أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سليم اللويزي - النخبة المحلية و تطوير مفهوم المشاركة السياسية















المزيد.....



النخبة المحلية و تطوير مفهوم المشاركة السياسية


سليم اللويزي

الحوار المتمدن-العدد: 2675 - 2009 / 6 / 12 - 09:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة

تعتبر مسألة تطوير المشاركة السياسية و علاقتها بالنخبة المحلية مسالة محورية على اعتبار أنها تمثل إرهاصا من الإرهاصات الكبرى نحو تطوير مجتمع ما، و تكتسي دراسة النخبة المحلية أهمية بالغة لاعتبارات عدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ان النخبة تعد صلة وصل رئيسية بين المجتمعات المحلية و المجتمع الشامل ذلك أن النخبة المحلية تشكل إحدى الوسائط الرئيسية التي تلجأ إليها السلطات المحلية و المركزية و النخبة الوطنية للتأثير على المجتمعات المحلية كما أن العكس قد يحصل عندما تلجأ المجتمعات المحلية إلى وساطة النخبة المحلية للتأثير على بعض أفعال النخبة الوطنية و على بعض قرارات السلطتين، المحلية و المركزية، بل و أحيانا لمواجهة هاتين الأخيرتين، هذا بالإضافة إلى احتلالها مكانة إستراتيجية داخل مختلف المؤسسات الإدارية و التنظيمات السياسية و النقابية و الجمعوية المحلية.فهي بذلك تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الحياة السياسية في البلاد من خلال التأثير على المواطنين، الشيء الذي ينعكس بالإيجاب أو بالسلب على درجة المشاركة السياسية.
إن هذه العلاقة الجدلية، تفرض منا قبل ذلك تناول أهم مفاهيم هذا البحث بالتحليل، بدءا بالنخبة المحلية التي تتجاوز كونها قضية مركزية من قضايا علم الاجتماع السياسي، و قد عرف جسم النخبة عدة تحولات بنيوية - خصوصا في المغرب- من نهاية سبعينات القرن الماضي بصورة أعادت طرح إشكالية المفهوم و الماهية و الأدوار لاسيما مع استفحال الأزمة التي طالت مختلق الميادين، الشيء الذي جعل جل الدراسات السوسيولوجية تقر بوجود أزمة كونية للنخبة و بضرورة إعادة صياغة هذا المفهوم حتى يواكب التغييرات العميقة.
فالنخبة المحلية تظل أقلية تملك السلطة و تتوفر على إمكانيات الفعل و القدرة على التأثير و الحكم، أقلية إستراتيجية و متجانسة تحمل مشروعا مجتمعيا، و تتوفر على الكفاءة و الخبرة و التخصص، و هي بذلك تكون منفتحة و متواصلة مع المجتمع.
أما على مستوى المفهوم الواسع لكلمة النخبة، فأغلب الدراسات تشير إلى مجموعة من الأفراد الذين يشغلون مراكز متميزة داخل مجتمع ما، و تميز بمجموعة من الخصائص الاجتماعية و السياسية و حتى الدينية الشيء الذي يجعلها شريحة محظوظة و مقبولة بل يمكنها من شغل مراكز النفوذ و السيطرة في مجتمع معين .
أما بالنسبة للمشاركة السياسية، فان أغلب التعاريف التي أعطيت لمفهوم المشاركة السياسية هي تعاريف واسعة، فهي ليست شيئا و إنما ممارسة متعددة الأشكال، و متغيرة في الزمان و المكان، وهناك عدة سبل و مقترحات لتحديد مفهوم المشاركة السياسية، و يعتبر فليب برو من أبرز المفكرين الذين تناولوا تحديد هذا المفهوم، فقد عرفها بكونها مجموع النشاطات التي يقوم بها المحكومون و تكون قابلة لان تعطيهم تأثيرا على سير المنظومة السياسية . و إجمالا يمكن القول أن المشاركة السياسية هي ذلك الجسر الرابط بين المرء كعضو في المجتمع و المرء كمواطن سياسي.
إن العلاقة بين النخبة المحلية و المشاركة السياسية تطرح أكثر من تساؤل، الشيء الذي يجعلنا أمام إشكالية محورية تتجلى أساسا في ما مدى تأثير النخبة المحلية في تطوير مفهوم المشاركة السياسية؟ و بعبارة أخرى إلى أي حد يمكن اعتبار النخبة المحلية دافعا و عاملا من بين العوامل التي تؤدي إلى تطوير مفهوم المشاركة السياسية؟
عن هذه الإشكالية سنحاول الإجابة معتمدين في تحليلنا على بعض المناهج العلمية، و لعل المنهج الوصفي قد يفي بالغرض دون إغفال المنهج الوظيفي على اعتبار أن المنهج الوصفي يمكننا من تحديد الإطار النظري لمفهومي المشاركة السياسية و النخبة المحلية، و هذا ما سيتم تناوله في المبحث الأول، هذا في الوقت الذي سيتم تناول دور النخبة المحلية و إستراتيجيتها من اجل تطوير المشاركة السياسية بالاعتماد على المنهج الوظيفي، ساعين في ذلك إلى تبيان الأثر الذي تخلفه النخب المحلية على المجتمع للنهوض بالمشاركة السياسية مرتكزين في ذلك على المقاربة السوسيولوجية بالدرجة الأولى.
و عليه فقد اعتمدنا في تحليلنا على التصميم التالي :



المبحث الأول :محددات النخبة المحلية و المشاركة السياسية .
المطلب 1: طرق و محددات التنخيب
فقرة1 : طرق التنخيب و محدداته
أولا- طرق التنخيب
ثانيا- محددات التنخيب
فقرة 2: مكونات النخبة المحلية
أولا- النخب الاقتصادية
ثانيا- النخب السياسية المحلية
ثالثا- النخب الإدارية
رابعا-النخب الثقافية
خامسا- النخب الدينية.
المطلب 2: المشاركة السياسية، أنواعها و دوافعها
فقرة1 : أشكال المشاركة السياسية
أولا- الأشكال الاتفاقية
أ- المشاركات المدنية
ب- المظاهرات
ثانيا-المشاركة السياسية غير التقليدية
أ-مفهوم العنف السياسي
ب- نموذج غور.
فقرة 2: دوافع المشاركة السياسية
أولا-التصويت،(بالنسبة للناخب)
ثانيا-الامتناع عن التصويت
ثالثا- دوافع الترشيح.



المبحث الثاني:إستراتيجية النخبة المحلية في من اجل تطوير المشاركة السياسية.
المطلب 1: النخبة المحلية بين الاصطناع و المواطنة
فقرة1: النخبة المحلية و استقطاب الأتباع
أولا-العين المحلي و التوظيف السياسي للعادات و التقاليد
ثانيا-التوظيفات السياسية لبعض المؤسسات التقليدية
فقرة2: النخبة المواطنة
أولا-النخبة و مطلب الوساطة
ثانيا-النخبة و مطلب التأطير
المطلب 2: حدود و آفاق النخبة في تطوير المشاركة السياسية.
فقرة1: أزمة النخبة
أولا-الشخصانية(النزعة الشخصية)
ثانيا-إشكالية المجتمع المدني
فقرة2: آفاق النخبة المحلية
أولا-تطوير المشاركة السياسية و رهان التنمية
ثانيا-النخبة المحلية و إشكالية تجديدها.



المبحث الأول :محددات النخبة المحلية و المشاركة السياسية .
في هذا المبحث سننكب على دراسة محددات و طرق التنخيب و مكونات النخبة المحلية في مطلب أول لنخصص المطلب الثاني للمشاركة السياسية ،أنواعها و دوافعها.

المطلب 1: طرق و محددات التنخيب.
تناول هذا المفهوم مجموعة من المفكرين و كان تشكلها النظري بذلك محط نقاش و تساؤل، فمنهم من أرجعها ابن خلدون و منهم من أكد على أن البدايات الحقيقية لمفهوم النخبة ترجع إلى أعمال الفيلسوف أفلاطون..إلا أن ما يهمنا هو ما يعرفه المفهوم من تناقضات ضمن علم الاجتماع السياسي حيث أصبحت نظرية النخبة حاملة لمفهوم الوساطة بين الشعب و السلطة السياسية، وذلك من خلال إقرار آلية الانتخابات و التداول السلمي على ممارسة السلطة.

فقرة1 : طرق التنخيب و محدداته.
أولا- طرق التنخيب.
قد تتنوع هذه الطرق بين طريقتين أساسيتين:التعيين و الاختيار.
إن التاريخ السياسي المغربي يدفعنا إلى تناول هذه الظاهرة لما لها من ايجابيات على السلطة و الحكم أساسا، إذ لم يكن اختيار السلطان لأعوانه دائما حرا، فهناك الحسابات السياسية أو الضرورية التي كانت تقود إلى تعيين النخب ذات التأثير القوي .
أما على المستوى الإداري، فقد أدى خروج المستعمر إلى خلق أزمة إدارية الشيء الذي أدى إلى الاستعانة بالنخب المحظوظة اجتماعيا و ميسورة اقتصاديا، إلا أن ما حصل هو أن هذه النخب المعينة لم تكن في مستوى المواطنة الحقة، وما يتطلبه الظرف السياسي الحرج آنذاك، فبدل الاهتمام بالوضع الذي يعيشه المغرب و المساهمة من اجل إخراجه من أزمة التخلف الإداري، بادر أغلب أفرادها الذين حصلوا على مسؤولية ما دخلتهم أمراض العظمة و السيطرة...آنذاك خلق الجاه و النفوذ و خلق معها استعمال الجاه و استغلال النفوذ .
أما بالنسبة للنخب التي جاءت عن طريق الانتخاب فهي غالبا ما كانت معبرة عن انتماء حزبي أو جمعوي، إلا أن ما كان يسجل عن هذه الطريقة هو طغيان اللامصداقية و عدم النزاهة الشيء الذي يفرز نخبة غير قوية مما يجعلها بدورها في حاجة إلى قوى خفية تساندها و تدعمها، و لعل جماعات المصالح و كتل الضغط أكبر دليل على ذلك التي تولى التعبير عن المطالب، و إبرازها بينما تقوم الأحزاب السياسية بتجميع تلك المطالب.
هذا عن الجانب الإداري و السياسي، أما في الجوانب الأخرى فتشكلت نخب قوية لا يعرف اسمها الا من خلال التأثير النافذ و الموجه قصد خدمة أغراضها و رعاية مصالحها كاللوبيات ( النخب الاقتصادية او القوي الضاغطة)، أما النخب الاجتماعية و النقابية و الدينية فيبقى تأثيرها واردا بقوة، من خلال الحفاظ على توازنات مجتمعية، و عدم الرغبة في خلخلة منظومته .

ثانيا- محددات التنخيب
تعتبر القوة المادية و الرمزية لبعض العائلات نقطة دافعة في اتجاه تنخيب أفرادها، و هذا ما نلاحظه في المغرب من خلال استحواذ الأسر الفاسية على مصدر القرار الإداري و السياسي متبوعة بالعائلات الرباطية و البيضاوية.
أما بالنسبة للأحزاب السياسية، فنفس الشيء يسري عليها، حيث اعتبرت مدينة فاس رحما ولودا للنخب السياسية ،و هذا راجع بالدرجة الأولى إلى كون مدينة فاس تعتبر عاصمة علمية للمغرب، و بالتالي فهامش التعليم و التكوين كان متاحا لأغلب الأسر الفاسية، الشيء الذي سينعكس على المستوى التربوي للأفواج المتخرجة ، و الذي سيؤدي الى السماح لهذه الأسر بتولي مناصب إدارية مهمة و تدبير الشؤون العامة و المحلية و خصوصا بعد الاستقلال حينما كانت الإدارة المغربية شبه خالية من الأطر، وبالتالي سمح لها ان تمسك بالشأن العام و المحلي في غياب لأية مراقبة رسمية أو شعبية.
من خلال هذا، فان المستوى التعليمي يعتبر أحد المحددات في انتقاء النخب الإدارية ، وعيا من الجهاز المخزني أن التعليم و خصوصا المشفوع بشهادة إحدى الجامعات الفرنسية كان يمنح صاحبه " المحترمية" .
أما بالنسبة للمحدد الآخر فيتمثل في الشرعية التاريخية، هذه الشرعية التي أضيفت إلى رصيد الرأسمال الرمزي، في الوقت الذي أقصيت فيه جل النخب الجديدة نظرا لافتقارها لما يسمى للشرعية التاريخية، و هدا يظهر جليا من خلال توظيف بعض الاحزاي السياسية كحزب الاستقلال مثلا لهذه المرجعية، فكل لقاءاته و اجتماعته يحضر فيها القائد علال الفاسي.

فقرة 2: مكونات النخبة المحلية
حددها حماني اقفلي في كتابه" السلوك الاجتماعي و السياسي للنخبة المحلية"في خمس نخب محلية، و سنوردها بإيجاز في النقاط التالية:
أولا- النخب الاقتصادية:
و تتكون هذه الفئة من كبار الملاكين المحليين و كبار التجار و المقاولين المحليين و تضم أيضا بعض كبار الموظفين في القطاعين الخاص و العام، و خاصة منهم مسيري بعض الشركات و المقاولات المحلية بالإضافة إلى أصحاب بعض المهن الحرة.
هذا وقد قسم هذه النخبة إلى ثلاثة أقسام رئيسية و هي المقاول، ومسير الشركة المحلية، و الملاك الكبير.
و سنعرض لهذه النقاط باختصار بدءا بالمقاول المحلي الذي يتصف بمجموعة من الأوصاف أهمها العصامية و الذكاء، كما انه يتعاطى لعدة أنشطة في الآن الواحد و خاصة التجارة و الصناعة. كما ان هذا المقاول قد استفاد من الظرفية الاقتصادية العامة التي عاشها المغرب في العقود الأخيرة وخاصة منها سياسة المغربة و الخوصصة، كما استفاد من تشجيعات الدولة للخواص .
أما بخصوص تكوينه فهو غالبا ما يكون ذا تعليم تقليدي و لا يتمتع بتكوين متخصص ، هذا على أساس أن أغلبهم يعتبرون من نفايات النظام التعليمي الذين بدأوا حياتهم المهنية في سن مبكرة كمأجورين أو متعلمين. و منهم كذلك خريجي الجامعات أو المعاهد التقنية الذين تلقوا تعليما عصريا و تمكنوا بفضل تشجيعات الدولة او ما ستمتعون به من رأسمال عائلي، من تأسيس مقاولات صغيرة أو متوسطة..و من صفات المقاول المحلي انه غير متخصص و متعدد الكفايات في كثير من الأحيان، و بسبب افتقارهم إلى تكوين حديث في مجال التسيير و التدبير، ما يزال الكثير من المقاولين المحليين يعتمدون في تسيير مقاولاتهم على طرق تقليدية.هذا و يرتبط المقاول المحلي بمحيطه الاجتماعي و الاقتصادي اشد ارتباط .
أما بخصوص المسير المحلي، فيتمثل رأسماله الحقيقي في خبرته و تجربته و كفاءته و ما اكتسبه من معارف عن طريق القناة التعليمية أساسا.و هذا النمط من المقاولين ليس بالضرورة احد أبناء المدينة او القرية التي يعمل بها، فالعلاقات التي تربطه بالمجتمع المحلي ليست بالضرورة علاقات خاصة.
و بالنسبة للنموذج الأخير فيتمثل في الملاك المحلي الكبير،و هو نوعان، الملاك المحلي التقليدي و الملاك المحلي الجديد.
فالملاك المحلي التقليدي هو عادة من أعيان البلد يتميز بانتمائه للمجتمع المحلي و بانتمائه لقبيلة معروفة تشكل عادة جزءا من هويته و يرتبط بها أشد ارتباط،و يتعاطى للفلاحة كنشاط رئيسي كما يمكن أن يتعاطى أنشطة أخرى موازية كالمضاربات العقارية و المتاجرة في الحبوب و المواشي و الدور السكنية و البقع الأرضية...
أما بالنسبة لفئة الملاك المحلي الجديد، فهي فئة غير متجانسة، منها المزارع العصري و ما يمكن تسميته بالارستقراطي المخضرم، و غالبا ما يكون أجنبيا عن المجتمع المحلي، و كثيرا ما يجمع هذا الملاك بين أنشطة اقتصادية كثيرة و خاصة الفلاحية و الصناعية و التجارية.
و للملاك المحلي الجديد مميزات ثقافية خاصة تميزه عن الملاك الكبير التقليدي، فهو من أصل حضري أو من منطقة أخرى في أغلب الأحيان و هو بسبب انتمائه متشبع بمنظومة القيم الحضرية يحمل ذهنية حضرية، و يعيش عيشة أهل الحضر، و هو لا يتحدث لهجة المجتمع المحلي و لا يشاطره ثقافته و قيمه و أذواقه.

ثانيا- النخب السياسية المحلية.
تتكون النخبة السياسية المحلية من كل الفعاليات المنخرطة في المنافسة السياسية المحلية، المنافسة الدائرة حول السلطان المحلي.
و هي تتوزع على عدة أشكال منها العين المحلي ، تقليديا أو جديدا) الذي لا يختلف في الجوهر مع الملاك المحلي إلا انه قد لعب أدوارا مهمة و حاسمة في المجتمعات المحلية، غير انه لم يعد اليوم بسبب التحولات الاجتماعية و الثقافية التي أضحت تعرفها المجتمعات يحتكر تمثيلية السكان، و أصبح يواجه منافسة شديدة من طرف فعاليات سياسية جديدة و خاصة العين الجديد و المناضل و الوصولي. أما المناضل المحلي، فسماته تتجلى من خلال توفره على مستوى أخلاقي عال، يدافع عن قضية – عكس العين و الوصولي- ترتبط بمجموعة من القناعات و المبادئ.
أما بالنسبة للوصولي، فهو من الشخصيات السياسية التي تزخر بها الساحة السياسية المحلية، و الذي يترك تدمرا و خيبة أمل لدى الناخبين، و هذا ما سنتطرق إليه في نقاط لاحقة. فهو يضطلع بادوار سياسية و اجتماعية في غاية الأهمية و لا يمكن تجاهله في تحليل و فهم الدينامية السياسية المحلية.

ثالثا- النخب الإدارية
تكون هذه النخبة من مجموع الأشخاص الذين يحتلون أهم المواقع الرسمية داخل المؤسسات الإدارية المحلية التابعة للدولة.
إن النخبة الإدارية تشكل عنصرا هاما لا يمكن تجاهله في دراسة بناء السلطان المحلي، و ذلك لسببين :
- أن النخبة الإدارية جزء من الواقع المجتمعي المحلي، و لها وجود قوي على جميع الأصعدة المحلية
- أن أدوارها لا تنحصر في تنفيذ قرارات الإدارة المركزية كما يعتقد البعض، فهي تتمتع بهامش مهم من الحرية و الاستقلالية يمكنها من القيام بأدوار مستقلة في كثير من الأحيان.
و يمكن تقسيم هذه النخبة إلى فئتين رئيسيتين:- فئة المسؤولين الإداريين أي فئة الأطر الإدارية – فئة أعوان السلطة .

رابعا-النخب الثقافية.
إن المثقف ليس بالضرورة متعلما، كما أن المتعلم ليس بالضرورة مثقفا، و بالتالي التمييز بين المثقف و غير المثقف لا يتم على أساس نوعية النشاط الأساسي الذي يزاوله الفرد، أي على أساس التمييز بين العمل اليدوي العضلي و العمل الفكري.
لعل المقياس الذي يجب اعتماده في تحديد المثقف المحلي، هو مدى المساهمة في الحياة الفكرية المحلية، و اغنائها من خلال انتاجات فكرية أو إبداعات فنية كيفما كانت طبيعتها.
خامسا- النخب الدينية.
و تتكون أساسا من ثلاث شخصيات رئيسية و هي الشريف و الطالب و مقدم الزاوية المحلية.
فالشريف لقب لا يمنح لحامله دورا او مكانة متميزة، فهو بذلك ينقسم الى الشريف العادي و هو كل شخص ينحدر من شجرة الرسول(ص)، و هو في المغرب كل من استطاع أن يقنع العامة بأنه ينتسب لأهل البيت بالمفهوم الواسع بغض النظر عن صحة ذلك النسب أم لا. أما الشكل الثاني فيتمثل أساسا في الشريف-البركة و هو يتميز باعتراف الجماعة له بالبركة، التي هي المقوم الأساسي لسلطانه و نفوذه، و لما يتمتع من امتيازات خاصة داخل المجتمع المحلي.
أما بخصوص الطالب، فأوضاعه تختلف باختلاف حسب المجال الجغرافي الذي ينتمي إليه، و بالتالي فإننا نميز بين الطالب في القرية و الفقيه في المدينة.
فالطالب- وهنا نتحدث عن القرية- كثير التنقل، لا يستقر في مكان واحد فهو بذلك كثير الترحال و التنقل، و لهذا فهو يعتبر أجنبيا عن المجتمع المحلي، لا يندمج فيه و لا ينتسب إليه و لا يتدخل في شؤونه الداخلية إلا لغاية الوعظ و الإرشاد و تقديم النصيحة. أما بالنسبة لتكوينه، فانه يقتصر على حفظ القرءان الكريم كليا او جزئيا،و له سلوك اجتماعي متميز فهو قليل الحديث عندما يكون في الجلسات العامة، و لا يتكلم إلا إذا طلب منه.
و بخصوص الفقيه في المدينة،فهو اقرب ما يكون من الطالب في القرية، لكن لا يتمتع بنفس المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها نظراؤهم في البادية، فهو يتميز عنه انه يرتبط بنمط عيش حضري و مستواه الثقافي مرتفع نسبيا، حضري بطبعه، متشبث بعادات و تقاليد أهل المدينة، تربطه علاقات وطيدة بالمدينة التي يقطنها.
تحدثنا عن كل من الفقيه و الطالب، و أهم المميزات التي تميزهما، و الآن ننتقل إلى مقدم الزاوية، على اعتبار أن الزاوية تعتبر من المؤسسات الدينية الهامة في المجتمعات المغربية التقليدية، لعبت أدوارا اجتماعية و سياسية و اقتصادية طلائعية في تاريخ المغرب.
و يمكن تصنيف الزوايا إلى ثلاثة أصناف رئيسية : الزوايا الكبرى التي توجد مراكزها بكبريات المدن المغربية، و هناك الزوايا التي يسميها محمد كسوس بالوسيطة و هي تلك الزوايا المتواجدة في المدن الصغيرة و المتوسطة، و هناك الأماكن المقدسة و التي يصطلح عليها بالسيد و هي أماكن تكاد تكون متواجدة في كل قرية و دوار و قبيلة.
و مقدم تلك الزوايا يكون رجلا مسنا، متوسط الحال قلما يزاول حرفة محددة، رجل متعلم، يحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، و ليست له دراية كبيرة بتاريخ و طقوس الطريقة التي تنتمي لها زاويته.

المطلب 2: المشاركة السياسية، أنواعها و دوافعها
إن المشاركة السياسية ليست شيئا وإنما ممارسة متعددة الأشكال ومتغيرة في الزمان والمكان, هناك عدة سبل ومقترحات لتحديد معنى المشاركة السياسية فعلماء السياسة الفرنسيون ينطلقون من التمييز بين المشاركة الاتفاقية والمشاركة الغير الاتفاقية, ويعرفها
- B.DenniوP.Lecompte بأنها –المشاركة السياسية - مجموع الأنشطة التي من خلالها يمكن للمواطن الاتصال بالميدان "المقدس" الخاص بالسياسة بطريقة سطحية أو وقتية مع ضرورة احترام طقوس معين.
وهناك من عرفها بأنها: " المساهمة في الأنشطة ذات المستويات المتعددة من التصويت إلى التأثير على توجيه سياسة الحكومة". هناك أيضا تعريف آخر وهو : " ذلك النوع من الأنشطة الإنسانية التي يشارك بمقتضاها أفراد مجتمع ما في اختيار حكامه ثم في صياغة السياسة العامة بشكل مباشر, أي اشتراك الفرد في مختلف مستويات النظام السياسي". ويعرفها فيليب برو بأنها " مجموع النشاطات التي يقوم بها المحكومون، وتكون قابلة لأن تعطيهم تأثيرا على سير المنظومة السياسية.

فقرة1 : أشكال المشاركة السياسية
إن صراع الإنسان منذ القديم هو صراع من أجل الحري ة, وقد أخذت الحرية في المجال السياسي عدة صور, من أهمها مشاركة الفرد في الشؤون السياسية والمعبر في اختياراته لمجموعة من المواضيع تمس من بعيد أو قريب مصالحه الخاصة والتي من بينها اختياره لحكامه أو تصويته على مشروع ما.
ويقع التمييز بين شكلين من المشاركة السياسية فهنا ك ما يصطلح عليه الأشكال الاتفاقية لكن صور المشاركة السياسية لا تقتصر فقط على هذا النوع بل تتعداه إلى أنواع أخرى كالعنف السياسي مثلا.
أولا- الأشكال الاتفاقية
إذا كانت الأشكال الاتفاقية هي أهم وجه من أوجه المشاركة السياسية يمكن التمييز في هذا النوع من الأشكال بين فئتين: الممارسات المدنية والمظاهرات.

أ‌- المشاركات المدنية
تشير الأبحاث التي أجريت بغرض تحديد هذا النوع من المشاركة إلى تعددها وتنوعها لكن يمكن اختزالها فيما يلي:
- التسجيل في القوائم الانتخابية
- البحث عن الإعلام السياسي
- مناقشات مع الجوار
- الانتساب إلى منظمة تعالج قضية جماعية (نقابات, جمعيات مثلا)
- الانتساب إلى حزب
- حضور اللقاءات والاجتماعات السياسية
. - المشاركة النشطة في الحملة الانتخابية
إلا أنه هناك شبه إجماع في الكتابات التي تناولت مفهوم المشاركة السياسية على أن عنصر الانتخاب هو أهم مظهر من مظاهراها.
ويحدد فيليب برو وظيفتين أساسيتين للظاهرة الانتخابية:
- تتحدد الوظيفة الأولى في إعطاء المزيد من السلطة الشرعية لأولئك الذين يمارسون السلطة.
- أما الوظيفة الثانية فهي ذات طبيعة نفسية فالمشاركة تنشط الإحساس لدى المحكومين بانتمائهم للمجموعة الكبيرة بفضل ممارستهم لامتياز مشترك.

ب‌- المظاهرات.
فقد أصبحت المظاهرات أسلوبا للتعبير الشرعي عن التوقعات الجماعية, والمكونة لشكل من أشكال المشاركة السياسية المعترف بها, ويمكن الوقوف مع بيير فافر ونماذجه الثلاثة الخاصة بالمظاهرات:
- النموذج الأول يسميه الباحث بالمظاهرات المحركة: حيث تك من وظيفتها في فرض رهان أو قضية أخفتها اللعبة المؤسساتية عن المسرح السياسي, وذلك بأكبر قدر من الوضوح.
- النموذج الثاني يسميه بالمظاهرات الروتينية: وهدفها الأساسي هو السماح لبعض المنظمات بالتذكير مرحليا بقدرتها على التعبئة وبصفتها التمثيلية وتبنيها لبعض المطالب الشعبي ة, فهي بالتالي تنتج رسالة موجهة إلى الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي.
- أما النموذج الثالث فيرتبط بالأزمات السياسية: فلا تصبح رهانات الحركات الجماهيرية تتجلى في تبني المطالب الخاصة ببعض المجموعات, وإنما في الحفاظ على السلطات العامة أو إسقاطها.

ثانيا-المشاركة السياسية غير التقليدية
إن الحديث عن المشاركة السياسية لا يقتصر على الطرق السلمية، فعندما لا يسمح النظام السياسية القائم بحرية إسماع الصوت عن طريق الوسائل الشرعي ة, يتم اللجوء إلى طرق أخرى، تكون غالبا مرفوضة، بغية الضغط على أصحاب القرار. وسنقوم بتحديد مفهوم العنف السياسي ثم سنطرح نموذج غور.

أ-مفهوم العنف السياسي
يتحدد مفهوم العنف السياسي باللجوء إلى الطر ق العنيفة, ويشكل اللجوء إلى مثل هذه الطرق في الأنظمة الديمقراطية إما اعترافا بالفشل أو الرفض.
والهدف من استعمال العنف السياسي يبقى هو الرغبة في الولوج إلى الوجود السياسي, وهو ناتج عن إحساس بالإقصاء أو التهميش المؤسساتي. وتتنوع طرق هذا النوع من المشاركة فهو يشمل أفعال متباينة, حيث يتخذ في بعض الأحيان شكل تكتلات في منظمات ذات طابع عسكر ي, أو خلايا سرية, كما يمكن أن يلجأ إلى إحداث تفجيرات أو احتلال أبنية مثلا.
إذن يمكن تعريف العنف السياسي كالتالي: " العنف السياسي هو كل عمل منظم وغير منظم تنعكس آثاره على العالم الخارجي, ويهدف من وراءه الشخص أو مجموعة أشخاص إلى إحداث تغييرات سياسية وغالبا ما يتخذ هذا النوع شكل عمليات دموية منطلقين من مسوغات فكرية معينة تعطي الشرعية لعملهم كما يمكن أن يتسع ليتحول إلى ثورات".
من هذا المنظور يظهر أن العنف السياسي هو عمل غير شرعي لكن يجب أن نميز بين عنف الدولة والعنف ضد الدولة.
فالأول يبرر عادة بالحرص على حماية النظام أما الثاني فيعطي نفسه الحق في "النضال " ضد الاستبداد, ولفهم أكثر لهذه الظاهرية يمكن أن نستعين بنموذج غور.


ب‌- نموذج غور.
يقوم هذا النموذج على نظرية "بيكوفينز" والتي تستند على ثنائية : الكبت/العدوان. ويتمر حل هذا السلوك عبر المتتالية التالية:
غضب تماثل مع هدف إنزال ضرر إنقاص الغريزة العدوانية
اختزال ظرفي لشعور الكبت.
ويقرر غور بأن العنف السياسي هو ناجم عن العنف الاجتماعي الذي يغذيه. ويرتبط هذا العنف بفكرة مسبقة أو أمل كاذب في تحقيق نجاحات. إن هذا الخطاب القائم على العنف يجد تأثيرا كبيرا في الأوساط الشعبية إذا لم يكن هناك إجماع شعبي على النظام القائم، أما إذا كانت الدعامات التي يستند إليها النظام القائم تقوم بدورها, وإذا كان هناك إجماع على أسلوب عمل النظام وكان قادته من المحترمين ومن ذوي الاعتبار وكان لدى المواطنين الإحساس بالقدرة على إسماع صوتهم عن طريق الانتخابات الحرة على سبيل المثال فقد لا يجد مثل هذا العمل أي دعم أو تأييد شعبي.

فقرة 2: دوافع المشاركة السياسية.
تختلف دوافع المشاركة السياسية حسب خصوصيتها، و سنتطرق في هذه النقطة لأسباب التصويت و الامتناع عنه و كذلك إلى أسباب الترشيح.

أولا-التصويت(بالنسبة للناخب).
حسب فليب برو فان الناخب يصوت مدفوعا أكثر بالدفاع عن مصالحه بحيث يبحث عن تقليل القلق غير المرغوب فيه و ذلك من خلال رغبته في الانتماء إلى المجموعة حيث يظهر السلوك الانتخابي كسلوك اجتماعي يتطور إلى عملية فردية حيث أن الفرد ينعزل للإدلاء بصوته لكنه يحس انه يضم صوته للجماعة ، أما بالنسبة للعامل الثاني فانه يتجلى من خلال بحث الفرد عن الحماية ، أي حماية من ظروف الحياة و أزماتها مع العلم أن استراتيجيات الأحزاب السياسية تقوم على تضخيم الأزمات بهدف زيادة الخوف لدى الأفراد و دفعهم إلى قبول مقترحات و إشعارهم بالحماية المحتملة إذا ما تبنوا أفكارها و أدلوا بأصواتهم لصالح هذه الأحزاب ، أما بالنسبة للعامل الآخر فيتمثل في رغبة الفرد داخل المجتمع في المشاركة من أجل التحرر من مشاعره ا لمكبوتة العدوانية على اعتبار أن الفرد داخل المجتمع يخضع لمجموعة من القيود تبدأ أولا من عائلته التي تحاول وضعه في قالب معين و هو القالب الاجتماعي و الاقتصادي الثقافي للعائلة و تنتهي هذه القيود بوضع المجتمع لمجموعة من المحرمات التي تهدف إلى ضبط السلوك الإنساني و تثير ه القيود نوعا من الصراع داخل نفسية الفرد يبدأ من الصراع مع الوالدين و في مرحلة ثانية تبدأ مع المجتمع و في مرحلة ثانية تبدأ مع المجتمع حيث يقوم هذا الأخير بإرغام الفرد على قبول المناهج المطروحة، فمن خلال خضوع الفرد و كبت رغباته يشعر أن الوسيلة "المشاركة السياسية" هي الطريقة الوحيدة لاستمرار وجوده داخل المجتمع.

ثانيا-الامتناع عن التصويت.
يحدد روبير دال Robert Dahl أسباب الامتناع في ست نقاط :
- يشارك الفرد بصورة قليلة إذا وجد أن التعويضات التي يحصل عليها من خلال مشاركته أقل بالمقارنة مع التعويضات التي يحصل عليها في أي نشاط آخر.
- تكون المشاركة أقل إذا اعتبر الفرد أن الأهداف المطروحة الجديدة لا تختلف عن سابقاتها و كنتيجة فان مشاركته لا تغير شيئا في الواقع.
- تكون أفل عندما يشك الشخص في إمكانية تغيير الأوضاع أي أن ثقته في نفسه و في قدراته لا تقوده إلى المشاركة الفعالة في السياسة.
- المشاركة في الحياة السياسية أقل إذا حكم شخص على نفسه بمحدودية معلوماته السياسية.
- كلما زادت المعوقات أمام المشاركة السياسية كلما قل ارتباط الفرد بالعمل السياسي.

ثالثا- دوافع الترشيح.
حسب داهل هناك ثلاث دوافع:
• يأمل الفرد في السلطة بهدف تحقيق الصالح العام، فهو يامل تقاسم مصالح جميع المواطنين من أجل نشر العدل و خدمة الدولة.
• يأمل الفرد في السلطة بشكل شعوري و بهدف تحقيق مصالحه خاصة
• الأفراد الطامحين للوصول للسلطة السياسة يكونون مدفوعين بعوامل لا شعورية.
فيما يخص الدافع الثاني فانه يعني بأن الفرد عندما يكون في السلطة سوف يقوم بتحقيق إشباعاته المادية و المعنوية لان الفوز بالانتخابات ستمكنه حسب برو من السيطرة على هيئة القرار أو التأثير عليها و بمعنى آخر يكون جزء من مجموعة صانعي القرار – إذا كان في الأغلبية- أو ممن يؤثرون عليها –إذا كان من المعارضة، و ليس هناك موقع أكثر أهمية من هذا الموقع لتحقيق الاشباعات الفردية.
أما فيما يتعلق بالدافع الثالث نشير إلى تحليل هارولد لاسويل في هذا الصدد حيث يقول" إن حصول الفرد على السلطة يمثل تعويضا عن عدم تحقيق الاشباعات النفسية مند الطفولة كفقدان الاحترام أو العطف، فالأنا تكون في حالة تألم و الفرد يكن تقديرا سيئا لنفسه، يأمل من أنه من خلال حصوله على السلطة سوف يعوض عن التقدير السيئ لنفسه، و يعتقد أن حصوله على السلطة سوف يغير من صفاته و يصبح إنسانا موضوع حب و احترام و تتغير بذلك مواقف الناس عنه. حصول الفرج على السلطة يعني انه أصبح نجما متألقا و محط أنظار المجتمع، و موضوع حديث الصحف و كل هذه الأشياء سوف تساعده على إشباع رغباته المكبوتة ، و إلا كانت خسارته حتمية، لدا فهو يلجئ لتكتيك آخر فمن خلال إضفاء غطاء إيديولوجي على نفسه سوف يضفي نوعا من المثالية على شخصه و على أناه بالخصوص و ذلك بربطها بمبادئ إنسانية و سياسية تتعلق بالدفاع عن المصالح العامة و الاستعداد للتضحية من أجلها.




المبحث الثاني:إستراتيجية النخبة المحلية من اجل تطوير المشاركة السياسية. إذا كانت النخبة بكل أشكالها – كما تعرفنا عليه في السابق- قد أسست لعدة علائق اجتماعية باعتبارها حلقة وصل بين المجتمع و السلطة السياسية، فان هذا الدور لن يتأتى لها الا باعتماد مجموعة من الوسائل لتحقيق هذا الهدف.

المطلب 1: النخبة المحلية بين الاصطناع و المواطنة.
فقرة1: النخبة المحلية و استقطاب الأتباع.
سبق و أن أشرنا إلى مجموعة من مكونات النخبة المحلية، كالعين المحلي و المقاول الكبير...، و كل هؤلاء يسعون إلى غزو السلطان المحلي،و لن يستطيعوا تحقيق ذلك إلا باحتوائهم لأتباع و مناصرين يمكن تعبئتهم و تجنيدهم في المعارك السياسية،و الضغط بواسطتهم على باقي الفاعلين السياسيين المحليين.
فالنخبة عند محاولتها لاستقطاب هؤلاء الأتباع، تستعمل مجموعة من الوسائل و الاستراتيجيات، مع العلم أن هذه العوامل هي جد معقدة تتدخل فيها عدة عوامل، كالمصالح الشخصية، و الروابط العرقية و القبلية و القناعات الفكرية و الإيديولوجية.

أولا- العين المحلي و التوظيف السياسي للعادات و التقاليد.
إن سلطان العين سلطان شخصي، و أن التبعية له هي تبعية شخصية، و هو بذلك يؤثر بصفة شخصية و لا تدخل أي جهة أخرى، و يستمد هذا التأثير و النفوذ من الموارد المادية التي يتوفر عليها، و بعض الصفات التي تميزه. هذا في الوقت الذي لا يحتاج فيه إلى وسائل سياسية لكسب ولاء بعض الفئات الاجتماعية التي تربطه بها علاقات إنتاجية.
و عليه، فان إستراتيجية العين المحلي في كسب الأتباع ترتكز بالأساس على العلاقات الشخصية، و الجماعات التي يبحث لنفسه فيها عن أتباع و مؤيدين هي الجماعات الأولية كالأسرة و العشيرة و القبيلة و الجيران و الأصدقاء ، ليبقي أسلوبه المفضل هو الاتصال المباشر.
و من بين الأساليب التي يعتمدها العين- و كذلك الشأن بالنسبة للوصولي- العادات و التقاليد، و استغلال بعض الو لاءات لدرجة أن من الأتباع ما يورث.
فكما يرث بعض الأعيان عن آبائهم و أجدادهم اللقب و الشهرة و الأرض، يرثون عنهم بعض الأتباع أيضا. و قد يكون هذا راجع إلى بعض السلوكات القديمة التي ليس من المستبعد أن تكون مرتبطة بعلاقات سلطوية و قمعية ثم تحولت مع مرور الزمن و تعاقب الأجيال إلى تقاليد و أعراف كما يمكن استخدام بعض التقليد و الأعراف و التركيز على القيم السائدة .

ثانيا- التوظيفات السياسية لبعض المؤسسات التقليدية.
تعد الأسرة أول مجال اجتماعي يبحث فيه طالب السلطان من يؤيده و يؤازره(كالزوجة،الأبناء،الإخوة،...)، و هم بذلك أول المناصرين و أكثر الأتباع إخلاصا. و بالتالي فالدعم الذي توفره الأسرة لطالب السلطان، و كذا المناخ العائلي من العوامل المهمة التي تساهم في صنع الزعامات المحلية، هذا دون إغفال الجانب المالي الذي يساعد بدرجة كبيرة على توفير تلك الظروف خصوصا أن العين و إن كان يتوفر على الأموال، فان ذلك سيخول له القدرة على التزوج أكثر من مرة و هذا يمكنه من استثمار الرصيد العائلي استثمارا رمزيا.
أما بالنسبة للتوظيف السياسي لهذه المؤسسات، فانه يتم من اصغر وحدة اجتماعية ألا و هي الخيمة/الأسرة، مرورا بالعظم، الدوار،الفخدة و وصولا إلى القبيلة حيث يسعى طالب السلطان إلى كسب ولاء الأسرة ليصبح ممثلها و الناطق باسمها، ثم بعد ذلك اكتساب أتباع هذه الوحدة الاجتماعية التي تأتي بعد الأسرة، و هكذا دواليك إلى أن يصبح قادرا على التفاوض مع بعض الفعاليات الجهوية و أحيانا الوطنية بوصفه ممثلا للجماعة التي يهيمن عليها، و باعتباره حلقة وصل ضرورية بينها و بين من يريد كسب ولائها و تأييدها. و عندئذ يبدأ في مقايضة نفوذه و تأثيره على القبيلة مقابل موارد أخرى للسلطان أهم و اكبر من تلك التي كان يحصل عليها في المراحل السابقة.

فقرة2: النخبة المواطنة
إذا كانت النخبة المحلية هي تلك الفئة التي تمثل المواطنين، رغم اختلاف مكوناتها، فان غايتها الكبرى هي أن تقوم بدور الوساطة بين سلطة القرار و السكان، على أساس أن ذلك يؤدي و يؤثر بصفة مباشرة على نسبة مشاركة الأفراد في الحياة السياسية فقد يكون تأثيرها ايجابيا أو سلبيا.

أولا-النخبة و مطلب الوساطة
إن اختيار النخبة المحلية،عرف عبر تاريخ المغرب وجهين اثنين:
الوجه الأول، و هو حين كان يرشح السلطان احد ولاته و تزكيه القبيلة بارتضائها إياه و إيثارها البقاء تحت ولايته.
أما الوجه الثاني، فيتمثل في اختيار القبيلة من يدبر أمرها و يلعب دور الوساطة بينها و بين السلطان.
و في الوقت الحاضر،فتعتبر الأحزاب السياسية، كأداة لتكوين الرأي العام، و أداة للتأطير، و الوساطة حيث يلعب الحزب دور الوسيط بين الناخبين و النواب من جهة، و بين الناخبين و سلطة القرار نظرا لتواجدها في خدمة المواطن.

ثانيا- النخبة و مطلب التأطير
يبقى هذا المطلب حاضرا و بقوة، و مبررا لشرعية وجودها بغض النظر عن طبيعتها الحزبية أو المدنية أو الاقتصادية، و تبقى الأحزاب المستهدف الأول بهذه المهمة، و هذا ما أشار إليه الدستور المغربي من خلال فصله الثالث (الفقرة الأولى):" الأحزاب السياسية و المنظمات النقابية و الجماعات المحلية و الغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين و تمثيلهم".
و بالتالي تصبح مهمة التأطير من أهم الواجبات التي تلقى على عاتق النخبة المحلية من أجل تطوير مفهوم المشاركة السياسية مستخدمة في ذلك كل الوسائل المتاحة لها.

المطلب 2: حدود آفاق النخبة في تطوير المشاركة السياسية.
كما تم التطرق إليه فان من أهم الأدوار التي تقوم بها النخبة المحلية من اجل تركيز فكرة المشاركة السياسية و تطويرها،لكن هذه المهمة تقابلها مجموعة من الاكراهات تحد من فعاليتها.
فقرة1: أزمة النخبة
إذا كانت النخبة المحلية تسعى إلى لعب دور الوساطة و التأطير فإنها تعاني من أزمة تجعلها عاجزة عن أداء مهامها.
أولا- الشخصانية:
من أهم أسباب فشل هذه النخب، طغيان النزعة الشخصية بشكل يغيب الجوانب الموضوعية و المصلحة الجماعية، ومن التعابير المتداولة و الدالة في هذا الإطار، القول مثلا ان هذا حزب فلان، و ليس الحزب الفلاني، مما يعطي هذه الأحزاب صفة الشخصانية و طغيان الزعامة عليها، الشيء الذي يؤدي الى انشقاقات تكون سببا في اضطراب الحزب و فشله في الوصول إلى أهدافه.
و يلاحظ كذلك ان الناس يتموقعون في فكرة المحاباة، و نفي الأمر يجري على باقي النخب التي تسعى جاهدة للوصول إلى السلطة، و بمجرد وصولها إلى الهدف المنشود فإنها تخلى عن المناصرين، الأمر الذي يكون بمثابة ضربة لهم، تؤدي إلى إحباطهم و عدم تجديد ثقتهم في هؤلاء الأشخاص.


ثانيا- إشكالية المجتمع المدني.
لعل ابرز ظاهرة يعني منها المجتمع المدني، ظاهرة احتكار العمل الجمعوي، فإذا كان مقعد الزعامة في الأحزاب السياسية لا بنحل إلا بوفاة قائده، فان هذه الظاهرة أصبحت تبرز بقوة.
هذا مع العلم أن جل هؤلاء الأشخاص، مازالوا يوظفون نفوذهم السياسي و المادي و الاجتماعي للوصول إلى أهدافهم، في حين تبقى مصلحة المواطن جانبا، الشيء الذي يجعله في مرتبة المتفرج الأبكم،و هذا ما يؤثر سلبا على مشاركته السياسية.

فقرة 2: آفاق النخبة المحلية.
أولا- تطوير المشاركة السياسية و رهان التنمية.
ان مشاركة النخب المحلية في تطوير النسيج الاجتماعي و الاقتصادي و حتى التربوي من شأنه أن ينعكس بالسلب أو الإيجاب عن التنمية و بالتالي على المشاركة السياسية لما لهما من ترابط عضوي.
فالنخب المحلية مسؤولة بدرجة كبيرة عن تحقيق التنمية و تدبير الشأن العام، و هذا –كما قلت- له علاقة بمدى رضا المواطنين، فان كانت نسبة مساهمة النخبة في التنمية مرتفعة، كانت نسبة الرضا و كانت بذلك إمكانية المشاركة مرتفعة.
فالنخبة الاقتصادية المحلية عليها أن تستثمر أموالها، مما يعود على الناس بالخير و الرفاه. أما النخب السياسية المحلية بالوسائل الضرورية، تبقى مهمة التأطير من أكبر المهمات التي توكل للنخب السياسية المحلية كما يجب الرفع من مستوى الوعي السياسي و الثقافي للنخبة مما يسهل عملية التجاوب مع المواطنين، ذلك أن عدم نضج الفئات المنتخبة و عدم أهلية النخب السياسية يبقى أهم العوائق التي تواجه المشاركة السياسية.
كما يعتبر التداول أو التناوب عن السلطة و فتح المجال أمام الجماعات و الأفراد لتحمل المسؤولية و الوصول إلى أعلى المراكز الاجتماعية من اسس الديمقراطية المحلية و التي تساهم بشكل جدي في دفع المواطنين للمشاركة السياسي.


ثانيا- النخبة المحلية و إشكالية تجديدها.
يبقى اكبر هاجس لتطوير النخب المحلية في المغرب و ما ينعكس عن ذلك في مجالات متعددة كالنهوض بالتنمية، تطوير المشاركة السياسية، تعزيز فكرة المواطنة و إرساء أسس ديمقراطية محلية و بالتالي وطنية.
و تعد مسألة تجديد النخب المحلية أمرا محوريا في مسار أي مجتمع على اعتبار أنها تمثل إرهاصا معنويا و ماديا يترجم بشكل أو بآخر حركية المجتمع من جهة و من جهة أخرى معيارا و تأطيرا للحظة تواجدها من جهة أخرى.
فالحديث عن النخبة يبقى مؤشرا قويا يترجم مدى حيوية المجتمع و مدى قابليته لبلورة مشروع حداثي لكونها مشتلا سياسيا يبلور منظومة من القيم و مشاريع الأفكار التي تطبع هوية ذلك المجتمع، ذلك أن النخبة تبقى في نهاية المطاف مصنعا لإنتاج أفكار و مشاريع المجتمع.

خاتمة :
إذا كانت النخبة المحلية في علاقتها مع النسيج الاجتماعي تلعب مجموعة من الأدوار التأطيرية منها أو على مستوى الوساطة فان أدوارها تبقى محدودة بالمقارنة مع ما هو منتظر و بالمقارنة مع مكونات هذه النخبة التي تبقى على العموم عاجزة و غير قادرة على مجابهة التحديات التي تفرضها الأوضاع الدولية و الوطنية، و بالتالي يجب إعادة هيكلتها و تطويرها لا على المستوى التعليمي أو الوعي السياسي و الاقتصادي.و هذا راجع بالدرجة الأولى إلى عدة أسباب موروثة عن الأجيال السابقة و التي راكمتها السنون التي عاشها المغرب. لكن يبقى السؤال المطروح، هو إلى أي حد يمكننا تطوير هذه النخب المحلية و ماهي الوصفة السحرية التي تساهم في علاج آفة النخب المحلية المغربية ؟




المراجع المعتمدة

الكتب العامة/
* فليب برو،" علم الاجتماع السياسي"، ترجمة محمد عرب صاصيلا

الكتب المتخصصة/

* حماني أقفلي،" السلوك الاجتماعي و السياسي للنخبة المحلية"، مركز طارق بن زياد،
ط1 ، 2002
* مصطفى العلوي،"الأغلبية الصامتة بالمغرب"، دار الكتاب 1977، الدار البيضاء
* حسن قرنفل""، "المجتمع المدني و النخبة السياسية "،افريقيا الشرق،1997،
حسن قرنفل،"المجتمع المدني و النخبة السياسية: إقصاء أم تكامل"،ط2،إفريقيا الشرق،
الدار البيضاء،2000.
المجلات /
* محمد زين الدين،" اشكالية تجديد النخب بالمغرب"، مجلة فكر و نقد، العدد 81، 2006
* عبد الله ساعف، تكوين النخب الادارية بالمغرب، العدد 18/1988
* محمد كسوس،جدلية العام و الخاص في العلاقات الزبونية، مقال ورد في كتاب
(طروحات حول المسألة الاجتماعية)، منشورات الأحداث المغربية، العدد
السادس،2003.

الأطروحات و الرسائل /
* رشيد كديرة،" النخب الإدارية في المغرب"، اطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة
محمد الخامس، الرباط 2004-2005
* .امحمد صبور، المعرفة و السلطة في المجتمع العربي،سلسلة أطروحات الدكتوراه 18
مركز دراسات الوحدة العربية، ط1،
* بدر عبد الحفيظ،"تقويم السلوك الوظيفي من خلال المفهوم الجديد للسلطة"، أطروحة
دكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق أكدال،الرباط،2005/2006.

المحاضرات /
* د.حسنة كيجي،محاضرات في مادة سوسيولوجيا الانتخابات لطلبة الفصل السادس، قانون عام، كلية متعددة التخصصات، آسفي،2006/2007

الوثائق الرسمية/
* الدستور المغربي 1996

الكتب بالفرنسية/

*Michel Grozier : le crise des élites à la française et les moyennes de les surmonter- in : Ali Sidjari : Elites gouvernances et gestion du changement .l’hamattan-rabat2002.p17



*jean Garagnon et Michel Rousset,droit administratif marocain,2eme ed ;la porte rabat.



#سليم_اللويزي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الظاهرة الحزبية بالمغرب:التجمع الوطني للأحرار نموذجا


المزيد.....




- مقتل سعودي على يد شقيق زوجته في تونس.. وسفارة المملكة تصدر ب ...
- مقتل سعودي على يد شقيق زوجته في تونس.. وسفارة المملكة تصدر ب ...
- الكاظمي يدعو إلى حوار وطني وسط ضبابية المشهد السياسي في العر ...
- مجزرة أطفال جباليا.. تحقيق إسرائيلي يكشف جريمة الاحتلال ومطا ...
- الثالث خلال أسبوع.. إخماد حريق في كنيسة بالمنيا المصرية دون ...
- أمريكا: ندرس رد إيران على الاقتراح الأوروبي بشأن إحياء الاتف ...
- أمريكا: ندرس رد إيران على الاقتراح الأوروبي بشأن إحياء الاتف ...
- ليز تشيني: جمهورية معارضة لترامب تقاتل من أجل مقعدها في الكو ...
- واشنطن: 6 سياح فرنسيين كانوا على متن الطائرة المنكوبة التي س ...
- الإليزيه: ماكرون ومودي يتفقان على -العمل لإنهاء الحرب في أوك ...


المزيد.....

- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ
- إشكالية وتمازج ملامح العشق المقدس والمدنس / السيد حافظ
- آليات السيطرة الامبريالية على الدولة السلطانية المخزنولوجية ... / سعيد الوجاني
- علم الاجتماع الجزيئي: فلسفة دمج العلوم وعلم النفس والمجتمع / عاهد جمعة الخطيب
- مَصْلَحَتِنَا تَعَدُّد أَقْطَاب العَالَم / عبد الرحمان النوضة
- تصاميم مستوحاة من الناحية البيولوجية للتصنيع الإضافي لهيكل خ ... / عاهد جمعة الخطيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سليم اللويزي - النخبة المحلية و تطوير مفهوم المشاركة السياسية