من ادّعاء الفضيلة إلى سُعار الجسد


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:31
المحور: قضايا ثقافية     

التطرف الديني والهوس الجنسي المقنّع بالخطاب الأخلاقي

ثمة مفارقة تستحق التأمل في الخطاب الذي تتبناه بعض التيارات الدينية المتشددة، وفي مقدمتها السلفيون وجماعة الإخوان المسلمين: مفارقة جماعة تُنصّب نفسها حارسة للأخلاق والفضيلة، وتمنح نفسها حق توزيع صكوك الطهر والعفة على المجتمع، بينما يتحول جسد المرأة في خطاب قطاعات من جمهورها إلى هاجس دائم، ومحور للاستنفار والتحريض والمراقبة والاتهام.
إن المشكلة هنا ليست في الدعوة إلى الاحتشام، ولا في اختلاف الناس حول الأزياء أو القيم الاجتماعية؛ فهذه أمور تدخل في نطاق الاختلاف الثقافي والشخصي. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الجسد الأنثوي إلى قضية مركزية تستحوذ على الخيال الجمعي، وتصبح المرأة مسؤولة عن ضبط غرائز الآخرين، وكأن الرجل كائن منزوع الإرادة، لا يُطلب منه التحكم في رغباته، بل يُطلب من المرأة أن تختفي أو تتوارى حتى لا تثيره!!
أي أخلاق هذه التي تجعل جسد المرأة مركز الكون، وتجعل الفضيلة مرادفاً للسيطرة عليه؟!!

أولاً: الفضيلة بوصفها ستاراً للوصاية

من أخطر ما أنتجه الخطاب الديني المؤدلج أنه أعاد تعريف الأخلاق باعتبارها منظومة من المظاهر الخارجية، بدلاً من كونها منظومة من القيم الإنسانية والسلوكية.
فأصبح طول الثوب، وشكل الشعر، وطريقة الكلام، ومقدار ما يظهر من الجسد، مؤشرات يجري من خلالها تقييم أخلاق المرأة، بينما تتراجع أسئلة أكثر أهمية: أين الصدق؟ أين الأمانة؟ أين احترام الإنسان؟ أين النزاهة؟ أين رفض الاستغلال والكذب والفساد؟ وأين احترام حرية الآخرين وكرامتهم؟
وهكذا تنقلب الأولويات؛ فبدلاً من أن يكون معيار الأخلاق هو سلوك الإنسان تجاه الآخرين، يصبح جسد المرأة هو ميدان المعركة الأخلاقية الكبرى.
والأخطر أن هذا الخطاب لا يكتفي بفرض تصوراته على أتباعه، بل يسعى أحياناً إلى تحويلها إلى قوانين اجتماعية، ومحاكم تفتيش شعبية، وسلطة رقابية على اختيارات الآخرين.

ثانياً: الرجل الذي لا يتحمل مسؤولية غرائزه

هناك خلل عميق في الثقافة التي تتعامل مع الرجل باعتباره ضحية دائمة لجسد المرأة.
فإذا رأى امرأة جميلة، أو شاهد مذيعة أنيقة، أو صادف امرأة ترتدي ما لا يتفق مع تصوره الشخصي للاحتشام، تحولت الواقعة في ذهنه إلى أزمة أخلاقية تستدعي التعليق والاتهام والتحريض.
لماذا؟
لماذا لا يُعامل الرجل باعتباره إنساناً عاقلاً مسؤولاً عن غرائزه وتصرفاته؟
لماذا تُحمّل المرأة مسؤولية الرغبة التي تتولد في ذهن الرجل؟
ولماذا يتحول مجرد ظهور المرأة إلى مادة للتقييم الجنسي والأخلاقي، حتى عندما تكون موجودة في سياق مهني أو ثقافي أو إعلامي لا علاقة له بالجنس؟
إن الإنسان المتحضر لا يطالب الآخرين بالاختفاء حتى يستطيع ضبط نفسه. إنه يتعلم احترام الآخرين، ويمارس حقه في الاختيار دون أن يحوّل اختياراته إلى قيود على المجتمع.
الفضيلة الحقيقية هي أن تمتلك زمام نفسك، لا أن تمتلك زمام أجساد الآخرين.

ثالثاً: من التدين إلى التشييء الجنسي

المفارقة الأكثر إيلاماً أن الخطاب الذي يرفع شعارات الطهر قد ينتهي، في بعض تجلياته، إلى تكريس النظرة الجنسية نفسها التي يدّعي محاربتها.
فعندما تصبح المرأة موضوعاً دائماً للتفتيش في جسدها، وعندما تُختزل إطلالتها الإعلامية إلى تفاصيل جسدية، وعندما تتعرض المذيعات والفنانات والنساء عموماً إلى سيل من التعليقات ذات المضامين الجنسية، فإننا نكون أمام ظاهرة تتجاوز مجرد الاختلاف حول الاحتشام.
إننا أمام اختزال للمرأة في جسدها، سواء جاء هذا الاختزال في صورة الإعجاب الشهواني أو الإدانة الأخلاقية.
والنتيجة واحدة: إزاحة المرأة من موقع الإنسان صاحب العقل والشخصية والموهبة والحقوق، إلى موقع الجسد الذي يحق للآخرين مراقبته وتقييمه وإصدار الأحكام عليه.
ليس من المعقول أن نطالب المجتمع بتحرير نفسه من الشهوة، بينما نغرقه طوال الوقت في الحديث عن جسد المرأة!!
وليس من المنطقي أن ندّعي مقاومة الإثارة الجنسية، بينما نجعل المرأة حاضرة في وعينا وخطابنا بوصفها موضوعاً جنسياً على الدوام.

رابعاً: هل أصاب المجتمع المصري هوس جماعي بجسد المرأة؟

تستحق الظاهرة التي نراها في بعض مساحات النقاش المصري وقفة جادة.
ففي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض المنابر الإعلامية، تتحول إطلالة امرأة إلى قضية عامة، وتصبح ملابسها ومظهرها وتفاصيل جسدها مادة لسجالات لا تنتهي.
وقد يتجاوز الأمر النقد إلى الإهانة والتحرش اللفظي والتشهير والتعليقات الجنسية الفجة.
إن تكرار هذه الظاهرة يطرح سؤالاً اجتماعياً وثقافياً مهماً: كيف أصبح جسد المرأة يستحوذ على هذا القدر من الاهتمام في مجتمع يواجه مشكلات اقتصادية وتعليمية وثقافية وسياسية أكثر إلحاحاً؟
لا يمكن تفسير الظاهرة بعامل واحد، ولا يصح اختزال المجتمع المصري كله فيها. لكن من الواضح أن هناك ثقافة ذكورية متراكمة، وخطابات دينية واجتماعية متشددة، وأنماطاً من التربية القائمة على الكبت والتمييز، ساهمت في تكوين بيئة تجعل المرأة موضع مراقبة مستمرة.
وحين يختلط الكبت بالجهل، وتضاف إليهما الوصاية الدينية والذكورية، يصبح جسد المرأة ساحة لتفريغ التوترات والعقد والمخاوف.
إنها ليست مجرد مشكلة في النظرة إلى المرأة، بل مشكلة في النظرة إلى الإنسان نفسه.

خامساً: الإخوان المسلمون ومفارقة الخطاب الأخلاقي

لا يمكن فهم جانب من هذه الظاهرة بمعزل عن تاريخ الخطاب الاجتماعي والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين، التي جعلت من الهوية الدينية والأخلاقية أحد المكونات الأساسية لمشروعها.
ففي هذا الخطاب، كثيراً ما يجري تقديم المجتمع باعتباره ساحة صراع بين الفضيلة والانحلال، ويُختزل الإصلاح أحياناً في المظاهر والسلوكيات الشخصية، بدلاً من بناء دولة القانون والمؤسسات، وترسيخ المواطنة المتساوية، وضمان الحريات، ومواجهة الفساد والاستبداد.
من حقنا أن نسائل التناقض بين ادعاء احتكار الفضيلة وبين إيديولوچيا وخطاب يثبت أنها تنتهك كرامة الإنسان أو تحقر من المرأة أو تتناقض مع المبادئ الأخلاقية المعلنة.
فالفضيلة لا تُقاس بالشعارات والسُعار والكبت الجنسي. ولا تمنح اللحية أو المظهر الديني أو الخطاب الوعظي حصانة أخلاقية لأحد.
من يطالب الناس بالعفة عليه أن يبدأ باحترام إنسانيتهم، ومن يدعو إلى الفضيلة لا يجوز له أن يجعل المرأة متهمة لمجرد أنها امرأة.

سادساً: المرأة ليست سبباً في انحراف الرجل

ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في القضية كلها.
المرأة ليست مسؤولة عن رغبات الرجل، ولا عن خيالاته، ولا عن عجزه عن ضبط سلوكه.
وليست مطالبة بأن تعيش وفق منظومة من القيود المتزايدة حتى يشعر الرجل بالطمأنينة تجاه غرائزه.
إنها إنسان كامل الأهلية، لها الحق في التعليم والعمل والإبداع والظهور الإعلامي والحياة العامة، ولها الحق في أن تختار مظهرها وفق قناعاتها، في إطار القانون وحقوق الآخرين.
والرجل الذي لا يستطيع التعامل مع المرأة باعتبارها إنساناً مستقلاً، لا باعتبارها موضوعاً لإثارته أو تهديداً لأخلاقه، يحتاج إلى مراجعة عميقة لمفهومه عن الرجولة والحرية والكرامة.
إن المجتمع الذي يحترم المرأة لا يكون بالضرورة مجتمعاً متحرراً من كل مشكلاته، لكنه يكون قد قطع خطوة أساسية نحو احترام الإنسان.

معركتنا ليست ضد الدين، بل ضد النفاق والوصاية

ليس المطلوب أن يتخلى المتدين عن تدينه، ولا أن يتخلى المجتمع عن قيمه، ولا أن تصبح الرغبات الفردية مبرراً لانتهاك حقوق الآخرين.
المطلوب ببساطة أن نعيد الأخلاق إلى معناها الإنساني. أن نفهم أن العفة مسؤولية شخصية، وليست سلطة على أجساد الآخرين.
أن ندرك أن احترام المرأة ليس تنازلاً عن الدين، وأن حرية الإنسان ليست مرادفاً للانحلال، وأن الأخلاق لا تُقاس بمقدار ما نغطيه من أجساد النساء، بل بمقدار ما نمتلكه من صدق وعدل ورحمة واحترام للآخر.
لقد آن الأوان لأن يتوقف المجتمع عن محاكمة المرأة على مظهرها، وأن يحاكم الإنسان على أفعاله.
وآن الأوان لأن نكف عن صناعة آلهة للفضيلة، بينما نغض الطرف عن أبسط مقتضياتها.
فليس أكثر إيلاماً من أن يتحول الدين إلى قناع للوصاية، والفضيلة إلى أداة للهيمنة، والمرأة إلى متهمة دائمة في محكمة الذكورة.
إن المجتمع الذي يختزل المرأة في جسدها، حتى وهو يزعم الدفاع عن طهارتها، لم يتحرر بعد من أسر النظرة الجنسية إليها.
والفضيلة التي تحتاج إلى إذلال المرأة كي تثبت وجودها، ليست فضيلة.