أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محسن بوشارب - التجربة اليسارية بالمغرب - مقاربة السؤال –















المزيد.....



التجربة اليسارية بالمغرب - مقاربة السؤال –


محسن بوشارب

الحوار المتمدن-العدد: 2047 - 2007 / 9 / 23 - 10:08
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



لا شك أن التجربة اليسارية بالمغرب تطرحنا أمام العديد من الغموض والإشكالات، نتيجة لما يمكن أن نحصله من تناقضات واختلالات في تاريخ وتأريخ التجربة، اللاتوثيق وعدم النشر بشكل يفي بالغرض، وغياب تاريخ موضوعي قي ضل شمولية النسق المغربي ولا شك أيضا في كون استكمال التجربة لإحدى أهم حلقاتها، سواء على مستوى التعدد أو التنوع، إذ توالت الانشقاقات عبر محطات عدة، واعتبر كل انشقاق أن له ما يكفي من المبررات سواء النظرية أو التنظيمية بل التكتيكية والسياسية أيضا، أو على مستوى استنفاذ الأوج الإصلاحي لاستراتيجية المسلسل المؤسساتي بعد ما عرف بالتناوب الديموقراطي وهما بنزعته التوافقية، فالانطلاق من تجارب عبرت عن تطورها بالانشقاق وعودتها الاضطرارية إلى الوحدة اليسارية إستكمالا لدورة تاريخية في الحياة الحزبية بالمغرب واليسار خصوصا، السند الذي يؤسس لحافز البحث في هذا التراكم واستنطاق التجربة لاستشراف أفق الحركة اليسارية، باعتبارها ستضل الأفق الممكن والمحتمل لأي تطور إيجابي يحكمه المستقبل بشروط الموضوعية التاريخية، فالتعاطي مع هذه التجربة، والتي يحتل فيها الشرط الإيديولوجي أهم الأمكنة والدلالات، ويلقي بكل ضلاله على آليات وقنوات التصريف التنظيمي وفقا لطبيعة الشروط الواقعية للممارسة السياسية وقضايا النضال السياسي، والتي تمليها أيضا طبيعة الأهداف التكتيكية وكذا الإستراتيجية، فمساءلة هذه العلائق، نظرا للترابط الجدلي والمتلازم بين كل أبعادها، الإيديولوجية، التنظيمية والسياسية، على ضوء واقع شروط التجربة اليسارية، سيكون جديا لأي استقراء علمي وعملي للحديث عن اليسار الموضوعي الكفيل بإنجاز المهام التاريخية لتحرير الأرض والإنسان، عوضا عن اليسار الذاتي الذي تولى مهمة تحرير الوزارات وتدجين السكان، لذلك يمكن أن نتساءل عن العلاقة ومكامن الخلل بين المشروع النظري ببعديه الفكري والثقافي وهياكل ترجمته من خلال البنية الهرمية والبيروقراطية تحديدا، وقنوات تحريك الأداة، لتولي قضايا النضال السياسي، عبر واجهات متعددة بغية الوصول إلى الأهداف العامة، فكيف تبلورت التجربة نشأة وتطورا؟ وكيف كان تفاعلها مع طبيعة الوسط الاجتماعي المغربي بكل أبعاده وتركيبه؟ كيف تم تأطير الإشكال السياسي لدى اليسار المغربي في ترابط دينامكي على المستويين الإيديولوجي والتنظيمي؟ وكيف أتى سلوكه وممارسته السياسية؟ ولعل آفاقه تضل معلقة على ذات المساءلة بكل تأكيد وإلحاحية.

جاء تاريخ التراكم السياسي للإيديولوجية والفكر عموما المسماة عربية-إسلامية، بمشاهدة حافلة بالنزعة الشمولية والكلية للفكر والسلطة والمجتمع، فالسلطة السياسية ضلت عبر ردح طويل نقطة مركزية لكل الولاءات، بكل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكل الوجوه العسكرية والثقافية والدينية، فالحكم في تماثل مع السلطة القدرية، فكان بديهيا أن تكون أنظمة سياسية أشبه بالميتافيزيقية، مما لا يحتمل أية لمحة يسارية، فكان تماهي الدولة والسلطة السياسية باليمين، الذي صار ته هي كدولة يمينية، ولهذا فالمغرب بالضرورة من هذا المجال ينخرط، وبالتالي لم يكن غريبا أن يأتي اليسار من الخارج، مع المستعمر أولا، ثم سيولد يسار وطني الادعاء من داخل اليمين الذي كان قد أرسى أصولا صريحة في ضل تمفصل الدولة بالمغرب جراء ضغط الحداثة الكولونيالية، لتضطر معه الدولة والسلطة السياسية القائمة إلى الحاجة لفصل يمينها واضطلاعه بمهام الحركة السياسية، التي ضلت الدولة لعصور غنية عنها، لذلك فلا مناص من أن لا يتم التعايش بسهولة، لكنه أمر حتمي، فلم يكن مفاجئا أن تصبح الحركة اليمينية الوطن الاستقلالي الوحيد، كي تعود لذات الدولة اليمينية، لكن الشروط الداخلية لم تعد أبدا بالمحدد الرئيسي في ظل عالم كان مر كزه قد تشكل بكل قوته ليحدد الخرائط السياسية لهذه المدينة الكونية لما بعد عولمة الحربين الأولى والثانية، فمرحلة ما بين الحربين والحروب الاستعمارية، شكلت المناخ الدولي العام لنشأة الأحزاب والمؤسسات الحديثة لدول الهامش، مما يعني أن مراكمة التخلف قد تمت باختمار تاريخي يجعل ميلاد اليسار أمرا عسيرا ومغلفا بالمحظور، وتطوره مراكمة للممنوع وصيرورته ترويض للجامح، مما يعقد إمكانية وضع إشكالات دقيقة لليسار في إطار كلية كمية ونوعية، بهدف المراكمة لأفق القطع باختيارات جبهوية وآفاق التحرر بطبيعة اشتراكية.

إن طرح مفهوم اليسار لا يمكنه الاستقامة إلا بتحديد جوهري لأسس التصنيف، والمتمثلة في الإيديولوجية على ضوء علاقتها المحورية بطبيعة السلطة السياسية، فأي المعايير يمكن اعتمادها بغية قراءة علمية، وهل هناك فعلا إمكانية صريحة بذلك؟ لذا فالبحث عن مقومات الهوية والطبيعة اليسارية ينبغي أن يتم على خط تحليل الترابط الجدلي بين العناصر الإيديولوجية وعلاقتها تجاه أهداف وغايات الممارسة السياسية بعمقها التنظيمي في عموم محيطها الاجتماعي، وسيكون الاعتماد على تصنيف أيزنك نظرا لجوهره الإيديولوجي، لإقامة التماثل بخصوص قطبي المعادلة، اليمين واليسار، إذ يضل المحدد إيديولوجيا صرفا، مما يزيل تلك الشوائب الخاصة بهذا التمايز، ويقوم الأساس الإيديولوجي على الليبرالية والاشتراكية، إذ لا ثالث، لهما، كما لو أنها ذاتها المفارقة الكلاسيكية بين المثالية والمادية، ذلك الإشكال العريق قد يكون الأمثل لتصنيف كثر حوله الإبهام، إن لم تكن المغالطات متعمدة كتوليف ديماغوجي أكثر منه إيديولوجي. فهذا السلم يقيم نقطة الأساس في العلاقة مع الواقع بكل أبعاده، وتحديدا الواقع السياسي المختزل في العلاقة بين الحاكم والمحكوم بكل انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، عموما، فتحديد اليمين واليسار بناءا على هذه الكلية والتي تتمثل في الإيديولوجية بأتم المعاني، أي تحديد اليمين بخاصية الحفاظ على الوضع و تطويره دون فقدان حكمه ونقض غاياته المرسومة منذ أولى أشكال التسلط السياسي، وفي أحسن الأحوال انتزاع السلطة السياسية دون هدم بنياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما لا يكسب الحركة هاته صفة اليسارية، كما هو الأمر مغالطة بخصوص النعت اليساري للحركات الدينية، إذ لا يمكن وصفها بالقطع كذلك، كونها لن تستبدل الشرعية السياسية إلا بذات البنية، أما اليسار فقد وجد وجاء ضدا على الوضع القائم وعاملا لتحطيم أساسه وهدم قواعده، فتحديد الموقع سيكون بالضرورة مرتبطا بطبيعة الانتماء للبناء الطبقي كمحدد جوهري للسلطة السياسية المتجسدة بأرقى أشكالها في الدولة بما تعنيه أداة للتحكم وغاية للصراع، فالتحديد بين من يحكم ومن لا يحكم، سينطلق من فحص الدور الذي يمنحه هرم التركيب الاقتصادي والاجتماعي، وبكل بساطة، فمن يملك ومن لا يملك، يضل الجواب الأوحد الذي صاحب السلطة السياسية، وكان أيضا الكامن وراء ضرورة وحاجة الدولة، بذلك فالدولة شرط واستجابة للبنية والتركيب اللذان تسود فيهما، لذا سيكون معيار العلاقة تجاهها لبا للبحث عن مفهومي اليمين واليسار.

إن البحث عن تطبيق لمعيار الثنائية الإيديولوجية بين اليمين واليسار بالمغرب، سيكون فجا لو تم تجاوز فترة النشأة التي قد تخلصنا من عناء التيه الذي أصبحت عليه هذه اللعبة بالمغرب، هذا العمق الأركيولوجي أو حفريات السياسة الحديثة بالمغرب يؤكد العديد من الحقائق، ليس في بعدها التأريخي بل والإيديولوجي أيضا، إذ تشكل اليسار بثنائية المعتدل والقاسي، المعتدل بنفحة وطنية قابلة للتعايش السلفي، والقاسي بشيوعية متهمة بالتواطؤ الاستعماري، وأيضا نتيجة تغليب القضية الطبقية عن الوطنية، والتي زادت من الشكوك حولها بسبب الجذور وكثرة الانتساب الفرنسيين، هذا التغليب جعل للحزب سبقا وتطورا في العمل النقابي، في حين تركز التغليب الوطني على ترسيم طبيعة السياسة الإصلاحية الفرنسية وتضخيم الوطنية الاستقلالية عقب 1944، هذا الأمر ليس غريبا في العالم المتخلف، على النقيض تماما لما هو عليه الأمر في دول المركز الاستعماري، فالاستعمار التقليدي سيأتي بيمينه المركزي المتجسد في الحماية، ويساره مشكلا في أولى حلقات الفرع الفرنسي للحزب الشيوعي، فجاءت الحركة اليسارية بالمغرب سابقة تنظيميا على الحركة اليمينية بنزعتها السلفية، الوطنية والقومية، ولم تكن تخلو من بؤر يسارية لا واعية نظرا لطبيعة الإجابة المفتقدة على مدى الإلحاح تجاه الأولوية بخصوص الخطين الوطني أم الطبقي.

يقدم الموروث التاريخي في شكليه المكتوب و الممارس عبر كل التجارب، سندا هاما يحاول فهم وتأكيد طبيعة العلاقة بين الإيديولوجية، التنظيم والسياسة، وقد كان للفكر الاشتراكي السبق الكمي والنوعي بخصوص التعاطي مع هذه القضايا باعتبارها جزءا من إشكالاته الجوهرية وأفق تطوره وتحققه، فالإيديولوجية تحدد وترسم الأفق الاستراتيجي، وتوفر أيضا الضوابط النظرية اللازمة لإمكانية اكتساب الوعي بها، هذا الوعي لن يصير علميا وفعالا إلا حين الانتقال لحقل الممارسة المتجسدة في الالتزام السياسي الذي يشكل المنطلق لأي تكتيك سياسي يقتضيه الواقع السياسي، وهذه الممارسة لا يمكن أن تكون عاقلة، أي ككينونة مؤسسة لفكر مادي قابل للمتابعة والتقييم إلا إذا تمت عبر السلوك المنظم والعميق، الواجب الذي يستلزم التنظيم. فلا مجال للتذكير بالتمرحل المادي للتاريخ إلا بالحدود التي قد تمكن من استقراء مادي للواقع الملموس، وطفرة أولية إلى مرحلة أخرى سيكون لها فكرها، نتاجا لها في ضل شروطها الاقتصادية وتحديدا بمدى التملك، وقد يتساءل البعض لما قد لا يثير الانتباه، أن النظرية الاشتراكية قد تكون المفتاح الأمثل للمجتمع اللاطبقي، وسميت تحديدا بالاشتراكية العلمية دون الشيوعية، التي تضل أقصى المراحل العليا لتطور المجتمع الاشتراكي، بذلك فالاشتراكية شرط ومحصلة للشيوعية، التي تضل المنشود أو اليوثوبيا التي يرسم فيها التحرر الاقتصادي من الاستغلال ويتحرر وعي الإنسان من الاستلاب، ويضل حجم التحرير ممتدا إلى ما لا نهاية، فالاشتراكية العلمية نظرية لتأمين الفكر المادي، والذي يعتبر أداة ومنهجا أكبر منه تصورا، إذ يشكل هذا المركب منهجا للتحليل ومشروعا إيديولوجيا هادفا إلى خلق مجتمع الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، تتولى فيه الدولة إعادة التوزيع والتوجيه، بغية تحقيق مصالح الأغلبية الاجتماعية والتي حتما تتحمل عناء وعرق القوة الإنتاجية للبلاد، لكن دون إغفال قراءة التاريخ والتجارب وعلة انحرافاتها، إذ تصبح رأسمالية الدولة وأداة استبدادا حزبي، لا يبحث عمقا اجتماعيا، مما يضطره لسد الهوة إكراها عبر عنف الدولة باسم الطبقة المنتجة، دون تعبير حقيقي وتمثيل فعلي، مما يفقدها المشروعتين معا، التاريخية والشعبية.

لعل أي متتبع لحياة اليسار بالمغرب، يجد ضآلة في الإنتاج النظري والفكري، بل ضل في جله يعتمد الأطروحات الخارجية، سواء المقولات الكلاسيكية وبشكل خجول، أو بعض القراءات التي تحاول البحث عن خصوصيات محلية، سواء ثالثية بدلالة كولونيالية أو قومية وطنية...، لكن أيضا دون اكتمال تصورات إيديولوجية مكثفة كمشروع سياسي اقتصادي واجتماعي، بقدر ما تم التفكير كثيرا في الممارسة التي ضلت متجاذبة، مفتقدة لنظرية واضحة، مما لم يجعل لها أبدا أن تكون حركة يسارية موحدة، ولا تمتلك في الأفق الذي يلوح به تاريخها، أية ضمانات نحو الوحدة النظرية والإيديولوجية والتعددية التكتيكية وفقا لقواعد المركزية الديمقراطية، فالملاحظ من خلال تجارب دولتية عدة، نستشف أن عمليات القطع تتم بشكل مختلف لهدف واحد، بمعنى أن الفكر المادي يستلزم إجابة واقعية، وبالتالي فالقطع نتاج لواقع الصراع، منه ينطلق، وبه يكون، وله يتحقق، ولكل تجربة مراكمات وقراءات نظرية، فالطليعة هم بالضرورة أطر، لكن هل للأطر معنى دون الإبداع الفكري والنظري؟، وكيف سيحصل للطبقات الدنيا وعيها الطبقي المعقد دون تبسيط وترجمة الإيديولوجي والفكري والسياسي إلى تفسيرات مادية للمعيشي اليومي ليغدو الوعي الطبقي وعيا شعبيا؟ فهذا المنتوج الذهني يشكل عبر تراكمه النوعي الذي يثبت ويؤكد جدارة الوعي بنوعية الطليعي، والذي يستلزم تأهيله للنفاذ إلى أعماق وعي المعنيين أساسا بالمشروع اليساري، ليتحول من وعي نظري إلى فعالية طليعية مبدعة، هي وحدها الكفيلة بتحقيق التضافر الكمي للنضال الاقتصادي والاجتماعي عبر النقابات، فيما السياسي والإيديولوجي عبر الحزب والثقافي عبر الجمعيات...، في أفق تعميمه ليصير نوعيا نحو تحقيق الطفرات التكتيكية لبلوغ الإستراتيجية المفتاح لآفاق التحرر، وعود على بدء لتاريخ جديد.

لقد تولدت الآراء الحبلى وأولى القراءات الطوباوية بنطفة الحلم النقدي لمواقع الرأسمالية الصناعية الغربية، هذا الطموح شكل نواة خصبة لتأسيس الأرضية العلمية للتعاطي الصلب مع قضايا التطور التاريخي، ولأول مرة في تاريخ الفكر البشري، أتيح للشعوب والجماهير أي المحكومين عموما، نافذة على التاريخ، من خلال دورهم في إمكانية طرحهم لقراءات تحررية، سيكونون أبطالها، عوض التاريخ البشري الذي ضل فيه الفكر والنظرية حكرا على الحكام وخدمة لهم فقط، هذا الفكر التحرري الخالص، وإن ساهمت فيه آراء التحرر الليبرالي والبرجوازي ضد الإقطاع و اللاهوت، إلا أنها ظلت في حدود الحفاظ على جوهرها الأرستقراطي، فيما جاء البيان التاريخي لعام 1848، حاسما وفي شكل مركب، تحرري ثوري، يجعل الجوهر طبقيا والهدف اجتماعيا وشعبيا، لذا تشكل البنية الفوقية بكل حمولاتها مجالا هاما لاشتغال هذا التفكير النقيض للواقع، وهذا المركب الفوقي أساس حي لمنظومة اليسار، إن لم يكن المجال الحقيقي لاشتغالها، هذه البنية تأخذ شكلا اصطفافيا دون أولوية وبجدل لا متناهي بين عناصر هذا المركب، الإيديولوجية، الفكر، النظرية ثم الوعي، هذه الحلقات الفوقية وإن كانت واضحة في التصورات الكلاسيكية المجيبة على قضايا الصراع الطبقي في مجتمعات المركز الرأسمالي، فهي لا تجيب بما فيه الإمكانية عن إشكال الصراع ونمط الإنتاج، إذ الطبقة السائدة تبعية، حيث أن مقتضيات النضال السياسي المركزي لم تعد ذاتها بالتحديد في الواقع السياسي لدول الهامش، إلا أن منظومة المركب التحرري هذا لم تقف عاجزة، بل لقوتها المنهجية في التفاعل المادي مع واقعها، وانفتاحها على شعوب ومجتمعات بمحددات واقع آخر، جعل لزاما انبجاس العديد من القراءات لمسايرة التطور وإغناء فكر المجابهة، أي الاشتراكية بانفتاحها المادي على كافة نماذج التركيب الطبقي للمجتمعات البشرية.

إن اعتبار التمثل الحداثي للدولة بالمغرب إفراز لاصطدام صريح مع الغرب، توج بانهيار عصب الدولة التقليدية بصفة تامة عام 1912، لتعلن اتفاقية الحامية بداية فصول الإصلاحية الاستعماري، تنميطا على مقاس التبعية لتطورات الدولة بأوربا القومية، وكان من البديهي ألا تكون مثلها تماما، بل تقليد يستلزم التبعية والتحكم، مع التركيز على توظيف التراكمات التاريخية التي أراد لها الساسة الغربيون مقايضة مع المحليون الاستمرار، بناءا على مدى فعاليتها في تسهيل الغايات الاستعمارية، لتكتمل ملامح الحياة السياسية في المرحلة الكولونيالية والمؤسسة لحقبة ما بعد 1956، أي المرحلة النيوكولونيالية، والحقيقة، لم يكن أبدا اليسار الكلاسيكي ثوريا، وقد كانت أولى البدايات مع العمل النقابي، وتحديدا بخصوص الشيوعيين، فيما بقي المتعاطفون مع الفكر الاشتراكي من داخل الحركة الوطنية السلفية، وكلاهما بخاصية إصلاحية، منذ كانت الإقامة العامة، ليأتي مطلب الاستقلال عبر التفاوض والاتفاق، ليستمر الإصلاح نهجه ممغربا، من داخل بناء الدولة الحديثة، موازاة مع الانسلاخ الاتحادي ممثلا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في ظروف شكلت التعددية الحزبية أهم دوامة طوحت باليسار الكلاسيكي، منذ البداية في حكومة ممنوحة، سابقة على المؤسسة الدستورية، فتم حظر الحزب الشيوعي على عهدها، مما أفرغ اليسار التقليدي من كل جوهر إيديولوجي علمي، أو على الأقل كمشروع متكامل ومتحالف، وعقب تراكمات التجربة الدستورية الأولى، لإقامة أول حلقة من المسلسل الانتخابي بالمغرب، جاءت ردود الفعل على الجناحين الشيوعي والاشتراكي، بميلاد اليسار الجديد المغربي، منظمة "أ" عن الأول و"ب" عن الثاني، واستمر الجناح الجديد للإتحاد ممثلا في الحركة التصحيحية باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، محاولا إبراز الاشتراكية كإجابة لما بعد الوطنية، فإذا كانت المرحلة الأولى تميزت بآليات انتقال السلطة السياسية من المركز إلى الهامش عبر المطالب الإصلاحية (1930-1944)، ثم المرحلة المفضية إلى مطلب الاستقلال والتأسيس التنظيمي للحزب المغربي (1944-1956)، ومرحلة ترتيب الفاعلين، الأحزاب السياسية، وخصوصا ما يتعلق بالتنظيمات البدائية للمقاومة وجيش التحرير(1956-1961)، لفتح المجال أمام الأحزاب لتولي مهمة المشاركة من خلال لعبة اليمين واليسار، وتأسيس التجربة الدستورية التي حددت اللعبة بما هي مؤسساتية وسقفها الحكومي، مما كشف عن اضطرابات في الحركة اليسارية، والتي بدا عقبها البحث عن تحالفات المنشقين من ذات الجذر الاستقلالي ببعد الكتلة الوطنية، فيما كانت أنوية اليسار الجديد قد تشكلت بأساس دينامكي في ضل شروط عامة، لدرجة أن غدا يسارا لليسار الكلاسيكي، ولا يخلو من نزعة مغامرة تطورت في أجواء المحاولات الانكشارية، وتفاعلات داخلية وخارجية حادة، جاء الحصاد الشامل ليعزل هوة عميقة بين اليسار الإصلاحي وجناحه الراديكالي، فاكتملت الملامح العامة للحركة اليسارية بكل أبعادها الأساسية.

تشكل اليسار الجديد على المستوى المركزي فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت إحدى بؤر تخصيبه، وتتويجا للتقييم الذاتي لما بعد الستالينية في مناخ فشل الجيش الحمر أن يكون معبرا للوعي الطبقي، وانبلاج أفق التحرر الاشتراكي في دول الجنوب عقب الثورة الصينية، ونعت التجربة السوفيتية بالإمبريالية الاجتماعية، فهل يمكن أن تشكل الستالينية امتدادا للتجربة أم أن أساس التبرير بأوج الحربين والنزعة النازية، يمكن أن يعد المرحلة استجابة طبيعية؟ الشراسة النازية لن تندحر إلا أإمام قوات ستالينية من الشرق وقوات إمبريالية من الغرب، فلا شك أن لهذه التحالفات والتفاعل الدولي السياسي والإيديولوجي تأثير بالغ في إمكانية تحول جوهر أي سلطة سياسية تحت مبرر النزعات الممجدة للأمن القومي والوهم الوطني لتضخيم الاستبداد بمبرر الحروب والأمن،هذا التكاثف على مستويات عدة، يعقد ملاحقة الجوهر لتطور المنظومة الفكرية ذاتها، إذ ستصل ذروتها مع إعادة البناء كخلاص فاشل أمام الإمبريالية الرأسمالية، أو يكاد يكون إيقافا للنزيف، هذا المركز الاشتراكي لن يفقد يساره الجديد فحسب، بل تواصل بانعكاسات المحيط الدولي، فلا يمكن إغفال التوظيف القومي، والذي انعكس بشكل جلي مجتمعات الهامش، مما رسم عدة مناحي للوجوه السياسية لليسار الجيد. فالجذور تعود أساسا إلى المخاض الذي أحدثته ثورة 1917، من رجة وقراءة ميدانية للآفاق الجديدة للتحرر بعد أن ضلت الاشتراكية تطرق أبواب الثورة في الغرب، جاء الشرق لينينيا، فالاشتراكية العلمية أخذت وجودها الممارس في الشرق ببعد ماركسي- لينيني، وبكل الاتجاهات، ومع مجيء ستالين، وفي شروط الاشتراكية الوطنية التي هزمتها الحرب العالمية الثانية، ليؤسس المجتمع الدولي المعاصر، والذي أسست أولى بداياته، القراءات النظرية الجديدة في دول الشمال وتحديدا الماركسيين الجدد وقراءات غرامشي...، وبعد تنوع وممارسة في ظروف الحربين، كان لابد من تبلور رؤى جديدة، لكن أهم ما شد الانتباه في بداية التأسيس المعاصر، ما أحدثته أول ثورة يسارية في الجنوب، أي خارج المركز الغربي والتحالف الشرفي،أي دول الشمال عموما، هذه الطفرة أضاءت حلم العالم الثالث كما سمي، فجاءت الماوية، كنزعة يسارية جديدة، وأكثر إثارة لواقع العالم النامي، والمتقارب من حيث طبيعة التركيب الطبقي، ومع نضوج الحركات التحريرية في بحر تصفية الاستعمار المباشر، كانت نماذج عدة قد رسمت طريقها، فمن انتفاضات المثقفين والطليعة والشباب في الغرب، إلى حروب التحرير في أمريكا اللاتينية، وانقلابات العسكر في الجنوب...، امتدت خريطة اليسار فبين الاتجاهين الشيوعي والاشتراكي، الذين حكما تجربة اليسار الكلاسيكي، ستكون أرضية التحليل المادي قد تعمقت لتبلور الجنحة الأربع بعد تشكل اليسار الجديد على أرضية الإصلاح والثورة.

إن العلاقة بين الخطين الطبقي والوطني لم تكن دائما على درجة واحدة، بل ضلت الظروف السياسية تحكمه بين التصادم والتكامل، في غياب تحالف صارم وثقة تامة، إن هذا التعدد وإن كان مباحا في العادات السياسية الفرنسية، فإنه لم يكن مقبولا بمغرب الحماية إلا بالقدر الذي يتسلل منه الغزو الاستعماري، مستغلا تعددية غير مؤسسة استراتيجيا، فالوطني لا يبحث عن استقلال وطني، والشيوعي لا يبحث عن ثورة تحررية جذرية، لعل هذا ما سمح لهما بالوجود المتصارع والتعدد المتحالف، وكان التكتيكي نقطة التلاقي والتباعد، بشكل سهل وبدائي، لغياب أية إستراتيجية شاملة وثابتة، بل على الأقل واضحة وصريحة، هذا الغياب ضل سمة لم تفارق العمل الحزبي منذ النشأة وإلى غاية الآن، والمستقبل يضل مشرعا لكل الأسئلة...؟

فالبحث عن العلاقة بين الممارسة والتنظيم السياسيين، هو تأكيد للترابط واستحالة الفصل بين المضمون والفعل وكيفية التحويل، والإقرار بها يمهد فقط ولا يلغي، إذ لا يجيب عن طبيعة هذه العلاقة القائمة، ويمكن التأكد من صعوبة إيجاد وتحديد اتفاق من خلال الانعكاس الذي يقدمه تعدد وتنوع التجارب في هذا المجال، حتى إذا ما كان المنطلق الإيديولوجي هو ذاته، ويعود ذلك بصدد الفكر الاشتراكي، إلى طبيعته أولا، أي كفكر التناقض والتطور، كما يعود أيضا إلى طبيعته المادية التي تفرض عليه ضرورة الإجابة على واقع محدد، وهو ما يختلف من مجتمع لآخر وفقا لصيرورات التطور، فالأساس الإيديولوجي لا يمكن أن يجد التشابه والتطابق خارج المرجعية نفسها، فيما الممارسة السياسية قد تجد لها مثيلا خارج المرجعية الفكرية، أما بخصوص التنظيم فإنه في الجوهر انعكاس صريح لكل من الإيديولوجية والمهام والأهداف، وبالتالي يمكن القول بإمكانية وجود تشابه مع البنية والهيكل، لكن استحالة التشابه بخصوص كيفية تحريكها، أي على مستوى الدينامية نظرا لكون كل إيديولوجية وممارسة سياسية ديناميتها الخاصة بها، إذ لا تتحقق إلا بها، وهو ما يستلزم التفرد على هذا المستوى.

"لا نظرية ثورية دون ممارسة ثورية"، لهذه المقولة بداهة ما، تكاد تكون سحرية، إذ يعترف لها كل أنصار الفكر المادي، والمتمسكون بلا هوادة بالفكر العلمي تحديدا، ويشاركهم الموضوعيون والواقعيون والعقلانيون بعض ذلك، فبقواعد حسابية أولية تصير "لا نظرية علمية دون ممارسة علمية"، ألم يكن العلم جديرا بأن يكون معرفة منظمة؟ بل على العكس تماما، فالممارسة العلمية بما فيها مجموع القوانين التي تتغلغل في كل مكان، هذه القوانين، تتضافر لترسم معالم النظرية العلمية، وتمنحنا آفاق التنبؤ العلمي، هي ميزة الإنسان، إذ الاعتراف له بكينونته العاقلة، وهي التي شكلت مادته المعرفية، فالتحليل العلمي لا يمكن قيامه إلا بأدوات علمية، ولهذه الأسباب سيضل العلم ممارسة منظمة وستكون أدوات العلم ومناهجه تنظيما للممارسة العلمية، فأولى التأملات طرحت التطابق بين العقل والعلم، فالإنسان كائن عالم، بما فيه الفعل بدليل التطور، وقدرته العقلية على مجابهته الجدلية لواقعه الذي يعيشه ويطوره، مما يقابل النظرية بالعلم والفكر والتنظيم بالممارسة والواقع، فالحياة هي مجمل الممارسة لدى الإنسان في واقعه، بكل أبعادها وتفاعلاتها، إذ يصير التلازم وثيقا بين العقل والواقع، فالعودة إلى جذور الحكاية لإشكالية الفكر والواقع، والتي تختزل ببساطة المبدأ الأولي والبديهي كون التنظيم شرط الممارسة.

يشكل التنظيم السياسي الجسد الذي تتغلغل فيه كل قيم الفكر ويعكس جوهر مقولاته وغاياته، وبه تتحقق الأهداف، وتم يعد غريبا، بل ضرورة أن يكون للأداة التنظيمية موقع حجر الزاوية في البناء والفكر، وخاصة اليساريين، لكل موضوع منهجه، ولكل مجال آلياته، وتضل الأهداف موحدة بمستويات متكاملة بين اللحظة والأفق، وبما أن التنظيم استجابة لواقع متطور، لا بد أن يكون متفاعلا وبه، وهو ما يعني أن البحث في عمق هذه التنظيمات يلزمنا بالعودة إلى زمن النشأة وحيثياتها، ومتابعة المسار لمعرفة كيف تفاعل التنظيم في تعاطيه مع قضاياه القديمة والبديهية، والقضايا المستجدة والمتولدة من جراء التطور التاريخي، فلا غرابة إذن القول بكون نشأة الأحزاب والتيارات السياسية الأولى بالمغرب، كان نتيجة منابع خارجية بخصوص الحزب الشيوعي الذي سيبحث عن مغربته، وبتأثيرات، بل توجيهات مشرقية بخصوص أنوية النخب العاملة في التكتل الإصلاحي، السلفي، الوطني، وأكدته وصايا الجامعة العربية التي اشترطت إقصاء ومقاطعة الشيوعيين، مقابل الاعتراف لهم بصفة ملاحظ، إضافة إلى كون معظم الأطر اليسارية في عهد التأسيس، كانت قد تلقت تكوينا فرنسيا عصريا، وقد تبنت النزعة الجماهيرية والحديث باسمها، فيما كانت الرعية سواء هائمة في الجبال والقرى أو غارقة في الفكر اللاهوتي والأسطوري، وبذلك جاءت هذه التنظيمات الأولى ذات خصوصية ورغبة ذاتية لنخب ما، كانوا قد امتلكوا الوعي بأهمية العمل السياسي الذي يقربهم من السلطة السياسية، ويجبرها على إيجاد موقع لهم ولو كمخاطب شبه معارض يتم فيه اختزال باقي الشعب، ولعل هذا ما يفسر كون المنتوج الفكري والمكتوب عموما آنذاك، والذي وصل أوجه عبر العديد من الصحف والمجلات التي كان يغلب عليها طابع اللغة الفرنسية، مما يفيد كونه موجها للإقامة العامة دون الرعية الخاصة، وهو ما يؤكد كونها تنظيمات نخبوية معزولة منذ البداية تبحث عن الشرعية القانونية كمطلب تجاه الإقامة العامة، دون البحث عن المشروعية الشعبية والتي عادة ما يتم اللجوء إليها باسم الشرعية التاريخية والوطنية لغايات إيجاد متنفسات لأزمات هذه النخب، كما أن تاريخ الحركة اليسارية هو بالتحديد تاريخ أزمات الحركة اليسارية عموما، فلأنها فكر المجابهة والصراع من جهة موضوعية، فقد تعمقت الأزمة الذاتية بالمغرب، فبنزعة خارجية، وبطموح دون مشروعية شعبية وسند طبقي، وغياب إجابات واضحة على قضايا الصراع الطبقي الذي زاد من تعقده طبيعته المختلفة عن المركز إذ غلبت الشروط الاستعمارية في مناخ عالمي عام، وبالتالي فالأزمة منذ النشأة المحتشمة تضل مترابطة بين المستويين الإيديولوجي والتنظيمي والتي تجد لها انعكاسا كافيا لتوضيح عمقها من خلال التطور الانشقاقي لمساراتها السياسية بالمغرب وعجزها عن تحقيق ما ندعيه دون الرقي للمهام والأدوار التاريخية للحركة اليسارية.

لا داعي للتأكيد كون القوى اليسارية بقوة الذات والموضوع هي القوى الاشتراكية، وليس أبدا كما يحلم البعض بكون الصف اليساري يضم القوى الديمقراطية، كون اليسار يطمح لديمقراطية اشتراكية واضحة، وبالتالي لا يمكن ترك النعت الديمقراطي بمعناه الفضفاض دون تأكيد أية ديمقراطية؟ فالديمقراطية الليبرالية لا تفيد بتاتا في المنظومة اليسارية، إذ هي العدو النظري والإيديولوجي، والديمقراطية بلفظها الفج الأعزل، تفيد اللاموقف وهو أيضا ضد الوعي التقدمي، كما لو نطالب بتحالفات تحت ديماغوجية ديمقراطية أو وطنية، بين المستغل والمستغل، بين الكدح اليومي ورأس المال، فالتحالف علاقة يحكمها منطق القوة والحجم، والتوافق مجرد وهم ديماغوجي مضلل صرف، فالحديث عن الوحدة اليسارية ينبغي ألا يسير في خط التحالف، بل في أفق التأسيس للأداة التنظيمية لفكر الملكية الجماعية لثروات وخيرات البلاد ووسائل إنتاجها، والتي تستحق شرف الانتماء لأغلبية الشعب وقواه المنتجة، آنذاك يمكن البحث عن التحالف، فاليسار عموما جبهة، وبالضرورة أن يكون كذلك لقيادة التحالف الطبقي، وضمانة لحرية الرأي والإبداع شريطة الاحتكام للديمقراطية التنظيمية، ولا يمكن للعمل الجبهوي إلى أن يستلزم مركزية ديمقراطية، لضمان وحدة القرار وتعدد الأفكار، فالواقع السياسي المغربي يؤكد بجلاء أن لا غاية من هذا المطمح، بل مجرد تكرار لمهازل الانشقاقات وبرامج الحلم بالوحدة والتحالف، و التي غالبا ما يتم الترويج لها بغايات انتخابية محضة أو مخرج لأزمة الأوليغارشيات الحزبية، دون إيديولوجية واضحة، فكل هؤلاء القادة المعاصرون للأحزاب المرتبطة بالفكر الاشتراكي بالمغرب، نشِوا في ضل وحدة التجارب وتعدد التنظيمات، هم أبطال لانشقاقات، فكيف سيكونون أوهاما للوحدة؟ أمن غامر بتعدد نقابي لخدمة مصالح الانشقاق الحزبي، هو ذاته الذي سيوحده وسيرعى تطوره؟ أليس ما يطرح لحد الآن من خطابات حول القطب اليساري مجرد وهم يؤسس للإجابة على الأزمات الذاتية لهذه الأوليغارشيات الحزبية وزعمائها بعيدا كل البعد عن الإيديولوجية اليسارية؟ يبقى الجوهر أن التحالف الوحدوي يأتي تتويجا للتراكم وليس مجرد جواب على الفراغ.

إن الفكر والنظرية وما انعكس في تجارب اشتراكية، لم يكن أبدا ضد العمل البرلماني من حيث المبدأ، لكن المسألة تضل معلقة بما تحمله من نتائج وإمكانيات الفعل وآفاق التطور، كما أنها لا تلغي باقي الجبهات، إذ يتحول التنظيم إلى أداة انتخابية في صيغة لجان، دعوية عائمة، خارجة عن السياق التاريخي والموضوعي لليسار، وتصبح المسألة الانتخابية مطية للترقي الاجتماعي للنخب الحزبية القيادية محليا وقطريا، كما أن العلاقة تضل جدلية بين كل الجبهات التي يمارس فيها الصراع، فإذا كانت المؤسسة الانتخابية جزءا فقط من الواجهة السياسية، فهي لا تعوض وتغيب الواجهتين الإيديولوجية والسوسيو-اقتصادية، وبكل البعاد المادية والثقافية للمجتمع، واقع الصراع بعمقه الدولتي والدولي، فلا جبهة تلغي الأخرى، بل كل واحدة تضل على تماس في تطور القوة والحجم، إذ لا يكون التطور والتقدم إلا تضافريا، ويمكن الاحتفاظ بذات العلاقة بخصوص قضايا العلنية والسرية، فهي ازدواجية لازمة في نبض دائم، دينامكي جدلي في علاقته بواقع الصراع بكل فاعلية وتحديداته التكتيكية- المرحلية وآفاقه الإستراتيجية، يسير في خطه العفوي على إيقاع المد والجزر، ولا حاجة تلغي الأخرى مبدئيا، تماما كالازدواجية الشرعية القانونية مطلبا، والمشروعية الشعبية والطبقية التزاما.

إلى أي حد يمكن اعتبار الحركة اليسارية بالمغرب، حركة ذات أصول هجينة بشقيها الشيوعي والاشتراكي؟ إذ كلاهما نمت بذرته الأولى في أحضان وشروط، دون نضج الموضوع مع تضخيم للذوات، فالشيوعي بجذور فرنسية من ذات الجسم الاستعماري بعد أن كان نتاجا وصيرورة لمخططات التبعية، فكيف له التحرير؟ والاشتراكي منبعث من أحضان السلفية، التي طبعته بطفولة استقلالية شاهدة ومتفاوضة وموقعة من الاستعمار التقليدي والتأسيس للجديد، كما لو لم يكن فكرا واعيا، فكيف له التبرير؟ فالهجانة ترتسم واضحة من الوهلة الحاسمة للنشأة، زمن الميلاد وشروطه بمستويات الهوية والطبيعة، في تفاعل دائم وشرطي، الجذور الإيديولوجية والجذور الاجتماعية بمحددات فكرية سياسية وتنظيمية كنتاج جدلي للأصول الطبقية والاقتصادية تحديدا أو بشكل خاص، فبنزعة عدائية تمثل المستوى الإيديولوجي، بين الخطين على قوة التضاد الطبقي والوطني، فالشيوعي بشعاره الطبقي والطامح لهوية وطنية، مما أهله للسبق النقابي، فيما الاشتراكي وطني الشعار، حالم في أحضان السلفية الحديثة بنزعتها المشرقية الشيء الذي مكنه من توغل سياسي باحث عن وجود واع، وهذا ابعد الإيديولوجي بداهة يتضح انعكاسه السياسي بعد أن انفك السر الوطني عام 1956 وبداية الوعي الطفولي الاشتراكي بشكل صريح عام1959 لتظهر الحركة الاتحادية متوجة بحكومة ملغومة، حظرت الشيوعي، وهدمت بناءه كحزب، وتم تجميدها كحكومة عقب الإقالة المفاجئة ولنفس السباب والتهم الاشتراكية واليسارية والتركيز على التضاد مع البنية الدينية، وضلت الحركة اليسارية على ارتباك بعد نجاح الدولة في استخدام الفرملة لليسار بأجنحته اللاواعية، غاية انسلاخات اليسار الجديد بنزعته التصحيحية والراديكالية، لتوالي اللعبة متواصلة في انسلاخات تكاد تكون لقيطة، أدخلته في الدوامة الراهنة، مما يطرح تساؤلات، هل كل من انشق عن اليسار ويسار اليسار قد نتوسل إليه كي يعود للتحالف؟ أم أن اليسار موضوع مرتبط بواقع، ولن يكون إجابة علمية مادية إلا إذا كان ملتزما بالمشروعية التاريخية للحركة اليسارية التي ينتمي إليها والمشروعية الشعبية ممن يمثلهم؟.

إن البحث في الحالة الراهنة لا يمكنه إلا أن يكون علوا على التراكم التاريخي، والملاحظ عموما كما لو أن حلقة اليسار منغلقة، يسار كلاسيكي نشأ من ذات الحركة الوطنية، وجديد كان يسارا له، أو ردة فعل تجاهه، ويسير بخطوات نحو ذات السقف، بلل تزداد المهزلة بانشقاقات متتالية وتحالفات مهرولة، بتوجهات غامضة اقرب إلى شعارات انتخابية بليدة، فذلك التراوح بين الخطين الإصلاحي والجذري بحدوده اللفظية، لم يرق أبدا للمقومات التي يستلزمها القطع، وهو ما كان دائما ينتهي بالعودة إلى الخط الكلاسيكي وبنزعات شبه يمينية، أو البقاء منعزلا، كشبه طليعة لم تحدد مهامها سلفا، بقدر ما تبحث عنها في ضل تكتيك سياسي أكثر منه إستراتيجية إيديولوجية، أي ينتعش من محطات وأحداث ومواقف عوضا عن مبادئ ومستقبل وأفق ثوري بما له من حتمية تاريخية ودلالة علمية، ويصير الحل اعتقادا بضرورة التحالف لجمع الذات المشتتة تحت أسماء عدة، الاشتراكية، اليسارية، الوطنية، الديمقراطية والتقدمية...! هذا التراكم الكمي الذي قد يحققه التحالف اليساري الفضفاض لن يكون نوعيا لعدم إيجاده لمطالبه في ذاته، إذ لائحة الانتقادات للتجربة الحزبية بالمغرب كفيلة بإيضاح وفضح ذلك، فإلصاق جميع الأجنحة لا تصنع طائرا، ولا حتى فضاء للتحليق، بل مجرد مستودع لأعضاء الإعاقة السياسية بالمغرب التي عمقها داء التناسل الحزبي القيادي في التجربة اليسارية بالمغرب.

محسن بوشارب

(2005
[email protected]
[email protected]






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- واشنطن تعرب عن -قلقها العميق- حيال اعتقال السلطات الإيرانية ...
- محتجون في تعز يشيعون -كيس الدقيق-
- الولايات المتحدة تعرب عن قلقها العميق إزاء -القمع العنيف- ضد ...
- الولايات المتحدة تعرب عن قلقها العميق إزاء -القمع العنيف- ضد ...
- أحمد بيان// معذرة، للمجاملة حدود .. وقضية شعبنا فوق أي اعتبا ...
- مجدلاني برسالة للحزب الشيوعي العراقي: نتطلع لبناء علاقات ثنا ...
- شاهد: السياح يسارعون إلى مطار جوهانسبرغ بعد إعلان دول عدة تع ...
- س?رک?وتن ب? خ?باتي خو?ندکاراني زانک? و پ?يمانگاکان
- النصر لنضال طلاب الجامعات والمعاهد
- بوركينا فاسو.. الشرطة تفرق متظاهرين محتجين على عجز الحكومة ع ...


المزيد.....

- حول مُشكلة ثورة العصر الحجري الحديث في ضوء البيانات الأركيول ... / مالك ابوعليا
- بيان هام: جواز تلقيح أم إبادة جماعية / موقع 30 عشت
- رؤية وموقف حول مشروع الوحدة بين الحزبين الشقيقين:حزب العمل ا ... / غازي الصوراني
- مرحلة الثورة الاشتراكية وموعد اعلانها / حسقيل قوجمان
- كتاب: فهد والحركة الوطنية في العراق / كاظم حبيب
- حول استمرار الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا / الشرارة
- نقد روزا لوكسمبورغ للبلاشفة في السلطة / توني كليف
- ماركس .. هل كان على حق ؟ / رضا الظاهر
- العلوم الطبيعية المُعاصرة والنظرة العلمية الى العالم / مالك ابوعليا
- المنظمات الجماهيرية العمالية في ضوء فكر غرامشي / كمال عباس


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محسن بوشارب - التجربة اليسارية بالمغرب - مقاربة السؤال –