فن المجابهة وتأويل الحرب عند اتيان باليبار بين العولمي والمحلي، مقاربة راهنة


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 21:26
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر     

مقدمة
تُشكّل مسألة الحرب والمجابهة أحد أبرز التحديات النظرية والعملية التي تواجه الفكر الماركسي المعاصر، خاصة في ظل التحولات الجذرية التي أدخلتها العولمة على طبيعة الصراع والسيادة والعنف. وفي هذا السياق يبرز إتيان باليبار الذي ولد في 23 أبريل 1942 بوصفه أحد أهم الفلاسفة الماركسيين الذين أعادوا صياغة أدوات التحليل الماركسي لمواجهة واقع يتجاوز التقسيمات التقليدية بين الدولة والأمة والطبقة. فالحرب عنده ليست حدثًا استثنائيًّا يقع خارج السياسة، ولا مجرد استمرار للسياسة بوسائل أخرى كما في الصيغة الكلاسيكية، بل هي ظاهرة متغلغلة في نسيج الاجتماعي نفسه، تتجلى في أشكال متعددة تتراوح بين العنف المسلح المباشر والعنف البنيوي والرمزي الذي يُمارس عبر الحدود والمؤسسات والأسواق. حول هذه المشاكل ينطلق باليبار من قراءة نقدية مجددة للتراث الماركسي، لكنه لا يتوقف عند استعادة النصوص الكلاسيكية، بل يدفع بالمفاهيم الماركسية إلى حقل جديد يفرضه الواقع الراهن: واقع الحروب غير المتكافئة، والصراعات الهجينة، والعنف الحدودي، والتمردات المحلية التي تتقاطع مع ديناميات عالمية. وفي قلب هذا المشروع يظهر مفهوم «فن المجابهة» بوصفه محاولة لفهم كيفية تشكل أشكال المقاومة والصراع في فضاء يتسم بالتداخل الشديد بين المحلي والعولمي. فالمجابهة لم تعد محصورة في الميدان العسكري أو في الصراع الطبقي المباشر داخل حدود الدولة القومية، بل أصبحت فنًّا معقدًا يمارس على مستويات متعددة: اقتصادية وثقافية وقانونية وحدودية، وتتطلب تأويلاً فلسفيًّا قادرًا على الإمساك بجدليتها. لذلك تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف هذا المشروع في مستوياته المترابطة: تأويل باليبار للحرب بوصفها ظاهرة سياسية واجتماعية معاصرة، وصياغة مفهوم فن المجابهة في ضوء التحولات الطبقية والعولمية، وتحليل الجدلية بين المحلي والعولمي بوصفها الإطار الذي تتشكل فيه أشكال العنف والمقاومة معًا. ومن خلال ذلك نهدف إلى إبراز كيف يقدم باليبار مقاربة ماركسية راهنة لا تكتفي بتشخيص الأزمة، بل تفتح أفقًا لإعادة التفكير في إمكانات التحرر في عصر تتداخل فيه الحدود وتتشابك فيه أشكال السلطة. فما المقصود بالحرب عند باليبار؟ وكيف تعامل مع جدلية المحلي والكوني؟ وماهي قراءته للفلسفة الماركسية؟ والى أي مدى جعلها نظرية ناقدة للتوحش العولمي؟
أولاً: تأويل الحرب – من الاستمرارية السياسية إلى التغلغل الاجتماعي
تبدأ باليبار تأويله للحرب بنقد مزدوج: نقد للتصور الليبرالي الذي يرى في الحرب انحرافًا عن الحالة الطبيعية للسلم المدني، ونقد للتصور الماركسي التقليدي الذي غالبًا ما اختزل الحرب في صراع بين دول رأسمالية أو في أداة للصراع الطبقي. فالحرب عنده ليست مجرد أداة في يد الدولة أو الطبقة الحاكمة، بل هي شكل من أشكال العلاقة الاجتماعية التي تعيد إنتاج نفسها داخل المجتمع وخارجه. إنها ليست استثناءً، بل هي أحد أنماط وجود السياسي نفسه في ظروف معينة. يستعيد باليبار، في هذا الإطار، بعض الإشارات الماركسية الكلاسيكية حول العلاقة بين الحرب والثورة، لكنه يعيد صياغتها في ضوء التحولات الراهنة. فماركس وإنجلز رأيا في الحروب الأوروبية إمكانات لتسريع الأزمة الثورية، لكنهما ظلا مرتبطين إلى حد كبير بصورة الحرب بين الدول. أما باليبار فيرى أن الحروب المعاصرة قد تجاوزت هذا الإطار. فالحرب لم تعد بالضرورة مواجهة بين جيوش نظامية داخل حدود واضحة، بل أصبحت شبكة من العنف المتعدد المستويات: حروب أهلية مدولة، عمليات أمنية عابرة للحدود، عنف اقتصادي يُمارس عبر العقوبات والحصار، وعنف حدودي يُمارس على أجساد المهاجرين واللاجئين. هذا التحول يجعل من الحرب ظاهرة «اجتماعية كلية». فهي لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تتغلغل في الحياة اليومية عبر آليات الأمننة، والمراقبة، وإنتاج الخوف، وإعادة تشكيل الهويات. الحرب، بهذا المعنى، ليست فقط ما يحدث «هناك» في مناطق النزاع، بل ما يحدث «هنا» أيضًا في المدن والمخيمات والمطارات والحدود الرقمية. إنها تنتج أشكالًا جديدة من الذاتية: ذات الخائف، وذات المستبعد، وذات المقاوم، وذات المتواطئ. ومن ثم يصبح تأويل الحرب تأويلاً للسياسة ذاتها في عصر العولمة. يؤكد باليبار أن هذا التغلغل الاجتماعي للحرب يفرض إعادة التفكير في مفهوم السيادة. فالسيادة التقليدية كانت تفترض القدرة على احتكار العنف المشروع داخل حدود معينة. أما اليوم فالعنف يتوزع بين فاعلين متعددين: دول، شركات أمنية خاصة، ميليشيات، منظمات دولية، شبكات إرهابية، وحركات مقاومة. هذا التوزع لا يعني اختفاء الدولة، بل تحولها إلى أحد الفاعلين ضمن شبكة معقدة من السلطة والعنف. ومن هنا تظهر أهمية مفهوم «الحدود» عند باليبار، ليس بوصفها خطوطًا جغرافية فحسب، بل بوصفها مواقع لإنتاج العنف وإدارته وإعادة توزيعه.
ثانيًا: فن المجابهة – من الصراع الطبقي إلى أشكال المقاومة المتعددة
في مواجهة هذا الواقع يطور باليبار مفهومًا مركزيًّا يمكن أن نسميه «فن المجابهة». والمجابهة هنا ليست مرادفة للعنف المسلح بالضرورة، بل هي القدرة على مواجهة أشكال السلطة والعنف في شروطها الراهنة. إنها فن بمعنى أنها تتطلب معرفة دقيقة بطبيعة الخصم، وبموازين القوى، وبإمكانات الفعل في فضاء معقد ومتحول. وهذا الفن لا يُختزل في استراتيجية عسكرية أو سياسية تقليدية، بل يشمل أبعادًا رمزية وقانونية واقتصادية وثقافية. ينطلق باليبار من الإرث الماركسي في الصراع الطبقي، لكنه يرفض اختزاله في صورة واحدة ثابتة. فالصراع الطبقي لم يختفِ، لكنه تشتت وتعدد بفعل التحولات في بنية الرأسمالية العالمية. الطبقة العاملة التقليدية لم تعد الفاعل الوحيد أو الرئيسي في كثير من السياقات، وظهرت أشكال جديدة من الاستغلال والتهميش مرتبطة بالعمل الهش، وبالهجرة، وبإنتاج الفائض السكاني، وبالاستخراجية الجديدة. ومن ثم فإن فن المجابهة يتطلب الاعتراف بهذا التعدد، وبناء تحالفات عابرة للحدود التقليدية بين العمال والمهاجرين والنساء والفئات المستبعدة.
يتميز فن المجابهة عند باليبار بثلاث سمات أساسية. السمة الأولى هي الإدراك العميق لجدلية المحلي والعولمي. فأي مجابهة محلية اليوم تتأثر مباشرة بالديناميات العالمية، وأي مقاومة عالمية تحتاج إلى تجذر محلي حتى لا تبقى مجرد شعار. السمة الثانية هي الوعي بطبيعة العنف المعاصر الذي لم يعد واضح المعالم دائمًا. فالمجابهة قد تكون ضد عنف مباشر مرئي، أو ضد عنف بنيوي غير مرئي يُمارس عبر القوانين والأسواق والمؤسسات. السمة الثالثة هي الحاجة إلى ابتكار أشكال جديدة من الفعل السياسي تتجاوز الثنائيات التقليدية بين الإصلاح والثورة، أو بين العنف واللاعنف. فالمجابهة قد تأخذ شكل العصيان المدني، أو احتلال الفضاء العام، أو بناء مؤسسات بديلة، أو مقاومة قانونية، أو تحالفات عابرة للقوميات. بهذا المعنى يصبح فن المجابهة ممارسة سياسية تتطلب تفكيرًا استراتيجيًّا وأخلاقيًّا معًا. فهو لا يكتفي برفض النظام القائم، بل يسعى إلى فهم نقاط ضعفه وإمكانات تحويله. وهذا ما يجعل من المجابهة فنًّا لا مجرد رد فعل عفوي. إنها تتطلب قدرة على القراءة الدقيقة للواقع، وعلى بناء الذات الجماعية القادرة على الاستمرار، وعلى تجنب الوقوع في فخاخ العنف الذي يعيد إنتاج ما يقاومه.
ثالثًا: بين العولمي والمحلي – جدلية الحدود والعنف والسيادة
يشكل التوتر بين العولمي والمحلي الإطار النظري الأساسي الذي يتحرك فيه باليبار. فالعولمة لم تلغِ المحلي، بل أعادت تشكيله. والمحلي لم يعد فضاءً مغلقًا أو أصيلاً، بل أصبح نقطة تقاطع لقوى عالمية. وفي هذا التقاطع تتشكل أشكال جديدة من الحرب والمجابهة. يرى باليبار أن الحدود أصبحت الموقع النموذجي لهذا التقاطع. فالحدود ليست مجرد خطوط تفصل بين الدول، بل هي أجهزة لإنتاج الاختلاف وإدارة الحركة وفرز الأجساد. إنها مواقع يُمارس فيها عنف يومي منظم: عنف قانوني يتمثل في الحرمان من الحقوق، وعنف مادي يتمثل في الصد والترحيل والاحتجاز، وعنف رمزي يتمثل في وصم المهاجر واللاجئ بوصفهما تهديدًا. ومن هنا فإن الحرب لم تعد تقع فقط في ساحات المعارك البعيدة، بل في هذه المناطق الحدية التي تتوزع داخل المدن وفي أطرافها وعلى خطوط التماس بين الشمال والجنوب.
في الوقت نفسه، لا يرى باليبار في العولمة مجرد قوة قاهرة تلغي الفعل المحلي. فالمحلي يظل فضاءً لإمكانات المقاومة والابتكار السياسي. الحركات الاجتماعية التي تنشأ في سياقات محلية محددة غالبًا ما تحمل في داخلها أبعادًا عالمية، سواء من خلال الشعارات أو التحالفات أو تأثيرها الرمزي. والعكس صحيح أيضًا: فالحركات ذات الطابع العالمي تحتاج إلى تجسد محلي حتى تكتسب فاعلية حقيقية. هذه الجدلية تفرض على فن المجابهة أن يكون مزدوج الاتجاه: قادرًا على التفكير عالميًّا والفعل محليًّا، وعلى ربط القضايا المحلية بالبنى العالمية للاستغلال والهيمنة. يظهر هذا التوتر بوضوح في مسألة السيادة. فالدولة القومية لم تختفِ، لكنها فقدت احتكارها للسيادة بمعناها التقليدي. السيادة أصبحت موزعة ومتنازَعًا عليها بين مستويات متعددة: دولية وإقليمية ومحلية وغير حكومية. وهذا التوزيع يخلق مساحات رمادية يُمارس فيها العنف دون مسؤولية واضحة، ويُدار فيها الصراع بطرق ملتوية. فن المجابهة، في هذا السياق، يصبح محاولة لاستعادة القدرة على الفعل السياسي داخل هذه المساحات الرمادية، ولبناء أشكال جديدة من السيادة الشعبية أو الجماعية القادرة على مواجهة العنف دون إعادة إنتاج منطقه.
رابعًا: المقاربة الماركسية الراهنة
تتمثل أصالة مقاربة باليبار في قدرتها على تجديد الأدوات الماركسية دون التخلي عن جوهرها النقدي. فهو يحتفظ بالمادية التاريخية بوصفها منهجًا لتحليل العلاقات الاجتماعية، لكنه يوسع مفهوم الصراع الطبقي ليشمل أشكال الاستغلال والتهميش الجديدة المرتبطة بالعولمة. ويحتفظ بفكرة أن العنف مرتبط ببنى السيطرة، لكنه يرفض اختزال كل عنف في مجرد انعكاس للبنية الاقتصادية. فالحرب والمجابهة لهما منطقهما الخاص الذي يحتاج إلى تحليل مستقل نسبيًّا. تفتح هذه المقاربة أفقًا لفهم الحروب المعاصرة بوصفها تعبيرًا عن أزمة عميقة في النظام الرأسمالي العالمي، أزمة تتجلى في تزايد اللجوء إلى العنف لإدارة التناقضات التي لم يعد بالإمكان حلها بالطرق السياسية التقليدية. لكنها تفتح أيضًا أفقًا لإمكانات التحرر. ففن المجابهة ليس مجرد دفاع، بل هو محاولة لبناء قوة مضادة قادرة على تحويل موازين القوى. وهذا البناء يتطلب العمل على مستويات متعددة: المستوى النظري لفهم طبيعة الخصم، والمستوى التنظيمي لبناء التحالفات، والمستوى الأخلاقي لتجنب الوقوع في منطق العنف الذي يدمر إمكانات التحرر ذاتها.في النهاية، يقدم باليبار رؤية ماركسية لا تتجاهل تعقيد الواقع الراهن، ولا تستسلم له. إنها رؤية تؤكد أن الحرب والمجابهة ليسا قدرًا محتومًا، بل هما نتاج علاقات اجتماعية يمكن تحويلها. وأن هذا التحويل يبدأ من القدرة على التفكير النقدي في الشروط الجديدة للصراع، ومن بناء أشكال من الفعل الجماعي تتجاوز الحدود التقليدية دون أن تتجاهل أهمية المحلي. هكذا يصبح فن المجابهة ليس فقط استراتيجية للمقاومة، بل ممارسة فلسفية وسياسية لإعادة فتح أفق التحرر في زمن يبدو فيه العنف معممًا والحدود متحركة والسيادة متشظية.
خاتمة
يتقاطع عند إتيان باليبار تأويل الحرب مع صياغة فن المجابهة في إطار جدلية معقدة بين العولمي والمحلي. هذا التقاطع لا ينتج نظرية مغلقة، بل يفتح حقلًا للتفكير والممارسة في آن واحد. فالحرب عنده ظاهرة اجتماعية كلية تتجاوز الميدان العسكري لتتغلغل في نسيج الحياة اليومية، والمجابهة فن يتطلب معرفة دقيقة بشروط الصراع الراهنة وقدرة على ابتكار أشكال جديدة من الفعل السياسي. أما الجدلية بين العولمي والمحلي فتكشف أن أي مقاومة فعالة اليوم لا يمكن أن تظل محصورة في أحد القطبين، بل يجب أن تتحرك بينهما بوعي نقدي. تقدم هذه المقاربة إسهامًا ماركسيًّا راهنًا يعيد للفكر النقدي قدرته على مواجهة تعقيدات العصر دون السقوط في التبسيط أو الاستسلام. إنها تذكرنا بأن الفلسفة الماركسية، في أفضل صورها، ليست عقيدة جاهزة، بل أداة حية للتحليل والتحويل. وأن فن المجابهة، في نهاية المطاف، هو فن الإبقاء على إمكان التحرر مفتوحًا، حتى في أصعب الشروط وأكثرها عنفًا. فماهي إمكانات التحرر في زمن الحرب المعممة؟
كاتب فلسفي