طارق جنيدي
الحوار المتمدن-العدد: 2266 - 2008 / 4 / 29 - 08:27
المحور:
كتابات ساخرة
كعادة الإنسان في تحويل كل نعمة إلى نقمة، و تحويل كل ما هو نافع إلى ضار بإصرار شديد, ها هو الإنسان بعد أن نجح في تحويل الطائرة من وسيلة مريحة لنقل الركاب و البضائع إلى وسيلة تدمير لنقل الخراب و الدمار،و حول العديد من العقاقير التي تستخدم في العلاج إلى مخدرات و سموم. ها هو يواصل إستمتاعه بإستغلال كافة الوسائل لإيذاء نفسه، و أداته اليوم في التخريب هى الإعلام.
بعد سنوات طويله من حجب المعلومات و إخفاء الحقائق، وجدنا انفسنا نفتح نوافذ القنوات الفضائية المختلفة و التي كان من المنتظر أن تأتي بتنوع في الفكر و الثقافة و تمحوا كثيرا من اشواك الإعلام الحكومي الموجه لخدمة الأنظمة السياسية و اطماعها في الخلود. و لكن سرعان ما تبددت الأحلام و انطفأت شموع الأمل، فوجدنا أن معظم القنوات اصبحت ساحة خاوية للفتاوي الدينية القبلية التي نبعت من جمود الصحراء فلم تأتي إلا بجمود الفكر ... نبعت من صحراء جرداء ، فولدت فكر خاوي من أي منطق ... نبعت من صحراء موحشة، فأتى منها فكر وحشي غير آدامي يرتدي عباءة الإسلام.
لقد أصبحت القنوات الفضائية تتبارى في إستضافة مشايخ التحريم و الترهيب و التهديد, رغبة منهم في رفع نسبة المشاهدة، لما لا و قد أصبح هؤلاء اساتذة في الإثارة و جذب العديد من المشاهدين الذين عاشوا طويلا في خرافات العادات التى قيدت عقولهم فأصبحوا صيداً سهلا لمن يطلقون الأحاديث و الفتاوي و التخريف, والذين يجدون من يمولهم و يقف وراءهم من أجل سيطرة الفكر القبلي على الإسلام و المسلمين.
أصبح مشايخ الفضائيات اشهر من أي عالم أو مبدع في هذا الزمان، هم مشايخ خمس نجوم يعملون وفق منهجية واحدة و هي تأصيل الفكر القبلي إرضاء لأولياء امورهم الذين يمدوهم بأموال طائلة لخدمة أهدافهم المريضة. أصبح المشاهد فريسة لفتاوي هؤلاء التي تبث السم في العسل، بل و أحيانا يصل بهم الجبروت في تقديم السم بشكل مباشر دون الحاجة إلى غرسه في العسل.
هؤلاء تآمروا على الفكر و الإبداع و الحرية بل على الإنسانية جمعاء، هؤلاء نصبوا انفسهم حماة للفضيلة و جعلوا من انفسهم أهلا للذكر و باقي الأمة لا تعلم. نعم نحن لا نعلم إسلامهم، لا نعلم جهلهم، لا نعلم فسادهم.
نحن نعلم الإسلام السمح الذي يدعوا إلى الله بالحسنى، نحن نعلم أن الدين يسر لا عسر، نحن نعلم أن الذي بيننا و بينه عداوة كأنه ولي حميم، نحن نعلم أن الله سبحانه و تعالى قال لنبيه الكريم(ذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) فالله بجلاله اوصى الرسول بالتذكرة و كان مباشراً معه في قوله (لست عليهم بمسيطر) و لكن مشايخ الخمس نجوم مصرون على السيطرة و فرض كل ما هو فظ و غليظ على الرغم من قول الله ( و لو كنت فظا غليظ القول لأنفضوا من حولك) و لكن هذا في عصر النبي، لأن الناس كان لديها الحرية في أن تنفض و تغادر و لا تقتنع، و لكن هذا غير مسموح به الآن لأن من يفكر أن يغادر سيطارد و من يفكر أن يختلف سيتهم بالكفر، و من يفكر أن يحاور سيحل دمه.
لقد تركوا العلم و تركوا الإيمان و اصبحوا متفرغين لبث الحقد و الدجل في نفوس المشاهدين، لقد اصبحوا دعاة للفتنة بكل اشكالها بين المسلمين أنفسهم و بين المسلمين و المسيحيين و بين المسلمين و اليهود و بين المسلمين و العالم. لم يعد يشغل بال هؤلاء سوى القضاء على ما تبقى من عقل لدى المشاهد البسيط و حاصروه بفتاوي إرضاع الكبير، و ضرورة جمع الجزية من أهل الذمة و التي كانت تجمع نظير قيام الحكام المسلمين بالدفاع عنهم و تناسوا أن الحال الآن تبدل فأصبح أهل الذمة مع المسلمين كتفا بكتف للدفاع عن أراضيهم ضد أي عدوان، بل أصبح العالم الإسلامي هو الذي يدفع الجزية للولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا و فرنسا و روسيا و غيرهم للدفاع عنهم ضد المسلمين أنفسهم.
لقد اصبحت دعاوي المقاطعة للغرب الكافر تنتشر في كل مكان و هي دعاوي تدعو إلى السخرية، فلولا الغرب و علمهم لما رأيناهم على شاشات التلفاز، لولا الغرب و إكتشافاته لما استطاعوا أن يبثوا سمومهم، فالتقاطعوا أيها المشايخ محدثات الغرب الضالة التي مصيرها النار، فالتقاطعوا يا أصحاب الخمس نجوم التكنولوجيا الغربية، فالتقاطعوا سياراتكم الفارهة و تعودوا إلى الجمال و الدواب، فالتقاطعوا الغرب و لا تستخدموا الطائرات، فالتقاطعوا الغرب و لا تلهثوا وراء دولاراتهم، أم أن المقاطعة فقط في المأكولات و الحلوى، هل هي مقاطعة من أجل نشر الكبسة و المقلوبة؟! إنتظروا قريبا فتوى أن من أكل البرجر و السوسيس كمن يأكل جمرا من النار، و الكبسة من الإيمان!
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟