أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد هرملاني - العلاقات السورية الأميركية: دبلوماسية - زواج المتعة















المزيد.....

العلاقات السورية الأميركية: دبلوماسية - زواج المتعة


عماد هرملاني

الحوار المتمدن-العدد: 964 - 2004 / 9 / 22 - 11:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في كتابه الشهير ((الأسد : الصراع على الشرق الأوسط)) ينقل باتريك سيل عن هارولد ساوندرز (الخبير المتخصص بشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال عهد الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير الخارجية هنري كيسنجر) قوله في معرض التعليق على أول زيارة قام بها كيسنجر إلى دمشق أواخر العام 1973 بأن ((الطيران إلى دمشق بعد ستة أعوام من انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين كان يشبه الذهاب إلى الصين فنحن لم نكن نعرف على وجه اليقين ما الذي سنجده هناك)). ورغم المياه الكثيرة التي مرت في مجرى العلاقات السورية الأميركية خلال العقود الثلاثة التي مرت على تلك الزيارة، يبدو أن التموجات التي تمر بها علاقات البلدين بين فترة وأخرى ما تزال توفر الكثير من المسوغات والشواهد التي تدل على أن دمشق لم تصبح بعد كتابا مفتوحا بالنسبة للمراكز المسؤولة عن عملية صنع القرار في الولايات المتحدة الأميركية.
وفي هذا المجال يمكن اعتبار تقلبات الأزمة التي عصفت بمسيرة العلاقات بين دمشق وواشنطن خلال الأشهر الأخيرة التي أعقبت عملية الاحتلال الأميركي للعراق، دليلا جديدا على أن تلك العلاقات ما تزال تسير وسط حقل من الرمال المتحركة مما يذكر بالوصف الذي أعطاه وزير الخارجية الأميركي السابق وارن كريستوفر لسورية حين قال أنها ستظل تشكل ((تحديا فريدا)) للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. ويدلل استعراض وقائع المسيرة المتعرجة التي سلكتها علاقات البلدين منذ مشاركة سورية في التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية في حرب تحرير الكويت عام 1991 وحتى الآن على أن حركة المتغيرات الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال تلك الفترة كانت تفرض على الجانبين السوري والأميركي أن يتلاقيا باستمرار حول قضايا وتفاهمات محدودة تقيم بينهما نوعا من ((زواج المتعة)) الذي يمكن القول بأن عقده بين البلدين أبرم لأول مرة إبان مشاركة سورية في حرب تحرير الكويت ثم مشاركتها في مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط الذي عقد بترتيب من إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب، وتوضح مسيرة العلاقات التي أعقبت المنعطفين المذكورين أن البلدين كانا يجدان أنفسهما مضطرين دائما لتجديد عقد ((زواج المتعة)) بينهما كلما انتهت مدة ذلك العقد للزواج المؤقت والاضطراري، حيث الريبة المتبادلة كانت تمنعهما من تحويل العقد إلى عقد زواج دائم، في حين كانت الحكمة التي تضبط تقديرات الجانبين تمنعهما من إنهاء ذلك الزواج المؤقت والانتقال إلى مرحلة الفراق النهائي التي تعني الاندفاع في طريق مواجهة مفتوحة ليس لأي من الطرفين مصلحة في الانزلاق نحوها.
وتقدم وقائع الأزمة الأخيرة التي عصفت بعلاقات البلدين مثالا مشخصا عن هذا التوجه الذي يحكم العلاقات القائمة بينهما، حيث نقرأ ذلك في سلسلة الوقائع التي بدأت بصدور قانون محاسبة سورية ثم قرار مجلس النواب اللبناني بالتمديد للرئيس أميل لحود مدة ثلاث سنوات وموافقة مجلس الأمن الدولي على القرار 1559 الذي تقدمت بمشروعه الولايات المتحدة وفرنسا وتضمن دعوة لاحترام الدستور اللبناني وخروج القوات الأجنبية من لبنان وتكليف أمين عام الأمم المتحدة بتقديم تقرير عن تنفيذ القرار بعد مرور شهر واحد على صدوره، ووصولا إلى زيارة معاون وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز إلى دمشق والتي وجدت فيها الأوساط المراقبة (رغم تباين القراءات) دليلا يعكس بشكل أو بآخر اهتمام الإدارة الأميركية بالحفاظ على قناة مفتوحة للحوار مع دمشق (وبصرف النظر عن كل ما يمكن قوله حول اللهجة المستخدمة في ذلك الحوار).
وتشي القراءة المدققة في تفاصيل هذه المحطة بمجموعة القواعد المضمرة التي تقوم عليها توازنات المعادلة المضطربة التي تحكم مسيرة العلاقات السورية الأميركية خلال المرحلة الراهنة والتي يمكن إرجاعها بشكل أساسي إلى حسابات وتقديرات الجانبين وتوقعاتهما غير المعلنة حيال مستقبل العلاقة وآفاقها. فبالنسبة للجانب الأميركي يبدو أن هناك الكثير مما يدفع إلى الاعتقاد بأنه ليس لدى المراكز المسؤولة عن عملية صنع القرار الأميركي أية خطط جاهزة لإسقاط النظام السوري أو استبداله، ويمكن الافتراض أن هذا التوجه وجد ما يعززه بشكل خاص في نتائج التجربة المخفقة التي خاضتها الإدارة الأميركية في العراق حين غامرت بإسقاط نظام ذو تركيبة وتوجهات علمانية دون تأمين البديل المضمون الذي يمكن أن يحل محله، مما ترك الساحة مفتوحة أمام انطلاق نشاطات القوى الأصولية التي تتربص بالسلطة في معظم دول المنطقة. وفي مقابل ذلك يمكن الجزم بأن الإدارة الأميركية (الحالية واللاحقة) لا يمكن أن تسمح لسورية بالذهاب بعيدا في تبني مواقف وسياسات تعارض وتعطل خطط الاستراتيجية الشرق أوسطية للولايات المتحدة الأميركية وخصوصا في ملفي عملية السلام وترتيب الأوضاع في العراق، وعلى هذا الأساس يمكن التقدير بأن السياسة الأميركية في إدارة العلاقة مع سورية تقوم على قاعدة العمل اليومي من أجل حث دمشق على تكييف مواقفها مع متطلبات ضمان حسن سير الخطط الأميركية في المنطقة تحت طائلة التهديد الدائم باستخدام جميع الوسائل الممكنة (بما فيها الوسائل العسكرية) لإرغام سورية على السير في هذا الاتجاه بصورة طوعية أو قسرية.
وبالانتقال إلى الجانب السوري يبدو أن المفتاح الرئيسي لفهم النظرة السورية نحو العلاقة مع واشنطن يكمن في الانطلاق من أن دمشق لا تطمح ولا ترغب ولا تسعى لكي تكون حليفا للولايات المتحدة أو وكيلا لمصالحها في المنطقة على غرار الدور الذي تقوم به دول عربية عديدة (معظم دول الخليج وخصوصا دولة قطر إضافة إلى مصر والأردن وأخيرا العراق وليبيا)، وفي مقابل ذلك لا تخفي سورية تخوفها وحذرها من الانزلاق نحو الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة سواء بصورة مباشرة (بعد وصول القوات الأميركية إلى منطقة الحدود السورية العراقية) أو عبر البوابة الإسرائيلية التي تتلهف للحصول على ضوء أخضر للقيام بهذه المهمة. وعلى هذا الأساس يمكن الاستنتاج بأن مفهوم دمشق للعلاقة مع الولايات المتحدة يقوم على قاعدة تفادي شرور هذه القوة الكونية العظمى، ويتركز الهاجس السوري على تأمين تفادي تلك الشرور المحتملة بأقل ثمن سياسي ممكن.
وإذا كان السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه في ختام هذه القراءة يدور حول المدى الزمني الذي يمكن أن يستمر فيه سريان عقد ذلك ((الزواج المؤقت)) الذي يحكم مسيرة العلاقات السورية الأميركية، فإن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على مدى واقعية وعقلانية النظرة التي يحملها كل جانب حيال مقومات تلك العلاقة واحتمالاتها الممكنة، وحيث يمكن الافتراض هنا أن القيادة السورية تدرك بأن الحد الأدنى للثمن السياسي الذي يتوجب دفعه لتفادي الشرور الأميركية هو حد متحرك بين فترة وأخرى حسب متغيرات الظروف الإقليمية والدولية السائدة، ورغم أن القيادة السورية تنطلق في إدارتها للعلاقة من استعداد عقلاني لتسديد الثمن المطلوب وفق معطيات كل مرحلة، فيبدو أن التحدي الأساسي الذي يواجه القيادة السورية في كل مرة يكمن في محاولتها لالتقاط خط الحد الأدنى للثمن المطلوب بصورة دقيقة ودون أية اندفاعة يمكن أن تزيد على ذلك الحد الأدنى خطوة إضافية غير مبررة وليست مطلوبة، ودون التمسك بمواقف متخشبة تبنى على تقديرات تجاوزتها حركة الأحداث المتسارعة التي تجري على ساحة المنطقة.
أما على الجانب الأميركي فيبدو أن استمرار العلاقة التي ما تزال تولد فوائد معترف بها للطرفين، يتوقف على تقبل تلك العلاقة بوضعها القلق الذي تسير عليه منذ مدة طويلة، والمطلوب هنا هو إسقاط أي رهان واهم يمكن أن يساور بعض مراكز صنع القرار الأميركي حول إمكانية ضم دمشق إلى قائمة حلفاء الولايات المتحدة الاستراتيجيين أو وكلاء مصالحها المعتمدين في المنطقة، وهو ما عبر عنه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ردا على دعوة الوزير هنري كيسنجر عندما التقاه لأول مرة عام 1973 لإقامة ((عصر صداقة جديدة بين سورية وإسرائيل)) بأن صداقة بين البلدين قد لا تقوم خلال المرحلة الراهنة ولكن ((يمكن العمل على الأقل من أجل إزالة الخلافات))، وإذا تمت مراعاة تلك الاعتبارات التي تحدد سقف العلاقة بين البلدين فإن كل ما يأتي بعد ذلك سيكون مجرد تفاصيل يمكن التفاوض حولها والوصول إلى تفاهمات وسطية بشأنها.






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقوب خطاب الفريق الإصلاحي في سورية: تعليق على مقال السفير سا ...
- انكسارات المشروع القومي: قراءة غير تقنية في نتائج المؤتمر ال ...
- النهضة الموءودة: إخفاقان في سجل مشروع النهضة العربية
- ثلاث مفارقات على هامش مشروع الشرق الأوسط الكبير


المزيد.....




- من جزر البهاما إلى برج بيزا المائل.. ما البلاد التي تفتح أبو ...
- فوز الأحزاب المؤيدة لاستقلال اسكتلندا عن بريطانيا بأغلبية مق ...
- مقتل 30 شخصا على الأقل وجرح العشرات في انفجار قرب مدرسة في أ ...
- شاهد: تحويل أكبر مسجد في كولون الألمانية إلى مركز تطعيم ضد ك ...
- مقتل 40 شخصا على الأقل وجرح العشرات في انفجار قرب مدرسة في أ ...
- شاهد: تحويل أكبر مسجد في كولون الألمانية إلى مركز تطعيم ضد ك ...
- مسؤول إيراني يكشف سبب -انفجار قزوين-
- طيارون تايوانيون يهربون بمقاتلاتهم الأمريكية وطائرة بوينغ ضخ ...
- الأردن يدعو اتحاد البرلمان العربي والإسلامي لاجتماع طارئ حول ...
- 20 قتيلا مدنيا في هجوم مسلح شمالي بوركينا فاسو


المزيد.....

- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد هرملاني - العلاقات السورية الأميركية: دبلوماسية - زواج المتعة