ارتباط مصير شعب بقرار سلطان


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 23:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

"أراها من قبيل الغفلة أن تنتظر من حاكمٍ لشعبٍ داعشي الهوى والهوية أن يسير بالبلاد ضد طبيعة شعبه، وأن تتوقع له النجاح إن حاول ذلك."

هي مأساة سياسية وفكرية تتكرر في كثير من المجتمعات التي اختلط فيها الدين بالسياسة، والعقيدة بالهوية، والتراث بالعنف.
فالحاكم ليس ساحرًا يغيّر طبائع الناس بإشارة منه، ولا مهندسًا يعيد تشكيل المجتمع كما يعيد تشكيل قطعة معدنية. الحاكم، في النهاية، نتاجٌ للتربة التي نبت فيها، وأسيرٌ للثقافة التي شكّلته، ومحدودٌ بما تسمح به بنية مجتمعه العميقة.
طبيعة الشعوب ليست مجرد عادات
حين نقول إن شعبًا ما يحمل هوى داعشيًا، فإننا لا نتحدث عن مجرد ميل عابر أو حماسة مؤقتة. نتحدث عن منظومة قيم ورؤية للعالم تغلغلت في الوجدان الجمعي عبر عقود، وأحيانًا قرون. منظومة ترى في القوة وسيلة مشروعة، وفي الغلبة حقًا، وفي الاختلاف تهديدًا، وفي الدولة أداة لفرض تصور ديني أو أيديولوجي ضيق. هذه المنظومة لا تُمحى بمرسوم رئاسي، ولا تُصلح بخطاب تلفزيوني، ولا تُهزم بانتخابات نزيهة فقط.
الشعوب التي ترسخت فيها مثل هذه الهوية لا ترفض الإصلاح لأنها تكره التقدم، بل لأنها ترى في الإصلاح خيانة لما تعتبره جوهر وجودها. الحاكم الذي يحاول السير عكس هذا التيار يجد نفسه أمام مقاومة صامتة أولًا، ثم صاخبة، ثم عنيفة. وحتى لو امتلك الإرادة والإمكانيات، فإنه غالبًا ما يضطر إلى التراجع أو المساومة أو السقوط.
وهم الحاكم المخلص
كثير من المثقفين والسياسيين يقعون في فخ الاعتقاد بأن وجود حاكم «مستنير» أو «وطني» كافٍ لإنقاذ البلاد. يتوهمون أن المشكلة محصورة في شخص الحاكم، فإذا جاء من يفهم ويحسن النية، انحلت العقد. هذا وهم خطير. الحاكم الذي يحكم شعبًا يحمل هوى داعشيًا يجد نفسه محاصرًا بين خيارين أحلاهما مر:
• أن يساير هذا الهوى فيضمن بقاءه، لكنه يخسر أي أمل في بناء دولة حديثة.
• أو أن يقاومه فيخسر شعبيته وأدواته، وربما حياته السياسية أو الجسدية.
والتاريخ مليء بأمثلة على حكام حاولوا، بحسن نية أو بسوء نية، أن يفرضوا على مجتمعاتهم قيمًا تناقض بنيتها العميقة، فانتهوا إما إلى الاستبداد المفرط أو إلى الانهيار.
المسؤولية ليست فردية فقط
المشكلة ليست في الحاكم وحده. المشكلة أعمق. إنها في الثقافة التي تنتج مثل هذا الحاكم، وفي النخب التي تبرر أو تسكت، وفي الشارع الذي يحتفي بالخطاب الأكثر تطرفًا لأنه يبدو «أصيلًا» و«مبدئيًا». حين يصبح التطرف هو المعيار الأخلاقي الأعلى، يصبح أي حديث عن دولة القانون أو المواطنة أو فصل الدين عن السياسة ضربًا من الهرطقة.
لذلك فإن انتظار معجزة من حاكم واحد هو ضرب من الغفلة. المعجزة الحقيقية، إن كانت ممكنة، تبدأ من إعادة بناء الوعي الجمعي، ومن مواجهة الأسئلة الصعبة حول الهوية والتراث والدين والسياسة بلا خوف ولا مجاملة. وهذا عمل أجيال، لا عمل فرد.
خاتمة
الحاكم الذي يحاول أن يقود شعبًا ضد طبيعته يشبه من يحاول أن يزرع القمح في أرض ملحية. قد يبذل جهدًا هائلًا، وقد ينجح لموسم أو موسمين، لكنه في النهاية سيكتشف أن الأرض أقوى منه. والأذكى من ذلك أن يعترف بالحقيقة مبكرًا: لا إصلاح حقيقي بدون تغيير في طبيعة التربة نفسها.