أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - 8 مارس الثورية - كروبسكايا : المعلمة البلشفية الرائعة - الجزء الثاني















المزيد.....


كروبسكايا : المعلمة البلشفية الرائعة - الجزء الثاني


8 مارس الثورية

الحوار المتمدن-العدد: 5474 - 2017 / 3 / 28 - 20:22
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


بمناسبة الذكرى 78 (1869– 1939) لوفاة المعلمة البلشفية العظيمة ناديا كروبسكايا، يقدم موقع "8 مارس الثورية" وفاءا لهذه الثورية الكبيرة، تعريفا بمسار حياتها والأدوار الرائدة والعظيمة التي قامت بها من أجل روسيا والشعب الروسي و رفيقة للمعلم الكبير إيليتش أوليانوف (لينين)


كروبسكايا : المعلمة البلشفية الرائعة ـــ الجزء الثاني

في الجزء الأول من هذه المقالة، رسمنا بروفايلا للمرأة التي كانتها المعلمة البلشفية العظيمة كروبسكايا، استعرضنا فيه عظمة هذه المرأة وروعتها، وكان التركيز بالأساس على الأدوار العظيمة والمتميزة التي قامت بها في حياة رفيقها المعلم العظيم لينين، ملهم ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى - حتى أنه تجرأنا كثيرا وقلنا أنه لولا كروبسكايا لما كان لينين- وفي حياة الشعب بل وفي تاريخ روسيا.
في هذا الجزء الثاني سنحاول أن نقف عند المسار الذي قطعته كروبسكايا منذ ولادتها إلى وفاتها مركزين بالأساس على المرأة التي كانتها كبيداغوجية ومربية لا يشق لها غبار، وصيتها في ذلك ضرب الآفاق وذائع على الصعيد العالمي، فهي من وضع الأسس الأولى للبيداغوجية الماركسية ـــ اللينينية.

1 ــ كروبسكايا : مسار امرأة و سيرة حياة:

ولدت نادجدا (أو ناديا ) كروبسكايا بمدينة سان بترسبورغ بروسيا يوم 14 فبراير من سنة 1869، وسط عائلة تنتمي إلى الأرستقراطية الفقيرة (أسرة نبيلة صغيرة)، ابنة قسنطين كروبسكايا الضابط في الجيش الروسي، الذي تحطمت مهنته العسكرية على شاطئ آرائه السياسية، فقد مسه شيء من الفكر التنويري الذي كان يتلمس طريقه آنذاك في روسيا حيث الاستبداد القيصري، وقد توفي سنة 1883، أما والدتها فهي إلزيفيتا فاسيلييفنا تستروفا (1843 – 1915)، كانت مربية، ومنها ستتشرب كروبسكايا شغفها بميدان التربية، كانت امرأة رافضة للاستبداد، وبالتالي كانت تدافع عن الأفكار اللبرالية، أفكار الأنتلجانسيا الروسية آنذاك، لذلك فالمرأة التي أصبحتها كروبسكايا نبتت في وسط عائلي يرفض الظلم والاستبداد، ويتطلع إلى الخلاص من ظلمات القرون الوسطى التي كان يعيشها الشعب الروسي.
هذه التربية إذن، أثرت بشكل كبير في الشابة الصغيرة، التي أبانت عن قدرات مدرسية جلية، وعن فضول فكري نهم.
لقد تلقت كروبسكايا الأفكار التقدمية التي ميزت الانتلجانسيا الثورية والديموقراطية لذلك العصر، هذه الأفكار التي لم تكن إلا لتمارس تأثيرها على هذه الفتاة المتقدة الذهن والمتعطشة للمعرفة باستمرار، فعانقت بذلك في وقت مبكر جدا الأفكار التقدمية، وقد كتبت كروبسكايا تقول:

"منذ تلك الفترة، كنت أسمع مرارا النقاشات حول الثورة، وقد كان تعاطفي يتجه بشكل طبيعي نحو الثوريين" (المجلد الأول، صفحة 9)

وهذا يبين أن كروبسكايا اختارت خندقها منذ وقت مبكر: خندق الثورة والثوريين.
بعد أن أنهت دراستها الثانوية بتفوق، تابعت كروبسكايا دروسا في البيداغوجيا لمدة سنة، لكنها لم تتمكن من الحصول على عمل كمدرسة، وهي المهنة التي عشقتها بشغف كبير، سواء في منطقتها أو في العاصمة، وكان عليها والحالة هذه أن تكتفي بتقديم دروس خصوصية، ومزاولة مهمة معيدة في الأقسام العليا في إحدى الداخليات، وهي تجربة مكنت الحارسة العامة الشابة من إظهار مواهبها البيداغوجية وسعة معارفها وضميرها المهن، فقد كانت حقا بلشفية قبل أن يطل فجر البلشفية. وفي سنة 1890، ستلتحق كروبسكايا بالحركة الثورية بعد أن أصبحت عضوا في "حلقة الطلبة الماركسيين"، وفي سنة 1891، ستنخرط في الحركة العمالية وسترتبط حياتها بشكل نهائي بالأوساط البروليتارية، ثم فيما بعد بفيلادمير إليتش أوليانوف (لينين).
ومنذ هذا التاريخ أصبحت كروبسكايا تعطي دروسا مسائية للعمال في يوم الأحد في سان بترسبورغ، وعملت بكل نشاط وحيوية في نشر الأفكار الثورية وسط العمال بفضل النقاشات والأنشطة المدرسية، التي مكنتها من أن تتأقلم مع ظروف حياتهم وعملهم.
تقول كروبسكايا:

" الخمس سنوات هذه التي قضيتها في المدرسة كانت الطاقة الحية التي تغذت منها ماركسيتي، وجعلتني ألتحم إلى الأبد بالطبقة العاملة " (المجلد الأول، صفحة 37).

اهتمت كروبسكايا بالنظرية الماركسية، التي حلت شيئا فشيئا محل التيار "الشعبوي"، الذي كان منتشرا، وهكذا سيعزز التزامها السياسي نشاطها البيداغوجي ويجعلها تتجه نحو الفقراء، لذلك ابتداء من 1891 ستتفرغ لمحو الأمية لصغار وكبار الأسر العمالية بإعطاء دروس ليلية للعمال يوم الأحد في سان بترسبورغ.
هذا الاحتكاك بالعمال، جعل كروبسكايا وجها لوجه أمام حقيقة الحياة الصعبة لحياة عمالية انبثقت من تطور صناعي قوي عرفته روسيا في أواخر القرن 19، فتشبثت بشدة بإدانة التناقضات الاجتماعية الحادة التي كانت تعرفها روسيا، وستتمسك بدراسة الحياة التي تحيط بها، بتناقضاتها واضطراباتها الاجتماعية بحرص شديد، والبحث عن أسباب الظلم المنتشر، وأيضا عن وسائل وضع حد لها، فتقرأ بشراهة المؤلفات ذات الصدى الاجتماعي لكتاب روس وأجانب، وتدرس مؤلفات الاشتراكية العلمية، كارل ماركس وفردريك انجلز، وكقارئة كبيرة تلتهم الكتب ذات النبرة الاجتماعية والثورية بالأساس، فقد لاحظت أن الترجمات التي تتوفر عليها محدودة فقط في بعض مقاطع كتاب "الرأسمال"، بينما باقي مؤلفات الفيلسوفين وفي مقدمتها "البيان الشيوعي" مفقودة في روسيا. وفي سنة 1893 ستكتشف، كما كتبت، "هذا الماركسي العالم جدا" (لينين) وهي تقرأ واحدا من نصوصه، وهو دراسة اقتصادية، التي وقفت فيها كروبسكايا، وهي البيداغوجية الجيدة، على صفاء التعبير ووضوح التحليل فيها.
في سنة 1895 ستنخرط كروبسكايا فيما سمي ب"اتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة"، التي تأسست في مدينة سان بترسبورغ على يد لينين، ومنذ هذا الحين سيلتقي مصير مناضلين فذين في الحياة الخاصة والحياة العامة مترابطين بعقد نضالي نهائي لا انفصام له، ومنذ هذا الحين، ستكرس قرابة نصف قرن كامل كل قواها ومعارفها لقضية الحزب، من أجل خدمة الشعب والتغيير الثوري للمجتمع.
كانت كروبسكايا متعاونة متيقظة، تهيئ المؤتمرات ومحاضرات الحركة، بل تشارك فيها، وبكل حيوية ونشاط كانت تشارك في نقاشات الحزب، وهي في ذلك بين المتابعات والاعتقالات التي كانت موضوعا لها، وتقوم بتوزيع مقالات الدعاية.
في شهر دجنبر من سنة 1895، سيعتقل لينين ويتم نفيه لمدة ثلاث سنوات نحو سيبيريا، وبعد وقت قليل من هذا التاريخ أي في أوائل 1896، سيتم اعتقال كروبسكايا بدورها ويحكم عليها بالسجن لمدة ثلاث سنوات. ومن أجل الالتقاء بلينين، الذي قررت أن تربط مصيرها بمصيره صرحت أنها خطيبته، مما سيسمح لها بالالتحاق به، وذلك في شهر ماي من سنة 1898 لتتزوجه في شهر يوليوز من نفس السنة.
لم تعد ظروف لينين و كروبسكايا كتلك التي في السجن لأنهما أصبحا أحرارا في الذهاب والإياب، فقد عاشا في تخوم الامبراطورية حياة نشاط دراسي وقراءات متعددة، تصاحبها أعمال ترجمة لكتب انجليزية، وهي وسيلة للرفيقين من أجل تعلم الانجليزية التي ستساعدهما فيما بعد، كما كانت لهما مراسلات نشيطة جدا، وكانا يستضيفان كل المناضلين المنفيين مثلهم ويزورانهم في المنطقة التي يوجدون فيها.
في فبراير من سنة 1900 سيتم الإفراج عن لينين، وهو اللقب الذي سيلازمه منذ هذا التاريخ، مما سيسمح له بمغادرة روسيا، وبعد أسابيع قليلة ستلتحق به كروبسكايا في ميونيخ بألمانيا.
ستنقلب هذه الهجرة الماركسية الروسية نحو نشر الجريدة الدعائية "الإسكرا" (الشرارة) التي صدرت في دجنبر 1901 في شتوتغارت بدعم مهم من مناضلي الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني.
وفي ألمانيا ستكتشف كروبسكايا ميزات وعيوب الوسط حيث يوجد المثقفون المنفيون، فقد لاحظت ابتعادهم عن الواقع الروسي، خاصة منهم بليخانوف، الذي حسب كروبسكايا كان غير قادر على إدراك التوازنات الاجتماعية الجديدة داخل الامبراطورية، وعلى العكس من ذلك تقربت من المناضلين العمال، الذين يخاطرون بأنفسهم، حيث يقطعون آلاف الكيلومترات من أجل إيصال الرسائل. وبدون أن تعرف هي نفسها حدة الصعوبات والمشاق كانت تتقاسم أيضا مع لينين تقلبات حياة ثوري محترف، حيث إلى جانب الصعوبات المادية التافهة، كان ينضاف إلى ذلك ضرورات حياة ترتكز على السرية.
على امتداد سنوات الهجرة هذه، كانت كروبسكايا تزور المدارس والمكتبات وتلتقي المدرسين، وتهتم بالمناهج البيداغوجية المحلية، أي المناطق التي كانت تحل بها، وقد مكنتها هذه الأعمال من أن تضع حصيلة نقدية للتعليم في هذه المناطق.
في سنة 1901 كان لينين منغمسا كليا في كتابة مؤلفه الشهير "ما العمل"، وكانت كروبسكايا تقاسم نقاشات معه، وهي نقاشات تقاسمتها معه في كل كتاباته، وفي أبريل 1902 ستصل كروبسكايا إلى لندن التي حل بها لينين، من أجل تعميق أسسه النظرية في المدينة التي عاش فيها كارل ماركس آخر أيامه، حيث كان يرتاد (لينين) مكتبة "المتحف البريطاني".
سنة بعد محطته في لندن ستكون جنيف الوجهة التالية للرفيقين، حيث هنا ستطبع "الإسكرا"، وفي نونبر 1905 ستقفل كروبسكايا راجعة إلى بلدها روسيا على إثر الثورة التي اندلعت به في هذه السنة، إلا أن فشل الثورة أجبر الرفيقين على مغادرة روسيا، ومنذ هذا التاريخ ستعيش كروبسكايا مرحلة الترحال عبر أوربا، تحت خيار اللجوء الذي حصل عليه الرفيقان من طرف المساندين في الخارج.
بعد فلندا ومرور قصير ببرلين والعودة إلى سويسرا، بدأت كروبسكايا ما كانت تسميه ب "الهجرة الثانية" التي تمتد من سنة 1908 إلى سنة 1917، مقسمة على ثلاثة مراحل متباينة من حيث مدتها، وهي مرحلة كانت مليئة بالمعارك والصراعات ضد خصوم متعددين من أمثال "المناشفة" و"بناة الله"، ومعارضون آخرون من داخل روسيا وخارجها.
خلال هذا المشوار من النفي والكفاح، كانت كروبسكايا تشارك في الصراعات والمعارك المتعددة التي وسمت تاريخ الحزب العمالي الاشتراكي الديموقراطي إلى جانب لينين، الذي كان دائما مهموما بالمحافظة على خط صحيح ضد أعدائه.
كانت كروبسكايا وهي التي تنتمي لجنس النساء، لا ترى في قضية المرأة صراعا طبقيا فقط، بل هي صراع ضد الرأسمال وضد الاضطهاد الباترياركي، لذلك كانت تساند أيضا تحرر النساء مدعمة خلق "يوم أممي للنساء" الذي اقترحته رفيقتها المعلمة كلارا زتكين سنة 1910، وعملت أيضا مع البلشفية إيناس أرماند في نشر أول مجلة نسائية "العاملة" في مارس 1914، لكن سرعان ما اندلعت الحرب الامبريالية العالمية الأولى فتوقفت المجلة بسرعة عن الصدور.

2ــ كروبسكايا : المعلمة، المربية و البيداغوجية التي لا يشق لها غبار:

يعتبر ميدان التربية والتعليم من الجوانب الغنية جدا في مسار كروبسكايا الحياتي، إذ وهي شابة، ما تزال تتلمس طريقها نحول العمل والشغل، كان الميدان الذي شغفها حبا، ميدان التربية والتعليم، أليست هي القائلة:

"لا يمكن مواصلة تطورنا الاقتصادي والاجتماعي، بدون أن نكون قد وضعنا نهاية لظلمات الأمية" (المجلد التاسع، صفحة 226).

ولأن حياة كروبسكايا كانت حافلة بالأعمال الكثيرة التي قامت بها والمهام العظيمة التي أنجزتها، فسنقف عند أهم المجالات التي كانت عزيزة على قلبها وتأخذ بلبها ألا وهو ميدان التربية والتعليم، وبالأساس الجانب البيداغوجي. نقف عند هذه المحطة المهمة في مسار هذه المرأة البلشفية، فقد كان دور كروبسكايا في التأسيس للبلشفية أمرا لا مراء فيه وفي ميدان التربية كان جليا جدا (تربية بلشفية). وقد ربطت كروبسكايا النظرية والممارسة البيداغوجيتين بالمبادئ الماركسية، الشيء الذي سيجعل مساهمتها هي الأكثر أصالة في هذا الميدان.
حتى وهي منشغلة بالقضايا السياسية وغارقة في مهام متعددة فقد ظل هاجس التربية والتعليم والبيداغوجيا مستبدا بها، كمثال على ذلك، في سنة 1915 وفي "المؤتمر الأممي للنساء" الذي تم تنظيمه في مدينة بيرن بسويسرا، لم تتخل كروبسكايا في خضم ذلك عن ميدانها الدراسي الخاص، فانكبت تدرس بشكل دقيق مؤلفات كبار البيداغوجيين والأنظمة التربوية المطبقة.
في الوقت الذي اندلعت فيه ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، كانت كروبسكايا قد كتبت أكثر من 40 مؤلفا في موضوع التربية والتعليم، كان أهمها جميعا كتاب تحت عنوان "التعليم العمومي والديموقراطية" و ذلك سنة 1915 وصدر سنة 1917، وقد ساهم بشكل كبير في تطوير البيداغوجية الماركسية، وفي هذا الصدد يقول لينين :

"وفرت كروبسكايا باصطفافها إلى جانب وجهة نظر الطبقة العاملة، تأويلا جديدا للنظريات التي تبلورت مع الديموقراطيان والبيداغوجيان الكبيران، جان جاك روسو وبستالوزي، لقد عرفت المجتمع الروسي بالمفاهيم البيداغوجية ل أووين وبليرز، وعرضت بشكل منهجي مذهب ماركس وانجلز فيما يتعلق بالعلاقات بين التعليم والعمل المنتج".

لقد درست كروبسكايا بتيقظ كبير كتابات بيداغوجيين كبار، سواء الذين سبقوها أو الذين عرفهم عصرها من أمثال : كومنسكي، جان جاك روسو، بيستالوزي، أو بشفسكي، تولستوي وغيرهم، كما درست الأنظمة التربوية المطبقة في عصرها سواء في روسيا أو في الخارج، خاصة تلك المطبقة في الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وفرنسا، وفي ألمانيا وسويسرا.
بحكم إكراهات الهجرة، كانت كروبسكايا تزور المدارس والمكتبات وتلتقي بالمدرسين، وتهتم بالمناهج البيداغوجية الحديثة، مما مكنها من عرض حصيلة نقدية للتعليم المدرسي في العالم، وعلى هذا الأساس طورت النظرية الماركسية حول المسألة المدرسية.
لقد بينت كروبسكايا، باستنادها على مجموعة كاملة من وقائع ملموسة، كيف أن مفهوم الإعداد للحياة النشيطة قد تطور خلال مختلف الحقب التاريخية حسب الطبقة الاجتماعية التي طورته، والظروف التي طبقت فيه، و آخر فقرة من كتابها "التعليم العمومي والديموقراطية" تلخص لوحدها هذا التحليل لتاريخ التدريب المهني حيث كتبت تقول:

"طالما أن تنظيم التعليم سيبقى بين أيدي البورجوازية، فإن التدريب المهني سيبقى سلاحا موجها ضد الطبقة العاملة، ووحدها الطبقة العاملة يمكنها أن تجعل من التكوين في العمل وسيلة ملائمة لتغيير المجتمع المعاصر".
كما كتبت سنة 1916 قائلة:

"سيأتي يوم سيكون من الممكن خلق مدرسة يحتاجها الجيل الشاب، ويجب أيضا معرفة كيفية خلقها، ومن أجل هذا الهدف يجب امتلاك التجربة الضرورية، والتفكير في ذلك بشكل مسبق، بكيفية تعرف كيف تتلقف ذلك في الوقت الملائم".

بعد نجاح ثورة أكتوبر المجيدة، فتح هذا الانتصار للثورة البلشفية لكروبسكايا حقلا واسعا في ميدان التربية، فقد أدارت وبكل اقتدار أنشطة تنظيمية وتربية سياسية هامة، فقد أصبحت وزيرة للتربية والتعليم – ومن غيرها يستطيع اخذ هذه المهمة على عاتقه وهي المهووسة منذ شبابها الأول بحب هذا الميدان وأبدعت فيه إبداعا– وخلال سنوات عديدة قادت ضبطا علميا وبيداغوجيا لنظام تربوي جديد.
إن أعمال كروبسكايا في ميدان التربية والتعليم لا يمكن حصرها أو تعدادها، ويمكن الوقوف عند اكثرها أهمية وهو مجال محاربة الأمية، فقد كان هذا ميدانها بكل امتياز ونذرت حياتها له منذ ريعان شبابها واعتبرته ذا أولوية بالغة، فقد اعتبرت كروبسكايا أن مهمة محاربة الأمية المتفشية في صفوف الشعب الروسي تعد المهمة التي تعلو ولا يعلى عليها في التربية الاشتراكية، فهي ترى ألا تطور اقتصادي واجتماعي بدون القضاء على الأمية، حتى أنه في سنة 1923 تأسست جمعية تطوعية كان شعارها "فلتسقط الأمية".
لقد قلبت كروبسكايا مفهوم التعليم، وغيرت التربية والتعليم شكلا ومضمونا، "إنها التربية الشيوعية والتي ليست هي العائلة فقط" وهي تتبادل الحديث مع مكسيم غوركي:

"بناء الاشتراكية لا يعني فقط إقامة البنايات العملاقة ومعامل الحبوب، التي هي شرط أساسي، ولكنها غير كافية، فالإنسان ما زال مطالبا بتطوير قلبه وعقله" (المجلد الحادي عشر، صفحة 151).

إن شهرة كروبسكايا كمنظرة ومؤرخة للعلوم البيداغوجية وكمنظمة بارزة للنظام التربوي الاشتراكي طبقت الآفاق، فقد امتدت هذه الشهرة إلى عدد من دول العالم، وتكريما للخدمات التي قدمتها لقضية التربية، تمنح اليونسكو كل سنة جائزة دولية وشهادة تنويه باسم كروبسكايا إلى البلدان والمؤسسات والتنظيمات، أو الأشخاص الذي تميزوا في مساهمة تستحق التقدير في محاربة الأمية.
أما العمال السوفيات فقد ظلوا يبجلون اسم كروبسكايا ويحيون فيها عاليا سمو ابنة الشعب الروسي، التي نذرت حياتها كلها للنضال، منذ أن وعت واقع هذا الشعب والاستغلال والاضطهاد الذي يعيشه تحت نير النظام القيصري المستبد، من أجل انتشار الاشتراكية، ومن أجل تفتح الثقافة الاشتراكية، فكثير من الشوارع والمدارس والمؤسسات العلمية والثقافية تحمل اسمها، وفي ذلك تتجسد ثقافة الاعتراف بإحدى أعظم النساء الروسيات وأروعهن في تاريخ روسيا القديم والحديث والمعاصر، وإن تاريخ روسيا التعليمي والتربوي والبيداغوجي ليظل يقرأ لها صفحات مجيدة في هذا الشأن، وإن بصمتها لا يزال أثرها حاضرا إلى اليوم في روسيا.
ولأن ميدان التربية والتعليم كان أحد أكبر ما تفوقت فيه كروبسكايا فبعد وفاة لينين نذرت حياتها إلى غاية وفاتها إلى قضايا التربية بالأساس.
إن كل هذا، وما لا تسعف مئات الصفحات على حصره، وما لا يقدر القلم على تدبيجه، هو ما كانته تلك المرأة الرائعة كروبسكايا، هذه المعلمة البلشفية العظيمة التي كان وقتها لا يحسب ويعد بالأيام والشهور والأعوام، بل بالساعات والدقائق والثواني، فالوقت ثمين ولا يجب العبث به، لأن أي تأخير في إنجاز المهمة، مهمة إخراج الشعب الروسي من ظلمات القرون الوسطى بالنسبة لها، أمر لا يغتفر، لذلك فهي تستعجل دخوله التاريخ من بابه الواسع، وليس أي باب، بل إنه باب الثورة الاشتراكية، وإن أي تخلف عن هذا الموعد فهو إخلاف بالموعد مع التاريخ.
إن كروبسكايا هي تلك المرأة التي لم تخذل أبدا رفيقها لينين، المرأة التي لا تتبدل، فحتى في أكثر اللحظات العصيبة التي كانت تواجه فيها الصعوبات والمخاطر، وفي الوقت الذي استسلم الرفاق، حتى الأقوياء منهم في لحظات ضعف للشك، وفقدوا إيمانهم، ظلت قناعة كروبسكايا ثابتة، رابطة الجأش لا تتزحزح عن مواقفها، مقتنعة أن القضية عادلة وصائبة وأن النصر قادم لا محالة. في كروبسكايا كل صفات المرأة البلشفية، تواضعا وبساطة وحزما وإصرارا وصبرا وجلدا، بذلا وعطاءا ...، إنها الأخلاق الرفيعة والمبادئ الثابتة التي لا تتوفر إلا في النساء الثوريات.
إن إسهامات كروبسكايا الثورية المحترفة، و النساء البروليتاريات عموما، يبين بشكل لا جدال فيه، أنه بدون مشاركة النساء ما كان لثورة أكتوبر أن تنتصر، وإذا صح القول أنه بدون ثورة لن تتحرر النساء، فيصح القول أيضا أنه بدون النساء لن تكون ثورة.

بعد هذا المسار الطويل والحافل بالأعمال الجليلة سيتوقف قلب هذه البلشفية العظيمة عن الخفقان، وسيكف دماغها عن التفكير إلى الأبد، في ذات يوم من سنة 1939 وهو يوم 27 فبراير. وهناك في مكان من الساحة الحمراء وعلى أبواب الكرملين وقرب لينين رفيقها في النضال والحياة سيستقر رماد هذه البلشفية الرائعة.

ملحوظة:
نشرت أعمال كروبسكيا في 11 مجلدا تحت عنوان "مؤلفات بيداغوجية"، وهي باللغة الفرنسية.

جميلة صابر
26 ـــ 3 ـــ 2017

موقع 8 مارس الثورية الماركسي ــ اللينيني

http://8mars-revo.hautetfort.com




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,691,908
- كرونولوجيا 8 مارس
- فضل ماركس على النساء
- افتتاحية اليوم الأممي للمراة
- ناديا كروبسكايا : المعلمة البلشفية الرائعة
- كلارا زتكين:سيدة 8 مارس الأولى.
- ألكسندرا كولونتاي رائدة النضال الثوري النسائي
- لماذا 8 مارس الثورية
- المعلمة النسائية البروليتارية كلارا زتكين
- الماركسية اللينينية و تحرر النساء
- في ذكرى استشهاد سعيدة لمنبهي


المزيد.....




- النهج الديمقراطي يدين الزيادة في أسعار زيت المائدة ويعبر عن ...
- التنوير في الأدب البحريني ( 2- 2)
- الأزياء حكايات
- البطالة قلق دائم لشباب البحرين
- المجتمع الأمريكي بين الإنقسام والديمقراطية المعتدلة
- فنجان قهوة
- حامل في زمن “كوفيد”
- مطر صيف
- التغيير الوزاري.. لماذا وكيف؟!
- كذب أبيض


المزيد.....

- أزمة الرأسمالية العالمية ومهام الماركسيين / آلان وودز
- الحلقة الرابعة: منظمة -إلى الأمام- الماركسية اللينينية المغر ... / موقع 30 عشت
- الإنترنت والثورة / حسام الحملاوي
- عن الإطار السياسي - العسكري الدولي للعالم المعاصر / الحزب الشيوعي اليوناني
- الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (3) / مالك ابوعليا
- مسألة الحقيقة في الفلسفة الماركسية / مالك ابوعليا
- نظريات طبيعة نظام الاتحاد السوفياتي في ضوء انهياره (نحو نفي ... / حسين علوان حسين
- الرأسمالية الموبوءة والحاجة إلى نظرية ماركسية للتضخُّم - ماي ... / أسامة دليقان
- كارل ماركس ( 1818 – 1883 ) / غازي الصوراني
- الشيوعية الجديدة - تأليف بوب أفاكيان / شادي الشماوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - 8 مارس الثورية - كروبسكايا : المعلمة البلشفية الرائعة - الجزء الثاني