الكتابة الفلسفية في المسألة الحضارية هي فعل نضالي
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 12:01
المحور:
قضايا ثقافية
مقدمة
الكتابة الفلسفية حين تتوجه صوب المسألة الحضارية في السياقات التي عرفت تجربة الاستعمار وما تبعها من بنى هيمنة متجددة، لا تعود مجرد ممارسة نظرية محايدة أو تمريناً مفاهيمياً خالصاً. فهي تنخرط بالضرورة في حقل محكوم بعلاقات قوة رمزية ومعرفية عميقة، وتتحول إلى فعل نضالي يسعى إلى استعادة القدرة على تسمية الذات والعالم والتاريخ من موقع مختلف عن الموقع الذي فرضته السرديات المهيمنة. المسألة الحضارية هنا ليست سؤالاً مجرداً عن تعريف الحضارة أو عن قوانين صعودها وأفولها، بل هي مسرح لصراع حول من يملك سلطة تحديد موقع ثقافة معينة على خريطة الزمن الإنساني، ومن يرسم أفق المستقبل بوصفه إمكاناً مفتوحاً لا بوصفه مساراً محدداً سلفاً. المقاربة ما بعد الكولونيالية تكشف أن هذه الكتابة، في جوهرها، مقاومة لأشكال متعددة من العنف المعرفي والرمزي، ومساهمة في تفكيك الشروط التي جعلت بعض الثقافات تُدرك ذاتها بوصفها لاحقة أو ناقصة أو بحاجة دائمة إلى الوصاية النظرية. كيف يرتبط النضال المعرفي بالكتابة مابعد الكولونيالية عن حضارتنا؟
أولاً: المسألة الحضارية بوصفها حقلاً مشكلاً داخل علاقة القوة الاستعمارية
لم تُطرح المسألة الحضارية في الوعي العربي والإسلامي الحديث ضمن شروط معرفية متكافئة أو داخل أفق نظري حر. بل جاءت في سياق صدمة تاريخية عميقة تمثلت في الهيمنة الاستعمارية العسكرية والاقتصادية والثقافية. الاستعمار لم يكن مجرد احتلال للأرض واستغلال للموارد؛ بل كان أيضاً مشروعاً لإعادة ترتيب العالم وفق سلم حضاري تراتبي يجعل الحضارة الغربية في موقع المعيار الكوني، ويجعل غيرها في مواقع أدنى تحتاج إلى التحديث أو الإصلاح أو اللحاق. هذا السلم لم يُقدم بوصفه تصوراً تاريخياً خاصاً نشأ في شروط معينة، بل بوصفه حقيقة علمية وتاريخية مطلقة. وبذلك تحول الفرق الثقافي إلى تراتبية قيمية، وتحول التاريخ الإنساني إلى مسار خطي واحد يقف الغرب في مقدمته. في ظل هذه الشروط أصبحت الكتابة عن الحضارة محملة منذ البداية بتوترات لا يمكن تجاهلها. فالسؤال عن أسباب «التخلف» أو عن شروط «النهضة» أو عن العلاقة مع «الحداثة» كان يُطرح داخل قاموس مفاهيمي جاهز، قاموس يجعل من التجربة الأوروبية أفقاً وحيداً للمعنى. الكتابة الفلسفية التي تدخل هذا الحقل تجد نفسها أمام مصيدة مزدوجة: إما أن تتبنى المقولات السائدة فتدخل في منطق المحاكاة واللحاق، أو أن ترفضها فتبدو وكأنها ترفض إمكان التقدم ذاته أو تنغلق على خصوصية جامدة. الفعل النضالي يبدأ من الوعي بهذه المصيدة، ومن الإصرار على تفكيكها لا من داخل منطقها المغلق، بل عبر كشف تاريخيتها وارتباطها بعلاقات القوة، وعبر استعادة إمكانية التفكير من خارج الثنائيات الجاهزة.
ثانياً: العنف المعرفي وإعادة تشكيل وعي الذات بذاتها
يمارس الاستعمار وما بعده عنفاً معرفياً يتجاوز تشويه صورة المستعمَر في خطاب المستعمِر. فهو يعمل على مستوى أعمق يتمثل في تشكيل الطريقة التي يدرك بها المستعمَر ذاته وتاريخه ومستقبله. يصبح التخلف مقولة داخلية تُستبطن، ويتحول الماضي إلى عبء يجب التخلص منه أو إلى فردوس مفقود يجب استعادته حرفياً، ويصير المستقبل مشروطاً بمدى الاقتراب من نموذج جاهز صاغه الآخر. هذا العنف لا يحتاج دائماً إلى قوة خارجية مباشرة؛ بل يستمر عبر المؤسسات التعليمية والإنتاج المعرفي ومعايير القيمة الرمزية التي تجعل بعض أشكال التفكير تبدو «كونية» وأخرى تبدو «محلية» أو «تقليدية».
الكتابة الفلسفية النضالية تقاوم هذا العنف عبر استعادة القدرة على التسمية المستقلة. فهي ترفض أن تظل الذات الجماعية مجرد موضوع للدراسة أو مجرد حالة تحتاج إلى تفسير من خارج، وتسعى إلى أن تصبح مصدراً للنظرية لا مجرد تطبيق لها. هذه المقاومة تتجلى أولاً في فضح الزعم بالكونية المطلقة للمفاهيم المركزية حول التقدم والعقلانية والحداثة والحضارة. فالحداثة الأوروبية لم تكن تحققاً كونياً حتمياً لمسار إنساني واحد؛ بل كانت سيرورة تاريخية محددة ارتبطت بظروف داخلية معقدة وبعمليات تراكم استعماري على نطاق عالمي. تقديمها بوصفها المعيار الوحيد يجرد الثقافات الأخرى من حقها في إنتاج تصورات بديلة عن الزمن والتقدم والوجود الجماعي. الكتابة هنا نضالية لأنها تسترد حق الاختلاف الجذري، لا بوصفه انغلاقاً على جوهر ثابت، بل بوصفه إمكاناً لتعدد حقيقي في الأفق الإنساني. وتتجلى المقاومة ثانياً في إعادة مقاربة التراث خارج المعضلة الزائفة بين التقديس والنبذ. التراث ليس عقبة أمام الدخول في الحداثة ولا هو جوهر مكتمل يجب استعادته بحرفيته. هو عملية تاريخية حية، وخزان لإمكانات نظرية وعملية ووجودية يمكن تحريكها وإعادة تأويلها في ضوء تحديات الحاضر. القراءة النضالية للتراث ترفض أن يُحصر الفكر في خيارين فقط: التغريب الكامل أو الانغلاق الهوياتي، وتصر على وجود مسارات أخرى للتفكير تتجاوز هذه الثنائية العقيمة.
ثالثاً: استعادة الفاعلية التاريخية ورفض زمن اللحاق
من أخطر الآثار الممتدة للبنية ما بعد الكولونيالية تحويل الثقافات غير الغربية إلى كيانات تعيش في زمن اللحاق الدائم. يبدو التاريخ وكأنه طريق واحد سُلك من قبل، وعلى الآخرين أن يسيروا فيه مسرعين لسد الفجوة. هذا التصور يفرغ الفعل التاريخي من دلالته، ويحول مشروع النهضة إلى عملية محاكاة، ويجعل الإبداع مشروطاً بدرجة التشابه مع النموذج المهيمن. الكتابة الفلسفية تكون نضالية حقاً حين تقاوم هذا التصور في جذوره، وحين تؤكد أن كل ثقافة تملك إمكان إنتاج زمنها الخاص وأفقها الخاص، لا بوصفها نسخة متأخرة عن أصل سابق، بل بوصفها مركزاً منتجاً للمعنى والقيمة.
استعادة الفاعلية التاريخية تعني إعادة تعريف العلاقة بأبعاد الزمن الثلاثة. الماضي لا يعود مجرد مرحلة منتهية يجب تجاوزها أو العودة الرومانسية إليها، بل يصبح بُعداً حياً من أبعاد الحاضر يمكن تأويله وتحريك إمكاناته الكامنة. والحاضر لا يعود مجرد نقطة انتقالية بين تخلف ماضٍ وتقدم مستقبلي مستعار، بل يتحول إلى لحظة قرار ومسؤولية. والمستقبل لا يعود مكاناً محدداً سلفاً في نهاية مسار خطي، بل يصير أفقاً مفتوحاً يُصنع عبر خيارات جماعية واعية ونقدية. الكتابة الفلسفية هنا لا تكتفي بتشخيص الأزمة الحضارية؛ بل تسهم في إعادة فتح الإمكان التاريخي الذي سعت السرديات المهيمنة إلى إغلاقه.
رابعاً: مواجهة الاستعمار الداخلي وتحرير الأفق النفسي والمعرفي
لم ينتهِ الاستعمار بانسحاب القوات العسكرية وإعلان الاستقلالات السياسية. فقد استمر في أشكال أعمق وأكثر مراوغة تتعلق بالبنى المعرفية والنفسية والمؤسسية. يظهر الاستعمار الداخلي في استبطان التراتبية الحضارية، وفي الاحتقار الذاتي الذي يتخفى أحياناً تحت غطاء النقد الجذري، وفي الانبهار المزمن بكل ما يصدر عن المركز السابق، وفي العجز عن بناء معايير داخلية مستقلة للقيمة والجدارة والإبداع. كما يظهر في الميل إلى استيراد الحلول النظرية جاهزة وتطبيقها دون تمحيص كافٍ لشروطها التاريخية ودلالاتها المحلية. فالكتابة الفلسفية النضالية تواجه هذا الاستعمار الداخلي مواجهة مباشرة وصبورة. فهي ترفض أن يتحول النقد الذاتي إلى جلد مستمر للذات يعيد إنتاج صور الدونية والاستحالة، كما ترفض أن يتحول الاعتزاز بالذات إلى انغلاق دفاعي يمنع رؤية الإشكالات الحقيقية والتناقضات الداخلية. التحرر الذي تسعى إليه مزدوج بالضرورة: تحرر من هيمنة المفاهيم غير الممَحصة الوافدة من خارج، وتحرر من الأوهام التعويضية التي تحول الماضي إلى أسطورة مكتملة تعفي من مسؤولية الحاضر. هي كتابة تؤمن بإمكانية حوار كوني حقيقي، لكنها تصر على أن الحوار لا يكون متكافئاً إلا إذا امتلك كل طرف حق تعريف نفسه وأفقه ومعاييره، لا أن يدخل الحوار بوصفه تلميذاً دائماً أو مريضاً يحتاج إلى علاج.
خامساً: التوترات الملازمة للفعل النضالي الفلسفي
لا يخلو هذا النمط من الكتابة من توترات داخلية عميقة يجب الوعي بها حتى لا ينقلب الفعل النضالي إلى نقيضه. أول هذه التوترات هو خطر الانزلاق إلى خطاب هوياتي مغلق يرد على الاختزال الاستعماري باختزال معاكس. مقاومة العنف المعرفي قد تتحول أحياناً إلى تمجيد لخصوصيات جوهرية تتجاهل التعدد والصراعات داخل الثقافة ذاتها: الصراعات الطبقية والجندرية والمذهبية والجهوية. النضال الفلسفي الأصيل يتطلب الحفاظ على نقد مزدوج ومتزامن: نقد آليات الهيمنة الخارجية ونقد أشكال التسلط والإقصاء الداخلية في آن واحد. بدون هذا الازدواج يفقد الفعل النضالي قدرته التحررية ويتحول إلى مجرد دفاع عن سلطة بديلة. التوتر الثاني يتعلق بالعلاقة المعقدة مع أدوات الفكر التي نشأت في السياق الغربي. التحرر من المركزية لا يعني رفضاً شاملاً لكل ما أنتجه ذلك الفكر؛ فمثل هذا الرفض يعيد إنتاج علاقة مرآوية سلبية. المطلوب هو القدرة على الاستيعاب النقدي وإعادة التوظيف والزحزحة الدلالية. الكتابة النضالية تجد نفسها مضطرة إلى استخدام مفاهيم وإشكالات نشأت في سياقات أخرى، مع السعي الدائم إلى تفكيك ارتباطها الأصلي وتحويلها إلى أدوات تخدم أفقاً مختلفاً. هذا الاستخدام يحتاج إلى يقظة منهجية مستمرة حتى لا يتحول إلى تبعية مقنعة أو إلى تلفيق سطحي. أما التوتر الثالث فيكمن في العلاقة بين المستوى النظري والمستوى العملي. قد تبدو الكتابة الفلسفية بعيدة عن النضالات الاجتماعية والسياسية المباشرة، أو قد تُتهم بالنخبوية والانفصال عن الواقع. غير أن المقاربة ما بعد الكولونيالية العميقة ترى في إعادة تشكيل الأفق المعرفي والرمزي نفسه بُعداً أساسياً من أبعاد النضال. فتغيير طريقة فهم الذات والآخر والزمن والحضارة والتقدم يغير شروط إمكانية الفعل الجماعي وحدوده. الكتابة هنا ليست بديلاً عن الممارسة النضالية الأخرى؛ بل هي مستوى أصيل يعمل على الشروط العميقة التي تجعل بعض أشكال الفعل ممكنة وأخرى مستحيلة أو غير متخيلة أصلاً.
خاتمة
في الأخير تتبدى الكتابة الفلسفية في المسألة الحضارية، ضمن المقاربة ما بعد الكولونيالية، بوصفها ممارسة تحررية لا تكتمل ولا تستقر عند صيغة نهائية. فهي تواجه أشكالاً متجددة من الهيمنة المعرفية والرمزية التي تتكيف مع تحولات العصر، وتسعى باستمرار إلى استعادة حق الذات الجماعية في تسمية عالمها ورسم أفقها الخاص، وترفض الإقامة الدائمة في موقع اللحاق أو في موقع الضحية التي لا تملك إلا شكوى الإقصاء. هي نضالية لأنها لا تكتفي بوصف موازين القوة القائمة؛ بل تعمل على زحزحتها عبر إعادة توزيع إمكانات إنتاج المعنى والقيمة والمعيار. هذه الكتابة لا تدّعي امتلاك الجواب النهائي عن سؤال الحضارة أو عن طريق الخروج من الأزمة. بل هي أقرب إلى جهد دؤوب ومتواضع وصبور للحفاظ على انفتاح الأفق التاريخي، ومنع إغلاقه باسم نموذج واحد جاهز يُقدم بوصفه كونياً. في عالم ما يزال محكوماً بعلاقات قوة غير متكافئة، وبصور نمطية قابلة للتجدد، وبآليات إقصاء معرفية ناعمة وفعالة، تظل الكتابة الفلسفية التي تتناول المسألة الحضارية شكلاً ضرورياً من أشكال المقاومة الرمزية والمعرفية. فهي تدافع عن حق الثقافات في أن تكون مصادر منتجة للنظرية لا مجرد موضوعات للدراسة والتقييم، وعن حق الجماعات الإنسانية في أن تفكر في مصيرها الحضاري من موقع الفاعل التاريخي لا من موقع المنفعل التابع. وبذلك تتحول الفلسفة من كونها تأملاً نظرياً منفصلاً إلى مساهمة حقيقية في معركة التحرر الأوسع، تلك المعركة التي لم تنتهِ بنهاية الاستعمار التقليدي، بل اتخذت أشكالاً جديدة أكثر تعقيداً ومراوغة، تتطلب وعياً نقدياً أعمق وإصراراً نضالياً متجدداً وقدرة مستمرة على إعادة طرح الأسئلة الجذرية حول الذات والزمن والمعنى والسلطة. الكتابة الفلسفية في المسألة الحضارية، في هذا الأفق، ليست رفاهية فكرية؛ بل هي ضرورة وجودية وتاريخية لمن يريد أن يشارك في صناعة مصيره لا أن يُصنع له المصير من خارج. فهل يكفي التعامل مع الكتابة الفلسفية بوصفها أفقاً للتحرر المتجدد والمفتوح؟
كاتب فلسفي