التمشي النقدي في الممارسة المعرفية بين النزعة الاتصالية الدغمائية والنزعة الريبية الانكسارية
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 08:21
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
مقدمة
عبر تاريخ الممارسة المعرفية، يبرز توتر أساسي بين رغبتين متعارضتين: الرغبة في البناء المشترك للمعنى من خلال التواصل، والرغبة في التفكيك الجذري لكل ما يُقدَّم على أنه ثابت أو مؤكد. تمثل النزعة الاتصالية الدغمائية الطرف الأول، حيث يُفترض أن التواصل المنفتح والمنظم وفق قواعد عقلانية يؤدي حتماً إلى توافق معرفي، وأن اللغة والحوار قادرتان على الوصول إلى حقائق مشتركة خالية من التشوهات. أما النزعة الريبية الانكسارية فتمثل الطرف الثاني، إذ ترى في كل بناء معرفي محاولة للهيمنة، وتسعى إلى تفكيكه إلى عناصره المتناقضة، مما يؤدي إلى حالة من الريب المستمر أو الانهيار الدلالي دون إمكانية إعادة البناء. يُشكل هذا التوتر ثنائية تجعل الممارسة المعرفية إما متعالية في تأكيدها الدغمائي للتواصل، أو مشلولة في شكها الذي ينكسر عند كل حد. يأتي الطريق الثالث النقدي كمسار بديل يتجاوز هذه الثنائية، لا بالتوفيق السطحي بينهما، بل بتأسيس موقف معرفي يجمع بين الالتزام بالحوار والتواصل من جهة، واليقظة النقدية الدائمة تجاه أي ادعاء بالكمال أو الإغلاق من جهة أخرى. هذا الطريق ليس وسطاً هادئاً، بل ممارسة ديناميكية متوترة تتطلب وعياً عميقاً بمحدوديات المعرفة البشرية وإمكانياتها في الوقت نفسه. فكيف تتم الممارسة المعرفية؟ هل بالاستمرارية أم بالانكسار؟ وهل هناك توجه ثالث؟
النزعة الاتصالية الدغمائية: بناء المعنى كإيمان بالتوافق
تعتمد النزعة الاتصالية الدغمائية على افتراض أن العقل البشري، عندما ينخرط في حوار حر ومتكافئ، يستطيع التغلب على التشوهات الذاتية والاجتماعية ليصل إلى فهم مشترك يحمل صفة العقلانية. هنا يُعامل التواصل ليس كأداة عرضية، بل كأساس وجودي للمعرفة. اللغة تصبح فضاءً لتحقيق الإجماع، والجدل يُرى كطريق نحو الحقيقة لا كمجرد تبادل آراء. في هذا السياق، يصبح أي انحراف عن قواعد التواصل الرشيد (مثل الإقصاء أو الإكراه أو الخداع) خطأً معرفياً أخلاقياً في آن. الممارسة المعرفية هنا تتحول إلى ممارسة بنائية، حيث يُقاس تقدم المعرفة بقدرتها على توسيع دائرة المتفق عليه. غير أن الدغمائية تكمن في الافتراض المسبق بأن مثل هذا التوافق ممكن تماماً، وبأن الاختلافات التي لا تذوب فيه إنما هي مؤشرات على نقص في العقلانية أو في شروط التواصل. هذا النهج يوفر قوة دافعة كبيرة للمشاريع المعرفية الجماعية، مثل العلوم الاجتماعية أو الفلسفة التطبيقية، لكنه يخاطر بتحويل النقد إلى أداة لتعزيز الإجماع السائد، بدلاً من تعريضه للاختبار. يغفل أحياناً عن السلطة المضمرة داخل أي حوار، وعن اللامساواة في القدرة على التعبير، مما يجعل "التوافق" نتاجاً للهيمنة الخفية أكثر مما هو تعبيراً عن حرية معرفية.
النزعة الريبية الانكسارية: التفكيك كاستراتيجية دائمة
في المقابل، تتبنى النزعة الريبية الانكسارية موقفاً يشكك في إمكانية أي تواصل شفاف أو معنى مستقر. هنا، يُنظر إلى النصوص والخطابات والمفاهيم على أنها بنى هشة مليئة بالتناقضات والثنائيات المقموعة. الممارسة المعرفية تصبح عملية مستمرة من الكشف عن التصدعات، وتتبع التأجيل الدلالي، وإبراز ما هو مهمش أو مستبعد. القوة في هذا النهج تكمن في يقظته الدائمة تجاه الادعاءات الكلية والسرديات البعدية. فهو يرفض أي إغلاق معرفي، ويحول الشك إلى أداة تحررية تحول دون تحول المعرفة إلى أيديولوجيا. غير أن الجانب الانكساري يظهر عندما يصبح التفكيك غاية في ذاته، فيتحول إلى لعبة لا نهائية من التحليل دون إمكانية الالتزام أو البناء. هنا يفقد المعرفي قدرته على اتخاذ موقف أو المساهمة في مشاريع مشتركة، لأن كل موقف يُرى مسبقاً على أنه نص ينتظر تفكيكه. يؤدي هذا إلى نوع من الشلل المعرفي: الريب يصبح شاملاً إلى درجة تجعل التمييز بين الحقيقة والوهم، أو بين الادعاء الصالح والادعاء الزائف، أمراً مشكوكاً فيه. الممارسة المعرفية تتحول إلى سلسلة من الانهيارات المتتالية دون إعادة تركيب إيجابي.
الطريق الثالث النقدي: التوتر المنتج والممارسة المتوازنة
يقوم الطريق الثالث النقدي على رفض الثنائية بين البناء الدغمائي والتفكيك الشامل، ويؤسس بدلاً من ذلك ممارسة معرفية تقبل التوتر كعنصر جوهري. هذا الطريق يعترف بأهمية التواصل كشرط للمعرفة المشتركة، لكنه يرفض الدغمائية بإدخال طبقة نقدية مستمرة تكشف عن السلطة والمحدوديات داخل أي حوار. في الوقت نفسه، يستفيد من أدوات التفكيك لكشف التصدعات، لكنه يرفض الانهيار الكلي بإصراره على إمكانية إعادة البناء المؤقت والواعي بذاته. في هذا المسار، تكون الممارسة المعرفية ديالكتيكية بمعنى عميق: هي حركة مستمرة بين الإقرار بالحاجة إلى التوافق والاعتراف باستحالة التوافق الكامل. النقد هنا ليس تدميراً ولا تبريراً، بل عملية تأملية تُعيد النظر في الأسس مع الحفاظ على القدرة على الفعل المعرفي. يتطلب ذلك وعياً بـ"الأفق المعرفي" — أي السياقات التاريخية والاجتماعية واللغوية التي تشكل معرفتنا — دون الاستسلام للنسبية الكاملة. من أبرز سمات هذا الطريق الانفتاح الاستراتيجي: الالتزام بحوار يسعى إلى الوضوح والمشاركة، مع الاحتفاظ بحق الانسحاب النقدي عندما يظهر الإكراه أو الإغلاق. كما يعتمد على التواضع المعرفي الذي يقر بأن كل بناء معرفي مؤقت وقابل للمراجعة، دون أن يعني ذلك عدم الثقة به تماماً. هذا التواضع ليس سلبياً، بل يصبح دافعاً لتحسين الممارسة المستمر.
أبعاد الممارسة في الطريق الثالث
على مستوى المنهج، يجمع الطريق الثالث بين التحليل الدقيق للخطاب (مستفيداً من الريبية) والالتزام ببناء نماذج تفسيرية قابلة للاختبار والنقاش (مستفيداً من الاتصالية). لا يرفض النظريات الكبرى، لكنه يعاملها كأطر مؤقتة تتطلب مراقبة نقدية دائمة. في السياق الاجتماعي، يعترف هذا الطريق بأن المعرفة ممارسة جماعية، لكنه يحذر من تحول الجماعة إلى سلطة دغمائية. لذا يشجع على تعدد الأصوات داخل الحوار، مع آليات لكشف الهيمنات الخفية. النقد هنا يصبح وقائياً وبنائياً: يمنع الانهيار بينما يمنع التصلب. أخلاقياً، يقوم الطريق الثالث على مسؤولية مزدوجة: مسؤولية نحو الآخر في التواصل، ومسؤولية نحو الحقيقة بمعناها النقدي (أي الرفض الدائم للادعاءات المطلقة). هذا يولد أخلاقيات معرفية تقوم على الاحترام واليقظة معاً. لكن الطريق الثالث لا يخلو من صعوبات. فهو يتطلب توازناً دقيقاً يصعب الحفاظ عليه؛ فقد ينزلق نحو الدغمائية عندما يصبح الحوار غاية، أو نحو الريبية عندما يغلب التفكيك. يحتاج ممارسه إلى تدريب مستمر على الذات النقدية، وقدرة على تحمل الغموض والتوتر دون اللجوء إلى حلول سهلة. ومع ذلك، تكمن إمكانياته الهائلة في قدرته على تجديد الممارسة المعرفية في عصر يعاني من الاستقطاب بين اليقينيات الزائفة والشكوك المدمرة. يفتح هذا الطريق آفاقاً لمعرفة أكثر مرونة ومسؤولية، قادرة على مواجهة التحديات المعقدة مثل التغير المناخي أو الذكاء الاصطناعي أو الأزمات الثقافية، حيث لا تكفي الإجابات الدغمائية ولا ينفع الانهيار الريبي.
خاتمة:
الطريق الثالث النقدي ليس نظرية جاهزة بل دعوة إلى ممارسة. هو طريق يسير فيه المعرفي بوعي كامل بمحدودياته، ملتزماً بالتواصل مع الآخرين دون الادعاء بالسيطرة الكاملة على المعنى، ومستخدماً أدوات النقد والتفكيك لتعميق الفهم لا لإلغائه. بهذا يصبح النقد ليس نهاية المعرفة، بل شرط إمكانيتها المستمرة. إنه يحول التوتر بين الاتصال والريب إلى طاقة إبداعية، ويجعل الممارسة المعرفية نشاطاً إنسانياً حياً، متواضعاً وطموحاً في الوقت نفسه. في عالم يتسارع فيه التغير والتعقيد، قد يكون هذا الطريق الثالث هو السبيل الأكثر واقعية للحفاظ على إمكانية المعرفة ذاتها. فماهي نظرية النظم المعقدة في المعرفة؟ وكيف يتجه الفكر نحو ممارسة معرفية حية؟