أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - بشير الحامـدي - حول أزمة الحركة النقابية والتصحيح















المزيد.....



حول أزمة الحركة النقابية والتصحيح


بشير الحامـدي

الحوار المتمدن-العدد: 255 - 2002 / 9 / 23 - 00:21
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


حول أزمة الحركة النقابية والتصحيح المغالطة ومهمّات المعارضة النقابية من داخل الإتحاد


ارتباطا بالمتغيرات التي شهدها ويشهدها العالم وبالتحولات التي عرفتها بلادنا وبوضع الاتحاد العام التونسي للشغل في العشرية الأخيرة وبطبيعة مسار التصحيح الذي انخرطت فيه المركزية النقابية وما حف به إثر إقالة إسماعيل السحباني من الأمانة العامة للاتحاد بدأ يدور في صفوف النقابيين نقاش هام يتعلق بواقع وآفاق العمل النقابي. وفي مقالنا هذا سنطرح جملة من المسائل التي تُتداول اليوم من أجل إثراء هذا النقاش. ويمكن حصر هذه المسائل في المحاور التالية:

1-       مسار الاتحاد العام التونسي للشغل في العشرية الأخيرة.

2-       طبيعة التصحيح الذي انخرطت فيه المركزية النقابية.

3-       أزمة الاتحاد: أزمة العمل النقابي.

4-        ما العمل لنعيد للعمل النقابي الدور الموكول له في بلادنا وفي هذه المرحلة بالذات؟

5-        المجلس الوطني والمؤتمر الاستثنائي: أي دور للمعارضة النقابية؟

مسار الاتحاد العام التونسي للشغل في العشرية الأخيرة.

ما يجب ملاحظته في البداية حول هذه المسألة هو أننا لن نقوم بعملية تقييم شاملة لمسيرة الاتحاد طيلة العشرية السابقة، إن ذلك يتطلب منا دراسة خاصة لا يمكن أن يوفيها هذا المقال حظها. إننا فقط سنشير إلى بعض التوجهات التي انخرط فيها الاتحاد وأثرت على مجمل مسيرته ويعتبر إبرازها ومناقشتها مهمة لا بدّ منها لنعيد للعمل النقابي الدّور الموكول له.

إنّ مسيرة الاتحاد العام التونسي للشغل منذ بداية التسعينات إلى اليوم مكنتنا من الوقوف على الاستنتاجات التالية:

أولا: عدم تمكن الحركة النقابية من المحافظة على طابعها المطلبي وتحوّله إلى حركة مساهمة وهي معركة خسرتها منذ أواخر الثمانينات لمّا شرعت السّلطة في تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي الذي فرضته الارتباطات بالرّأس مال العالمي وكنتيجة مباشرة لاندماج تونس في السّوق العالمية وبصفة خاصّة منذ إمضاء اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. انخرط الاتحاد العام التونسي للشغل في توجه جديد يقوم على الالتزام بسياسة السّلطة والتفاوض كل ثلاثة سنوات حول الأجور على قاعدة سقف تحدده الدولة والأعراف ولا يمكن تجاوزه. وهكذا وعلى امتداد عشرية التسعينات كاملة لم يطرح الاتحاد الملفات الأساسية وغض النّظر عن الخوصصة التي أتت على أغلب مؤسسات القطاع العام، كما زكّى بطريقة أو بأخرى برنامج إعادة التأهيل وتسريح العمال وسكت على التضييق على ممارسة الحق النقابي الخ. إن هذا التوجه جعل الاتحاد العام التونسي للشغل يقطع روابطه بماضيه المطلبي ويتخلى عن دوره باعتباره منظمة منحازة بطبيعتها لمصلحة العمّال.

ثانيا: التحالفات السياسية التي انخرط فيها الاتحاد العام التونسي للشغل، والمفروض أن يكون ممثلا للعمال وحليفا موضوعيا للحركة الدّيمقراطية التقدّمية، مع الحزب المتحكّم في الدولة أضرت بمصداقية المنظمة النقابية وأبقت مسألة الاستقلالية مجرّد شعار ونمّت لدى النقابيين وعيا بالرّضوخ للأمر الواقع وعجزا عن بلورة أي مشروع من أجل تمثيلية سياسية عمّالية مستقلة.

ثالثا: تعامل القيادة النقابية مع الأطراف النقابية الأكثر دفاعا وإيمانا باستقلالية وديمقراطية العمل النقابي بالإقصاء ومع القوى السياسية المنادية بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية بالتهميش أذّى إلى التخلي عن دوره كطرف منحاز لقضايا الحريّات والديمقراطيّة ومدافعا عنها.

رابعا: الاتحاد العام التونسي للشغل كشكل من أشكال التنظيم النقابي، العلاقة بين هياكله علاقة عمودية تقوم على هرمية متعارضة مع أي ديمقراطية قاعدية أو استقلالية قطاعية، فالمكتب التنفيذي متحكّم مطلق في القرار وقادر على مصادرة كل توجه قاعدي أو قطاعي لا يتفق مع مواقفه وهو وضع جعل مسألة الديمقراطية داخل هذه المنظمة تتحول إلى مأزق حقيقي.

خامسا: المركزية النقابية تمكنّت في العشرية الأخيرة من تمرير بعض القوانين الدّاخلية ووظفتها لإقصاء المعارضين لها ولجّمت بها الهياكل الوسطى والهياكل القطاعية للاتحاد. هذه الهياكل التي من المفروض أن تلعب دوراً فعّالا في الحدّ من التجاوزات، لكن من خلفية المحافظة على امتيازاتها أو العجز ركنت هذه الهياكل إلى الصمّت وهو ما مكّن المركزية النقابية من التصرّف بحرّية كاملة في الشأن النقابي إلى حدّ الانزلاق إلى اختلاس أموال المنظمة. وحتى الرّافضين من داخل المنظمة لم يعارضوا التحويرات في النظام الدّاخلي ولم يطرحوا أثناء المؤتمرات أي مشاريع بديلة لضمان الديمقراطية، ولم يعارضوا التجاوزات بالشكل المطلوب وهذا في حدّ ذاته مؤشر واضح على ضعف هذه المعارضة ودليل على عدم امتلاكها لتصوّر متكامل وواضح لمسألة ديمقراطية المنظمة النقابية.

سادسا: منذ مؤتمر سوسة تحولت المعارضة النقابية أو التيار المناهض للبيروقراطية عموما إلى تيار إنتخابوي كل همه التواجد في هياكل المنظمة وأغفلت هذه المعارضة كل ما له مساس بالتوجهات والمواقف النقابية وتحوّل قطاع عريض منها إلى حليف معلن للبيروقراطية.

كل هذه التوجهات جعلت العمل النقابي داخل الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد نفسه موضع سؤال الكثير من النقابيين. لقد أصبح الكثيرون يرون في التوجهات الحالية للاتحاد وفي طرق تسييره وفي طبيعة هيكلته كوابح حقيقية تعيق تطوّر العمل النقابي وتكبّل ديناميكية الحركة العمالية وتعطل مسيرتها في الدّفاع عن مصالحها وهو ما يفسّر أيضاً المعارضة التي يلقاها التصحيح الذي انخرطت فيه القيادة النقابية بعد إقالة إسماعيل السحباني.

فلماذا يعارض العديد من النقابيين مسار التصحيح؟ وماذا يطرحون من بدائل؟

مسار التصحيح: خلفياته، وحدوده والبدائل المطروحة

في رأيي لا يمكن أن نفهم خلفيات مبادرة التصحيح النقابي بمعزل عن المعطيين التاليين:

1-     شكل الاتحاد العام التونسي للشغل وعلى امتداد في التوازنات السياسية والاجتماعية في بلادنا وهذا معطى تدركه السّلطة جيّدا وتتعامل معه في كلّ مرّة بطريقة معينة لكنها لا تتغافل عنه أبدا ويمكن القول كذلك أنّ السّلطة وعت بأن الوضع في البلاد قابل بصورة عامّة على المدى القريب لأن يشهد تطورات سياسية واجتماعية قد ينجذب إليها الاتحاد العام التونسي للشغل وقد تؤثر على التوازنات لغير صالحها خصوصاً وهي قادمة على استكمال اتفاقيات الشراكة وبالتالي فلا بدّ من عملية استباق تؤمن أكثر ما يمكن من الضمانات ليستمر الاتحاد العام التونسي للشغل تحت شعار التصحيح النقابي.

2-     وضع الاتحاد العام التونسي للشغل في علاقة بالقاعدة النقابية وبخلفيات عديدة أخرى تخص تقييم السلطة لأداء القيادة النقابية أصبح يتطلب إبراز شخصية قيادية أخرى تعوّض السحباني وتعيد تشكيل التوازنات داخل القيادة النقابية وهو ما وقع وحسب رأيي فالمؤتمر الاستثنائي سيكون انتخابي في الأساس الهدف منه إضفاء نوع من الشرعية على مكتب تنفيذي هو في الحقيقة صنيعة انقلاب حدث منذ عام.

شكل هذان المعطيان الخلفية التي على قاعدتها سيتم مخطط التصحيح النقابي وسَيُسْتكْمَلُ. ومثلت تجاوزات إسماعيل السحباني وملف الفساد المالي الواجهة المعلنة للبدء في تنفيذ هذا المخطط. ووعى المكتب التنفيذي المتقلد الدّور الموكول له في هذا الإطار والحدود التي لا يمكن تخطيها. ومن البداية عارضت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل أي موقف يعتبر أن التصحيح لا يتم بتغيير الأشخاص بل يجب أن يكون تغييرا للمواقف النقابية وذلك بطرح الملفات الكبرى للحركة النقابية ومواجهة المخططات التي تستهدف مكتسبات الشغيلة ومعالجة مسألتي استقلالية وديمقراطية المنظمة النقابية بمراجعة القوانين التي حالت دون تكريسها، وإن ما حف بعملية تجديد الهياكل الأساسية والجهوية والقطاعية من ملابسات وطعون وتجاوزات في عديد الجهات لدليل واضح على أن ملف التصحيح لم يكن يستهدف معالجة أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل بقدر ما كان يهدف إلى إعادة ترتيب البيت لمزيد التحكم في مسار الحركة النقابية وإبقاء دار لقمان على حالها.

لكن ما تجدر ملاحظته انه وبرغم كل الخلفيات غير المعلنة للتصحيح وبرغم نجاح القيادة النقابية في حصره في إجراءات فوقية وشكلية إلا أنه قد أتاح عمليّا إمكانية حقيقية لخوض معركة تصحيح حقيقي للمسار النقابي إلا أن هذه الإمكانية كانت فرصة مجهضة لأن النقابيين لم يقدروا  على خوض هذه المعركة وحتّى بعض المواقف التي نادت، منذ البداية، بمؤتمر استثنائي وبضرورة تشريك القاعدة النقابية لمراجعة توجهات الاتحاد فإنها لم تجد صدى وبقيت مجرد رؤى للتباين فقط وقد سهل ذلك مهمة المكتب التنفيذي في التمادي في مسار التصحيح بتصورات فوقية ستتوج بمؤتمر استثنائي انتخابي ارتضته القيادة الآن بعد أن عارضته في الأول لربح الوقت وتفادي أي تجاوز قد يحصل.

ولقد أفرز تقييم هذا المسار معارضة نقابية متنوعة كلها على معارضة التصحيح الذي تتبناه القيادة النقابية ولكن مكونات هذه المعارضة تتباين فيما بينها حول عدة قضايا أخرى ذات صلة بطبيعة أزمة الحركة النقابية وبالتصورات المطروحة لتجاوزها. ويمكن إجمالا الحديث عن ثلاثة مكونات لهذه المعارضة.

الأول: يعتبر أصحابه انه لم يعد ممكنا إصلاح الاتحاد العام التونسي للشغل من داخله فهو حسب رأيهم قد تحول إلى منظمة صورية لا يمكن أن تمثل إطارا لعمل نقابي ديمقراطي ومستقل وقد بادر هؤلاء بالإعلان عن تأسيس إطار نقابي آخر.

الثاني: تمثله مجموعة من النقابيين الذين وقعت إزاحتهم أثناء العشرية الأخيرة، هؤلاء لا ينشطون ككتلة يحرصون على الظهور كأفراد ويراهن كل واحد منهم على ماضيه النقابي، لا يعارضون التعددية النقابية من حيث المبدأ ولكنهم ورغم معارضتهم لمسار التصحيح لا يعتبرون عملية التصحيح قد استحالت من داخل الاتحاد ويطالبون بتوفير جملة من الشروط للعودة للاتحاد العام التونسي للشغل. إن مسألة عودتهم إلى ساحة محمد علي مازالت مفتوحة على عديد الاحتمالات ومحكومة بالتنازلات التي يمكن أن تقدمها القيادة النقابية.

الثالث: ممثلوه ينشطون داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وقد عملوا أثناء التجديد على الظهور في قائمات مستقلة عن القائمات التي دعمتها القيادة النقابية، وهم قطاع واسع نسبيا متكون من شتات اليسار النقابي وبعض النقابيين الخارجين عن دائرة تأثير القيادة النقابية. يعارض هؤلاء مسار التصحيح منذ انطلاقه لكنهم لم يتمكنوا من بلورة توجه فاعل، تتعامل معهم القيادة النقابية بسياسة الاحتواء والرّضوخ للأمر الواقع. ويعتبرون هم أيضا أنه مازالت هناك إمكانيات للعمل من داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وبالتالي فلا مصلحة لهم في الدّعوة إلى التعددية النقابية الآن على الأقل. فما هي الآفاق التي يمكن أن تفتحها هذه المعارضة النقابية لجاوز أزمة العمل النقابي؟

إن كل المؤشرات تدل على أن الأزمة مرشحة للاستمرار. فالتيار الذي مازال متمسكا بالعمل من داخل الاتحاد العام التونسي للشغل تتنازعه عدة مواقف وكل الدّلائل تشير إلى أنه في حالة إرباك ولا يملك أي تصور قادر على استقطاب النقابيين على حدّ الآن إمكانية انفصال مجموعة من هذا التيار عن طوق البيروقراطية النقابية ودائرة الاحتواء إمكانية واردة وعموما فإن معطيات عديدة تسمح بالقول إن لها القدرة على التأثير في مجرى الأحداث النقابية القادمة ودائرة الاحتواء إمكانية واردة وعموما فإن معطيات عديدة تسمح بالقول أن لها القدرة على التأثير في مجرى الأحداث النقابية القادمة لو تقدر على بلورة رؤية منسجمة تقطع مع الرّهانات الإنتخابوية ولو تعمل على الظهور كاتجاه مستقل من داخل الاتحاد. إنها الإمكانية الوحيدة للخروج من دائرة الرضوخ للأمر الواقع والقبول بسياسة الاحتواء.

أما المبادرة الثانية، مشروع لمعالجة أزمة الحركة النقابية من خارج الاتحاد العام التونسي للشغل وهي كمبادرة مازالت محفوفة بكثير من الغموض. إن التحديات التي تواجهها هذه المبادرة في ظل الواقع الحالي للحركة النقابية والحركة العمالية عموما تحديات كبيرة. فلئن كانت التعددية النقابية توجه غير مرفوض في المطلق فإن ذلك لا يجب أن يجعلنا نتغاضى عن ضرورة توفر جملة من الشروط في الواقع تجعل تحقيق هذه التعددية أمرا ممكنا، وإذا لم تكن هذه الشروط متوفرة فإن كل المجهودات التي تبذل تكون لا طائل منها لا بل تساهم في مزيد إضعاف الحركة وتهميشها. إن مسألة التعددية النقابية وفي الوضع الحالي للحركة العمالية التونسية ليست واحدة من المسائل العادية التي تواجه العمال والشغالين وقد لا يكفي وعي طليعي لتحقيق ذلك.

وهكذا فالآفاق التي يمكن أن تفتحها هذه المعارضة النقابية آفاق محدودة وبالتالي فأزمة الاتحاد وأزمة العمل النقابي مرشحتان للاستمرار استنادا إلى معطيين على الأقل:

1-     تراجع الوعي بأهمية النقابة لدى الشغالين نتيجة تأخير الحركة النقابية عن تمثل مصالحها والدّفاع عنها ونتيجة عدم قدرتها على مواجهة التحدّيات الناجمة عن عولمة الاقتصاد. فالنضال النقابي اليوم لم يعد محكوما بمستوى العلاقة بين رأس المال والعمل على المستوى المحلّي إنّه صار محكوما اكثر فأكثر بطبيعة هذه العلاقة على المستوى العالمي. وهذا يطرح طبعا تحدّيات جديدة وهي لا شكّ تحديّات كبيرة مفروضة على الحركة النقابية مواجهتها.

2-     عدم قدرة الاتجاهين المعارضين لتوجيهات الاتحاد من الدّاخل أو من خارجه على تفعيل مبادراتهم وإكسابها بعدا قاعديا له  وزن.

أزمة الاتحاد: أزمة العمل النقابي

ارتبطت الحركة النقابية بالاتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه وعرف العمل النقابي من داخل هذه المنظمة وفي فترات عديدة تطورا كبيرا كما عاش أزمات حادّة في فترات أخرى كانت في مجملها ظرفية سرعان ما يقع تجاوزها، إلا أن الأزمة الحالية مختلفة عن سابقتها فهي تهدد بنسف مقومات العمل النقابي في حدّ ذاته. لقد فقد الاتحاد العام التونسي للشغل إشعاعه وابتعد عن مشاغل منخرطيه وقبل بتصفية عديد المكاسب الاجتماعية: قبل الخوصصة، وشارك في برنامج التأهيل، وساند كل السياسات التي نتجت عن تبني برنامج الإصلاح الهيكلي إضافة لما حصل من تجاوزات لقوانين المنظمة النقابية والتي بموجبها تدعم النهج البيروقراطي دون الحديث عن الفساد المالي والإداري. إن كل هذه العوامل جعلت من الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة فاقدة لأي مصداقية في نظر عموم الشغالين ولأي استقلالية في القرار ولأي ديمقراطية في التسيير وبعيدة كل البعد عن لعب أي دور فعّال في حماية مصالح منخرطيه ومجابهة التحديّات المنجرّة عن اندماج بلادنا في الاقتصاد المعولم وما نتج عن ذلك من مشاكل كان الأجراء بصفة عامّة أول المتضررين منها. إن العمل النقابي داخل الاتحاد العام التونسي للشغل يعيش أزمة لم يشهد لها مثيلا، فمن جهة فقد العمل النقابي في العشرية الأخيرة دوره التقليدي بوصفه عملا مطلبيا وقد تجسم هذا التوجه بانخراط الاتحاد العام التونسي للشغل في تبني مفهوم النقابة المساهمة وكرّس هذا التصورّ في الاختيارات والمواقف التي تبناها والتي سبق أن وضحناها. ومن جهة أخرى ضعف ارتباط القاعدة العمالية بالاتحاد وتناقص عدد المنخرطين وعزف العمال بصفة عامة عن العمل النقابي وخصوصا في القطاع الخاص ونتيجة ضرب الحق النقابي والخوف من فقدان العمل جرّاء النشاط النقابي وإذا ما أضفنا إلى ذلك غياب الديمقراطية داخل هذه المنظمة يصبح من الجائز القول أن الاتحاد العام التونسي للشغل يعيش مرحلة كفّ فيها عن أن يكون إطار لعمل نقابي ديمقراطي ومستقل وهو مهدد بأن يفقد صفته كممثل للشغالين.

إنّ أزمة العمل النقابي الرّاهنة تمثّل أحد تمظهرات المأزق الذي انتهت إليه الحركة النقابية، أنها أزمة  دائرية تخرج من أزمة لتدخل أزمة جديدة. عود على البدء دائما.

لقد ظلت الحركة النقابية أكثر من أربعة عقود تصارع من أجل فرض استقلالية وديمقراطية ونضالية العمل النقابي وظل النقابيون يعملون على تجسيم هذه التوجهات لكن دون جدوى. لقد اصبح المأزق مزمناً.

إن أي تصور اليوم لمعالجة أزمة العمل النقابي لا بد أن ينطلق من تقييم شامل لمسيرة هذه الحركة ومن دراسة للتغيرات التي حدثت في صلب المجتمع وبالخصوص في صلب القوى العاملة من أجراء وشغّالين والموظفين المعنيين بمسألة النضال النقابي. لقد توسّعت جبهة المعنيين بالعمل النقابي وكذلك توسعت وتعدّدت محاور اهتمام النضال النقابي ولا بدّ من اعتبار ذلك وأخذه في الحسبان. إن إعادة الهيكلة الجارية للرأسمال العالمي وانخراط بلادنا في ذلك لابدّ أن يقابلها إعادة النظر في الكثير من الأمور التي تهم الشأن النقابي من اجل تمكين الحركة العمّالية من خوض نضال نقابي حقيقي للدفاع عن مصالحها.

ما العمل لنعيد للعمل النقابي الدّور الموكول له

إن الوضع الذي أصبح عليه العمل النقابي داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وتعدّد إخفاقات الحركة النقابية من أجل فرض استقلاليتها وديمقراطيتها وتكريس مفهوم حقيقي للعمل النقابي يستجيب لمصلحة العمّال والأجراء، يبين بالفعل أن الاستمرار على نفس هذا المسار سيجعل الاتحاد العام التونسي للشغل إطارا غير مناسب لعمل نقابي ديمقراطي ومستقل. إلا أن الدّعوة كذلك إلى التعدّدية النقابية الآن وكحل تبدو هي أيضا قفزة على واقع الوعي العمّالي يمكن أن تنتج عنها عديد المخاطر التي ستؤثر سلبا على الحركة العمالية وعلى العمل النقابي. إنّنا لا ننظر إلى مسـألة التعدّدية من حيث المبدأ، مبدأ الحق في التنظم النقابي. إننا ننظر إليها من زاوية مدى قدرتها اليوم كحل على الاستقطاب والفعل ارتباطا بحقيقة وعي العمّال والأجراء الآن. إنّ التعدّدية النقابية كحل لمسألتي استقلالية وديمقراطية العمل النقابي تنتج حسب رأينا عن ديناميكية داخلية للحركة العمالية تعكس اقتناعا لدى لعّمال بأن البقاء في الأطر التي لا تجسم استقلالية قرارتهم أصبح غير ممكن. إنّها لا بد أن تكون بالفعل تعبيرا عن إرادة واعية من العمّال في قطاع أو قطاعات في الاستقلال عن الأطر التي لا تمثلهم. إنّها عملية انقسام واع وليست رغبة فوقية في التقسيم يقف منها العمال والأجراء وغالبية النقابيين اليوم موقفا ملخصه "لا نعارضك ولكن لسنا معك".

إن هذا الموقف بالذّات هو الذي يحتم علينا الوقوف مع الأجراء حيث هم، والعمل والنضال معهم لرفض تصوّر للعمل النقابي يستجيب لمصلحتهم. لذلك فعلى كل النقابيين النزهاء وعلى المعارضة النقابية المتمسّكة بالعمل من داخل الاتحاد العام التونسي للشغل ان تتوحدّ حول مشروع نقابي مستقل عن مشروع البيروقراطية النقابية الذي توضحّت اليوم مراميه والظهور كاتجاه معلن من داخل الاتحاد على قاعدة رؤية نقابية مناضلة يقع بلورتها والتوحد على أساسها وفرض هذا الحق وتفعيله في المجلس الوطني القادم وفي المؤتمر الاستثنائي. إن الخروج عن هيمنة البيروقراطية وكسر الطوق الذي تضربه على النقابيين المتمسكين باستقلالية وديمقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل يمرّ حتما بالقطع مع سياسة الخضوع للأمر الواقع ويفرض على هؤلاء النقابيين التوحد والظهور كقوة نقابية معارضة من داخل الاتحاد. إنها الإمكانية الوحيدة والخطوة الأولى في مسار تصحيح حقيقي يعيد الاعتبار للعمل داخل الاتحاد العام التونسي للشغل.

المجلس الوطني والمؤتمر الاستثنائي: أي دور للمعارضة النقابية؟

لئن أتاح التصحيح المغالطة فرصة للمعارضة النقابية ولقطاع واسع من النقابيين الذين ليسو في ركاب البيروقراطية كما ذكرنا سابقا لخوض معركة حول استقلالية وديمقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل ولعدة أسباب وضحناها كانت فرصة مجهضة، ولكن وبعد أن ارتأت البيروقراطية النقابية ولاستكمال مغالطتها الدعوة إلى مجلس وطني للتحضير إلى مؤتمر استثنائي هاهي الفرصة تعود من جديد لخوض نفس المعركة. فهل تقدر المعارضة النقابية الديمقراطية والمناضلة على القطع مع ارتباكها ووسطيتها وتستفيد من هذه المحطة الفرصة الأخيرة في هذا المسار الذي بدأ منذ إقالة السحباني.

إن دعوة البيروقراطية النقابية إلى مجلس وطني ومؤتمر استثنائي للاتحاد العام التونسي للشغل مناورة مكشوفة للبيروقراطية لاستكمال المغالطة ولسحب البساط وقطع الطريق أمام أي إمكانية لتجديد الدعوة إلى مؤتمر استثنائي من طرف النقابيين داخل الاتحاد العام التونسي للشغل. إن البيروقراطية تعرف جيدا أن دعوة كهذه ستكون موجهة لمحاسبتها وقد لا تقدر على معارضتها خصوصا إذا استطاع هذا المطلب أن يلف حوله عديد النقابيين الذين لا شك سيتجاوزون واقع التردد والارتباك. إنها تعلم جيدا أن التصحيح المغالطة الذي تمرره أنفاسه قصيرة. إنها تعلم جيدا إن التصحيح ولئن حقق إلى حد الآن بعض الأهداف فهو لا يمكن أن يعمر طويلا فسرعان ما ستتوسع دائرة معارضيه، فحالة الخمود والهدوء غير المأمون والسائد الآن لا يمكن أن تستمر طويلا لذلك سارعت للدعوة إلى المؤتمر الاستثنائي مناورة منها لإفراغ أي مد نضالي محتمل قد ينشأ على قاعدة هذا المطلب.

إن دعوة البيروقراطية إلى مجلس وطني للاتحاد وإلى مؤتمر استثنائي أحيت الإمكانية المجهضة سابقا. إن إمكانية خوض المعركة ضد البيروقراطية حول استقلالية وديمقراطية العمل النقابي اليوم إمكانية حقيقية فالمجلس الوطني في البدء والمؤتمر الاستثنائي فيما بعد سيوفران إمكانية واسعة لفضح مسار التصحيح المغالطة والفوقي ولطرح تصوّرات ومقترحات لإرساء استقلالية المنظمة النقابية وديمقراطيتها وسيمنحان المعارضة النقابية وكلّ أنصار النقابة المناضلة الفرصة للظهور كاتجاه نقابي مستقل عن البيروقراطية ومنحاز للعمال والأجراء. إنها إمكانية غير مستحيلة فهل تقدر المعارضة النقابية على استثمار هذه الإمكانية.

إن افتضاح أمر التصحيح قد وسع وإن في حدود جبهة النقابيين المعارضين من داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وهذا معطى جد مهم لا بد من العمل على تفعيله عبر تجميع ممثليه على أرضية مواقف واضحة ومطالب ملموسة يقع طرحها أثناء المجلس الوطني والمؤتمر الاستثنائي. ويمكن الإشارة بصفة عامة إلى هذه المواقف في:

1-     كشف التجاوزات التي حصلت أثناء تجديد الهياكل النقابية وربطها بطبيعة القيادة الحالية وبالمضمون الحقيقي للتصحيح.

2-     معارضة عقلية صراع المواقع وفضح أصحابها الساعين إلى كسب شرعية زائفة من خلال المؤتمر بالعمل على أن يكون مؤتمرا تتصارع فيه المواقف وتطرح فيه المشاكل الحقيقية التي يعاني منها العمل النقابي والتي على رأسها مسألة الاستقلالية والديمقراطية.

3-     معارضة وكشف سياسة الوفاق التي التزمت بها القيادات النقابية منذ بداية التسعينات.

4-     التمسك بالطابع المطلبي للعمل النقابي.

5-     العمل على فرض استقلالية القرار القطاعي داخل الاتحاد وتقديم مشاريع لتنقيح قوانين الاتحاد تكرس هذا التوجه.

6-     تقديم مشاريع قوانين للمؤتمر للحد من تمركز سلطة القرار في القيادة النقابية وفي المكتب التنفيذي تخصيصا.

7-     الظهور كقوة نقابية مستقلة ومعلنة من داخل المؤتمر متوحدة حول مشروع نقابي مستقل عن البيروقراطية النقابية.

هذه بعض التصورات العامة ويبقى على النقابيين إثراءها وتخصيصها والارتقاء بها إلى مستوى البرنامج.

 

 






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ارتفاع نسبة الفقر في العراق إلى 27%
- عبد الباسط حمودة: أطالب نقابة الموسيقيين بمنع الأغاني الهابط ...
- ايقاف اشتراك ازواج 82 من الصحفيات في التأمين الصحي
- أكبر هبوط لسوق العملات الرقمية في 7 أسابيع
- محتجون يغلقون دوائر حكومية في الرفاعي احتجاجا على تكليف كاظم ...
- الضمان تبدأ باستقبال طلبات الاستفادة من الحزمة الجديدة لبرام ...
- أربعة أسرى يواصلون إضرابهم المفتوح عن الطعام
- فلسطيني يطهو الجريشة لفقراء غزة في شهر رمضان...فيديو وصور
- بسبب تسريبة.. سوق العملات الرقمية تشهد أكبر هبوط في 7 أسابيع ...
- نقابة الممرضين تتهم جهات بالتصدي لـ-المستقلة-


المزيد.....

- تطور الحركة النقابية في المغرب بين 1919-1942 / عادل امليلح
- دور الاتحاد العام التونسي للشغل في الثورة وفي الانتقال الديم ... / خميس بن محمد عرفاوي
- كيف تحولت مختبرات الأدوية إلى آلة لصنع المال وما هي آليات تح ... / المناضل-ة
- النقابية (syndicalisme) في قاموس الحركات الاجتماعية / صوفي بيرو
- تجربة الحزب الشيوعي في الحركة النقابية / تاج السر عثمان
- ما الذي لا ينبغي تمثله من الحركة العمالية الألمانية / فلاديمير لينين
- كتاب خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية / تاج السر عثمان
- من تاريخ الحركة النقابية العربية الفلسطينية:مؤتمر العمال الع ... / جهاد عقل
- كارل ماركس والنّقابات(1) تأليف دافيد ريازانوف(2) / ابراهيم العثماني
- الحركة العمالية المصرية في التسعينات / هالة شكرالله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - بشير الحامـدي - حول أزمة الحركة النقابية والتصحيح