أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - خليل سامي ايوب - مفهوم الديمقراطية من الليبرالية إلى الماركسية















المزيد.....



مفهوم الديمقراطية من الليبرالية إلى الماركسية


خليل سامي ايوب

الحوار المتمدن-العدد: 3566 - 2011 / 12 / 4 - 01:11
المحور: حقوق الانسان
    


مقدمه
ارتبط تحقيق آمال الناس وأحلامهم عبر الأزمنة التاريخية الماضية ولفترات طويلة بالحصول على وسائل مفارقة خرافية, سحرية, إلهية في سبيل تحقيق السعادة المبحوث عنها في مواجهة عصور الظلم والاستبداد .
كان القرن الرابع قبل الميلاد بداية استبدال تلك الوسائل الخرافية بوسائل مكنت البشرية من صنع حياتها ومستقبلها وأحلامها في ضوء نظام يضع مقاليد السلطة وأدوات الحكم في أيديهم ويُخضعها لإرادتهم وهو ما أطلق عليه النظام الديمقراطي أو " الديمقراطية ", إلا أن تعقيدات الحياة وتداخلها فرضت البعد عن المفهوم مرة أخرى وقللت من فرص تحقيق مصالح الناس بشكل جماعي وأرجعتهم إلى عالم الغيبية القديم, حتى جاء العصر الحديث بظروف وفرت الفرصة من جديد أمام البشرية للعيش المشترك تحت مسميات عديدة من أهمها الديمقراطية التي بقيت مبهمة طيلة تلك الفترة من حيث طبيعة النظام الديمقراطي وخصائصه وأشكاله وتطبيقاته وفي نهاية القرن العشرين لم يبقى من تلك الأنظمة سوا نظامين هما: رأسمالي ليبرالي والآخر شمولي اشتراكي إلى جانب ديمقراطيات أخرى لا تتوفر فيها مقومات القبول العام وشروط الانتشار عبر العالم .
كانت هزيمة النظام الاشتراكي وديمقراطيته الشمولية وانتصار الرأسمالية وديمقراطيتها الليبرالية كالزلزال الذي سرعان ما دفع كتاب ومفكري الرأسمالية وديمقراطيتها إلى الاستنتاج المتسرع والمتمثل بقولهم إن النصر هذا هو نهاية التاريخ الإنساني وأقصى ما يمكن تحقيقه من سعادة وخير للبشرية جمعاء .
لقد كانت العولمة ورواج الأفكار والسياسات الليبرالية بمثابة المحرك الذي منح الرأسمالية وديمقراطيتها قوتها وحيويتها وصحة صواب منهجها, لكن الرأسمالية في جوهرها أخفقت في تحقيق الديمقراطية المنشودة على اعتبار أنها نظام سوق قوامه تحقيق الربح متجاهلا أي معيار ديني أو دنيوي, وقد نجح هذا النظام في التضليل لتحقيق مصالحه وزعمه القدرة على التوفيق بين مصلحة المجتمع ومصلحة أصحاب رؤوس الأموال ما كشف فيما بعد زيف هذه الادعاءات وصولاً لإفراز حالة من العداء المستحكم بين الديمقراطية والرأسمالية .

مفهوم الديمقراطية
لا شك أن كلمة الديمقراطية من أكثر المفاهيم غموضاً وشيوعاً في عالمنا الحالي, فكما قال عالم السياسة بيرنارد كريك " إن الديمقراطية هي أكثر الكلمات اضطراباً وغموضاً فهي مصطلح قد يعني شيئا بالنسبة لكل شخص بحيث تكون هناك خطورة بأن تصبح الديمقراطية كلمة بدون معنى " .
وقد تعددت مفاهيم وتفسيرات الديمقراطية ومن أشهرها المفهوم اليوناني لهذه الكلمة والذي عرف الديمقراطية بأنها كلمة مركبة من مقطعين: الأول DEMOS وتعني عامة الناس, والثانيKRATIA وتعني حكم, وبذلك يكون المعنى كاملاً حسبما جاء في الأدبيات الإغريقية القديمة "حكم الشعب " أو "حكم الشعب لنفسه " وبهذا تكون الديمقراطية شكل من أشكال الحكم السياسي القائم على التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثرية.
لقد شغل مفهوم الديمقراطية مجالاً كبيراً من اهتمامات علم الفلسفة والاجتماع والسياسية فهي محور الفكر السياسي الذي ظهر قديماً في اليونان قبل الميلاد بعصور واستمر هذا المفهوم يلعب دوراً أساسيا ومحورياً في الفكر السياسي والحياة السياسية إلى وقتنا الحاضر مع تعاظم أهميته في هذا العصر عما سبقه من عصور تاريخية كنتيجة طبيعية لتطور الحياة السياسية وتعدد مجالاتها وتشعبها.
لم تعرف الديمقراطية مفهوماً واحداً جامعاً للأمم والشعوب بقدر ما عرفت تفسيرات ومفاهيم مختلفة فمن مفهوم "حكم الشعب " إلى "حكم الشعب بالشعب" إلى مفهوم "حكم الشعب بالشعب وللشعب " بقي الشعب أساس الديمقراطية حتى قيل بالديمقراطية الشعبية تدليلاً على إرادة أفراد الشعب في اختيار الحكام والمسؤولين, ويتغير مفهوم الديمقراطية بتغيير الأزمان والظروف التي تعيشها المجتمعات وبهذا يقول المفكر المصري سمير أمين " ليس مفهوم الديمقراطية مفهوماً علمياً يمكن بالتالي تعريفه تعريفاً وحيداً دقيقاً لا يقبل المناقشة والشك بل كلمة الديمقراطية هي مجرد تعبير لغوي مائع يتغير بتغير المتحدث والظروف " .
وقد انشغل الفكر السياسي والتشريعي والقانوني بصياغة مضامين سياسية واجتماعية واقتصادية للديمقراطية من اجل اعتماد آليات لتطبيقها فصارت الديمقراطية شكلاً من أشكال نظام الحكم, انه الشكل المتعارض في مواجهة الحكم الاوليغارشي الاستبدادي, ومع تعاقب التجارب السياسية والقانونية في حكم الدول وظهور دور الدين في تنظيم المجتمع صار للديمقراطية مفاهيم ومعايير إنسانية حضارية وأصبحت هذه المعايير والقيم دليل على سيادة الديمقراطية مثل قيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان التي لا يمكن دراسة مفهوم الديمقراطية بمعزل عن دراستها والتحقق من مدى توافرها في مجتمع معين لاتخاذها أساسا في إطلاق صفة الديمقراطية على مجتمع ما بمنظومته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فالديمقراطية كما لخصها الكاتب رفيق عبد السلام في كتابه " فن العلمانية والدين والديمقراطية" هي آليات إجرائية وظيفية, قد تصلح لعلاج معضلة الاستبداد والتسلط وعلى ذلك فهي ليست عقيدة صارمة منازعه للأديان ولا هي حل سحري لمسيرة الكون والمجتمع بما يعانيه هذا المجتمع من آثام وشرور ومشاكل.

نشأة الديمقراطية عبر التاريخ
تعتبر الديمقراطية منتج إغريقي أنجزت عملية نحته في أثينا القديمة وذلك في القرن الخامس قبل الميلاد, حيث تعتبر الديمقراطية الأثينية أولى الأمثلة التي تنطبق عليها المفاهيم المعاصرة للحكم الديمقراطي.
أما الديمقراطية المعاصرة فقد أرست دعائمها الثورة الفرنسية التي قامت في العام 1789م وقد تبلور مبدأ سيادة الأمة قبل الثورة الفرنسية بعدة عقود وذلك من خلال كتابات جون لوك ومونتيسكيو وجان جاك روسو مؤسسي نظرية العقد الاجتماعي التي تعتبر أساس نظرية سيادة الأمة, التي جاءت كرد فعل لمحاربة نظرية التفويض الإلهي التي سادت أوروبا في العصور الوسطى واستمرت لعشرة قرون, فقد كان الاعتقاد السائد لدى السكان في المجتمع الأوروبي القديم بأن الملوك يحكمون بموجب تفويض من الله فكان أولئك الملوك يتمتعون بسلطان مطلق مدعومين بتأييد البابوات, وقد عانت تلك المجتمعات من الحكم المطلق المعاناة الشديدة, فكانت نظرية سيادة الأمة الخيار البديل للخروج على سلطة الملك, وقد كان الانتقال من نظرية التفويض الإلهي إلى نظرية سيادة الأمة انتقالاً دموياً عبر ثورة هي من اشد الثورات دموية ألا وهي "الثورة الفرنسية" والتي اتخذت شعار ( اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس).
وبذلك تعد الثورة الفرنسية بحق هي الأساس الذي أرسى قواعد ومبادئ الديمقراطية الغربية من خلال العديد من المواد القانونية التي جاء بها الدستور الفرنسي فقد نصت المادة الخامسة والعشرين منه على أن " السيادة تتركز في الشعب" وبهذا إشارة ضمنية إلى أهمية الشعب في الحكم وبصفته المصدر الأساسي للحكم الديمقراطي والسلطة السياسية داخل الدولة

أنواع الديمقراطية
عرف تاريخ المجتمع الإنساني أنواعا مختلفة من الديمقراطيات عبر العصور التاريخية الماضية من أهمها ما يلي :-
1_ الديمقراطية المعتدلة: وهي تلك الديمقراطية التي تحدث عنها أرسطو, وقد تأثر تعريفه لها بخلفيته الاجتماعية كونه ينتمي إلى الطبقة الوسطى, حيث عرفها بأنها تلك الديمقراطية التي تظهر بسيطرة الطبقة الوسطى على الحكومة التي تبتعد عن الاوليغارشية .
2_ الديمقراطية المسيحية: ظهرت في الفترة التي سادت فيها حركة الإصلاح الديني التي اجتاحت أوروبا في القرن السادس عشر الميلادي كرد فعل طبيعي على تسلط رجال الكنيسة وسيادة عصر "صكوك الغفران" وقد انطلقت حركة الإصلاح الديني من قاعدة أساسها أن الله هو مصدر السلطة ومهدت بذلك لتحرير الأفراد من سلطة البابا وارتبطت عملية التحرر هذه بمفهوم حرية الفرد في التعبير عن النفس, وقد كانت الحرية المطلقة التي تمتع بها المجتمع في تلك الفترة نتيجة طبيعة لحركة الإصلاح الديني فظهر مفهوم الديمقراطية المسيحية .
3_ الديمقراطية الإسلامية والتي تقوم على مبدأ أساسه " الشورى" انطلاقاً من قوله تعالى
{ وأمرهم شورى بينهم} وبالتأكيد فهي تختلف عن الديمقراطية الغربية في مضمونها وطرق تطبيقها .
4_ الديمقراطية السياسية : ظهرت في أوروبا نتيجة لتطور الفكر الليبرالي في القرنيين السابع عشر والثامن عشر الميلادي كوسيلة لصون الحرية الفردية إلا أنها لم تستطع تحقيق المساواة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي .
5_ الديمقراطية الماركسية: فمن المنظور الماركسي تتحقق الديمقراطية عندما تسيطر الأغلبية وهي الطبقة العاملة في المجتمع الماركسي على السلطة, وبذلك تتحقق الديمقراطية المنشودة في المجتمع, والتي نظرت إلى حقوق الإنسان من منظور اقتصادي اجتماعي بخلاف الليبراليين اللذين نظروا إلى تلك الحقوق من منظور سياسي .
6_ الديمقراطية التوافقية: تلك الديمقراطيات التي ظهرت نتيجة لتعدد الطوائف والجماعات الإثنية والعرقية داخل الدولة فقامت على نوع من الائتلاف الذي يقبل بتوزيع السلطة على المجموعات السكانية المختلفة في سبيل تحقيق مصالحها بصورة تبادلية.
كل تلك الديمقراطيات تفضي إلى ممارسة نوع من الحق الطبيعي للإنسان يقوم على قهر القهر في التحرر من العبودية والظلم ورفض الأساطير والخرافات التي سادت العصور الوسطى, فهي تنطوي على إقرار بحرية الأفراد بالرغم من وجود اختلاف ما بين الديمقراطيات السابقة في كيفية ممارسة الديمقراطية وأشكالها وحدودها إلا أن ما يهمنا هنا هو إقرار نوع من الحرية للفرد بعد أن كانت تلك الحرية رهينة البابوات ورجال الدين .

مبادئ وقيم الديمقراطية
مبدأ تحكيم حكم الأكثرية
وهو مبدأ قائم على مفاهيم مصممة وضعت بالأساس لتتمكن الأكثرية من المحافظة على قدرتها في الحكم الفعال والاستقرار والسلم الأهلي الداخلي والخارجي, لمنع الأقليات من تعطيل الدولة وشلها وبهذا المفهوم تتكون الأكثرية من جماعة المواطنين اللذين اتفقوا على خيار سياسي معين واحد في مواجهة الأقلية وفق نموذج وستمنستر وهو النوع المطبق من المبادئ الديمقراطية في الهند وايطاليا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا, ويرتبط بهذا المبدأ مفهوم فصل السلطات وفي إطاره تكون الدولة مقسمة إلى سلطات كل سلطة منفصلة ومستقلة في صلاحيات ومجالات المسؤولية .

مفهوم التوازن
وتبدأ فكرة التوازن من إمكانية تعارض مصالح الأكثرية مع مصالح الأقلية ومن هنا جاءت فكرة الديمقراطية الليبرالية وهنا لابد من تحقيق التوازن فيما بينهما, وتمتد هذه الفكرة لتشمل أيضا التوازن بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية, وبين المناطق والقبائل والأعراق وبين السلطات الدينية والدنيوية ومن هنا جاءت فكرة العلمانية في تحقيق التوازن بين الأقليات في النموذج الديمقراطي للدول .

الشرعية السياسية والثقافة الديمقراطية
تعتمد جميع أنواع الحكومات في مسار تاريخها السياسي على الشرعية السياسية, والتي تعني مدى قبول الجماهير بها لأنها بدون ذلك لا تعدو كونها عصابة وطرف في حرب أهلية طالما أن سياساتها سوف تجابه بمعارضة واسعة ربما قد تكون مسلحة في بعض الأحيان بناءاً على ذلك فانه وباستثناء الفوضويين فان معظم البشر في المجتمعات مستعدون للقبول بحكوماتهم ويعود الفشل في تحقيق الشرعية السياسية إلى الانفصال والنزعات العرقية والدينية وليس بالاختلافات السياسية .
تتطلب الديمقراطية درجة عالية من الشرعية السياسية التي تضفى على مخرجات العملية الانتخابية الشرعية وتعطيها الحق في ممارسة دورها في إطار الحكومة والدولة, وهنا فان الانتخابات الحرة ليست وحدها كافية لكي يصبح بلداً ما ديمقراطياً إذ لابد من انتشار واسع لثقافة الديمقراطية في المؤسسات السياسية والمدنية والاجتماعية .

مكونات النظام الديمقراطي
هناك أربع مكونات رئيسية للنظام الديمقراطي يمكن تفصيلها على النحو التالي :-
1_ وجود انتخابات حرة وعادلة: تعد الانتخابات التنافسية الأداة الرئيسية التي تتيح مساءلة الموظفين والعاملين وإخضاعهم للرقابة الشعبية, وتعتبر الانتخابات معتركاً هاماً لضمان المساواة السياسية بين المواطنين سواء في الوصول للمناصب العامة أو في حق التصويت.
2_ وجود حكومة منفتحة يمكن مساءلتها: وتعتبر عملية المساءلة الشعبية للحكومة عملية قانونية تتم أمام المحاكم من اجل الوقوف على حقيقة مفادها مدى التزام العاملين بالقانون وهي مساءلة سياسية أمام البرلمان والشعب عن مدى نجاعة سياسة معينة وتبرير فاعليتها من قبل الحكومة لأفراد الشعب .
3_ وجود مجموعة من الحقوق الًمدنية والسياسية: وتشمل تلك الحقوق حرية التعبير والاعتقاد والانتماء... الخ, والتي تعد شرطاً لممارسة الشعب للعمل السياسي, فبرغم من كون هذه الحقوق مكفولة لجميع الأفراد إلا أن نجاعتها تكمن في سياق العمل الجماعي من خلال الانضمام للأحزاب والتجمعات ومدى قدرة الأفراد من خلالها للتأثير على الرأي العام.
4_ وجود شبكة من المؤسسات المدنية داخل الدولة " المجتمع المدني " بحيث تقوم هذه المؤسسات من خلال روابط تقع خارج نطاق تأثير الدولة وبشكل يسمح بتكوين جماعات تنظم بشكل مستقل عن الدولة, ومن خلال هذه الطريقة يمكن فقط الحد من سلطة الدولة والمشاركة في صياغة الرأي العام والمشاركة في الرقابة الشعبية على عمل الحكومة.

علاقة الديمقراطية بحقوق الإنسان
يمكن أن نعرف حقوق الإنسان بأنها تلك الحقوق والحريات الفردية المشتقة من حاجات الإنسان الضرورية وطاقاته المتعددة, حيث يمكن تصنيف حقوق الإنسان إلى الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وكمثال على الحقوق المدنية والسياسية الحق في الحياة, وعدم التعرض للتعذيب... الخ, ويعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/ديسمبر من العام 1948 المصدر الرئيسي لتلك الحقوق في العصر الحديث.
ينظر إلى مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان كمفهومين منفصلين ويسيران بخط متوازي إلى جانب النظر لمفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان على أنهما مصطلحات سياسية منفصلة ومتميزة, ففي الوقت الذي تهدف من خلاله الديمقراطية إلى منح القوة لكافة أبناء الشعب تركز حقوق الإنسان على إعطاء تلك القوة إلى الأفراد, بهذا فإن حقوق الإنسان كمفهوم يتصل بكيفية الحكم وليس بمن يحكم.
مع ذلك كله تحدثت العديد من المؤتمرات العالمية لحقوق الإنسان عن وجود علاقة وثيقة ما بين الديمقراطية وحقوق الإنسان وأنهما متكاملين وداعمين كل للآخر من هنا جاء اعتراف المجتمع الدولي ( كما أورد دافيد بيكهام وكيفين بويل ) أن حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون تؤمن على أحسن وجه عن طريق الالتزام بالمبادئ الديمقراطية, ما يعني أن ممارسة حقوق الإنسان ضرورة للديمقراطية.
وقد تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 دعوة صريحة للحكم الديمقراطي عندما أعلن عن أن " إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم " ( المادة 21), وهذا دليل واضح وصريح على أن هناك عملية ربط ما بين الديمقراطية وحقوق الإنسان وان كلاً منهما يعتمد على الآخر في أي نظام حكم وهذا بالطبع ما يدحض الأقوال التي تنادي بأن حقوق الإنسان هي أمور يمكن الدفاع عنها في الأنظمة غير الديمقراطية.

محاسن الديمقراطية والانتقادات الموجهة لها
محاسن الديمقراطية
1_ تحقيق الاستقرار السياسي من خلال خلق نظام يستطيع الشعب فيه استبدال الإدارة الحاكمة من دون تغيير الأسس القانونية, ولكن الاستقرار السياسي لا يعني بقاء النظام السياسي على سدة الحكم لفترة زمنية طويلة لان ذلك يتناقض مع جوهر الديمقراطية القائم على التداول السلمي للسلطة وضرورة عدم بقاء النظام السياسي رهين اتجاه حزبي أو سياسي معين.
2_ تعمل الديمقراطية على انخفاض مستوى الفساد بكافة أشكاله, وتشير التقارير الصادرة عن البنك الدولي بان مدى انتشار الفساد يرتبط بالديمقراطية والاستقرار السياسي وحرية الصحافة.
3_ انخفاض الفقر والمجاعة فهناك علاقة تبادلية بين ازدياد الديمقراطية وارتفاع معدلات إجمالي الناتج القومي للفرد وانخفاض معدلات الفقر, مقابل وجود جدل حول ما يمكن أن ننسبه للديمقراطية من فضل فيما يتعلق بالموضوع.
4_ انخفاض نسبة الجرائم والقتل حيث تشير البحوث والدراسات إلى أن الأمم الأكثر ديمقراطية تتعرض إلى القتل بدرجة اقل سواء من قبل حكوماتها أو الأفراد العاديين.
5_ تعمل الديمقراطية على معاملة جميع الأفراد على قدم المساواة نوعاً ما, على أساس أنها يجب أن تأخذ آراء الناس وتطلعاتهم وطموحاتهم على قدم المساواة.
6_ الدعوة ومن خلال الديمقراطية إلى الحوار الصريح بين أطراف العملية السياسية والمجتمع من اجل الوصول إلى الحلول الوسط فيما يتعلق بتنظيم الحياة والمجتمع .
7_ تسمح الديمقراطية بتجدد قوة المجتمع من خلال استخدام الوسائل السلمية في استبعاد السياسيين اللذين فشلوا في تحقيق سياستهم ولم يعد وجودهم ضروري.

أهم الانتقادات الشائعة ضد الديمقراطية
1_ الصراعات الدينية والعرقية: تفترض الديمقراطية وجود حسن نوايا بالقيم المشتركة بين أفراد الشعب وبالوحدة الواحدة, ولكن المجتمعات تفتقر إلى الوحدة الثقافية والعرقية فقد تكون هناك فوارق قومية ولغوية ما يؤدى إلى صراع بين الجماعات وبشكل خاص في بعض الدول الديمقراطية الكبرى التي تدعي بديمقراطيتها من خلال العداء ضد المهاجرين والجماعات العرقية الصغرى داخل الدولة,(اسبانيا كدوله ديمقراطية ومشكلتها مع إقليم ألباسك, ومشكلة المهاجرين في فرنسا).
2_ تعتبر مشكلة البيروقراطية من المشاكل التي تواجه الديمقراطية على أساس أن البيروقراطية تعمل على تغيير القوانين من دون وجود ضرورة لذلك, ما يؤدي إلى إنتاج قوانين تحد من مدى ما كان في السابق من حريات.
3_ التركيز قصير المدى: حيث أن سماح الديمقراطية الليبرالية بالتغيرات الدورية في الحكومة تعرضها للنقد بأنها نظام ذات تركيز قصير المدى, وبشكل خاص فيما يتعلق بالعملية الديمقراطية الدورية, وإهمال للتخطيط الطويل المدى ما يجعل سياسات الحكومة غير ناجعة في تحقيق برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشكل جيد خلال فترة سيطرتها على مقاليد الأمور داخل الدولة.
4_ نظرية الاختيار الشعبي: والتي تعتبر جزء من علم الاقتصاد الذي يختص بدراسة سلوك الفرد واتخاذ قراره بشأن العملية الانتخابية, وامتلاك الناخب قليل من التأثير يؤدي إلى إهمال بعض القضايا, مما يتيح لجماعة المصالح الحصول على معونات مالية قد تكون مفيدة لهم ومضرة بالمجتمع.
5_ فلسفة حكم الأغلبية: فمن أكثر الانتقادات الموجهة إلى الديمقراطية هو خطر طغيان حكم الأغلبية في الدولة وحكومة الاوليغارش.
6_ كما أن رواد الديمقراطية أنفسهم مثل جاك دريدا اعترفوا وبشكل صريح وواضح بأن الديمقراطية تتم في حرب معلنة ومقاومة عنيدة, ما يعني أن السبيل إلى الديمقراطية دماء الأبرياء وجثث الفقراء.

الديمقراطية بين الليبرالية والماركسية
نشأة الفلسفة الليبرالية
تعتبر الفلسفة الليبرالية أيدلوجيا ذات نزعة فردية تركز على الفرد وتهدف إلى حمايته وصون حقوقه وحرياته الطبيعية, وقد تطور مفهوم الفلسفة الليبرالية في العالم الغربي بعد أن ورث الغرب عن الإغريق فكرة " الحرية الفردية", فقد اعتبر الإغريق أن الحكومات الاستبدادية وحكومات الأقلية حكومات غير صالحة للحكم لأنها تمارس التعسف بحق الأفراد وحقوقهم المدنية والسياسية وتقتصر فيها الحرية على أقلية معينة من أبناء الشعب, وقد تطورت فكرة الفردية في عصر النهضة داخل أوروبا وأصبحت مذهب سياسي قائم على الانفصال عن الكنيسة تحت مسمى " فكرة الفرد الحر" الذي ليس له سيد, وقد انطلقت الليبرالية في دعوتها من التأكيد على حق الإنسان في الحرية والملكية على اعتبار أن تحقيق مصالح الفرد الخاصة هي تحقيق للمصلحة العامة من خلال موازنة الفرد بين المصلحتين.
فالليبرالية liberalism اشتقت من كلمة liber وهي كلمة لاتينية ومعناها الحر, وبذلك فهي تركز على الفرد في تحرره من قيود السلطة الثلاثة ( السياسية , والاقتصادية والثقافية) وبذلك يعتبر الفرد أساس الفلسفة الليبرالية بصفته الكائن المادي الملموس للإنسان.

المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الفلسفة الليبرالية
تنطلق الليبرالية في فلسفتها من مبادئ تقوم على تمجيد الفرد وحريته وملكيته, بذلك يمكن اعتبار كل من الفردية, والحرية, والتعددية, والرأسمالية, والعقلانية أركان للفلسفة الليبرالية والتي سيتم تفصيلها على النحو التالي:-
1_ الفردية: وهي مصطلح استخدم لأول مرة من قبل العالم تايكوفيلي, إلا أن فكرة الفردية هي فكرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية فقد تم استخدمها في الماضي من قبل أفلاطون في مهاجمته لها واتهامها بالأنانية.
2_ الحرية: وهي قيمة تعلو قيمة السلطة وتعتبر أكثر أهمية منها, وقد وجدت الليبرالية إمكانية للتوفيق ما بين الحرية والسلطة من خلال الديمقراطية على اعتبار أنها تتيح للمواطن أن يكون حاكم ومحكوم في وقت واحد, وفي حال اصطدام الحرية بالسلطة فلا بد من وضع حواجز في طريق السلطة وذلك من خلال المعارضة السياسية التي تدفع السلطة إلى إتاحة الحرية للجميع داخل المجتمع.
3_ التعددية: حيث ترتبط التعددية بالحرية الممنوحة من قبل الأنظمة السياسية وبالتالي فهي ترتبط بالفلسفة الليبرالية وتعتبر إحدى عناصر النظام الليبرالي ومن خلال عملية الفصل بين السلطات كان نمو الاتجاهات والحركات السياسية المعارضة وجاءت التعددية الحزبية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
4_ الرأسمالية: حيث تعتبر بمثابة المحتوى الاقتصادي للفلسفة الليبرالية ظهرت وتطورت من تطور الليبرالية, وتطورت الرأسمالية في عصر الثورة الصناعية التي سادت أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي والتي أدت إلى نشوء طبقة ارتبطت بها ( أي الثورة الصناعية) وهي الطبقة البرجوازية, وتقوم الرأسمالية على قاعدة تمجد الفرد وتحرره من كافة القيود على أساس " دعه يعمل, دعه يمر"
5_ العقلانية: على اعتبار أن القانون يجسد الحريات العامة ويحميها باتت الدولة في موقع متوسط بين الشمولية والفردية المطلقة, وقد مهدت العقلانية لظهور فلسفات ليبرالية منافية للدين كالوجودية والبراغماتية, وتقوم الليبرالية على عقلانية الأفكار التي تطرحها في سبيل سعادة الفرد من خلال عدم إعطاءها الحرية المطلقة للفرد وعدم شموليتها وبالتالي فهي في موقع الوسط واعتبرت نفسها عقلانية من خلال طرحها ومقارنتها وضع الإنسان ما بين الماضي والحاضر.

المراحل التي مرت بها الفلسفة الليبرالية
مرت الفلسفة الليبرالية بثلاث مراحل جاءت على النحو التالي بحسب تطورها التاريخي:-
1_ الليبرالية التقليدية ( الكلاسيكية): ويعتبر جون لوك ابرز فلاسفتها, وانطلق لوك في فلسفته من لبررة السياسة من خلال نظريته في العقد الاجتماعي وتصوره لوجود الدولة وقد شدد لوك على قبول الأفراد للسلطة وإعطاءها الثقة, وهناك من يعتبر أن الديمقراطية والرأسمالية كانتا قد تكونت في عصر هذه الليبرالية فهي أساس المذهبين وروحهما.
2_ الليبرالية المنظمة: وقد امتدت من العام 1929 حتى مطلع السبعينات من القرن الماضي, حيث تدخلت الدولة فيها لمعالجة الكساد الاقتصادي الذي لف العالم, وقد تعرضت الليبرالية في هذه المرحلة إلى إعادة مراجعة نجم عنها وضع تشريعات جديدة قامت على حماية العمال, وقد وقفت الكينزية وراء ثورة جديدة في الفكر الليبرالي طالبت بضرورة تدخل الدولة لإحداث نوع من التوازن ما بين العرض والطلب ما ربط بين الاقتصاد والسياسة وأدى ذلك لظهور الاقتصاد السياسي بما يخالف عملية الفصل ما بين السياسة والاقتصاد الذي قامت عليه الليبرالية والذي يعتبر الضربة الأولى للفلسفة الليبرالية نحو مراجعة ما قامت عليه من مبادئ في تركيزها على الفرد والحد من تدخل الدولة في توجيه المجتمع نحو الصالح العام.
3_ الليبرالية الجديدة: ظهرت في عقد السبعينات وكانت تدعو لرد الاعتبار إلى الفرد في توجيه الفرد من خلال حرية الأسواق والحد من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية والسياسية .
فيما يتعلق بالفلسفة الليبرالية ظهر في الغرب اتجاهان: الأول من قال بانحسار الأيدلوجيات وتراجعها, نتيجة التطور العلمي والبحثي ما يتطلب معالجة الكثير من المشاكل داخل المجتمع من ناحية علمية بعيدة عن الايدولوجيا والفكر وقد اخذ على هذا الطرح عدم واقعيته وخصوصا أن الإنسان وعبر التاريخ امتاز بأنه ينزع نحو العقيدة في إيمانه سواء بالخالق أو بأفكار طورها من تلقاء نفسه, ومن أشهر أصحاب هذا الاتجاه كارل مانهايم, أما الاتجاه الثاني فهو ذلك الاتجاه الذي ظهر بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والذي ترجمه بوضوح فرانسيس فوكوياما عندما رأى بأن سقوط الشيوعية وانتصار الليبرالية الديمقراطية هو نهاية ما يمكن أن يتحقق في تاريخ البشرية والتطور الأيدلوجي معمماً تحول الكثير من الأنظمة إلى الليبرالية فيما بعد.
يعتقد الليبراليين أن مصلحة المجتمع هي نتاج عملية تجمع للمصالح الفردية, وعلى ذلك فإن تحقيق مصلحة الفرد يعني تحقيق مصلحة المجتمع, ولذلك وقفت الليبرالية منذ تاريخها الأول ضد تدخل الحكومة في أشكال النشاط الاقتصادي والاجتماعي وبذلك تعارضت مع الماركسية التي انطلقت من هذه النقطة في ديمقراطيتها حيث يعتقد الليبراليين أن الحد من تدخل الحكومة هو الديمقراطية بحد ذاته فكانت المطالبات تتعالى بأن تكون الحكومة مجرد حارس للحريات الفردية من اجل ردع أي اعتداء قد تتعرض له تلك الحريات .
الارتباط العضوي الذي نراه اليوم ما بين الديمقراطية والليبرالية هو ارتباط ايدولوجي في المقام الأول ما يعني أن الليبرالية تولدت وتم دمقرطتها فيما بعد وبشكل خاص بعد دفاع الأولى ( الليبرالية) عن الحقوق والحريات واتساع نطاق المطالبة بالمزيد من الحرية في ضوء التطور الجديد الذي أفرزته الليبرالية ما أدى إلى ارتباط الليبرالية بالديمقراطية وانتشرت كنظام سياسي في دول أوروبا ومن ثم اجتاحت أرجاء العالم وبشكل خاص بعد سقوط المنظومة الاشتراكية ممثلة بالدب الروسي, وقد أصبحت جميع التغيرات التي يشهدها العالم في يومنا الحالي ترتبط بالديمقراطية الليبرالية التي يقوم عليها النظام الأمريكي كرأس حربة حامي حمى الليبرالية وديمقراطيتها النفعية القائمة على غزو الشعوب وإذلالها تحت مسمى الحرية والتمدن والحضارة.

الروافد الفكرية للديمقراطية الليبرالية
1_ التيار الاقتصادي الليبرالي القائم على فكرة الحرية الاقتصادية والمتجسدة فلسفته في الشعار المتعارف عليه " دعه يعمل دعه يمر" بمعنى انه تيار قائم على الحرية الاقتصادية في إعطاء الأفراد والجماعات الحق في العمل دون تدخل الدولة في نشاطهم التجاري والاقتصادي.
2_ التيار السياسي الليبرالي والذي جاءت أفكاره من خلال كتابات جون لوك منظر الليبرالية السياسية الأول كما يقول عنه مارك جولدي, وذلك في تناوله قوانين الطبيعة المتضمنة حقوق الأفراد الطبيعية من خلا تركيزه على الحرية والحقوق والكرامة الإنسانية في ربطه "بين مشروعية احترام الدولة والخضوع لها, وبين مدى محافظتها على الحقوق الطبيعية للأفراد"
3_ المدرسة النفعية والتي أثرت على الفكر الليبرالي من خلال كتابات بنتام الذي عمل على إرساء القانون والدولة والحرية على أساس نفعي, من خلال مناداته بترك كل فرد حراً في تقرير مصلحته بدافع من أنانيته سعياً وراء اللذة ودون خشية ضرر يلحق بالجماعة نتيجة هذا المسلك, نظرا لوجود انسجام تلقائي يؤدي إلى تحقيق حياة اجتماعية أكثر سعادة.
وقد قامت النظم الديمقراطية في مستوى التطبيق العملي على قواعد أساسية عملية نابعة من التطبيق العملي للأفكار والأخلاقيات السابقة وفيما يلي أهم المصادر العملية التطبيقية للديمقراطية الليبرالية:
1_ التعددية السياسية ممثلة بالتعدد الحزبي للأحزاب السياسية داخل الدولة القائمة على التداول السلمي للسلطة وإمكانية التغيير السلمي ومن هنا نرى أن الديمقراطية الليبرالية قد تمكنت من تعزيز التعددية الحزبية ولكنها أحيانا لم تتمكن من تحقيق الديمقراطية وفقاً لذلك وخير مثال على ذلك الصراع السياسي بين الأحزاب وما تتعرض له من عمليات القمع باسم الديمقراطية في كثير من دول العالم مثل مصر في العالم العربي أي أن بعض الدول التي أخذت بالنظام الليبرالي لم تستطيع أن تطبقه بشكله المثالي وكمثال آخر على الصراع الغير سلمي في الأنظمة الليبرالية بين الأحزاب السياسية ما تعرضت له الأحزاب السياسية من قمع باسم الديمقراطية في الأردن ( مثال على ذلك الإخوان المسلمين).
2_ القرار السياسي ومصدره التفاعل القائم بين جميع الأحزاب والقوى السياسية للوصول إلى حلول وسط تمكن الدولة من تحقيق الديمقراطية بشكلها المثالي من خلال مراعاتها مصالح جميع الفئات الحزبية والسياسية داخل الدولة.
3_ احترام مبدأ الأغلبية لاتخاذ القرارات وتمرير مشاريع القوانين وبشكل خاص في المجالس النيابية والتشريعية والحسم في القضايا الكبرى التي تهم الدولة.
4_ المساواة السياسية: وتتمثل في المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات وابرز مثال عليها انتزاع الحق في التصويت لكل مواطن في العميلة الانتخابية التي تعتبر أساس وجوهر الديمقراطية وتحقيقها في الدولة لارتباط المفهوم بالحق في الانتخاب ولكن هذا لا يعني أن الدولة من خلال ذلك قد وصلت للديمقراطية المطلقة فقد يكون ذلك معمول به في الدولة ( الحق في التصويت لكل مواطن) ولكن إفرازات العملية الديمقراطية قد لا تحترم ما يعني أن هذا البند أو القاعدة قد يساء استغلاله وبالتالي يمثل خرق للفلسفة الليبرالية وديمقراطيتها المنشودة.
5_ الدولة القانونية: القائمة على عناصر أبرزها وجود الدستور والفصل بين السلطات وخضوع الحكام للقانون على أساس المساواة بين الجميع أمام القانون بدون فروق في اللون أو الجنس والعرق وبرأيي هنا الديمقراطية قد أصيبت بنكسة أخرى بموضوع الدولة القانونية التي لم تستطع أن تحقق المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات وخير مثال ما تتعرض له الجاليات العربية اليوم في كبريات الدول الديمقراطية الليبرالية, ولعل فرنسا بثوابتها الديمقراطية الثلاث( الحرية, العدل, والمساواة)_ مبادئ الثورة الفرنسية_ تعتبر مثال على ذلك بما تتعرض له الأقليات العربية والأجنبية فيها من انتهاك لحقوقها الطبيعية في الحياة, ما يعني إخفاق الديمقراطية في هذه الدول القائمة على الليبرالية في تحقيق المساواة ولعل ذلك يمثل نقداً لما تحدث عنه فوكوياما من نهاية للتاريخ في ظل انتصار الديمقراطية الليبرالية التي اعتبرها آخر ما يمكن أن يتوصل له تاريخ الحضارة والتقدم البشري في تحقيقها للسعادة البشرية وما التعاسة التي تعيشها شعوب العالم اليوم في ظل هيمنة الليبرالية وديمقراطيتها الدموية إلا دليل واضح على اكبر إخفاق لم تستطع الديمقراطية الليبرالية تحقيقه لبني البشر.
ويمكن أن نستشهد هنا بجون ستيوارت ميل عندما قال" إن مشكلة الحرية تُطرح بإلحاح داخل الدولة الديمقراطية... بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية بقدر ما ينقص ضمان الحرية الفردية" وهذا مثال واضح على صراع المتناقضات والأضداد داخل النظام نفسه حيث أن الليبرالية لم تستطع التوفيق بينها وبين الديمقراطية جنينها المتخلق في رحم المعاناة السياسية والاقتصادية لسكان العالم.

أبرز الانتقادات التي وجهت للديمقراطية الليبرالية
1_ تقدس الليبرالية حقوق الأفراد وتمجدها مقابل إهمالها حقوق الأفراد مجتمعين (الجماعة), وبالطبع هذا يعتبر تناقض صريح وواضح مع مبدأ الديمقراطية القائم على إتباع رأي الأغلبية.
2_ إن عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي أدى إلى الظلم والاستبداد والاستغلال الناجم عن الاحتكارات الكبيرة التي تقودها فئة محدودة من أصحاب رؤوس الأموال.
3_ اقتصار الديمقراطية الليبرالية على مبدأ التنافس الحر في علاقات الأفراد الاقتصادية أدى إلى صراع طويل بين الأفراد وتنافس غير شرعي قائم على الحيازة الغير شرعية في بعض الأحيان من اجل الوصول إلى الهدف المنشود وبالتالي فإن الديمقراطية الليبرالية لا يمكنها أن تعطي وبعبارة أخرى لا يوجد لديها ما تعطيه للناس في مواجهة تحديات العصر وما يرافقه من توتر قائم الأمر الذي يؤدى إلى إلحاق الدمار والتشتت المادي والمعنوي للشعوب وأفراد المواطنين داخل الدولة.
4_ عدم قدرتها على الصمود في وجه الولاء التعصبي الذي تثيره العقائد المتصارعة على الساحة السياسية والاقتصادية.
5_ أغفلت الديمقراطية الليبرالية جوانب اجتماعية وروحية وركزت في مقابل ذلك على الجوانب المادية مما يجعلها عاجزة عن تقديم نظرية شامله وكاملة لكافة جوانب الحياة .
6_ إن المجتمع الديمقراطي الليبرالي غير قادر على تعظيم المنافع التي يحصل عليها الأفراد بسبب التوزيع غير العادل للموارد في المجتمع, والذي بالطبع يؤثر على تكافؤ الفرص, كما أن توزيع المنافع يتم حسب القدرة الاقتصادية للفرد وهذا يعني ظلم الكثير من الأفراد ممن ليست لديهم القدرات الاقتصادية الكبيرة مقابل تحقيق وتعظيم منفعة فئة معينه منهم.
7_ عدم قدرة المجتمع الديمقراطي الليبرالي على إيجاد الصيغ المادية التي تسمح بضمان الحريات والحقوق لجميع الأفراد بغض النظر عن قدراتهم, فكل حرية تتضمن جانبين هما جانب الحق المرتبط بالقانون, وجانب القدرة المرتبط بالظروف الاجتماعية ونمط التوزيع وهذا يعني بالطبع الاختلاف في ممارسة الحريات طبقاً للظروف الاجتماعية لكل فرد فالقانون وبالطبع نص على الحرية ولكن قد تغيب القدرات اللازمة لممارسة تلك الحرية بسبب تركزها في يد فئة محدودة من المواطنين .
8_ "المفارقة بين الحريات التي تدافع عنها الديمقراطية الليبرالية, والقدرات التي يوفرها نمط توزيع الموارد في النظام الرأسمالي".
9_ ربطت الليبرالية بين الرأسمالية والديمقراطية, واعتبرت الديمقراطية نتيجة للأولى, ما أدى إلى إهمال العدالة الاجتماعية وبشكل خاص في محاربة الفقر والعنصرية والجنسية بين الرجل والمرأة, وأدى ذلك إلى حرمان الطبقات الفقيرة من ممارسة حريتها.
10_ تقوم الديمقراطية على مبدأ أساسي صاغه هوبز ولوك وهو مفهوم المواطنة, ويختلف مفهوم المواطنة بالطبع من مكان إلى آخر وهناك إشكالية في تحديد هذا المفهوم من حيث من يتمتع بالمواطنة وبالتالي قد يقتصر التمتع بالديمقراطية على فئات دون الأخرى داخل المجتمع.
11_ هناك من يقول بان تحقيق الليبرالية والديمقراطية معاً أمر غير ممكن على أساس التناقض في أطروحات كل منهما.
12_ هناك من يأخذ على الديمقراطية الليبرالية بأنها هي حرية انتهاز الفرص, ما يؤكد ذلك الظلم الذي قد يلحق بالأفراد ما دعى أصحاب الاتجاه الليبرالي أنفسهم إلى التأكيد على أهمية أن يكون للحكومة دور في تنظيم النشاط الاقتصادي وبالطبع هذا دليل على التناقض الذي تحمله الديمقراطية الليبرالية في ثناياها.
13_ بعد أن تطعمت الرأسمالية الليبرالية بالروح الديمقراطية, عادت حديثاً لتتجه وجهة مضادة تبدو فيها الروح الديمقراطية متعارضة مع خصائص الرأسمالية الليبرالية وأهدافها بل وأصبحت متناقضة معها.

الديمقراطية الماركسية
نشأة الفلسفة الماركسية
ارتبطت الماركسية بالفيلسوف الاشتراكي الألماني كارل ماركس, وكتابه الشهير"رأس المال" ويتلخص محتوى الفكر الماركسي في ثلاث نظريات هي على النحو التالي:
1_ المادية الجدلية: تطورت المادية الجدلية نتيجة لرفض ماركس المنهج الميتافيزيقي الماورائي واعتمد على المادية الجدلية التي تدور أحداثها حول علاقة الوعي بالوجود, حيث ينطلق كارل ماركس في تحليله للوجود من منظور مادي, على أساس أن المادة هي شيء له وزن وحجم فتعتبر الماركسية أن المادة هي الأساس وهي سباقة في الوجود على العقل والروح, فالوجود هو الأول, والوعي هو الثاني.
بالتالي تقوم المادية الجدلية بدراسة العالم على أساس جدلي ديالكتيكي, وتتناول الماركسية في طرحها أهم القوانين التي تحكم التطور في العالم المادي, فالعالم يتطور بناء على قوانين الجدل الأساسية, وصراع الأضداد, وقانون التحول الكمي, وقانونه النفي.
فالانتقال من التحولات الكمية البطيئة إلى الكيفية العنيفة هي تأكيد للقاعدة الفلسفية التي تطرحها الماركسية" كل تراكم كمي يؤدي إلى تغيير نوعي",كما أن وحدة الأضداد وصراعها موجودة في المجتمع وتطوره التاريخي كما هو الحال في علاقة الذرة بمكوناتها, كما أن نفي النفي له علاقة بذلك حيث ينتقل من خلاله الإدراك إلى مرحلة أعلى وأرقى بعد سلسلة من التحولات الفكرية وتطورها.
2_ المادية التاريخية: وهي نتاج تطبيق المنطق الجدلي الماركسي على التطور التاريخي للمجتمع, فالماركسيون يرون بان البناء الفوقي للمجتمع نتاج للبناء التحتي, ومن هنا فان هناك علاقة بين المجتمع والاقتصاد في تطوره التاريخي, فالبناء التحتي هو مجموع العلاقات الاقتصادية داخل المجتمع والبناء الفوقي هو الأخلاق والقوانين, فالبناء الفوقي للمجتمع يعكس بناءه التحتي ففي المجتمع الرأسمالي تتولد دولة تخدم مصالح الرأسمالية وتسن قوانين تخدم المصلحة الرأسمالية ومصلحة الطبقة البرجوازية داخل تلك المجتمعات.
3_ نظرية الاقتصاد السياسي: "وهو علم القوانين التي تحكم العلاقات الاقتصادية أو العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين أفراد المجتمع بواسطة الأشياء المادية والخدمات وهي الأشياء التي تتعلق بإنتاج وتوزيع الأشياء المادية والخدمات التي تشبع حاجات الأفراد" من هنا انطلق الماركسيون بموقفهم من نظرية الاقتصاد السياسي التي تقوم بالبحث في تطور العلاقات الاجتماعية للإنتاج, من اجل تحليل القوانين التي تتحكم بعمليات الإنتاج في المجتمعات وتوزيع الخبرات المادية للمجتمع البشري خلال مراحل تطور هذا المجتمع وفق تطوره التاريخي الجدلي.
وقد تناول كارل ماركس المضمون الطبقي للديمقراطية البرجوازية, وابرز نواقصها بالنسبة للجماهير العاملة, فماركس لم يعتبر تلك الديمقراطية مزيفة, بل اعتبرها ديمقراطية حقيقة رغم نواقصها كما أنها تعتبر تقدم مهم في تاريخ الإنسانية, وقد ارتبط الطرح الماركسي للديمقراطية بإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج واعتبر أن الملكية الخاصة لتلك الوسائل هي من أفرغت الديمقراطية من مضمونها ومحتواها الحقيقي بالنسبة للجماهير الكادحة.
وقد أكدت الماركسية على أهمية الطرح الاشتراكي وعلى الاشتراكية وهي تلك المرحلة التي أدت إلى الانتقال بالنظام الاقتصادي والاجتماعي من مقولة " دعه يعمل دعه يمر" إلى نظام الرقابة الحكومية لتأكيد مبدأ الديمقراطية التي تحتاج إلى المساواة, والتي لن تتحقق( أي الديمقراطية) إلا من خلال الاشتراكية والرقابة الحكومية على وسائل الإنتاج والاقتصاد فعملية انتقال المجتمع من الرأسمالية إلى الاشتراكية يتطلب قيام طبقة البروليتاريا برسالتها الحتمية وهي ضرورة إحداث التحول الاجتماعي في تاريخ العالم من خلال الثورة على الدولة والتي تعتبرها الماركسية أداة قمع وبالتالي تحول الثورة الدولة من البرجوازية إلى دولة البروليتاريا.
يقول ماركس" إن انتصار البروليتاريا على البرجوازية, يعني أيضا التغلب على جميع النزاعات القومية والصناعية التي تولد العداوة بين الشعوب في الوقت الراهن, ولذلك فان انتصار البروليتاريا على البرجوازية يعتبر في آن معاً الإشارة لتحرر كافة الأمم المظلومة" .
من خلال الطرح السابق لموقف وفكر كارل ماركس نرى أن الديمقراطية الماركسية تقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية لجميع أفراد المجتمع من خلال التركيز على المجتمع ككل في كافة الأنشطة والمجالات الاجتماعية, ومنها الملكية العامة لوسائل الإنتاج, فمن خلال ملكية المجتمع لوسائل الإنتاج تختفي الفوارق الاقتصادية وتسود المساواة بين الجميع فالاشتراكية نمط من التنظيم الاجتماعي تزول في ظله جميع الحواجز والعوائق التي تمنع تطور العلاقات الإنسانية وتذوب فيها الفوارق بين المستويات الاجتماعية, وتقوم على تنظيم الموارد وتحقيق تكافؤ الفرص عن طريق رفع الحد الأدنى للمعيشة مع خفض الحد الأعلى تدريجياً من اجل تقليل الفوارق والطبقية بين أفراد المجتمع.

خصائص الدولة والمجتمع في فكر كارل ماركس
1_ أن يكون على رأس المجتمع جهاز منتخب بالاقتراع مهمته تنفيذ المهام التشريعية والتنفيذية في وقت واحد.
2_ إلغاء البيروقراطية المركزية, وسلطة القمع الحكومية .
3_ نزع المهمات السياسية من قوات الأمن والبوليس.
4_ المساواة بين جميع الموظفين داخل الدولة وفي إطار ذلك فإن النواب في جميع فروع الإدارة يتقاضون مرتباً لا يتجاوز أجرة العامل.
5_ تحويل جهاز الدولة من سيد إلى خادم للمجتمع هو الهدف الأسمى لدكتاتورية البروليتاريا.
يرى الماركسيون أن سيطرة العمال " البروليتاريا" على شؤون الحكم والدولة ستكون سيطرة مطلقة, ويعتبر الماركسيون في طرحهم أن طبقة العمال في المجتمع هي الأغلبية المطلقة, وبذلك فإن سيطرة هذه الطبقة ذات الأغلبية المطلقة سيؤدي إلى تفردها بالحكم لعدم وجود منافس أو منازع لها في الدولة, وبذلك تتحقق الديمقراطية الماركسية ديمقراطية البروليتاريا لأنها تعني سيطرة الأغلبية, بالرغم من أن هناك من انتقدها ووصفها بدكتاتورية البروليتاريا خاصة بعد قيام بعض التجارب الاشتراكية في العالم لكن ما يهمنا هنا هو التعرف على منطلقات الديمقراطية الماركسية من وجهة نظر الماركسيين أنفسهم وهو ما تم طرحه مسبقاً, فديمقراطية البروليتاريا هي نموذج جديد وأفضل من النموذج البرجوازي للديمقراطية, لان هذا النموذج سوف يتيح لكافة العمال الفرصة في إدارة شؤون البلاد وخلق الظروف الملائمة لتطور المجتمع باتجاه بناء الاشتراكية.
فكل ديمقراطية هي دكتاتورية, وكل دكتاتورية هي ديمقراطية كما أورد الكاتب المصري الكبير محمود أمين العالم في كتابه "نقد الحاضر إلى إبداع المستقبل", من هنا فإن دكتاتورية البروليتاريا هي ديمقراطية للأغلبية, والديمقراطية البرجوازية هي دكتاتورية للأقلية.
الأسس التي قامت عليها الديمقراطية الماركسية
1_ قامت الديمقراطية الماركسية على إلغاء جميع القيود التي كانت تقوم على الامتيازات العرقية, والقومية, والدينية وتلك التي تقوم على الجنس أو التعليم, انطلاقاً من نظرتها إلى جميع أفراد المجتمع ومعاملتهم على قدم المساواة دون تفرقة.
2_ خلق وإيجاد الظروف التي تساعد العمال وجميع الفئات داخل المجتمع على ضمان التمتع بالحقوق الديمقراطية والحريات مثل حرية الصحافة وتكوين الأحزاب والتجمعات النقابية والمهنية.
3_ تقوم الديمقراطية الليبرالية والبرجوازية على حصر المشاركة السياسية بحق الانتخاب على خلاف الديمقراطية الماركسية التي قامت بإعطاء الفرصة لجميع أفراد المجتمع نحو المشاركة الشعبية اليومية في الشؤون العامة بشكليها المباشر وغير المباشر عن طريق اللجان والمنظمات الاجتماعية التي تتشكل في التجمعات السكانية والتي تقوم على تقديم الخدمات للمجتمع.
4_ عملت الماركسية على توسيع نطاق الديمقراطية بحيث شملت كافة المجالات الاقتصادية والثقافية والحقوق الاجتماعية, على العكس من الديمقراطية الليبرالية البرجوازية التي اقتصرت على المجال السياسي في طرحها للديمقراطية وحصرتها بالانتخابات, فالماركسية تعتبر أن تأميم وسائل الإنتاج ونقل جميع المؤسسات التربوية والثقافية إلى أيدي الشعب يعتبر جزء من الديمقراطية الماركسية.
5_ إلغاء الفروقات التي كانت قائمة في النظام الليبرالي بين المدينة والريف, وتحقيق التكامل بين النشاط الزراعي والصناعي, والذي عبرت عنه الماركسية بعبارة " الانتقال من حكم الضرورة إلى حكم الحرية".
6_ وجود دولة توفر الضمان الاجتماعي وتقوم على تنظيم الأسواق ونظام ضريبي فاعل من شأنه أن يؤدي إلى قيام الديمقراطية الاشتراكية الماركسية.
7_ فالماركسية ترى أن الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق الديمقراطية هي تلك الوسائل ذات الطبيعة القانونية وهي ليست نظام سياسي كما تقول الليبرالية, بل هي تحرر الإنسان اقتصادياً باعتماد الملكية الجماعية ثم الوصول للمشاركة السياسية.
فهناك من يربط بين الاقتصاد والديمقراطية من خلال علاقة الفقر والبطالة في انعدام الأمن والاستقرار وبالتالي انعدام الديمقراطية ويمكن أن نسترشد هنا بمقولة للدكتور احمد حسن الفقرة وهي أن الرأسمالية تفرز وتزيد العاطلين عن العمل, في حين أن الاشتراكية خلت مجتمعاتها من عاطل واحد عن العمل وهنا يتساءل المؤلف في أيهما تتحقق الكرامة الإنسانية ؟
فيردف قائلاً " ما من عاقل يمكنه القول إلا في ( ثانياً)..... وهذا يعني أن الاشتراكية تحقق الكرامة الإنسانية التي هي جوهر الحرية, ومركز الديمقراطية الحقيقة" وهذا يعني بطبيعة الحال أهمية الطرح الماركسي في التركيز على القضايا الاجتماعية في مفهوم الديمقراطية مقابل استبعاد القضايا الاجتماعية في الطرح الليبرالي الرأسمالي وإبقاء المنافسة قائمة لمن يمتلك الفرصة لتحقيق الذات دون مراعاة مصالح من لا يحالفه الحظ في إيجاد الذات داخل المجتمع.
يمكن القول مما سبق أن الماركسية تعكس على المستوى النظري مجموعة من الأفكار عن الديمقراطية التي يجد فيها الكثير من المظلومين في العالم سبيلاً للخلاص من قهر الليبرالية وتسلطها إلا أن التطبيق العملي للتجربة الديمقراطية الماركسية لم يؤتي بثماره وجاء بنتائج مخالفة وهذا ما أكدته التجربة السوفيتية التي لم تنجح بالفعل في أن تصبح مركز جذب قوي في بناء نموذج ديمقراطي أكثر تقدماً من الديمقراطية البرجوازية, وهنا يجب أن لا نخفي الدور الذي لعبة الاتحاد السوفيتي في تحقيق نجاحات كبيرة على مستوى الإصلاحات الاجتماعية وإلغاء الملكية الفردية وتحقيق تنمية اقتصادية, إلا أن ما كان ينقص تلك التجربة العملاقة من تاريخ البشرية هو غياب بعض القيم الجوهرية للمفهوم الديمقراطي عن تلك التجربة مثل حرية الرأي والتعبير واختيار الحكام.
وبالرغم من الفشل في تطبيق الأفكار الماركسية الذي رافق انهيار الاتحاد السوفيتي, إلا انه ينبغي علينا أن لا ننكر بعض الإضافات المهمة التي أضافها الطرح الماركسي وبشكل خاص في موضوع الديمقراطية من خلال تركيزه على بعض الجوانب التي كانت قد أغفلتها الديمقراطية الليبرالية والتي كان أبرزها: تركيز الماركسية على الحقوق الاجتماعية الاقتصادية والتي شكلت الجوهر الأساسي في تطور النظام السياسي الحديث في بلدان أوروبا والعالم ككل ومعها بات التوزيع العادل للسلطة غير مهم بدون التوزيع العادل للثروة ومن هنا فالماركسية ركزت على العدالة الاجتماعية بالمقام الأول مقابل تركيز الليبرالية على الحرية الفردية والحقوق الاقتصادية لكل فرد بشكل منفصل ما أدى إلى تركز السلطة والاقتصاد بيد فئة قليلة من الأفراد.
وخلاصة ذلك كله يمكن القول أن كلا الاتجاهين الليبرالي والماركسي يتشابهان في العديد من أطروحاتهما حول الديمقراطية من حيث القبول بمبدأ الحرية, والتركيز على حقوق الفرد وأهميتها, ولكن الفرق بين التوجهين يكمن في مدى تطبيق المساواة المرغوب فيها داخل المجتمع, والتي يراها البعض تكمن في مدى التدخل أو عدمه في تنظيم المجتمع والاقتصاد لتحقيق المساواة في التعليم والصحة والإسكان والدخل ومستوى المعيشة والحقوق والواجبات الأخرى داخل المجتمع.
فمن أهم المبادئ التي تنهض عليها الديمقراطية مبدأ السيادة, وهذه السيادة لا تكون لفرد بعينه دون الآخر كما هو الحال في النظم الليبرالية, كما أنها لا تكون لصالح الأكثرية مع إهمال للفرد وإنما يجب الجمع ما بين الاتجاهين السابقين,كما أن النظام الديمقراطي سواء أكان ماركسيا أم ليبرالياً لابد له الانطلاق من بيئة فكرية تتصف بالحرية.

مستقبل الديمقراطية
من خلال ما تقدم يمكن القول أن ابرز المشكلات التي تواجه الديمقراطية اليوم هي تلك المنبثقة من المجال الاقتصادي, والتي تؤثر على السكان في معظم دول العالم وذلك من خلال المشكلات الاقتصادية المرتبطة بالتضخم وارتفاع البطالة والأزمة المالية العالمية فالدول المتقدمة تعاني اقتصادياتها اليوم من بطالة مستمرة ولعل ما نراه اليوم في عالمنا المعاصر دليل على ذلك, كما أن البلدان التي كانت أرضها مهبطاً للشيوعية تتعرض اليوم لمشكلة الخصخصة والتحول إلى اقتصاد السوق ما يجلب انعدام للأمن على نطاق واسع أمام انتشار الفقر والجوع والبطالة المنبثقة من عدم المساواة والتضخم المفرط المصاحب للنمو الصفري في اقتصاديات بعض البلدان, ما يرتبط بإفقار السكان وتخفيض برامج الرعاية الاجتماعية كل ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية وتوجه الدولة في سياساتها نحو الاقتصاد على حساب الحريات والحقوق والديمقراطية وهذا من شأنه أن يوجه سياسات الدول وحكوماتها نحو الاهتمام بإطعام الجياع الخبز لا الديمقراطية. كما أن ذلك من شانه أن يؤدي إلى انتشار الجرائم والسرقات ما يزيد من معاناة الناس ويؤثر على الديمقراطية .

النتائج
1_ تعتبر الديمقراطية من أكثر المفاهيم شيوعاً وغموضاً في عالمنا المعاصر, حتى باتت كلمة مفرغة من معانيها يصعب تحديد منطلقاتها وأسسها الفكرية تماشياً مع عصرنا الحالي على خلاف ديمقراطية الماضي التي انطلقت من أسس منهجية وفكرية لا تتلائم مع متطلبات عصرنا الحالي.
2_ من الثابت أن الديمقراطية كمفهوم أنتج ونحت إغريقيا ويعني حكم الشعب للشعب من خلال الشعب وبالشعب.
3_ ترتكز الديمقراطية كمفهوم على مجموعة من المبادئ مثل حكم الأكثرية, والتوازن داخل النظام السياسي, والشرعية السياسية.
4_ ترتبط الديمقراطية ارتباطاً وثيقاً بمفهوم حقوق الإنسان المنبثقة عنه العديد من الحريات والتي تعتبر أساس الديمقراطية, فجوهر الديمقراطية مفرغ بلا حرية تعبيراً وفكراً وممارسة للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية على ارض الواقع.
5_ الليبرالية كمفهوم تعبير عن نزعة فردية أنتجها النظام الإقطاعي والتي قامت لتأكيد حرية الفرد في تحصيل حقوقه بحسب نشاطه وقدراته, وبالتالي فهناك جانب سلبي فيها يتعلق بإمكانية تركز الديمقراطية والسلطة من خلالها بيد فئة وبذلك فهي استمرار لظلم الإقطاع وبرجوازية قائمة على الاحتكار للنفوذ والمال والسلطة وتجويع للفئات الأقل حظاً داخل المجتمع
6_ بعد أن تمت عملية دمقرطة الليبرالية قديماً, عادت من جديد لتتجه وجهة مضادة للديمقراطية بحيث تتعارض معها في منطلقاتها وتوجهاتها انطلاقاً من ديمقراطية "الكاوبوي" التي أتت بها أمريكيا والتي أكدت لنا التعارض ما بين الفكر الليبرالي الرأسمالي والديمقراطية, والعداوة الشديدة التي تحملها الليبرالية للديمقراطية في ثناياها.
7_ تنطلق الماركسية في مفهومها للديمقراطية من الحرية الاجتماعية والعدالة القانونية التي من خلالها تمتلك الجماهير السلطة كمرحلة تمهيدية للديمقراطية العمالية في سبيل الوصول للمجتمع الشيوعي الذي تذوب فيه الدولة كلياً وتتحقق الديمقراطية دون الحاجة لوجود الدولة.
8_ تعتبر الحرية عنصراً مشتركاً بين الديمقراطيات الليبرالية والماركسية, ولكن الخلاف فيما بينهما يقوم على المساواة إذ تطرح الماركسية المساواة للكل وبالكل فإن الليبرالية بعيدة عن المساواة بين الأفراد وخصوصاً في المجال الاقتصادي والاجتماعي.

المصادر والمراجع
الكتب العربية
1_ مراد , عباس ,على , ديمقراطية عصر العولمة , ط1, بيروت : المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع " مجد " ,2007.
2_ حسين , السيد , عدنان , تطور الفكر السياسي من الاشتراكية إلى الليبرالية الجديدة , ط1, بيروت : دار أمواج للنشر والتوزيع ,2002.
3_ بيتهام, دافيد , وبويل,كيفين, الديمقراطية أسئلة وأجوبة, د,م : اليونسكو,1996.
4_ ثابت, عادل, النظم السياسية دراسة للنماذج الرئيسية الحديثة ونظم الحكم في البلدان العربية وللنظام السياسي الإسلامي,الإسكندرية : دار الجامعة الجديدة ,2007.
5_ بدر الدين, إكرام ، مفهوم الديمقراطية الليبرالية ، في التطور الديمقراطي في مصر ، تحرير علي الدين هلال ، القاهرة : نهضة الشرق ،1986.
6_ فرح,إلياس,تطور الفكر الماركسي, بيروت : دار الطليعة,1971.
7_ الفقرة,حسن ,احمد, الديمقراطية بين الوهم والحقيقة,الطبعة الأولى, د.م : نور للطباعة والنشر والتوزيع,2007.
8_ دويداو,محمد,مبادئ الاقتصاد السياسي,الجزء الأول : الإسكندرية, د.د,1993.
9_ موسوعة السياسة, الجزء الرابع, بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر,1986.

المجلات الدورية
1_ زكي, رمزي, الليبرالية الجديدة تقول: وداعا للطبقة الوسطى,عالم المعرفة, المجلد الخامس والعشرون, العدد الثاني, الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب,اكتوبر,1996.
2_ بلقزيز,عبد الإله,نحن والنظام الديمقراطي, المستقبل العربي,العدد236, بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية,اكتوبر1998.
3_ زكي, رمزي, الليبرالية الجديدة تقول: وداعا للطبقة الوسطى,عالم المعرفة, المجلد الخامس والعشرون, العدد الثاني, الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, اكتوبر,1996.
4_ ألرفاعي,سلطان,"الديمقراطية الليبرالية" ندوة اليسار العربي وقضايا المستقبل,مركز البحوث العربية في : مجلة الحوار المتمدن, العدد 1061, 28/12/2004.
5_ عبد الله, فؤاد , ثناء ,"الديمقراطية بين المفهوم والممارسة", مجلة الديمقراطية , العدد الخامس, القاهرة : مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية ,شتاء, 2002.



#خليل_سامي_ايوب (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكالية العلاقة بين الاستبداد السياسي والتخلف العلمي
- موقف الاتحاد الأوروبي من الثورات العربية
- الربيع العربي ... قريباً إلى فلسطين


المزيد.....




- مصدر لـCNN: إيران هددت لاعبي منتخبها بسجن وتعذيب أسرهم بعد ر ...
- العراق: لا عدالة للمتظاهرين المقتولين
- الأمم المتحدة تدعو إلى خطوات عاجلة لحل الصراع الإسرائيلي الف ...
- الأمم المتحدة تستعد للتصويت على مشروع قرار أمريكي لاستبعاد إ ...
- كندا تستدعي السفير الروسي بسبب قانون حظر دعاية المثلية الجنس ...
- دعوات غربية وأممية للصين لاحترام حق التظاهر ووقف العنف
- الأمم المتحدة: يتوقع شحن سفينة الأسمدة الروسية إلى مالاوي في ...
- الهجرة: جهّزنا النازحين بمستلزمات مواجهة موجات السيول
- مجلس الشوري يرفض بشدة قرار البرلمان الأوروبي بشأن حقوق الإنس ...
- السوداني يوجه جميع الوزراء بتقديم موقف شهري بشأن إجراءاتهم ف ...


المزيد.....

- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - خليل سامي ايوب - مفهوم الديمقراطية من الليبرالية إلى الماركسية