الهمجوديولوجيا والمشاريع الدينية الغيبية: حين تتحول العقيدة إلى أداة للفوضى


حسن خليل غريب
الحوار المتمدن - العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 15:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

المقدمة
في قلب الصراعات التي تمزق الشرق الأوسط، لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا أو التطور العلمي، بل في الأيديولوجيات الغيبية التي توظف هذا التطور لخدمة أوهامها المطلقة. إن ما يمكن تسميته بـ "الهمجوديولوجيا" ليس مجرد حالة من الفوضى والوحشية، بل هو منهج متكامل يضع العلم في خدمة مشاريع دينية غيبية، تتنافس على أرض العرب وتترك آثارًا مدمرة على العالم بأسره. بين المشروع التلمودي الصهيوني والمشروع الشيعي لولاية الفقيه، يتجسد منطق الهمجية في أبشع صوره، حيث تُستغل النصوص الدينية لتبرير الإبادة أو الفوضى، وتُحوَّل العقيدة إلى أداة سياسية لإنتاج الخراب بدلًا من بناء العدالة.
تعريف الهمجية:
الهمجية في اللغة العربية تعني حالة من الفوضى وغياب النظام، وتُستخدم لوصف السلوك الوحشي أو غير المتحضر، كما تُطلق على الرعاع والحمقى من الناس الذين لا عقل لهم ولا تدبير.
الهمجية كأيديولوجيا، لا علاقة لها بالتطور التكنولوجي والعلمي المعاصر. وربما تستخدم هذا التطور من أجل الوصول إلى أهدافها الغيبية، أي أنها تضع التطور العلمي في خدمة أحلامها الغيبية.
هناك مشروعان غيبيان راهنان يتباريان باستخدام أساليب همجية للفوز على الآخر، يعتبران القاعدة الأساسية للصراع الراهن في منطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من ذلك، وبسبب طموحاتهما ببناء إمبراطورية عالمية دينية غيبية، وعلى الرغم من أن صراعهما الهمجي يجري على الأرض العربية، إلاَّ أنه ينعكس بشكل شديد السلبية على العالم من المحيط إلى المحيط، وهما:
-المشروع الأول: المشروع الغيبي التلمودي، ويعود تأسيسه إلى ثلاثة آلاف عام تقريباً. وهو يأمر اليهود أذا دخلوا أرضاً، قائلاً: (أهلك جميع ما لهم، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل الرجال والنساء والأطفال والرُضَّع والبقر والغنم والجمال والحمير). وتحمل التوراة أوامر صريحة بقتل الأطفال في أكثر من موضع (إشعيا، العدد، صموئيل الأول، المزامير)، وإن النصوص التوراتية تأمر بطرد سكان الأرض تدريجيًا، وهي الأفكار التي دعا إليها تيودور هرتزل في بدايات المشروع الصهيوني.
كما تحذِّر التوراة بشدة من الاختلاط بالشعوب الأخرى، وتعتبره تهديدًا لهوية "الشعب المقدس"، بل تصل إلى حد الأمر بقتل من يدعو إلى عبادة آلهة أخرى أو الاندماج مع غير اليهود.
كما أن التوراة تتوعد الشعب نفسه بالعقاب القاسي إذا لم ينفذ أوامر القتل والإبادة، بما في ذلك قتل المتمردين على أحكام الكهنة، ليؤكد أن النصوص تحمل منطقًا صارمًا يقوم على الطاعة المطلقة وإلا العقاب.

-المشروع الثاني: المشروع الغيبي لولاية الفقيه الشيعي: ويعود تأسيسه إلى حوالي 1300 سنة. وجاء في أيديولوجيته ما يلي:
أدى غياب الإمام الثاني عشر إلى إشكالية كبرى؛ فبغياب الإمام تغيب الدولة وتتعطل سلطاتها مما أدى إلى فقدان النظرية الإمامية الإثنى عشرية للمعنى السياسي والثوري.
النظرية الشيعية التقليدية، كانت تمارس تعاليمها بواسطة (التقية والانتظار) كلازمة من لوازم (الإمامة والغيبة). وفي مرحلة الانتظار، تحرم إقامة الدولة أو الثورة أو ممارسة أي نشاط سياسي إلا بقيادة الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى.
فكان التطور الأهم والأخير في الفكر الإمامي الإثنى عشري هو اجتهاد مفهوم ولاية الفقيه، الاجتهاد الذي أعطى الولي الفقيه العصمة والسلطة المطلقة دينيًا وسياسيًا، نقل هذا المفهوم الذي أحدث في عهد الدولة الصفوية جماهير الشيعة من الانتظار للإمام الغائب إلى الحركة الثورية الدؤوبة، فكل ما كان منوطًا بالإمام أصبح منوطًا بالفقيه.
ولا يتعدد الولاة الفقهاء في العصر الواحد بتعدد الفقهاء لأنه يؤدي بالضرورة إلى التفتت والتفرقة، فإذا تصدى أحدهم أو اختير صار ولياً فعلياً وعلى الآخرين أن يطيعوه.
فكانت نظرية ولاية الفقيه هي المخرج من ذلك. إلاَّ أن الخميني لعب دورًا هامًا في تطوير الفقه السياسي الشيعي حيث حمل راية ولاية الفقيه. وبفعل دوره في إسقاط الشاه في العام 1979، وإعلان قيام (الدولة الإسلامية في إيران)، شكَّل فرصة كبيرة له لتطوير أفكاره. وأوكل لنفسه مهمة (نصرة المظلومين في الأرض)، كستار لجواز تدخُّله السياسي في شؤون الشعوب الداخلية.
ومن أهم وسائل التعبئة عند ولاية الفقيه، الحثُّ على (الثأر للحسين)، ولكن ممن؟ أو طلب النجدة منه، قائلين: (أدركنا يا حسين)، ولكن كيف؟ أو تعذيب النفس من أجل الحسين، باللطم والتطبير، وخلافه من وسائل تعذيب النفس، لتطهيرها وطلب التوبة، كما يعتقدون....
غير أن الأخطر في هذا السياق، أن نظرية ولاية الفقيه تحديدًا، وبالقياس إلى العقيدة الشيعية الاستراتيجية عمومًا، ترتبط بفكرة ظهور الإمام المهدي المنتظر المشروطة بانتشار الظلم والجور، وفقًا للمقولة الشهيرة:» سيأتي ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا «.
هنا تتكشف المفارقة الأخطر: فوفق هذا المنطق، يصبح إسهام الشيعي في نشر القسط والعدل وكأنه عائق أمام ظهور الإمام المهدي المنتظر، بينما يُفترض أن التعجيل بظهوره يقتضي المساهمة في نشر الظلم والجور. وهكذا تتحول العقيدة إلى أداة معكوسة، تُسوّغ إنتاج الفوضى بدلًا من مقاومة الاستبداد. وما يجري في العراق وسورية ولبنان واليمن ليس سوى تجسيد عملي لهذه المعادلة المقلوبة، حيث تُستغل المعتقدات الدينية لتبرير الخراب السياسي والاجتماعي، بدل أن تكون منبعًا للعدل والإنصاف.
الخاتمة
إن أخطر ما في هذه المشاريع الغيبية ليس فقط أنها تُمارس العنف والفوضى باسم الدين، بل أنها تُعيد صياغة العلاقة بين العقيدة والواقع بطريقة معكوسة: العدالة تصبح عائقًا، والظلم يتحول إلى شرط للخلاص. وهكذا تُستغل المعتقدات لتبرير الخراب في العراق وسورية ولبنان واليمن، وتُغطي على مشاريع توسعية أو سلطوية لا علاقة لها بروح الدين أو قيمه. إن مواجهة هذه "الهمجوديولوجيا" لا تكون بالانجرار إلى منطقها، بل بفضح تناقضاتها وكشف خطورتها على الهوية العربية والإنسانية جمعاء، وإعادة الاعتبار إلى العقل والعدل كقيم تأسيسية لأي مشروع حضاري حقيقي.