أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جواد الحسون - الريل وحمد














المزيد.....

الريل وحمد


جواد الحسون

الحوار المتمدن-العدد: 2100 - 2007 / 11 / 15 - 07:58
المحور: الادب والفن
    


تسلل البرد في مسامات جسده النحيل دونما عناء وهو قابع على ضفاف المحطة يستعجل سير الزمن ويبحث جاهداً عما يمكن ان يختزل به المسافات ليصل لحظة اللقاء .
راح الزمن يطوي على عالمه المتواضع حباله الملونة بألوان الطيف واخرى لم يتسن للعيون ورؤيتها . شيء ما بدأ يدور في اروقة نفسه ويحثه لان يرعى جذور الامل بداخله ويقتلع من اعماقه شبح اليِأس .
كانت ليلة من ليالي الشتاء الاكثر قسوة والاشد ظلمة ، احاطت بعالمه الصغير لتوقظ في نفسه الشوق المكنون . صار يشم رائحة اللقاء الذي لم يتحقق ولو لمرة واحدة مذ تعلم ابجدية المواعيد .
قضبان السكة كانت ترتعش مثل جسده ... انها علامة الاقتراب او انها المزيد من الشوق ... او الخوف ... او لربما هو الحياء . كل شيء يرتدي الهدوء الا قلبه وقضبان السكة .. شيء ما يثير الضوضاء ... رفع نظره بفرح لم يدم طويلا ... انها الفراشات التي كانت تبحث عن الدفئ حول مصابيح المحطة فتهوي محترقة بجذوة اللقاء ... ربما هو ثمن الدفئ كانت تدفعه الفراشات تباعا وبلا تردد .
ليست المرة الاولى التي يدفنه بها البرد وهو هارب من دفئ سريره .. كما انها ليست المرة الاولى التي يغادر بها بيته ليبحث عن الامان.. بيته الذي قد ينهار في اي لحظة بفعل دوي الرعد او بفعل صدى صفارات الحراس الليليين التي كثرا ما كانت مصدر ازعاج وهي تنطلق مدوية لتحاور السراق بلغة صاروا يألفونها حتى باتت تمهد لهم طريق الهرب والنجاة .
واصلت الارض دورانها وبدأ رأس الليل يشيب لينذر الظلام بموت بطيء. كان يبتسم بحزن ... وفي ذات الوقت كان يصرخ بصوت خفي كثيرا ما تجاهلته الاسماع التي باتت تجهل كل شيء ... الاسماع التي لم تعد تسمع حتى صرخات الريل ... الريل النازل باتجاه الجنوب .. او الصاعد باتجاه الشمال ... الصراخ ذاته الذي ينطلق من داخله ... كانت تطلقه القضبان ... صراخ مشحون بالالم .. بالخوف .. بالجهول .. وبالانتظار والترقب .. صراخ كان يعلن عن انطواء الزمن دونما وداع .. صراخ يمتزج ببعض نبرات الامل وشيء من الحب المكتوم خوفا ..كان يتساءل الى من ولماذا يحمل كل ذالك الهيام؟ كل الذي كان يعرفه هو انه حمد..حمد الشوق والوحدة والتغرب. دار بنظره صوب العربات التي عجزت عن الحركة وتساءل ... من لا يعرف حمد ؟ انين العشاق .. واهزوجة اسراب القطا ... وتهادي سنابل الجنوب .. هذا انا حمد ... كركرة البرنو .. جراح وخشونة اكف الفلاحين الشرفاء .. هذا انا حمد .. حفيف مناجل الحصاد ودموع الاطفال الممزوجة بملح الارض ... الريل ودلال القهوة والفنجان كلها تعني ان هناك حمد ... حمد ... حمد ...
صار يبتعد عن اضواء المحطة التي بدأت تضمر ويتضاءل ضوءها بفعل موجات الضباب التي راحت تنهال على المكان وتجبر عينيه لان توغلا النظر بالاشياء .
تنامت بداخله رغبة الصراخ وتسللت الى فمه ملوحة الدمع وهو يسائل قضبان السكة الحديد ... لمَّ يحدث لي كل هذا ..؟ فأنا حمد ... حمد الذي امست حياته محطة انتظار لم يتوقف بها الريل ولو لمرة واحدة .. وصارت ايامه لا تألف غير الوحشة والخوف والانتظار .
تكاثف الشيب براس الليل .. وتأخر الريل كعادته .. فكر كثيراً قبل ان يتخذ قراره ... انه سيكتفي بسماع معزوفتة عن بعد .
صمتت صفارا الحراس الليليين ولم يعد في المكان من ضجيج سوى ضربات قلبه التي اعتادت التناغم مع عجلات الريل ... تك ... تك ... تك ... كان يفهم ما تقوله العجلات وهي تلامس قضبان السكة العارية .
اجهده الانتظار وشعر بالنعاس ... وضع رأسه على قضبان السكة واستسلم لسلطان النوم ... وقبل ان تلمح العيون ضوء الشمس ايقضه صوت ما يشبه كركرة الاطفال فلمح جسده بلا رأس وهو يرقد على قضبان السكة الاخرى . راوده شعور بان قضباني السكة الحديد سيلتقيان ذات يوم .. ويستعيد جسده .



#جواد_الحسون (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العصا والحمار / قصة قصيره
- مسمار حذوة الفرس
- ليلة العيد قصة قصيرة
- هل يتعلم الكبار من حرص الصغار....( رؤية في أروقة مؤسساتنا )
- ثقافة الطفل العربي ....في عالم الميديا


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جواد الحسون - الريل وحمد