.
جذور الإسلاموفوبيا :
يعتبر المؤرخون أن أوضح تعبير عن الإسلاموفوبيا وقع إبان محاكم التفتيش Inquisition في إسبانيا – وهي محاكم كاثولوكية تحارب "الهرطقة" وبخاصة "هرطقة" اليهود والمسلمين – التي طغت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حيث جعل القساوسة وقودا للنار آلاف الكتب ونفائس من مؤلفات العلماء والفلاسفة والمؤرخين والشعراء والفلكيين والجغرافيين المسلمين التي لا تقدر بثمن (المؤرخون يسمون مسلمي الأندلس المغاربة Moors ولعل الكلمة الإنجليزية جاءت من كلمة مراكش)، ثم طردوا من الأندلس ثلاثة ملايين من المسلمين وثلاثمائة ألف من اليهود (وكانت آخر عملية طرد في نفس عام إكتشاف أمريكا 1492م) وهذه الأرقام لا تشتمل على من أجبر على إعتناق الكاثولوكية.
في أجهزة الإعلام الغربية يتحدثون فقط عن طرد اليهود من إسبانيا، ولا تكاد تجد حديثا عن طرد العرب مع ان عددهم 10 أضعاف اليهود الذين طردوا.
وكان حرق آلاف المؤلفات وطرد المسلمين واليهود خسارة كبيرة لحركة النهضة التي ما كانت ستتحقق أصلا لولا مساهمة هاتين الفئتين.
يقول إدوارد سعيد في (الاستشراق) إنه خلال معظم العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة في أوروبا نظر للإسلام كدين شيطاني ملؤه الهرطقة والردة والغموض، ومحمد (ص) باذر فرقة ومنافق ونبي مزيف. وفاقم من هذه النظرة وصول جيوش المسلمين لأجزاء من أوروبا خلال إزدهار الحضارة الإسلامية. ولكن الخوف من (المحمدية) تواصل حتى بعد إنحطاط المسلمين وصعود أوروبا، ويقول إدوارد سعيد (إن مجرد مجاورة العالم الإسلامي لأوروبا تحيي لديها ذكريات هجمته السابقة) وأن "قوته الكامنة" تزعجها دوما. ثم يمضي ليقول إن الإسلام لم يخضع خضوعا تاما أبدا للغرب، ولذلك فإن حتى تصاعد أسعار النفط في السبعينات أعطى الغربيين الإنطباع أن العالم الإسلامي يخطط ليسيطر عليهم مرة أخرى فسرت فيهم قشعريرة رعب.
على أنه يبدو أن القلق من الإسلام لم يكن بمجرد الجوار - كما يقول سعيد - لأن هذا القلق طفا على السطح أيضا خلال التهافت الإستعماري على أفريقيا Scramble for Africa في القرن التاسع عشر وكان مبرره هذه المرة أن العرب يمارسون تجارة رقيق بشعة. وأنطلقت حملة دعاية ضخمة ضد "فظائع العرب في أفريقيا" وحاجة أفريقيا للمسيحية لتحريرها من الرق.
ويرى بعض المحللين أن الصورة السلبية التي تعطى للإسلام حاليا هي جزئيا إرث لعداء سابق.
من ناحية أخرى يقول محمد شهيد إن هناك عدم إتساق لدى تناول إتجاهات المجموعات الدينية غير المسلمة مقارنة بتلك المسلمة من حيث سرعة إلصاق "رقاع التمييز" Labels، ففي حين يتم تجاهل إتجاهاتها يتم الإسراع للتعليق والدمغ على اي تصرف من قبل المسلمين.
يقول محمد شهيد إن "الأصولية" - التي هي في الأصل حركة دينية أمريكية برزت في الستينات – في تحالفها مع اليمين تنشط بقوة في مجالات السياسة والإجتماع والإقتصاد وتحرض ضد الإسلام وتصفه بأنه دين مزيف، ووصل أتباع الوعاظ التلفزيونيين الملايين من المتطرفين دون أن يدينها أحد.
بناء الصورة العربية / المسلمة :
يتم بناء صورة Image Building الشخصية العربية/المسلمة في الثقافة الشعبية Popular Culture وهي الثقافة العامة التي تعني التصور الشعبي العام المتاح للجميع والذي يستهلكه المجتمع الأمريكي بعامة وغيره من المجتمعات الغربية. وأهم مصادر تشكيل الثقافة الشعبية هي أجهزة الإعلام الجماهيري (سينما، صحف، مجلات، كتب، تلفزيون الخ...)، والثقافة الشعبية لا تعرف تباينات وجوهر الثقافات الأخرى.
من المعلوم أن أجهزة الإعلام الغربية عامة والأمريكية خاصة يحركها الربح، فإن لكلا الزمن والمساحة الصحفية قيمة مالية عالية. ومن ثم فليس لدى الكتاب والمخرجين زمن كاف لإنشاء شخصيات جديدة غير الشخصيات النمطية المعهودة لدى الجمهور، فمثلا إذا كان العرض يتطلب ظهور "إرهابي" فإنهم يظهرون على الشاشة "عربيا"... لأن هذه هي الصورة أو الفكرة السهلة الدارجة عن العرب، وهي أيضا توفر عامل الإثارة والتشويق لدى المتلقي. وجراء التكرار تكرست في الثقافة الشعبية مثل هذه الصور السالبة والمشوهة عن العرب والمسلمين لأن أجهزة الإعلام مصادر اساسية لتشكيل الثقافة الشعبية. وهناك بالمقابل الثقافة العليا High Culture وتعني الآداب وهي تعرف الثقافات الأخرى وقيمتها والفروق بينها إلا أن المشكلة هنا أن هذا المصدر غير متاح إلا لمن يسعى اليه طالبا، ومن ثم فهو ضعيف التأثير على الثقافة الشعبية لأن أجهزة الإعلام لا تهتم كثيرا بالتدقيق والتمحيص والإطلاع على المصادر الأصلية للثقافات الأخرى.
وفي المجتمع والثقافة الأمريكية قوة ضاغطة للإمتثال Conformity والتكيف مع الثقافة الشعبية السائدة، فمثلا لدى المواطن العادي تصور عن مظهر من يعمل في قطاع الأعمال والتجارة بحيث أصبح هناك نظام لبس dress code لا يقبل فيه أن تلبس المرأة العاملة في هذا القطاع حجابا.
ولا تقبل الثقافة الشعبية من يعمل في إعلام الأخبار مثلا إلا أن يتحدث بالإنجليزية بلا لكنة عرقية وأن يكون ملبسه أثناء تقديم عمله الإعلامي متماشيا مع نظرة عموم المجتمع وأقرب للمحافظة لوجود "طقوس القبول الإجتماعي" rite of acceptance، وهذا يتطلب التخلي عن بعض المميزات العرقية مثل الإسم ونوع اللباس العرقي حتى تتوفر لديك ما يعرف بـ on – air talent. وحتى في مجال الإعلانات التجارية لا يأبه المعلنون إلا للكتل الإستهلاكية الكبيرة والمشكلة هنا أن العرب والمسلمين في الغرب عامة لم يندمجوا بعد ولم يصبحوا جزء أصيلا من التيار العام للمجتمع.
ما هو التنميط Stereotype ؟
التنميط هو خلق أو تكوين رأي أو تصور متحيز عن فرد وتعميمه على مجموعة عرقية أو دينية أو إجتماعية، والقول إن جميع المنتمين لتلك المجموعة يتصرفون وفقا لذلك الرأي أو التصور المتحيز، فالتنميط Stereotype من ثم لا يضع في الإعتبار كون أعضاء المجموعة المنمطة هم من بلاد مختلفة أو ذوي معتقدات متعددة أو ثقافات شتى.
وفقا لدراسة جيمس زغبي التي تابع فيها ما يعرضه الكاريكاتير السياسي في الصحافة الأمريكية وما تعرضه أدوات الثقافة الشعبية (الكتب، المجلات، الأفلام، الخ...) خلص الى أن كلا المضمون والشكل لما عرض أو كتب عن اليهود في روسيا القيصرية والمانيا قبل النازية وما يكتب ويعرض عن العرب في الولايات المتحدة خلال السبعينات والثمانينات متطابق: فاليهودي الغريب الشكل صاحب المصرف أو التاجر، يقابله شيخ النفط العربي البدين، وصورة اليهودي أو العربي "الإرهابي" تختلفان فقط في الزي.
ويضيف زغبي أن كلتا المجموعتين تنظر اليهما الثقافة الشعبية كأجانب غرباء عدوانيين لا يشاطرون المجتمع في القيم الغربية وكل منهما ميالة للمؤامرة، كما أن كل من المجموعتين مهددة للحضارة الغربية وتود أن تغتصب ثروتها.
صور اليهود كرأسماليين مستغلين وكفوضويين عنفويين وشيوعيين، ويصور العرب كمسؤولين عن تصاعد التخضم العالمي وكإرهابيين.
المشكلة هنا أن الجهل يمرر كمعرفة بشأن العرب ومن وراء هذا الجهل في الحقيقة فإن الايديولوجيين ideologues يشنون حملة تصور الإسلام كخطر أخضر يحل محل خطر الشيوعية.
وبعــد :
يتصدى للاسلاموفوبيا والعربوفوبيا بعض الغربيين العقلاء المنصفين مدركين أن هذه الصور الشائهة الجاهزة للعرب والمسلمين هي تجسيد معبر عما أسماه فرانسيس بيكون (مؤسس المنهج التجريبي والعلم الحديث في الغرب) "أصنام العقل" Idols of the Mind، وهي صور عقلية جاهزة تمنع التفكير العلمي وتحجب الحقائق، لأنها إعتقادات وتحيزات معيقة تناهض الموضوعية.
من بين هؤلاء العقلاء Raold Dahl الذي أشتهر بانتقاده سلمان رشدي لعدم الحساسية ولاساءته لعقائد المسلمين.
من الآثار الضارة للأسلاموفوبيا والعربوفوبيا أنها تضعف روح الحوار بين الغرب والعرب/المسلمين وتثير الشكوك إزاء دوافع الغرب، ولعل هذه الهجمة هي التي جعلت كثيرا من المثقفين العرب والمسلمين يحتفلون بما نسب لصمويل هنتنغتون أنه قال : "إن الغرب إنتصر ليس بتفوق أفكاره وقيمه ودينه، ولكنه أنتصر بتفوقه في تطبيق العنف المنظم. إن الغربيين غالبا ما ينسون هذه الحقيقة ولكن غيرهم لا ينسونها أبدا".
وأخيرا فإن المواطن الغربي العادي ليس مسؤولا عما حاق بصورة العرب والمسلمين من حيف وتشويه. إن أجهزة الإعلام هي المسؤولة. وبما أن هذه الأجهزة أصبحت بمثابة الوحي في زماننا ORACLE OF OUR TIME فينبغي على دهاقنتها أن يصلحوا الصورة التي جعلوا عاليها سافلها، وعندها لن يصيح صائح Kill the Sand niggers " أقتلوا عبيد الصحراء (العرب)".
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ـ* سفير الجمهورية السودانية في بلغاريا



#عبدالله_الازرق (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- جيروزاليم بوست: وكالة الهجرة اليهودية في روسيا تدرس التحول ل ...
- وسائل إعلام: وكالة الهجرة اليهودية قد تقلص وجودها في روسيا و ...
- الأوقاف الإسلامية: القوات الإسرائيلية تغلق باب العامود بالقد ...
- لأول مرة بعد 40 عاما..حفل تكريم وطني في ذكرى الهجوم على الحي ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى المبارك
- الشرطة تقول إن مسلما هو المشتبه الرئيسي بجرائم قتل أثارت قلق ...
- نائب القائد العام لحرس الثورة الاسلامية: الشعب الإيراني سيوا ...
- قلق بين أفراد الجالية المسلمة بعد عدة حوادث قتل في ولاية نيو ...
- بعد معالم برلين .. كاتدرائية كولونيا الشهيرة تطفئ أنوارها لي ...
- أميرة إماراتية تنتقد اليهود وتستنكر استغلالهم للهولوكوست


المزيد.....

- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر
- ميثولوجيا الشيطان - دراسة موازنة في الفكر الديني / حميدة الأعرجي
- الشورى والديمقراطية من الدولة الدينية إلى الدولة الإسلامية / سيد القمني
- الدولة الإسلامية والخراب العاجل - اللاعنف والخراب العاجل / سيد القمني
- كتاب صُنِع في الجحيم(19) / ناصر بن رجب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الازرق - الفاشية واللاسامية الجديدة: العربوفوبيا والإسلاموفوبيا و-تركيب صورة- العرب والمسلمين في الاعلام الغربي