أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الكريم السعيدي - ضريبة الغربة















المزيد.....

ضريبة الغربة


عبد الكريم السعيدي

الحوار المتمدن-العدد: 4881 - 2015 / 7 / 29 - 20:23
المحور: الادب والفن
    



كثر الحديث بين اوساط العراقيين المهاجرين او المغتربين، حول موضوع استيراد زوجة للرجل الراغب بالزواج من بلده الاصلي ، وتركه بنات بلده اللواتي يعشن في البلد الذي يعيش هو فيه ، وهنا اود ان طرح هذه الإشكالية من وجهة نظر ادبية ، ولاسيما اني بصدد كتابة بحث عن روايات المنفى العراقية التي تتحدث عن هذا الموضوع ، وقد وجدت هذه الثيمة حاضرة في معظم كتابات الروائيين العراقيين المغتربين .
يلح الروائي العراقي المغترب على الحديث عن مسألة تفكك عرى العلاقات العائلية ،فالزوج يطلق زوجته ، والزوجة تقوم بالعمل ذاته ، ولعل من النافلة ان نقول هنا ان اغلب علماء علم الاجتماع عندما يتحدثون عن تطور المجتمعات يشيرون الى ضرورة التدرج في التعامل مع المجتمعات ، والقران الكريم يخبرنا بان الدين الاسلامي لم يحرم الخمر دفعة واحدة ، بل كان التحريم على دفعات ، وواقعنا العراقي المعيش حاليا افرز لنا خلاصة انسانية مما يحصل في العراق ، هذه الخلاصة تتمثل بضرورة عدم منح العراقيين الذين اعتادوا الدكتاتورية والتسلط ، عدم منحهم الحرية والديمقراطية دفعة واحدة ، لان البشر سوف يسيئون استعمال تلك النعمة ، وما يحصل للعراقيين الذين استقروا في الغرب هو خير شاهد على ما نقول ، فان ينتقل الانسان من نظام حضاري معين الى نظام حضاري اخر ، ينبغي ان يكون على دفعات ، وهذا احد الروائيين العراقيين الذين يعيشون في السويد يتحدث في احدى رواياته عن رجل عراقي ( يعقوب ) صاحب بشرة سمراء يحظى بصداقة سويدية شقراء ( صوفيا ) امرأة جميلة رائعة مخلصة ، كانت تعامله على انه طفلها الحبيب المدلل وزوجها الشرعي وعشيقها المحرم وفتى احلامها ، وكان يعقوب بمثابة اباها واحياناً أمها واخاها ، كانت على استعداد لتهب يعقوب كل شيء.. المال والحب والثقة المطلقة ، ولكن يعقوب عندما فكر بالزواج وانشاء اسرة ، يستورد امراة من اهله ، لا يعرفها ولا تعرفه ، مجرد امرأة ضاقت بها السبل فأرادت الهرب من واقعها فقبلت بهذا الزواج ، يذهب يعقوب الى دمشق ليستقبل الزوجة التي لم يرها في حياته ، ويعود بها الى السويد ، وسرعان ما تنقلب الامور فتمارس هذه الزوجات المستوردات حريتهن على اوسع الابواب ، كما هن النساء الغربيات ، فيصاب هؤلاء الرجال بحيرة من امرهم ، فهم عندما جاءوا بزوجات مستوردات من بلادهم ، انما ارادوا ان يبنوا بيوتا ويكونوا اسرا شرقية ولكن على الارض السويدية ، ولكن لما فلت زمام الزوجة الشرقية المستوردة ، التي تحاول ان تكون مستغربة في كل شيء ، بعد محاولتها تقلد الغربيات في طبائعهن واخلاقهن ، راح يعقوب يلوم نفسه ، على تضحيته بصديقته ( صوفيا ) الجميلة الشقراء ، ولا هو كون اسرة ذات تقاليد شرقية اسلامية ، لماذا قلبت حياتي رأساً على عقب ، لله درهم اصدقائي هم الذين نصحوني بالزواج من عراقية ، لم يقل لي اصدقائي انهم كانوا متزوجين من نساء اقل ما يمكن القول عنهن بكل امانة وصدق انهن كن دميمات وغبيات ، وهن في الوقت نفسه يتمتعن بقدر كبير من التسلط على ازواجهن ، كم راودت يعقوب الرغبة بالصراخ بوجه أولئك الاصدقاء والقول لهم انهم ينجبون الاطفال من دون هدف ، وانهم يخضعون سطوة اولئك النسوة المسترجلات ، ويمضي الكاتب قدما في حديثه ملخصا معاناة يعقوب فيقول : فكلما فكر يعقوب بالرجوع الى وطنه يتذكر انه قد عاش في السويد ردحا من الزمن تعود فيها على نظام معين ، مهما كانت سلبياته ، فهو نظام متطور ومتماسك وغير مضطرب ، يمكنه هذا النظام من التمتع بخدمات التليفون والماء الحار ، والديمقراطية التي وفرت له حق الانتخاب والتصويت على سياسيين يختارهم هو بنفسه ، كما انه لا ينسى انه لم يسجن أو يعتقل طوال هذه الفترة من حياته ، التي قضاها في المنفى ، بسبب معتقداته الايديولوجية ولا بسبب شتائمه التي لا تنقطع على كبار ساسة البلاد ، كما انه لا ينسى ان بريده وتليفونه لم ترقبهما الشرطة السرية ، وهو يعمل في الدولة بكامل الحقوق الممنوحة للمواطنين السويديين ما يقارب ربع قرن ، حتى حصوله على التقاعد المبكر ، تلك هي مشكلة يعقوب الحقيقية ومشكلة معظم اللاجئين الاخرين ،وكأنه يقول لنا لا يمكننا الجمع بين تفاحتين في يد واحدة ،فأما تحمل الام الهجرة وهمومها ، واما الرجوع الى وطنك ، الذي انت اعرف به من غيرك ، وهذه كاتبة عراقية تعيش في المانيا تتحدث عن الامر ذاته ولكن وجهة نظر المرأة هذه المرة ، فـ(ذكرى )بطلة الرواية تفضل العودة الى وطنها ، على الرغم مما عانته وتحملته في سبيل الوصول الى المانيا ومن ثم حصولها على جنسيتها ،عندما اجبرتها السلطات على تحمل العيش مع مجموعات بشرية شتى من الاجانب مختلفي الانتماءات ، وسبب عودتها هو فشلها الاحتفاظ بزوجها العراقي ( اياد) ،الذي احبته وتحملت معه معاناة التشريد ،الذي فضل الانفصال عنها والاقتران بأخرى المانية ،طمعا بجنسية بلادها ، لأنه والحال هذه ماذا يمكن لامرأة عراقية مطلقة ان تفعله في منفاها وهي ترى زوجها السابق بأحضان امرأة غيرها ، هل تبقى في الغربة وتتزوج من رجل الماني اعتق الاسلام ( توماس ) ، او ترجع الى بلدها المحتل ، هذه المشاعر المتضاربة هي التي كانت تعتري (ذكرى ) وكل اللاجئات العراقيات اللاتي يمررن بالتجربة ذاتها ، فهي في حيرة من امرها فعقلها يقول لها ان السفر الى العراق في الوقت الحاضر مدعاة للسخرية وهو اسوأ قرار يمكن للإنسان عاقل اتخاذه ، ولكن قلبها يقول لها انها لا يمكنها العيش في بلد تجمعها سماؤه مع زوجها السابق ، وهي تراه بحض امرأة اخرى غيرها ، وفي النهاية تفضل (ذكرى )الانصياع لقلبها والتخلي عن (توماس ) لأنه يذكرها بألمانيا التي يعيش فيها (اياد ) ، لترجع الى بلدها ، وهذا كاتب عراقي اخر يعيش في شيكاغو يكتب عن شخص عراقي بسيط اوصلته المقادير من رفحاء الى شيكاغو ، يعمل سائق سيارة اجرة ( سعدان ) قرر الذهاب الى دمشق لجلب زوجته التي ارسلها اليه اهله ، ولكنه في الليلة نفسها التي قرر فيها الذهاب يتعرف على فتاة امريكية شقراء في احدى النوادي الليلية ( نيكول ) التي كانت قد انفصلت عن صديقا الامريكي وارادت اغاضته ، وتشعل الغيرة في نفسه ، من خلال سعدان ، فتطلب منه الاعتناء بمظهره حتى يكون ندا لها في اماكن اللهو والرقص ، فيبذل سعدان في سبيل ذلك كل مدخراته ، وفي النهاية تتصالح نيكول مع صديقها وتطرد سعدان الذي ، انفقت امواله كلها ولم يبق لديه ما يستطيع به السفر الى سوريا لجلب الزوجة المسكينة ، فيقرر الرجوع الى العراق ولكن بعد فوات الاوان ...
وخلاصة الموضوع يمكن ايجازها بأسطر قليلة ، وهي : ان كلا الطرفين ( الرجل ـ المراة ) عندما ينتقل للعيش في وسط غربي يفقد توازنه ،بسبب عدم تحمله اجواء الحرية التي هبت عليه دفعة واحدة وليس دفعات ، اذ ليس من السهل انتقال الانسان من مجتمع مغلق الى مجتمع مفتوح دفعة واحدة ، فيحاول مسرعا اللحاق بما يعتقد انه قد فاته من ملذات الحياة ،فتتفكك الاسرة ويذهب الاطفال ضحية تلك النزوات ، وبعد فوات الاوان ورجوعهما ( الرجل ـ المراة ) الى رشدهما يجدا ان الوقت قد فاتهما ، وعبثا يحاولا انقاذ ما يمكن انقاذه ... انها ضريبة الاغتراب ، فاما ان تقبل العيش وسط مجتمع غريب عنك بالتقاليد والقيم ، متحملا في سبيل ذلك جانبه السلبي ، ولكنه وفر لك كل سبيل الحياة الكريمة ، واما ان ترجع الى وطنك متحملا شغف العيش ، يبدو لي ان الروائي العراقي عندما يؤكد على صعوبة الجمع بين الحفاظ على التقاليد والقيم وبين الاندماج وسط مجتمع غربي ، ولاسيما للآباء الذين لهم بنات بسن الزواج ،انما يشير الى صعوبة اندماج كلا الثقافتين في بوتقة واحدة ، فاما ان ينطوي المهاجر ويتقوقع على نفسه وينطوي ،مفضلا الحفاظ على ارثه الحضاري والثقافي ، واما ان ينسجم مع عادات وتقاليد مجتمعه الجديد ، ضاربا عرض الجدار كل موروثه الثقافي ، وعلى اية حال فان هذا فيما يخصه هو ، واما فيما يخص الابناء فهو في كلا الحالتين ، سواء اندمج ام لم يندمج ، لا يستطيع التنبؤ بما سيؤول اليه مصيرهم ، ولكن الامر المؤكد هو انه لا يستطيع فرض وصايته عليهم !!!



#عبد_الكريم_السعيدي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رأي في توظيف العلم في النص الروائي المعاصر.
- المترجم في روايات ما بعد التغيير العراقية
- الى ابرهة الحبشي مع التحية !!!!!
- عادات وتقاليد اجتماعية موريتانية غريبة
- النتائج المترتبة على حرب غزة
- دور الأدب العربي في ترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان
- في ذكرى عزيز السيد جاسم الانسان والمفكر والروائي


المزيد.....




- رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يتحدث عن زيلينسكي اليهودي الك ...
- بعد سيادة الخوف.. هل ساد النص الغاضب في الأدب العراقي؟
- بعيد ميلادها.. حبيب الفنانة نادين نسيب نجيم يفجر مفاجأة غير ...
- فعاليات مجانية بمنصة إطلاق مهرجان الإمارات الآداب
- صورة / فنان عربي شهير يودع الحياة
- كيف واجه الممثل والمخرج العالمي ميل غيبسون محاولات القضاء عل ...
- مهرجان برلين.. الجائزة الكبرى من كليرمون فيران لفيلم صومالي ...
- وفاة الفنان المغربي محمد الغاوي عن عمر 67 عاما
- تكريم الفنان السوري دريد لحام في سلطنة عمان (صور)
- انطلاق الدورة الـ 12 لمهرجان السينما الأفريقية بمعبد الأقصر ...


المزيد.....

- عابر سريرة / كمال تاجا
- رواية للفتيان الجوهرة المفقودة / طلال حسن عبد الرحمن
- كناس الكلام / كامل فرحان صالح
- مقالات الحوار المتمدن / ياسر جابر الجمَّال
- الشعر والدين : فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي / كامل فرحان صالح
- (تنهيدة الكامل (مشى في أرضٍ لا زرع فيها / كامل فرحان صالح
- نجيب محفوظ وأحلام فترة النقاهة دراسة بين المؤثرات النفسية وا ... / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة (ب) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(ج) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(أ) / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الكريم السعيدي - ضريبة الغربة