حزب الله بين القرار اللبناني والوصاية الإيرانية: معضلة الدولة داخل الدولة
حسن خليل غريب
الحوار المتمدن
-
العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 18:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المقدمة
منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، مرورًا بقرار مجلس الأمن رقم 1701 عام 2006، وصولًا إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ظلّت الدولة اللبنانية هي الجهة الرسمية المخاطَبة بتنفيذ الالتزامات الدولية. غير أن الواقع الميداني يكشف أن الطرف العسكري الفعلي في المواجهة هو حزب الله، الذي يتعامل مع هذه القرارات بمنطق مزدوج: التنصّل من المسؤولية الرسمية، والاحتفاظ بحق فتح الحرب متى شاء. هذا السلوك لا يمكن عزله عن التدخل الإيراني المباشر أو غير المباشر، الذي يجعل من الحزب أداة إقليمية تتجاوز حدود القرار الوطني اللبناني.
يمكن وصف سلوك حزب الله في هذا السياق بأنه سلوك مزدوج المعايير أو سلوك المعرقل الدائم، لأنه يتعامل مع القرارات الدولية وكأنها موجّهة للدولة اللبنانية فقط، بينما هو الطرف العسكري الفعلي في المواجهة.
أولاً: سمات هذا السلوك: يرفض الاعتراف بأنه المعني المباشر بالقرارات الدولية، ويترك الدولة اللبنانية في مواجهة الالتزامات وحدها. ويصرّ على أن يبقى هو صاحب الكلمة الفصل في فتح المواجهة مع إسرائيل، بغضّ النظر عن الموقف الرسمي للدولة. إن هذا السلوك يضعف شرعية الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، لأنها تبدو عاجزة عن ضبط أراضيها أو تنفيذ التزاماتها. وكل مرة يُطرح فيها حل أو تسوية، يفتح الحزب جولة جديدة من المواجهة، ما يجعل لبنان في حالة نزاع دائم.
يمكن توصيف هذا السلوك بأنه: "سلوك التخريب الممنهج": لأنه يضع الدولة في موقع العاجز ويعيد إنتاج الفوضى كلما اقتربت من الحل. حيث ينكر مسؤوليته عن الالتزامات الدولية، لكنه يفرض هيمنته العسكرية والسياسية على القرار الوطني. وهو يتصرّف ككيان مستقل يملك قرار الحرب والسلم، بينما الدولة الرسمية تُترك لتواجه المجتمع الدولي.
سلوك حزب الله في التعامل مع القرارات الدولية الخاصة بفك النزاع مع إسرائيل هو سلوك معرقل ومتنصّل، يهدف إلى إبقاء لبنان في حالة نزاع دائم، ويجعل الدولة تبدو وكأنها واجهة شكلية بينما القرار الحقيقي بيده.
إن حزب الله يشبه اللاعب الذي يرفض قواعد الجماعة؛ كلما اجتمع الفريق على قانون مشترك، يخرج ليضع قواعده الخاصة. إن هذا السلوك يعكس إصرارًا على الهيمنة ورفضًا للاندماج في النظام الوطني. وهو يضع الدولة في موقع الواجهة الشكلية، بينما القرار الحقيقي يبقى بيده. والنتيجة هي أن لبنان يعيش في حالة نزاع دائم، لأن هناك لاعبًا يرفض الانضباط ويصرّ على كسر قواعد اللعبة الوطنية.
ثانياً: حزب الله بين الدولة والقرار الدولي: معضلة المسؤولية والتنصّل
منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، مرورًا بقرار مجلس الأمن رقم 1701 (2006)، وصولًا إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ظلّت الدولة اللبنانية هي الجهة الرسمية المخاطَبة بتنفيذ الالتزامات الدولية. غير أن الواقع الميداني يكشف أن الطرف العسكري الفعلي في المواجهة هو حزب الله، الذي يتعامل مع هذه القرارات بمنطق مزدوج: التنصّل من المسؤولية الرسمية، والاحتفاظ بحق فتح الحرب متى شاء.
1-القرارات الدولية ومسؤولية الدولة اللبنانية
-القرار 425 (1978): طالب إسرائيل بالانسحاب الفوري وغير المشروط من لبنان، وأكد على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
-القرار 1701 (2006): نصّ صراحة على مسؤولية الحكومة اللبنانية في منع وجود أي سلاح خارج إطار الدولة، ودعا إلى نزع سلاح الميليشيات.
-اتفاق وقف إطلاق النار (2024): أعاد التأكيد على مسؤولية الدولة اللبنانية في ضبط السلاح جنوب الليطاني، ونشر الجيش اللبناني بدعم دولي.
هذه النصوص القانونية تضع الدولة اللبنانية في موقع المسؤولية المباشرة، لكنها في الواقع تستهدف ضبط سلوك حزب الله باعتباره الطرف المسلح الفعلي.
2-سلوك حزب الله: كان يتنصّل باستمرار من مسؤوليته، ويرفض الاعتراف بأنه المعني بالقرارات، ويصرّ على أن الدولة وحدها مسؤولة عن التنفيذ. وكان احتكاره لقرار الحرب والسلم يفتح جولات جديدة من المواجهة مع إسرائيل، حتى بعد صدور قرارات دولية بوقف إطلاق النار. والدليل كان في رفض الاتفاق الأخير (بين لبنان وإسرائيل) في 26 حزيران 2026، الذي دعا إلى وقف الحرب، مؤكّدًا أنه غير ملزم بما تقرره واشنطن أو المجتمع الدولي.
إن رفض حزب الله المتكرر للقرارات الدولية والبيانات الصادرة عن القوى الكبرى، ومنها البيان الأميركي الأخير، يعكس أزمة بنيوية في لبنان: دولة رسمية تتحمّل المسؤولية القانونية، وحزب مسلح يفرض واقعًا ميدانيًا يناقض تلك الالتزامات. هذا السلوك يضع لبنان في موقع العاجز أمام المجتمع الدولي، ويجعل من كل محاولة لوقف الحرب أو تثبيت الاستقرار رهينة قرار حزب الله لا قرار الدولة.
3-حزب الله بين الدولة والقرار الدولي: معضلة المسؤولية والتنصّل: منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، مرورًا بقرار مجلس الأمن رقم 1701 (2006)، واتفاق وقف إطلاق النار الأخير في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وصولاً إلى اتفاق حزيران 2026، ظلّت الدولة اللبنانية هي الجهة الرسمية المخاطَبة بتنفيذ الالتزامات الدولية. غير أن الواقع الميداني يكشف أن الطرف العسكري الفعلي في المواجهة هو حزب الله، الذي يتعامل مع هذه القرارات بمنطق مزدوج: التنصّل من المسؤولية الرسمية، والاحتفاظ بحق فتح الحرب متى شاء.
ثالثاً: حزب الله وقرار الحرب: بين بيروت وطهران
منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، لم يُخفِ حزب الله ارتباطه العقائدي والسياسي بولاية الفقيه في إيران. هذا الارتباط تحوّل مع مرور الوقت إلى تبعية استراتيجية، جعلت الحزب يتصرّف في القضايا الكبرى وفق حسابات طهران، لا وفق مصالح الدولة اللبنانية. ومع كل قرار دولي أو بيان خارجي يدعو إلى وقف الحرب مع إسرائيل، يظهر التدخل الإيراني واضحًا، سواء بشكل مباشر أو عبر رفض الحزب الالتزام بما تقرره الدولة اللبنانية.
-الأدلة على التدخل الإيراني:
أ-في "الرسالة المفتوحة" عام 1985، أعلن الحزب صراحة التزامه بولاية الفقيه، ما يعني أن قراراته الاستراتيجية مرتبطة بالمرجعية الإيرانية.
بـ-وقد حمَّل القرار 1701 (2006) الدولة اللبنانية مسؤولية نزع سلاح الميليشيات وبسط سلطتها جنوب الليطاني. لكن التطبيق العملي أظهر أن الطرف المعني فعليًا هو حزب الله، الذي رفض الالتزام الكامل بالقرار، مستندًا إلى دعم إيراني سياسي وعسكري.
جـ-وكذلك مشاركة الحزب في الحرب السورية عام 2011 جاءت استجابة مباشرة لقرار استراتيجي إيراني، لا لمصلحة لبنانية داخلية. كذلك، تنسيقه مع الفصائل الفلسطينية يتم عبر قنوات إيرانية.
د-وعندما دعت واشنطن إلى وقف الحرب مع إسرائيل، في 26 حزيران من العام 2026، رفض الحزب مضمون البيان، مؤكّدًا أنه غير ملزم بما تقرره الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي، في انسجام مع الموقف الإيراني الرافض لأي تسوية لا تراعي مصالحها الإقليمية.
ولذلك يمكن وصف سلوك حزب الله بأنه امتداد مباشر للقرار الإيراني. فهو يتنصّل من مسؤولية الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، لكنه يلتزم عمليًا بأوامر الولي الفقيه. هذا السلوك يجعل من لبنان ساحة نفوذ إيرانية، ويحوّل القرارات الدولية إلى نصوص شكلية لا تجد طريقها إلى التطبيق. وهو انعكاس لتدخل إيراني سافر في القرار اللبناني. بهذا المعنى، لا يمكن فهم سلوك الحزب إلا في إطار "الدولة داخل الدولة"، حيث القرار الحقيقي يُتخذ في طهران، بينما بيروت تُترك لتواجه المجتمع الدولي بوجه مكشوف.
الخاتمة
إن رفض حزب الله المتكرر للقرارات الدولية والبيانات الأميركية، ومنها البيان الأخير لوقف الحرب، ليس مجرد موقف داخلي، بل هو انعكاس لتدخل إيراني سافر في القرار اللبناني. فالحزب يتنصّل من مسؤولية الدولة أمام المجتمع الدولي، لكنه يلتزم عمليًا بأوامر الولي الفقيه في طهران، ما يحوّل لبنان إلى ساحة نفوذ إيرانية ويضع الدولة في موقع العاجز. وهكذا، يبقى لبنان رهينة معادلة "الدولة داخل الدولة"، حيث القرار الحقيقي يُتخذ خارج بيروت، بينما المجتمع الدولي يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية لا تملك أدوات تنفيذها.