من المنظومات الفكرية المغلقة إلى عالم مرتهن بالتجربة والتخطئة
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 23:55
المحور:
قضايا ثقافية
العلم الحديث والوضعية المنطقية والبرجماتية في مواجهة الموروثات الفلسفية والعقائد الماورائية
لم يعد الإنسان الحديث يقف أمام الكون بالثقة المطلقة نفسها التي ميّزت كثيرًا من التصورات الفلسفية والعقائدية القديمة، حين كان يُعتقد أن العقل قادر على اكتشاف حقائق نهائية عن الوجود، أو أن وراء الظواهر نظامًا غائيًا ثابتًا يمكن للعقل البشري أن يحيط به إحاطة شبه كاملة. لقد أحدث العلم الحديث تحولًا عميقًا في علاقتنا بالحقيقة؛ فلم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت الفكرة صحيحة أم خاطئة، بل أصبح يشمل أيضًا: ما الأدلة التي تسندها؟ وما الشروط التي تجعلها قابلة للاختبار؟ وما الذي يمكن أن يدفعنا إلى مراجعتها أو التخلي عنها؟
إننا أمام تحول يتجاوز تطور المعارف العلمية إلى تغيير في صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه. فبدلًا من النظر إلى المعرفة باعتبارها امتلاكًا نهائيًا للحقيقة، أخذنا ننظر إليها باعتبارها عملية مستمرة من البحث والنقد والتصحيح، تتقدم من خلال اكتشاف أخطائها بقدر ما تتقدم من خلال اكتشافاتها الإيجابية.
وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة اتجاهات فكرية أسهمت، كل بطريقتها الخاصة، في إعادة النظر في مفهوم الحقيقة: العلم الحديث، والوضعية المنطقية، والبرجماتية. وعلى الرغم من الاختلافات العميقة بينها، فإنها تلتقي في مقاومة أشكال من اليقين الذي يتحصن ضد الاختبار والنقد، وفي إعادة الاعتبار إلى الدليل والخبرة والممارسة العملية.
لكن هذا التحول لا يعني أن الحقيقة أصبحت مستحيلة، ولا أن جميع الآراء متساوية، وإنما يعني أن الطريق إلى المعرفة لم يعد يمر عبر إعلان امتلاك الحقيقة المطلقة، بل عبر تقديم المبررات التي تجعل الاعتقاد بها معقولًا، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام المراجعة.
أولًا: من الحقيقة الموروثة إلى الحقيقة التي تخضع للاختبار
استمدت المجتمعات القديمة كثيرًا من تصوراتها عن الكون والإنسان من الموروث الديني والأسطوري، ومن أنظمة فلسفية افترضت وجود مبادئ ثابتة وراء تغير الظواهر. وقد تنوعت هذه التصورات بين القول بعالم من المثل المفارقة، والبحث عن جوهر ثابت للأشياء، وافتراض غايات نهائية تنتظم الطبيعة والتاريخ.
ولم تكن هذه الرؤى جميعًا متطابقة، كما لم تكن الفلسفة القديمة مجرد منظومة من الأوهام؛ فقد أنتجت أسئلة ومناهج عقلية أساسية ما زالت تؤثر في الفكر المعاصر. غير أن بعض أنظمتها المعرفية اتسم بالميل إلى بناء تصورات كلية عن الوجود، ثم تفسير الوقائع الجزئية في ضوئها.
وقد تغيّر هذا الوضع تدريجيًا مع نشوء العلم الحديث وتطور المنهج التجريبي والرياضيات والفيزياء. فلم يعد كافيًا أن تبدو الفكرة متماسكة داخل نسق فلسفي، أو أن تتوافق مع تقليد راسخ، كي تُقبل بوصفها وصفًا صحيحًا للطبيعة. أصبح من الضروري، في العلوم التجريبية، أن تتعرض الادعاءات ذات الصلة بالظواهر القابلة للرصد للاختبار، وأن تكون النتائج قابلة للفحص من جانب باحثين آخرين.
لقد غيّر هذا التحول طبيعة السلطة المعرفية. فبدلًا من أن تكون مكانة صاحب القول أو قدم الفكرة أو رسوخها الاجتماعي أساسًا لقبولها، أصبح السؤال عن الدليل الذي يسندها أكثر أهمية.
ومع ذلك، لم يتخلص الإنسان من الموروثات القديمة بمجرد ظهور العلم الحديث. فقد استمرت العقائد الماورائية والإيديولوجيات في التأثير في التفكير السياسي والاجتماعي والأخلاقي، كما استمرت بعض التصورات الفلسفية في التسلل إلى تفسير النتائج العلمية.
لذلك، لا ينبغي فهم تاريخ العلم باعتباره انتقالًا بسيطًا من الخرافة إلى العقل، بل باعتباره صراعًا طويلًا بين طرائق مختلفة في إنتاج المعرفة وتبرير الاعتقاد بها.
والفارق الأساسي أن العلم، حين يعمل وفق أفضل معاييره المنهجية، لا يمنح أي تصور حصانة دائمة لمجرد أنه يحظى بالقبول أو السلطة.
ثانيًا: الوضعية المنطقية ومحاولة رسم حدود المعنى
ظهرت الوضعية المنطقية في القرن العشرين بوصفها محاولة لتحديد ما الذي يجعل العبارة ذات معنى معرفي، وما الذي يميز القضايا العلمية من العبارات التي لا يمكن التحقق من مضمونها تجريبيًا.
وقد سعت جماعة فيينا، التي ارتبط بها هذا الاتجاه، إلى الجمع بين المنطق الحديث والتحليل اللغوي والتجربة العلمية، في مواجهة أنماط من الميتافيزيقا اعتقدت أنها تنتج مشكلات لا يمكن حسمها بالوسائل المعرفية المتاحة.
كان الرهان الأساسي هو أن كثيرًا من الخلافات الفلسفية قد تنشأ من استعمال اللغة بطريقة توهمنا بأننا نصف واقعًا محددًا، بينما لا نمتلك معايير واضحة لاختبار ما نقوله.
ومن هنا اكتسب مبدأ التحقق أهمية مركزية في الصياغات المبكرة للوضعية المنطقية. فقد حاول أنصارها ربط المعنى المعرفي للقضايا بإمكان التحقق من صدقها أو كذبها، أو ببيان العلاقة بينها وبين الخبرة الممكنة.
لكن هذا المبدأ واجه صعوبات كبيرة؛ إذ ليس من السهل اختزال جميع القضايا العلمية ذات المعنى في نتائج ملاحظة مباشرة. فالقوانين العامة، والكيانات النظرية، والاحتمالات، والفرضيات المتعلقة بأحداث لا نستطيع مشاهدتها مباشرة، تثير أسئلة معقدة حول العلاقة بين اللغة والتجربة.
كما أن مبدأ التحقق نفسه يواجه سؤالًا محرجًا: هل يمكن التحقق تجريبيًا من أنه معيار صالح لجميع القضايا ذات المعنى؟ وإذا لم يكن كذلك، فكيف يمكن تبرير سلطته من دون الوقوع في تناقض مع المعيار الذي يطرحه؟
لهذه الأسباب، تخلّى كثير من الفلاسفة عن الصيغ الصارمة للمبدأ، وتطورت فلسفة العلم في اتجاهات أكثر تنوعًا.
ومع ذلك، بقيت للوضعية المنطقية مساهمة مهمة: لقد دفعت الفلسفة إلى فحص لغتها، والتمييز بين الادعاءات التي يمكن تحديد مضمونها المعرفي والادعاءات التي تستخدم ألفاظًا كبرى من دون أن توضح الشروط التي يمكن بموجبها قبولها أو رفضها.
لم تكن النتيجة النهائية إلغاء الميتافيزيقا من التفكير الإنساني، بل جعل الادعاء المعرفي أكثر حاجة إلى التوضيح والتبرير.
وهنا يكمن التحول الجوهري: لم يعد مجرد القول بأن فكرة ما تعبّر عن حقيقة عميقة كافيًا؛ بل أصبح من الضروري أن نسأل عن معناها، ومسوغاتها، وحدود ما يمكن استنتاجه منها.
ثالثًا: البرجماتية والحقيقة بوصفها مرتبطة بالممارسة
إذا كانت الوضعية المنطقية قد ركزت على المعنى والاختبار، فإن البرجماتية أعادت النظر في علاقة الحقيقة بالفعل الإنساني وبالنتائج التي تترتب على الاعتقاد.
وقد ظهرت البرجماتية في الفلسفة الأمريكية مع تشارلز ساندرز بيرس وويليام جيمس، ثم اتخذت أشكالًا أخرى لدى جون ديوي.
لكن من الخطأ اختزال البرجماتية في القول إن كل ما ينفع الإنسان صحيح، أو إن نجاح الفكرة عمليًا يكفي لإثبات صدقها.
عند بيرس، يرتبط البحث عن الحقيقة بممارسة الاستقصاء وبإمكان تصحيح الاعتقادات في ضوء الأدلة. وكان اهتمامه منصبًا على منهج البحث الذي يستطيع، من حيث المبدأ، أن يتجاوز الاعتقادات الفردية والأهواء الشخصية.
أما ويليام جيمس، فقد تناول الحقيقة من زاوية ارتباطها بالخبرة وبما تحدثه الأفكار من فروق في حياة الإنسان، مع احتفاظ موقفه بتفاصيل فلسفية لا يمكن اختزالها في المنفعة المباشرة.
وجاء جون ديوي ليؤكد الطابع التجريبي للبحث الإنساني، ويربط المعرفة بحل المشكلات وإعادة تنظيم الخبرة، بحيث تصبح الأفكار أدوات قابلة للفحص والتطوير في سياق الممارسة.
وفق هذا المنظور، لا تكون المعرفة مجرد مرآة ساكنة للعالم، بل تدخل في علاقة متبادلة معه: نكوّن الفرضيات، ونختبرها، ونراقب النتائج، ثم نعيد بناء أفكارنا على ضوء ما نتعلمه.
ومع ذلك، لا تعني النتائج النافعة بالضرورة أن الاعتقاد صحيح من جميع الوجوه. فقد تنجح فكرة في تحقيق غرض قصير الأمد، ثم يتبين أنها مبنية على تفسير خاطئ. وقد يكون الاعتقاد مريحًا نفسيًا أو مفيدًا سياسيًا، لكنه لا يطابق الوقائع.
لذلك، فإن القيمة المعرفية للبرجماتية لا تكمن في تحويل المنفعة إلى معيار وحيد للحقيقة، بل في رفض فصل المعرفة عن عواقبها العملية، وإخضاع الأفكار لما تكشفه التجربة من نجاحات وإخفاقات.
إن الفكرة التي لا تتغير مهما تغيرت النتائج، والتي ترفض التعلم من خبرتها، تفقد أحد أهم مصادر قدرتها على التطور.
رابعًا: العلم الحديث لا يقدّم حقائق نهائية، لكنه لا يتخلى عن الحقيقة
هنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية: هل يعني تطور العلم وتصحيح نظرياته أن الحقائق لم تعد موجودة، أو أن كل ما نعرفه نسبي وقابل للتغيير بالدرجة نفسها؟
الإجابة هي: لا.
إن القول إن المعرفة العلمية قابلة للتصحيح لا يعني أن جميع المعارف متساوية في درجة الموثوقية، ولا أن الحقيقة مجرد وجهة نظر شخصية. فهناك فرق كبير بين الاعتقاد الذي يستند إلى أدلة متراكمة واختبارات مستقلة، والاعتقاد الذي يستند إلى الحدس أو التقليد أو الرغبة.
ولنأخذ مثالًا من الفيزياء.
لقد قدمت ميكانيكا نيوتن وصفًا بالغ النجاح لحركة الأجسام في نطاق واسع من الظروف. ثم جاءت النسبية، فأعادت النظر في مفاهيم المكان والزمان والجاذبية، وكشفت حدود التصور النيوتني، من دون أن تلغي نجاحه في الظروف التي يظل فيها تقريبًا بالغ الدقة.
كذلك أعادت ميكانيكا الكم تشكيل فهمنا للظواهر على المستوى الذري ودون الذري، حيث لا تنطبق بعض التصورات الكلاسيكية بالبساطة التي اعتدناها في حياتنا اليومية.
هل يعني ذلك أن نيوتن كان مخطئًا في كل شيء؟ بالطبع لا. وهل يعني أن النظرية الأحدث ستكون بالضرورة الكلمة الأخيرة في تاريخ الفيزياء؟ لا يوجد ما يضمن ذلك.
المغزى أن النظرية العلمية قد تكون صحيحة ضمن مجال محدد من التطبيق، ثم تكشف نظرية أوسع حدود ذلك المجال، وتقدم تفسيرًا أكثر شمولًا.
وهكذا، لا يعمل العلم وفق قاعدة بسيطة تقول إن كل نظرية جديدة تمحو القديمة بالكامل، بل من خلال إعادة تحديد نطاق صلاحية النظريات، والتمييز بين ما نجحت في تفسيره وما عجزت عن تفسيره.
وتكشف هذه العملية أن المعرفة العلمية ليست مجموعة من الأحكام النهائية المنعزلة، وإنما شبكة مترابطة من النظريات والأدلة والنماذج والتفسيرات، تخضع للمراجعة كلما ظهرت أسباب قوية لذلك.
إن العلم لا يعدنا باليقين المطلق، لكنه يمنحنا أدوات لتقليل الخطأ، وتحسين التفسير، والتمييز بين ما تدعمه الأدلة وما يتجاوزها.
وهذه ليست نقطة ضعف في العلم، بل أحد أهم أسباب قوته.
خامسًا: كارل بوبر وفكرة أن المعرفة تتقدم باكتشاف الخطأ
يقدم الفيلسوف كارل بوبر أحد أكثر التصورات تأثيرًا في فهم قابلية المعرفة العلمية للتصحيح.
فقد رفض أن تكون قابلية التحقق النهائي معيارًا كافيًا لتمييز العلم، وطرح بدلًا منها معيار القابلية للتكذيب، أو الدحض.
ومعنى ذلك أن النظرية العلمية ينبغي أن تسمح، من حيث المبدأ، بتحديد ملاحظات أو نتائج ممكنة يمكن أن تتعارض معها. فإذا صيغت النظرية بطريقة تجعل كل نتيجة متوافقة معها مهما حدث، فإنها تصبح محصنة ضد الاختبار، وتفقد بهذا المعنى خاصية أساسية من خصائص النظريات العلمية الجيدة.
لا يعني ذلك أن كل نظرية تُدحض بمجرد ظهور نتيجة مخالفة واحدة، لأن الاختبارات تعتمد أيضًا على أدوات القياس والافتراضات المساعدة وظروف التجربة. لكن المبدأ العام يظل مهمًا: لا ينبغي أن نبحث عن الأدلة المؤيدة وحدها، بل يجب أن نعرض أفكارنا أيضًا لاحتمال الخطأ.
إن العقل الذي يبحث عن التأكيد فقط قد يحول أي اعتقاد إلى منظومة مغلقة؛ أما العقل النقدي فيسأل: ما الذي يمكن أن يثبت أنني مخطئ؟
هذا السؤال البسيط يحمل نتائج فلسفية عميقة.
فبدلًا من أن تكون قوة الفكرة في قدرتها على تفسير كل شيء، تصبح قوتها مرتبطة أيضًا بوضوح ادعاءاتها، وبقدرتها على اجتياز اختبارات جادة، وباستعداد أصحابها للتخلي عنها أو تعديلها حين تتراكم الأدلة المناقضة لها.
وهنا يلتقي المنهج العلمي مع فضيلة فكرية وأخلاقية أساسية: التواضع المعرفي.
فالتواضع المعرفي لا يعني الشك في كل شيء، بل الاعتراف بأن ثقتنا في أي ادعاء ينبغي أن تتناسب مع قوة مبرراته، وأن مكانتنا الاجتماعية أو الفكرية لا تمنح أفكارنا حصانة من النقد.
سادسًا: هل ورث العلم الحديث الإيديولوجيات والعقائد الماورائية أم تجاوزها؟
ينبغي التعامل مع هذه المسألة بحذر؛ لأن القول إن العلم الحديث ورث الرؤى القديمة والإيديولوجيات والعقائد الماورائية قد يكون صحيحًا في بعض جوانبه، لكنه يصبح مضللًا إذا فُهم باعتباره وصفًا شاملًا لطبيعة العلم.
فالعلم الحديث لم ينشأ في فراغ تاريخي. لقد تطور داخل مجتمعات تحمل تصورات دينية وفلسفية وسياسية معينة، واستفاد من تراث رياضي وفلسفي سابق عليه. كما تأثر، في مراحل مختلفة، بالمصالح الاقتصادية والصراعات السياسية والمؤسسات التي احتضنته.
ولم يكن العلماء دائمًا متحررين من التحيزات الشخصية أو التصورات الموروثة. بل إن تاريخ العلم نفسه يقدم أمثلة على تأثير الافتراضات الثقافية والفلسفية في اختيار الأسئلة العلمية وفي تفسير النتائج.
لكن هذا لا يعني أن العلم مجرد إيديولوجيا مقنّعة.
فثمة فرق بين الافتراضات التي تساعد الباحث على صياغة سؤال علمي، والادعاءات التي يمكن اختبارها، وبين المعتقدات التي تُمنح حصانة مطلقة ضد أي دليل مناقض.
قد يتأثر العالم بخلفيته الفكرية، لكن نتائج التجارب لا يلزم أن تتوافق مع توقعاته. وقد يضع الباحث فرضية متأثرة بتصور فلسفي معين، ثم تكشف الأدلة أنها غير صحيحة.
ومن هنا تنبع أهمية المؤسسات العلمية، وتكرار التجارب، والمراجعة النقدية، وتعدد الباحثين، وشفافية الأدلة، رغم أن هذه الآليات لا تعمل دائمًا بصورة مثالية.
إن قوة العلم لا تكمن في أن العلماء بلا تحيزات، بل في امتلاك العلم وسائل، وإن كانت غير كاملة، للكشف عن بعض هذه التحيزات والحد من آثارها.
أما الإيديولوجيات المغلقة، فإنها تميل إلى تفسير الوقائع بطريقة تحمي مقدماتها الأساسية مهما تغيرت الظروف. وعندما تتحول العقيدة إلى معيار يقرر مسبقًا ما الذي يجوز أن نراه أو نقبله، فإنها تقلب العلاقة بين الاعتقاد والدليل: بدلًا من أن نعدل أفكارنا وفقًا لما نكتشفه، نعيد تأويل كل ما نكتشفه كي يظل متوافقًا مع أفكارنا.
وهذا هو الفارق الحاسم بين الاعتقاد الذي يظل مستعدًا للتعلم، والاعتقاد الذي يجعل من نفسه محكمة نهائية على الواقع.
سابعًا: الماورائيات ومشكلة ما يتجاوز حدود المعرفة العلمية
لا يعني تقدم العلم أن جميع الأسئلة الماورائية قد حُسمت، أو أن كل سؤال لا يمكن اختباره علميًا هو بالضرورة سؤال بلا معنى.
فهناك فرق بين الادعاء بوجود كيان أو قوة تؤثر في الظواهر الطبيعية بطريقة يمكن اختبارها، وبين السؤال الفلسفي عن معنى الوجود، أو طبيعة الوعي، أو أسس القيم، أو سبب التزامنا الأخلاقي.
إذا ادعى شخص أن قوة خفية تتدخل في حدث طبيعي بطريقة محددة، فإن هذا الادعاء قد يترتب عليه أثر يمكن البحث عنه علميًا، بحسب طبيعة الادعاء وإمكان اختباره.
أما السؤال عما إذا كان للوجود معنى نهائي، أو ما إذا كانت القيم الأخلاقية موضوعية، أو كيف ينبغي أن نعيش، فلا يمكن اختزال جميع أبعاده في تجربة مخبرية.
وهنا ينبغي تجنب خطأين متقابلين.
الأول هو الاعتقاد بأن كل سؤال فلسفي يمكن حسمه بالأدوات العلمية وحدها.
والثاني هو استخدام وجود أسئلة لا يحسمها العلم لتبرير أي ادعاء غيبي أو ميتافيزيقي، من دون تقديم حجج كافية.
فعدم قدرة العلم على الإجابة عن سؤال معين لا يشكل، في ذاته، دليلًا على صحة إجابة ميتافيزيقية محددة. كما أن غياب الدليل العلمي على قضية ما لا يكفي دائمًا لإثبات استحالتها؛ إذ يتوقف الأمر على طبيعة القضية وما إذا كانت تقدم ادعاءات يمكن اختبارها.
إن النضج الفكري يقتضي أن نعرف حدود كل أداة معرفية، وأن نمتنع عن تحويل حدود العلم إلى برهان على ما نرغب في إثباته، مثلما نمتنع عن تحويل نجاح العلم في مجال إلى ادعاء بأنه يستطيع وحده حسم جميع مسائل الوجود والقيمة.
ثامنًا: الحقيقة في عالم لا يكف عن التغير
إن العالم الذي نعيش فيه ليس صورة ساكنة، ولا نظامًا يمكن استنفاد أسراره مرة واحدة. فالكون يتطور، والكائنات الحية تتغير، والمجتمعات تعيد تشكيل نفسها، واللغات تتبدل، والأفكار التي نظنها راسخة قد تتعرض لمراجعات عميقة.
لكن علينا التمييز بين تغير الواقع وتغير معرفتنا بالواقع. فليس كل ما يتغير نسبيًا، وليس كل ما نجهله غير قابل للمعرفة، وليس كل ما نعرفه اليوم محكومًا بالزوال غدًا.
توجد وقائع مستقرة بدرجة عالية ضمن شروط محددة، كما توجد نظريات قوية تؤيدها أدلة متراكمة. وتوجد، في المقابل، مسائل ما زالت مفتوحة، وتفسيرات تتنافس، وأسئلة لم نمتلك بعد الأدوات الكافية لحسمها.
إن الاعتراف بهذه الفروق يسمح لنا بتجنب النسبية المطلقة التي تساوي بين جميع الآراء، كما يسمح لنا بتجنب الدوغمائية التي تتعامل مع كل اعتقاد موروث باعتباره حقيقة نهائية.
ولعل أهم ما يميز العقل العلمي ليس أنه لا يؤمن بشيء، بل أنه يميز بين درجات الثقة، وبين الاعتقاد المؤقت والحكم المدعوم بقوة، وبين ما نعرفه وما نرجح صحته وما لا نملك بشأنه معرفة كافية.
إن قابلية التصحيح لا تعني أن المعرفة بلا أساس، بل تعني أن الأساس نفسه يجب أن يظل قابلًا للفحص.
وهذا يفرض علينا أن نتخلى عن وهم العصمة، لا عن إمكان الحقيقة؛ وأن نراجع يقيننا، لا أن نتخلى عن العقل؛ وأن نقبل عدم اكتمال معرفتنا، لا أن نستسلم للجهل.
تاسعًا: من نقد الحقيقة المطلقة إلى نقد السلطة
لا تتوقف آثار هذا التحول عند المختبرات والجامعات، بل تمتد إلى السياسة والدين والأخلاق والعلاقات الاجتماعية.
فحين يعتقد شخص أو جماعة أنها تمتلك الحقيقة النهائية، فقد يتحول الاختلاف معها من خلاف حول الأفكار إلى تهديد للهوية أو خروج عن الجماعة أو تمرد على السلطة.
وفي هذه الحالة، لا يعود الاعتراض دعوة إلى تقديم دليل أفضل، بل يصبح فعلًا يستوجب الإدانة أو الإقصاء.
وقد استخدمت سلطات مختلفة، عبر التاريخ، ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة لتبرير فرض رؤيتها على الآخرين. ولم يكن الخطر في مجرد امتلاك اعتقاد قوي، بل في تحويل هذا الاعتقاد إلى سلطة لا تقبل المساءلة.
من هنا تكتسب قابلية التصحيح بعدًا سياسيًا وأخلاقيًا.
فالمجتمع الذي يسمح بمراجعة الأفكار والقرارات، ويعترف بحق الاختلاف، ويتيح نقد المؤسسات، يفتح المجال أمام تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث عامة.
أما المجتمع الذي يربط صحة الفكرة بمكانة صاحبها، أو يساوي بين نقد السلطة والخيانة، فإنه يضعف قدرته على التعلم، ويجعل الخطأ أكثر قابلية للاستمرار.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين القابلية للتصحيح وبين التردد الدائم أو العجز عن اتخاذ القرار. فالحياة السياسية والأخلاقية تفرض علينا أن نختار ونتصرف، حتى عندما لا نمتلك يقينًا كاملًا.
والمطلوب ليس تعليق الأحكام إلى الأبد، بل اتخاذ قرارات تستند إلى أفضل الأدلة المتاحة، مع الاستعداد لمراجعتها حين تظهر أسباب وجيهة لذلك.
إن الاعتراف بإمكان الخطأ لا يهدم المسؤولية؛ بل يجعلها أكثر جدية، لأن من يتخذ قرارًا وهو يعلم أنه قد يخطئ يصبح مطالبًا بمتابعة نتائجه وتصحيح أضراره.
عاشرًا: هل نحتاج إلى حقيقة مطلقة كي نعيش حياة ذات معنى؟
قد يثير هذا التصور سؤالًا وجوديًا: إذا لم نمتلك حقائق نهائية عن كل شيء، فعلى أي أساس نبني حياتنا؟ وإذا كانت معرفتنا قابلة للتصحيح، فهل تصبح القيم والأهداف والاختيارات مجرد أمور نسبية لا أساس لها؟
إن هذا الاستنتاج لا يلزم منطقيًا من قابلية المعرفة للمراجعة.
فقد نمتلك أسبابًا قوية لتفضيل العدالة على الظلم، وتقليل المعاناة على زيادتها، والصدق على التضليل، حتى لو اختلف الفلاسفة في الأسس النهائية التي تبرر هذه القيم.
كما أن عدم الاتفاق على تفسير نهائي للوجود لا يمنعنا من بناء معارف مشتركة عن العالم، أو تطوير قواعد أخلاقية ومؤسسات سياسية نستطيع نقدها وتحسينها.
إن الإنسان لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك إجابة نهائية عن معنى الكون كي يمنح حياته معنى، ولا يحتاج إلى يقين مطلق كي يتحمل مسؤولية أفعاله.
بل ربما تكون إحدى علامات النضج الإنساني أن نتعلم كيف نعيش ونتعاون ونتحمل المسؤولية في ظل معرفة غير مكتملة.
فالاعتراف بحدود معرفتنا لا يفرض علينا العدمية، كما أن رفض الحقيقة المطلقة لا يفرض علينا إنكار كل حقيقة.
إن بين اليقين النهائي والشك الشامل مساحة واسعة من المعرفة المعقولة، والحجج القابلة للفحص، والقيم التي يمكن الدفاع عنها، والاختيارات التي نستطيع تحمل مسؤوليتها.
وفي هذه المساحة تحديدًا يمكن للعقل أن يعمل من دون أن يدعي العصمة، وللإنسان أن يختار من دون أن يزعم امتلاك إجابة نهائية عن جميع أسئلة الوجود.
خاتمة: الحقيقة ليست ملكية نهائية، بل أفق للبحث
لقد أسهم العلم الحديث، والوضعية المنطقية، والبرجماتية، إلى جانب اتجاهات أخرى في الفلسفة المعاصرة، في زعزعة التصور الذي يجعل المعرفة امتلاكًا نهائيًا لحقيقة مكتملة. وقد أظهر تاريخ العلم أن النظريات تتطور، وأن المفاهيم تتغير، وأن التفسيرات التي تبدو راسخة قد تكشف حدودها عندما تظهر أدلة جديدة أو أدوات أكثر دقة.
لكن هذا التحول لا ينبغي أن يقودنا إلى الاعتقاد بأن الحقيقة مجرد اختراع لغوي، أو أن كل الآراء متساوية، أو أن نجاح الفكرة في خدمة مصلحة معينة يجعلها صحيحة.
إن ما تغير ليس بالضرورة وجود الحقيقة، بل تصورنا لطريقة الوصول إليها، ولدرجة الثقة التي نستطيع منحها لأحكامنا، وللحدود التي ينبغي أن نعترف بها في معرفتنا.
لقد أصبحنا أكثر وعيًا بالفارق بين الحقيقة والاعتقاد بالحقيقة، وبين قوة الدليل وسلطة من يقدمه، وبين ما نعرفه بالفعل وما نرغب في أن يكون صحيحًا.
ولعل الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من هذا التحول هو أن العقل لا يبلغ أرقى درجاته عندما يعلن انتهاء البحث، بل عندما يطور الأدوات التي تسمح له بمراجعة نتائجه، واكتشاف أخطائه، والتمييز بين ما يستحق التصديق وما لا يستحقه.
فالحقيقة ليست ملكية يمنحها التاريخ لجماعة، أو تحتكرها عقيدة، أو يضمنها فيلسوف لنظامه الفكري إلى الأبد. إنها، في مجال المعرفة الإنسانية، غاية نسعى إليها من خلال البحث والنقد والاختبار، من دون أن نملك ضمانًا بأننا سنحيط بها إحاطة كاملة.
إن العقل الذي يرفض تصحيح نفسه يحوّل المعرفة إلى عقيدة، أما العقل الذي يقبل المراجعة فيحوّل جهله إلى نقطة انطلاق نحو معرفة أفضل.
وفي عالم لا يكف عن التغير، ليست القوة في أن نمتلك جوابًا نهائيًا عن كل سؤال، بل في أن نعرف كيف نبحث عن الأجوبة، وكيف نختبرها، وكيف نتخلى عنها عندما يتبين أنها لم تعد تصمد أمام الأدلة.
فربما لا يكون نقيض الحقيقة هو الخطأ وحده، بل أيضًا ذلك اليقين الذي يمنعنا من اكتشاف الخطأ.
وربما لا تكون أعظم فضائل العقل أن يقول: «لقد عرفت»، بل أن يضيف دائمًا: «وهذه هي الأسباب التي تجعلني أعتقد أنني عرفت، وهذه هي الشروط التي قد تدفعني إلى مراجعة ما أعرفه».
هنا تتحول المعرفة من سلطة مغلقة إلى ممارسة حرة، ومن ميراث يُفرض علينا إلى جهد نشارك فيه، ومن يقين يخشى السؤال إلى عقل يرى في السؤال شرطًا لاستمرار الحياة الفكرية.
فليس المطلوب أن نتخلى عن الحقيقة، بل أن نتخلى عن ادعاء امتلاكها امتلاكًا نهائيًا؛ وليس المطلوب أن نشك في كل شيء، بل أن نمنح كل اعتقاد مقدار الثقة الذي تستحقه أدلته، وأن نحتفظ بالشجاعة الفكرية اللازمة لتصحيحه حين تتغير معرفتنا بالعالم.