البحث عن الفكرة الناظمة للفلسفة الباشلاردية


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 09:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

مقدمة
غاستون باشلار (27 يونيو 1884 - 16 أكتوبر 1962) هو من الوجوه الفلسفية الفرنسية الساطعة في القرن العشرين، ويتميز مشروعه بازدواجية لافتة أثارت جدلاً واسعًا بين الدارسين. فمن جهة يظهر باشلار الإبستيمولوجي، فيلسوف العلوم الذي أسس لمفاهيم القطيعة والعائق والروح العلمية الجديدة، ومن جهة أخرى يبرز باشلار الشاعر أو الفينومينولوجي الذي انكب في المرحلة المتأخرة على دراسة الخيال المادي والصور الشعرية والحلم اليقظ. هذا الازدواج يطرح سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام فيلسوفين منفصلين يفصل بينهما تحول جذري في الاهتمام والمنهج، أم أمام فلسفة واحدة ذات أبعاد متكاملة يمكن العثور على فكرتها الناظمة؟
يتعلق الأمر بأكثر من مجرد تطور كرونولوجي في مسار مفكر. فالفرق الدلالي يكمن في تحول معاني المفاهيم الأساسية كالزمن والعقل والخيال والمادة، بينما يكمن الفرق السياقي في انتقال باشلار من فضاء فلسفة العلوم والتاريخ الإبستيمولوجي إلى فضاء الفينومينولوجيا الشعرية وتحليل الصور. غير أن الإلحاح على الفصل الحاد قد يحجب استمرارية عميقة. لذا تسعى هذه الدراسة إلى بيان الفروقات الدلالية والسياقية بدقة، ثم البحث عن الفكرة الناظمة التي توحد المشروع الباشلاردي بوصفه فلسفة للخلق والقطيعة الإيجابية والجدل الحي بين العقل والخيال. فمن هو غاستون باشلار؟ ولماذا انقسمت فلسفته الى مرحلتين مختلفتين؟ والا توجد فكرة ناظمة للمرحلتين الفلسفيتين؟ وماهو تأثيره على الابستيمولوجيا والشعرية بعده؟
أولًا: باشلار الإبستيمولوجي ودلالة الروح العلمية
في المرحلة الإبستيمولوجية، يركز باشلار على بنية المعرفة العلمية وتاريخها. يرى أن العلم لا يتطور تطورًا خطيًا تراكميًا، بل عبر قطيعة إبستيمولوجية تقطع مع المعرفة السابقة ومع التجربة الحسية المباشرة. العلم «يقول لا» للبداهة وللتصورات الأولية التي تشكل عوائق إبستيمولوجية راسخة في اللاوعي المعرفي. التقدم العلمي جدلي بطبيعته: كل مفهوم جديد ينفي أو يصحح أو يعيد تنظيم المفاهيم السابقة ضمن أطر أكثر تعقيدًا ودقة. الدلالة المركزية هنا هي دلالة البناء والعقلانية التطبيقية. المعرفة العلمية ليست انعكاسًا سلبيًا للواقع، بل بناءً فعالًا يفرض النظام عبر الرياضيات والتجريب المنظم. الزمن العلمي زمن متقطع، زمن الثورات المفاهيمية والقطائع. والذات العارفة ذات عقلانية صارمة تقف في مواجهة العوائق التي تنبع من الخيال الأولي أو من اللغة اليومية أو من التعود الحسي. في هذا السياق، يصبح الخيال مصدرًا محتملاً للخطأ، ويُطلب من العقل العلمي أن يمارسه الرقابة والنفي المستمر.
السياق الذي يتحرك فيه باشلار الإبستيمولوجي هو سياق فلسفة العلوم والتاريخ النقدي للمعرفة. يهتم بكيفية تشكل المفاهيم في الفيزياء والكيمياء، وبكيفية تجاوز العلم للمظاهر المباشرة نحو البنى الرياضية والتجريبية. الفلسفة هنا فلسفة «اللا»، فلسفة النفي الإيجابي الذي يفتح آفاقًا جديدة للمعرفة.
ثانيًا: باشلار الشاعر ودلالة الخيال المادي
في المرحلة الشعرية والفينومينولوجية، ينتقل باشلار إلى دراسة الصور الشعرية المرتبطة بالعناصر الأربعة: النار والماء والهواء والتراب. هنا يصبح الخيال قوة خلاقة أساسية، لا عائقًا. الخيال المادي هو القدرة على استدعاء المادة في صور ديناميكية حية، والأحلام اليقظة هي فضاء حرية يسمح للوعي بأن ينفتح على إمكانات لم تتحقق بعد. الدلالة المركزية تتحول إلى دلالة الانفتاح والصورة والإبداع. الصورة الشعرية ليست تعبيرًا عن واقع سابق، بل حدثًا أنطولوجيًا يخلق معناه في لحظة ظهورها. الزمن هنا زمن اللحظة المكثفة، زمن الاندهاش والنشوة الشعرية، لا زمن القطائع التاريخية الطويلة. والمادة لم تعد موضوعًا للتجريب العلمي فقط، بل شريكًا في عملية التخيل، حاملة لطاقة رمزية وعاطفية.
السياق يتغير جذريًا. ينتقل باشلار من المختبر والمفهوم العلمي إلى القصيدة والبيت الشعري والمكان الحميمي. المنهج يصبح فينومينولوجيًا وصفيًا، يسعى إلى الإمساك بالصورة في طزاجتها الأولى دون ردها إلى تفسيرات نفسية أو اجتماعية مسبقة. الذات هنا ذات حالِمة، منفتحة، تستقبل الصورة وتشارك في خلقها.
ثالثًا: الفروقات الدلالية والسياقية
دلاليًا، يختلف مفهوم العقل بين المرحلتين. في الإبستيمولوجيا يكون العقل قوة نفي وبناء مفاهيمي، بينما في الشعر يصبح العقل أكثر مرونة وانفتاحًا على اللاّعقل المنظم الذي يمثله الخيال. مفهوم الزمن يتحول من الزمن التاريخي المتقطع للثورات العلمية إلى زمن اللحظة الشعرية المكثفة. المادة تنتقل من كونها موضوعًا للتحليل العلمي إلى كونها مصدرًا للإلهام والصور. أما الخيال فيتحول من مصدر محتمل للعائق إلى قوة أنطولوجية خلاقة. سياقيًا، ينتقل الاهتمام من تاريخ العلوم الدقيقة ومنطق المفاهيم إلى الأدب والشعر والفنون. الجمهور المستهدف يتغير، وكذلك أسلوب الكتابة الذي يصبح أكثر أدبية وإيحاءً في المرحلة الثانية. كما يتغير الموقف من التجربة المباشرة: بعد أن كانت مصدرًا للعوائق في العلم، تصبح في الشعر مصدرًا غنيًا للصور الأولية التي يغذيها الخيال المادي. هذه الفروقات حقيقية وعميقة، وقد دفعت بعض القراء إلى الحديث عن «باشلارين» منفصلين. غير أن الفصل الحاد يغفل الاستمراريات الخفية التي تجعل المشروع واحدًا.
رابعًا: البحث عن الفكرة الناظمة
الفكرة الناظمة للفلسفة الباشلاردية تكمن في جدلية الخلق والقطيعة، أو في الدينامية الأساسية للعقل بوصفه قوة بناء وانفتاح في آن واحد. سواء في العلم أو في الشعر، يرفض باشلار السكون والثبات. المعرفة العلمية تخلق مفاهيمها عبر نفي العوائق، والخيال الشعري يخلق صوره عبر الانفتاح على المادة والعناصر. في الحالتين يكون الفعل فعلًا إبداعيًا يتجاوز المعطى المباشر. كما يمكن صوغ الفكرة الناظمة على النحو التالي: الفلسفة الباشلاردية هي فلسفة الصيرورة الخلاقة التي تتم عبر القطيعة الإيجابية. القطيعة ليست رفضًا عدمًا، بل شرطًا للإبداع. في العلم تقطع مع البداهة لتبني عقلانية جديدة، وفي الشعر تقطع مع النثرية والتفسير السببي لتطلق حرية الصورة. العقل والخيال ليسا ضدين متنافرين، بل قطبين متكاملين لحركة واحدة: حركة الوعي الذي يرفض الاكتمال المغلق وينفتح باستمرار على إمكانات جديدة. هذه الفكرة تظهر في مفهوم «الفلسفة التطبيقية» أو «العقلانية التطبيقية» التي تجمع بين الصرامة النظرية والانفتاح على التجربة، كما تظهر في تحليل الخيال المادي الذي يرى في العناصر قوى ديناميكية لا جواهر ثابتة. الزمن الباشلاردي، سواء العلمي أو الشعري، زمن غير متصل، زمن اللحظات الخلاقة التي تعيد تشكيل الماضي والمستقبل معًا. بذلك لا يكون التحول من الإبستيمولوجيا إلى الشعر قطيعة داخل فلسفة باشلار، بل امتدادًا لنفس المنطق: منطق الرفض الخلاق والبناء المستمر. الإبستيمولوجي يمارس القطيعة في مجال المفاهيم العلمية، والشاعر يمارسها في مجال الصور والأحلام. والفيلسوف الباشلاردي في جوهره هو من يرفض أن يبقى أسيرًا لأي اكتمال، سواء كان اكتمال معرفة علمية مكتملة أو اكتمال تفسير نهائي للصورة الشعرية.
خاتمة
يظهر الفرق الدلالي والسياقي بين باشلار الإبستيمولوجي وباشلار الشاعر واضحًا في تحول معاني العقل والزمن والمادة والخيال، وفي انتقال الاهتمام من تاريخ العلوم إلى فينومينولوجيا الصور الشعرية. غير أن هذا الفرق لا يمزق وحدة المشروع. فالفكرة الناظمة التي توحد الفلسفة الباشلاردية هي جدلية الخلق عبر القطيعة الإيجابية، أو دينامية الوعي الذي يبني وينفتح في حركة مستمرة ترفض السكون.بهذا الفهم تصبح الإبستيمولوجيا والشعر وجهين لفلسفة واحدة ترى في الإنسان كائنًا خلاقًا بامتياز، قادرًا على تجاوز المعطى وبناء عوالم جديدة، سواء كانت عوالم مفاهيم علمية أو عوالم صور شعرية. الفلسفة الباشلاردية في نهاية المطاف دعوة دائمة إلى اليقظة الخلاقة، إلى رفض البداهات، وإلى الاحتفاء بالقدرة الإنسانية على ابتكار المعنى في العلم كما في الشعر. فكيف يمكن استثمار مفهوم العائق الابستيمولوجي من اجل تطوير البحث العلمي والتكنولوجي؟
كاتب فلسفي