ترامب وبابا الفاتيكان.. خلافات جوهرية لاتخفيها الدبلوماسية


رشيد غويلب
الحوار المتمدن - العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 00:09
المحور: الارهاب, الحرب والسلام     

في السابع من أيار الحالي، زار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الفاتيكان. استقبل من قبل البابا واعقبت ذلك مناقشات مع الكاردينال بيترو بارولين، وزير خارجية الفاتكان، لغرض تقريب وجهات النظر بين البيت الأبيض والبابا ليو الرابع عشر. ووصفت جميع وسائل الإعلام الأمريكية هذه الزيارة بأنها "انفراج"، وهو مصطلح يصف بدقة حالة الجمود غير المسبوقة بين الإدارة الأمريكية والفاتيكان.

رد هادئ
لكن ترامب أشار إلى أنه غير مستعد لتهدئة الاجواء. فقبل 48 ساعة من زيارة روبيو للفاتيكان، هاجم الرئيس الأمريكي البابا مجدداً. وفي مقابلة مع إذاعة "سالم نيوز" المحافظة، اتهمه بـ "تعريض حياة الكثير من الكاثوليك والناس عموما للخطر" بمواقفه من الحرب مع إيران، مضيفاً أن البابا سيكون سعيداً للغاية لو امتلكت إيران سلاحاً نووياً.

هذه ليست المرة الاولى التي ينتقد فيها ترامب البابا، ولا الثانية: فقد كتب على موقعه "تروث" أن البابا "ضعيف فيما يتعلق بملفات الجريمة" و"فظيع في السياسة الخارجية"، وادعى بشكل غريب أنه السبب في انتخابه: "لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان".

رد البابا ليو الرابع عشر بهدوء، قائلاً إنه لا يخشى حكومة ترامب وسيواصل معارضته للحرب. وأكد أن رسالة الكنيسة هي التبشير بالإنجيل ونشر السلام. وقبل استقباله لماركو، كان البابا قد ندد مرارًا بالحرب على إيران ودعا إلى وقف إطلاق النار والحوار. وجدد رفضه للأسلحة النووية. وقال: "رسالة الكنيسة هي التبشير الإنجيل، والسلام. فإن أراد أحد أن ينتقدني على ذلك، فليفعل ذلك مستندا إلى الحقيقة".

خلافات مستمرة وتوتر أخف
بعد محادثات روبيو مع البابا ليو والكاردينال بيترو بارولين، وصف الفاتيكان الاجتماع بأنه "ودي وبنّاء"، وتحدثت مصادر أمريكية عن "علاقات متينة" و"التزام مشترك بالسلام". إلا أن هذه النبرة التصالحية لا تمحو الخلافات الجوهرية، على الرغم من أن أهم ما تضمنه بيان الفاتيكان: "ضرورة العمل الدؤوب في سبيل السلام".

خلف لغة الدبلوماسية المتحفظة، يمكن استشفاف رسالة سياسية واضحة: فقد كان لقاء وزير الخارجية الأمريكي مع البابا بمثابة احتواء للتوترات المتزايدة ومنع الخلافات من التصاعد علنًا وتحويل النزاع إلى صراع مفتوح.

ثلاثة تعينات
في هذه الاثناء، قام البابا ليو الرابع عشر - في توقيت لا يبدو مصادفةً - بتعيين ثلاثة أساقفة في الولايات المتحدة، وهي تعيينات تبدو وكأنها نتاج ورشة عمل حول مقاومة حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً". والقاسم المشترك بين هؤلاء الأساقفة الثلاثة الجدد هو انتقادهم العلني لإدارة ترامب ومؤيديها.

يُعدّ إيفيليو مينجيفار-أيالا، البالغ من العمر 55 عامًا، من السلفادور، الأكثر رمزيةً بينهم، إذ عُيّن أسقفًا جديدًا لمدينة ويلينغ-تشارلستون في ولاية فرجينيا الغربية، معقل الجمهوريين. تُمثل قصته الشخصية ردًا قويًا على خطاب ترامب المعادي للمهاجرين: وصل إلى الولايات المتحدة وهو صبي عام 1990، مختبئًا في صندوق سيارة، بعد محاولتين فاشلتين، واحتجاز قصير في المكسيك، ورحلة شاقة عبر الصحراء. قبل أن يُؤدي نذوره الكهنوتية، تعلّم الإنكليزية في الشوارع، وعمل كمستخدم في عمارات سكنية، وبنّاء. في العام الفائت، كتب مقالًا افتتاحيًا في صحيفة "ناشونال كاثوليك ريبورتر" وصف فيه سياسة إدارة ترامب للهجرة بأنها حملة "صدمة وترويع" تتألف من "عمليات عدوانية مشكوك في شرعيتها تتجاوز بكثير مجرد تطبيق قوانين الهجرة".

في الأول من ايار، عيّن البابا روبرت بوكسي الثالث أسقفًا مساعدًا لواشنطن. وهو أصغر أسقف في الولايات المتحدة وأول أمريكي من أصل أفريقي يشغل هذا المنصب منذ عقد. وبصفته قسيسًا كاثوليكيًا في جامعة هارفارد، الجامعة التي استهدفها ترامب منذ اليوم الأول لولايته الثانية، فقد أدان علنًا الهجمات على برامج التنوع والعدالة والمشاركة المتساوية.

ووصف غاري ستودنيفسكي، الثالث في قائمة التعينات، اقتحام مبنى الكابيتول من قبل أنصار ترامب، بعد خسارته الانتخابات، في السادس من كانون الثاني 2021 بأنه "مقلق للغاية ومؤلم للغاية".

ثلاثة تعيينات، وثلاث سير ذاتية، وثلاثة مناصب عامة ترسم صورة دقيقة لرؤية كنيسة البابا ليو الرابع عشر لعلاقتها بالبيت الأبيض في عهد ترامب. لم يُؤتِ هجوم ترامب على البابا ثماره المرجوة: فبدلاً من أن يُقسّم الكنيسة، وحّد التقدميين والمحافظين حول البابا، الذي يتمتع الآن بشعبية أكبر بين الكاثوليك الأمريكيين من ترامب نفسه.