سياسات التقشف توسع دائرة الفقر في ألمانيا


رشيد غويلب
الحوار المتمدن - العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 00:02
المحور: الادارة و الاقتصاد     

ملك ألمانيا، وفقا للناتج الإجمالي المحلي، الاقتصاد الأول في أوروبا والثالث عالميا ، هذا ما أكده أيضا "تقرير الثروة العالمية 2026" الصادر في 27 أيار الفائت، الذي أكد زيادة في فاحشي الثراء بلغت 1100 (يمتلكون أكثر من 100 مليون) خلال عام واحد. لكن النظام الاقتصادي في البلاد يعاني من أزمة، لأن وجود 5 آلاف من الأوليغارشية، يتناقض مع تزايد الفقر بوتيرةٍ أسرع.

هذه الحقيقة أكدها التقرير السنوي للفقر الصادر أمس الأول الثلاثاء، عن "اتحاد جمعيات الرعاية الاجتماعية" في ألمانيا، الذي يضم 10 آلاف جمعية كبيرة وصغيرة. يشير التقرير إلى أن بلوغ الفقر في ألمانيا مستويات مقلقة جديدة. ففي عام 2025، ارتفع معدل الفقر بنسبة 0,6 في المائة ليصل إلى 16,1 في المئة، وهي أعلى نسبة منذ عام 2020. ويعاني 13,3 مليون من السكان، عدم كفاية دخلهم لمشاركة مناسبة في المجتمع.

يُعرَّف المتضررون من الفقر بأنهم الأشخاص الذين يقل دخلهم عن 60 في المائة من متوسط الدخل. وبالنسبة للأفراد الذين يعيشون بمفردهم، بلغ هذا الحد أخيرا 1446 يورو شهريًا. وبالتالي، يعكس هذا الرقم توزيع الثروة. يقول يواكيم روك، المدير التنفيذي للاتحاد: "نشهد مجتمعًا يتسع فيه التباعد الاجتماعي. إن النقاش المستمر حول المزيد من التخفيضات لا يؤدي إلا إلى تأجيج الخوف وانعدام الأمن، وهو ما يصب في مصلحة الشعبويين والمتطرفين".

يُعتبر الحرمان المادي والاجتماعي عمومًا المقياس المطلق للفقر. وهذا يعني أن الناس لا يستطيعون توفير أساسيات الحياة اليومية، كدفع الإيجار في موعده، أو أخذ إجازة لمدة أسبوع مرة في السنة، أو استبدال الأثاث البالي. في عام 2025، كان 10,7 في المئة من سكان ألمانيا يعيشون في حرمان مادي، و5,6 في المئة في حرمان شديد (يبلغ عدد السكان 83,3 مليون نسمة).

وفق التقرير، ما تزال فئتا العزاب (30,3 في المئة) والأسر التي يُعيلها أحد الزوجين (28,9 في المئة) الأكثر تضررًا من الفقر. فالأفراد العزاب عادةً ما يكونون من الشباب أو كبار السن ذوي الدخل المحدود أو المعدوم. ويتأثر الشباب (24,8 في المئة) وكبار السن بشكل غير متناسب، حيث يعيش واحد من كل خمسة أفراد تقريبًا ممن تبلغ أعمارهم 65 عامًا فما فوق في فقر. وتزداد هذه الفوارق وضوحًا في الفئات العمرية الأكبر سنًا. ويؤدي انخفاض الدخل المكتسب إلى انخفاض المعاشات التقاعدية.

سوق العمل لا يحل المشكلة
من المثير للاهتمام دراسة التركيبة الاجتماعية للفقراء، إذ يكشف التقرير أن الفقر يؤثر على فئات مختلفة من الناس في ظروف حياتية متنوعة. ويؤكد معدّو التقرير أن "التصنيف الأحادي الجانب، على سبيل المثال، اعتبار الفقر مشكلة تخص العاطلين عن العمل، أو الأسر التي يعيلها أحد الوالدين، أو ذوي المستويات التعليمية المتدنية، قاصر ولا يعكس الواقع". وبالتالي، فإن هذا يعني أن السياسات التي تنحصر في سوق العمل فقط لا تصل إلى جميع الفقراء..

بالإضافة إلى ذلك، تشمل إحصاءات المكتب الاتحادي للإحصاء الأشخاص الذين يعيشون في أسرهم الخاصة، ولا تشمل المشردين، أو المقيمين في دور الرعاية، أو السجون، أو المساكن الطلابية، أو أماكن السكن الجماعية.

تزايد الفقراء بين العاملين
تبلغ نسبة الفقر بين العاطلين عن العمل 65.5 في المائة. كما تتأثر فئات أخرى غير عاملة، كالأطفال، والذين في دورات التأهيل المهني ومن هم في إجازة أمومة او أبوة، بنسبة 33,9 في المئة. وتوجد علاقة وثيقة بين مستوى التعليم والفقر.

أما بين العاملين، فنسبة الفقر أقل بكثير. ويشير معدّو التقرير إلى أن "وجود قرابة 1,8 مليون يعيشون في فقر رغم عملهم بدوام كامل يُعدّ مؤشراً مقلقاً". وفي العام الفائت، خلص الاتحاد إلى أن الفقراء يزدادون فقراً، وفي الغالب يعود ذلك إلى عدم تعديل الدخول بشكل كافٍ لمواكبة التضخم.

وأكد رئيس كتلة حزب اليسار الألماني في البرلمان الاتحادي سورين بيلمان الثلاثاء: "لطالما شكّل الفقر تهديداً للعاملين أيضاً". فبالنسبة لعدد متزايد من الناس، لم تعد الأجور كافية لتغطية نفقات المعيشة.

التقشف يفاقم الفقر
لذا، يُعدّ الحد الأدنى للأجور، الذي يطالب به الاتحاد، والذي يتبناه حزب اليسارالالماني منذ بداية التسعينيات، والذي لا يقل حاليا عن 15 يورو في الساعة، الأداة الأولى للحدّ من الفقر. وهناك اليات أخرى مثل إعانات الأسر، والمعاشات التقاعدية، والإسكان، والرعاية طويلة الأجل. ولهذا يشدد التقرير على: "بدلاً من خفض إعانات الرعاية الاجتماعية، يجب استخدام إعادة توزيع الثروة المجتمعية القائمة على الضرائب لتوسيع نطاق الإعانات بطريقة مُوجّهة تهدف إلى القضاء على الفقر".